Indexed OCR Text
Pages 181-200
دلالة بينة على أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، ولم يسمع منه شيئاً. فأما والأمر مبهم على الأمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبداً، حتى تكون الدلالة التي بينا)»(١) فهذه الأدلة والبينات التي يستدل بها النقاد على عدم سماع المتعاصرين هي من الدلائل والبينات التي يعتبرها الإمام مسلم أيضاً، والمطلوب ممن ينصب الخلاف بين مسلم وغيره من أئمة النقد أن يأتي بأسانيد حكم عليها هؤلاء الأئمة بالانقطاع وعدم السماع، لوجود البينات والدلائل، وحكم عليها مسلم بالاتصال لمجرد المعاصرة، ثم نقل الحافظ ابن رجب اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع عن عروة مع إدراكه له وجعله حجة في حكاية الإجماع على خلاف قول مسلم(٢). وهذا غريب جداً من الحافظ ابن رجب لأن مسلماً - رحمه الله - لم يدّع أن كل من أدرك راوياً صحّ سماعه منه، بل قال: إذا كانا متعاصرين. وجائز ممكن لقاؤهما، وكان الراوي ثقة غير مدلس وقال: ((عن)) حمل على السماع، ما لم تقم الحجة والبينة على أنه لم يسمع. ثم قال: ((ويلزمه الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي ◌َ﴾ وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئاً، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي ◌َّ مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث))(٣). وهذا الإلزام لا يلزم مسلماً منه شيء البتة، فأين القيد والاستثناء الذي ذكره مسلم ((إلا أن تكون هناك دلالة بينة على أن هذا الراوي لم يلقَ من: روى عنه، ولم يسمع منه شيئاً)) وهذا قيد دقيق نفى فيه المرسل الخفي وهو يفيد نفي المرسل الجلي بالأولى. ثم قال ابن رجب - رحمه الله -: ((ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة، (١) مقدمة صحيح مسلم ص ١٣٠ بشرح النووي - ط دار الفكر. (٢) المصدر نفسه ص٢١٦. (٣) شرح العلل ص٢٢٠. ١٨٢ ويحيى، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له السماع منه، ولا يقول أحد قط: لم يعاصره)) (١) وهذا أمر واضح لا إشكال فيه لأن العلة هي سبب غامض يدل على الوهم، ومعرفة السماع من عدمه أمر غامض خاصة بين المتعاصرين، أما المعاصرة فإدراكها واضح ليس فيه غموض وهذا من خلال معرفة المواليد والوفيات، ولهذا كثر تعليل الأحاديث من طرف النقاد بعدم السماع لخفائه و غموضه . هذا أهم ما ورد في كلام الحافظ ابن رجب في الرد على مسلم. وممن يرى أن مسلماً يخالف البخاري وابن المديني في الحكم على السند المعنعن، الإمام الذهبي فقد قال في ترجمة مسلم: ((قال أبو بكر الخطيب: كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه. قلت (الذهبي) ثم إن مسلماً لحدة في خلقه، انحرف أيضاً عن البخاري، ولم يذكر له حديثاً ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة ((عن)) وادعى الإجماع على أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبدالله البخاري وشيخه علي بن المدیني)»(٢). وكلام الإمام الذهبي عليه ملاحظات: الأولى: ما ذكره من انحراف مسلم عن البخاري أمر غريب لم يذكره من ترجم للبخاري ولا لمسلم، بل لا يعرف عنه إلا الوفاء لشيخه والمناضلة عنه . (١) المصدر نفسه ص٢٢١. (٢) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص ٥٧٣. ١٨٣ الثانية: ما استند إليه الذهبي لإثبات انحراف مسلم عن البخاري من كونه لم يرو له حديثاً، ولا سماه في صحيحه، أمر غريب جداً من مثل الحافظ الذهبي وهو من الحفاظ المتأخرين الذين يهتمون بالعلو ويعنون بذلك ولا سيما في كتب التراجم والسير والتاريخ. فإذا كان المتأخرون عن عصر الرواية يطلبون العلو، ويفتخرون به في مصنفاتهم في التراجم والسير، أفلا يكون الأئمة الذين يصنفون في الحديث. أولى وأحرى بذلك؟! ولذلك يتحملون الرواية عن الضعفاء من أجل العلو، وخاصة أن الإمام مسلماً قد شارك البخاري في أغلب شيوخه. وهذا الإمام الترمذي - رحمه الله - مع شدة حبه للإمام البخاري واعترافه بعلمه وفضله وتقدمه في هذا الشأن، والإكثار من سؤاله عن العلل والرجال في كتابيه ((الجامع)) و((العلل)) مع ذلك لم يرو عنه في جامعه سوى حديثين، وروى عن مسلم حديثاً واحداً، فهل يقال إن الترمذي قد انحرف عن البخاري أيضاً لأنه لم يكثر عنه؟! والشافعي من أجلّ شيوخ أحمد ومع ذلك لم يرو عنه في مسنده، طلباً للعلو، في أمثلة كثيرة. وقول الذهبي ((ولا سماه في صحيحه)) لا يفيد هذا أنه انحرف عنه، لأن الإمام مسلماً لم يسم في كتابه كل العلماء الذين أخذ عنهم، ولا صرح بذكر العلل كما فعل الترمذي، حتى ينقل عن شيخه إمام هذه الصنعة بلا منازع، ولا ذكر غير ذلك مما يتعلق بعلوم الرجال كالجرح والتعديل، والأسماء والكنى، فلم يحتج إلى النقل عن البخاري ومن هنا لم يسمه الثالثة: إن الذي أوقع الذهبي في هذا هو اعتقاده أن المقصود بالرد والتوبيخ من قبل مسلم هو البخاري وشيخه ابن المديني، وهذا أمر لم تقم: عليه أدلة قوية لا من جهة أن البخاري يتبنى هذا الرأي، ولا من جهة أن مسلماً يقصد بذلك البخاري وابن المديني بل هو مجرد ظن وتخمين. قال: الأمير الصنعاني - رحمه الله -: ((واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم فوجدناه تكلم. في الرواية بالعنعنة وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه، ١٨٤ وأطال مسلم في رد كلامه، والتهجين عليه، ولم يصرح أنه البخاري، وإنما اتفق الناظرون أنه أراده ورد مقالته))(١). هكذا ذهب كثير من العلماء والحفاظ إلى أن المراد بالرد هو البخاري وابن المديني، وذهب البعض الآخر إلى أن المراد بالرد هو ابن المديني وليس البخاري، ومن هؤلاء: ١ - الحافظ ابن كثير قال : ((قيل إنه البخاري: والظاهر أنه يريد علي ابن المديني، فإنه شرط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشرطه في أصل الصحة ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح)»(٢). ٢ - الإمام شيخ الإسلام البلقيني قال في ((محاسن الاصطلاح)): ((قيل: يريد مسلم بذلك البخاري، إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في جامعه ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة))(٣). ٣ - الحافظ البقاعي قال : (سئل شيخنا عن الذي بحث مسلم معه: من هو؟ فقال: علي بن المديني)»(٤) ونقل البقاعي في نفس الكتاب في مبحث المعنعن كلام الحافظ ابن كثير بتمامه معزواً إليه وأقره. ٤ - العلامة محمد بن قاسم الغزي قال في ((حاشيته على شرح الألفية (١) توضيح الأفكار: ج١ ص ٤٤. (٢) الحافظ ابن كثير: اختصار علوم الحديث - تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر - دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ - ١٩٨٣، ص٤٩. (٣) سراج الدين البلقيني: محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح: تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن - مطبعة دار الكتب القاهرة - ١٩٧٤م، ص١٥٨. (٤) من كتاب ((النكت الوفية على شرح الألفية)) والكتاب ما يزال مخطوطاً وما نقلته فبواسطة عبدالفتاح أبي غدة في تتماته على الموقطة ص١٣٦. ١٨٥ للعراقي))(١): ((هو علي ابن المديني، وقيل البخاري ولم يسم في صحيح مسلم)". فهؤلاء الحفاظ المتأخرون قد ذهبوا إلى أن المعنى بالرد هو ابن: المديني وليس البخاري، وقد ذهب إلى هذا الشيخ عبدالفتاح أبو غدة من المعاصرين، وقدم دليلاً تاريخياً على عدم صحة أن يكون البخاري هو المعني بالرد في كلام مسلم - رحمه الله - ألخصه فيما يلي: ((الإمام مسلم ولد سنة (٢٠٤هـ) والأرجح سنة (٢٠٦هـ)، وسمع الحديث سنة (٢١٨هـ) وتوفي سنة (٢٦١هـ) عن (٥٥) سنة. بقي الإمام مسلم في تأليف كتابه (١٥) سنة وقد فرغ من تأليفه سنة (٢٥٠هـ) فيكون مسلم قد بدأ في تأليفه سنة (٢٣٥هـ) حين كانت سنه ٢٩ سنة، وانتهى منه حين كانت سنة ٤٤ سنة وقد عاش بعد الفراغ من تأليفه ١١ سنة، ولا شك أن مسلماً قد كتب مقدمة صحيحة قبل الشروع في تأليفه لا بعده، كما هو صريح قوله في مقدمته. والإمام مسلم لما صاحب البخاري في نيسابور، وأدام الاختلاف إليه، ولازمه كل الملازمة، خمس سنوات من سنة ٢٥٠ إلى سنة ٢٥٥، وكان في هذه المدة منتهياً من تأليف كتابه الصحيح، وفيه مقدمته التي فيها الكلام. الشديد، فلا يعقل أن يكون البخاري هو المعني بهذه اللهجة الشديدة التي لا تطاق معها مقابلة ولا لقاء، فضلًا عن الصحبة والملازمة خمس سنوات، : بل إن مسلماً قد قاطع شيخه وبلديه: محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري من أجل البخاري لما ورد نيسابور، ووقف منه محمد بن يحيى الذهلي ذلك الموقف المعروف، فهل يقبل ممن يناصر البخاري هذه المناصرة ويقول له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، ودعني أقبل رجلك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله: أن يصفه بتلك الصفات النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة ويتصاحبا مع (١) الكتاب ما يزال مخطوطاً، ونقلته بواسطة نفس المرجع. ١٨٦ ذلك دهراً طويلًا))(١). ثم إن العلماء الذين قالوا بأن شرط البخاري هو ثبوت اللقاء مع المعاصرة حتى يحكم للسند المعنعن بالاتصال، اختلفوا هل ذلك شرط في الصحة مطلقاً عند البخاري أم هو شرط في الأصحبة عمل به في جامعه فقط. وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى أن ذلك شرط في أصل الصحة حيث قال: ((ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في ((جامعه)) لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في ((تاريخه)) بمجرد ذلك))(٢). لو كان البخاري يشترط ذلك في الأصَحِّية فقط لما كان هناك نزاع بينه وبين مخالفه لأنه من المسلم به أن اللقاء أحوط وأوثق في ثبوت الاتصال من مجرد المعاصرة. وأما إذا كان البخاري يشترط ذلك في أصل الصحة فيلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في صحيحه من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة من قسم الضعيف عند البخاري ومن مشى على قوله بعده، وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم صحيح مع معرفتهم بشرط في العنعنة. وقد استشعر الإمام النووي - رحمه الله - هذا الإشكال والتناقض فقال. - رحمه الله -: ((والبخاري لا يحمله على الاتصال (أي السند المعنعن) حتى يثبت اجتماعهما وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في «صحيحه)) بهذا المذهب لكونه يجمع طرقاً كثيرة يتعذر معها وجود الحكم الذي جوّزه، والله أعلم))(٣). (١) التمات على الموقظة ص. (٢) النكتب ص ٢٣٠، وانظر: التنكيل ص٢٦٩ - ٢٧٠. (٣) شرح النووي على مسلم: ج١ ص١٤. ١٨٧ وقد ردّ العلامة المعلمي كلام النووي بقوله: ((وزعم النووي في ((شرح صحيح مسلم)) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في (صحيحه)) بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام: أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم؛ ثم أخرج منها في أثناء صحيحه تسعة عشر حديثاً. كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في ((صحيح البخاري)) كما ذكره النووي أيضاً)(١). ومعنى هذا أنه يوجد في ((الصحيحين)) أحاديث معنعنة لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وهذه الأحاديث لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا وفق ما قرره مسلم - رحمه الله - وقد سأل التقي السبكي المزي - حافظ الدنيا - هل وجد لكل ما روياه بالعنعنة طرق مصرح فيها بالتحديث؟ فقال: كثير من ذلك لم يوجد وما يسعنا إلا تحسين الظن (٢) مما سبق يتبين أنه ليس هناك أدلة قاطعة تثبت أن المعني بالرد في كلام مسلم هو البخاري أو شيخه ابن المديني، وعليه لا نستطيع أن ننصب خلافاً بين مسلم وسائر الأئمة وعلى رأسهم شيخه الإمام البخاري، ولا أستبعد أن يكون مذهب البخاري وابن المديني في هذه المسألة هو مذهب الإمام مسلم، لأن مسلماً حكى في ذلك الإجماع، وأي إجماع يضح وينعقد والمخالف مثل ابن المديني والبخاري، ويكون المعني بالرد. في كلام مسلم بعض المتنظعين من منتحلي الحديث في عصره، والله أعلم. (١) التنكيل ص٢٦٩. (٢) تدريب الراوي: ج١ ص ٥٩. ١٨٨ المطلب الرابع نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري إن الإمام البخاري قد اشترط في كتابه اتصال السند في الأحاديث التي يخرجها في جامعه لذا سماه ((الجامع الصحيح المسند))، وعلى الرغم من ذلك هناك أحاديث انتقدها بعض الأئمة، وقالوا بأن هذا الشرط لم يتحقق فيها، وسأذكر في هذا المطلب نماذج من أحاديث من صحيح البخاري أعلها الإمام الحافظ الدارقطني بالانقطاع والإرسال. فمن هذه الأحاديث التي عدها الحافظ الدارقطني مرسلة : ١ - حديث مصعب بن سعد (١): قال: قال: رأى سعد أن له فضلًا، فقال النبي ◌َل: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) (٢). قال الدارقطني: ((وهذا مرسل))(٣). فهذا الحديث ظاهر سياقه أنه مرسل لأن مصعباً لم يدرك زمن النبي ◌َ ل ولكن صحّ أنه سمعه من أبيه، وقد أورد الحافظ في الفتح ما يدل على أن مصعباً أخذ هذا الحديث عن أبيه، وهذه الطرق هي (٤): ١ - ما رواه الإسماعيلي من طريق معاذ بن هانىء حدثنا محمد بن طلحة فقال فيه ابن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله وَ* فذكر المرفوع دون ما في أوله. (١) هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، من الثالثة، أرسل عن عكرمة بن أبي جهل. مات سنة ثلاث ومائة روى له الجماعة (التقريب ص ٥٣٣). (٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب رقم (٢٨٩٦) ج٦ ص١٠٤ (مع الفتح). (٣) التتبع ص١٩٤. (٤) المصدر السابق. ١٨٩ ٢ - ما أخرجه أو نعيم في الحلية من رواية عبدالسلام بن حرب عن أبي خالد الدالاتي عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعاً مختصراً ولفظه ((ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين)) (١). فهذه الطرق تدل على أن الحديث مسند، وإن كانت صورته في صحيح البخاري صورة المرسل. وهناك أحاديث أخرى على هذا النمط في صحيح البخاري قال الحافظ: ((وقد اعتمد البخاري كثيراً من أمثال هذا السياق فأخرجه على أنه موصول، إذا كان الراوي معروفاً بالرواية عمن ذكره، وقد ترك الدارقطني أحاديث في الكتاب من هذا الجنس لم يتتبعها)) (٢). ٢ - أحاديث الحسن عن أبي بكرة: أخرج البخاري بهذه الترجمة أربعة أحاديث اعتبرها الدارقطني مرسلة ولم يصحح سماع الحسن من أبي بكرة، بينما البخاري يرى صحة سماعه، ومن هنا فهي متصلة عند الإمام البخاري لذا أوردها في صحيحه. وسأذكر انتقاد الدارقطني ثم أعقبه بأقوال الأئمة الحفاظ في تحقيق سماع الحسن من أبي بكرة. قال الدارقطني - رحمه الله -: ((وأخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة، منها: الكسوف، ومنها زادك الله حرصاً ولا تعد، ومنها لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، ومنها إن ابني هذا سيد، والحسن لا يروي إلا عن الأحتف عن أبي بكرة))(٣). وقد وضح الحافظ ابن حجر هذا الانتقال فقال: ((فالدارقطني - (١) حلية الأولياء: ج٥ ص ١٠٠. (٢) هدي الساري ص٣٨١. (٣) التتبع ص ٢٢٢. ١٩٠ رحمه الله - يرى عدم صحة سماع الحسن(١) من أبي بكرة (٢) لكن الإمام البخاري يرى صحة ذلك، وقد اعتمد في تصحيح سماع الحسن من أبي بكرة على رواية أبي موسى عن الحسن أنه سمع أبا بكرة، وقد أخرجه مطولًا في كتاب الصلح، وقال في آخره: قال لي علي بن عبدالله إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث))(٣). وقال الحافظ في شرح هذا الحديث: ((وإنما قال ابن المديني ذلك لأن الحسن كان يرسل كثيراً عمن لم يلقهم بصيغة عن فخشي أن روايته عن أبي بكرة مرسلة، فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده أنه سمعه منه)) (٤). ثم نقل كلام الدارقطني في كتابه التتبع وعقبه بقوله: ((وهذا يقتضي عنده أنه لم يسمع من أبي بكرة، لكن لم أرَ من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المديني، وأبي حاتم، وأحمد والبزار، وغيرهم، نعم كلام ابن المديني يشعر بأنهم كانوا يحملونه على الإرسال حتى وقع هذا (٥) التصريح)» (٥). فكلام الحافظ يفيد أن الأئمة لم ينفوا سماع الحسن من أبي بكرة وأن الدارقطني انفرد بهذا، وفيما يلي تفصيل القول في سماع الحسن من أبي بكرة وموقف أئمة النقد من ذلك. (١) الحسن بن أبي الحسن البصري، تابعي، فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيراً ويدلس. مات سنة ١١٠ وقد قارب التسعين. ترجمته في التقريب ص ١٦٠، والشذرات: ج١ ص١٣٩، وحلية الأولياء: ج٢ ص ١٣١ - ١٦٠. (٢) هو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي، صحابي، مشهور بكنيته، أسلم بالطائف ثم نزل البصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنين وخمسين، ترجمته في: التقريب ص ٥٦٥. (٣) هدي الساري ص٣٨٦. (٤) الفتح: ج١٣ ص٧١. (٥) المصدر نفسه ص٧١. ١٩١ تحقيق القول في سماع الحسن من أبي بكرة: لم يتعرض الإمام البخاري في ترجمة الحسن في تاريخه الكبير لسماعه من أبي بكرة. أما الإمام ابن أبي حاتم الرازي فقد ترجم له بترجمة متوسطة وتعرض : لسماعه من كثير من الصحابة نفياً وإثباتاً وإليك نص كلامه: ((حدثنا عبدالرحمن، نا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: سمع الحسن من ابن عمر، وأنس بن مالك، وابن مغفل، وسمع من عمر بن تغلب أحاديث . قال أبو محمد فذكرت قول أحمد لأبي - رحمه الله - فقال: قد سمع من هؤلاء الأربعة، ويصح له السماع من أبي برزة، ومن أحمر صاحب النبي ◌َّله ومن غيرهم، ولم يصح له السماع من جندب، ولا من معقل بن يسار، ولا من عمران بن حصين، ولا من ابن عمر، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي ثعلبة ، ولا من أبي بكرة، ولا من أبي هريرة)»(١). واضح أن الإمام ابن أبي حاتم لم يقصد استيعاب جميع من صح للحسن سماعه منه، لذا قال بعد أن عدّد جملة منهم: ((وغيرهم)). ثم نفى سماعه من بعض الصحابة، ولم ينفِ سماعه من أبي بكرة، فهذا النص محتمل في تصحيح سماع الحسن من أبي بكرة، ويزيده وضوحاً هذا النص الصريح قال ابن أبي حاتم - رحمه الله -: ((حدثنا محمد بن سعيد بن بلخ قال: سمعت عبدالرحمن بن الحكم يقول: سمعت جريراً يقول: سألت بهزاً (٢) عن الحسن، من لقي من أصحاب رسول الله؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثاً، وسمع من عمران بن حصين شيئاً، وسمع من أبي بكرة شيئاً))(٣). (١) الجرح والتعديل: ج٣ ترجمة ١٧٧. (٢) هو بهز بن أسد العمي تقدمت ترجمته. (٣) ابن أبي حاتم المراسيل: دار الكتب العلمية - بيروت ص٤٤. ١٩٢ وقال الإمام علي ابن المديني في علله: (سمع الحسن البصري من عثمان بن عفان - وهو غلام - يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص، ومن أبي بكرة))(١). وقد عد الحافظ المزي من روى عنهم الحسن فذكر أبا بكرة نفيع بن الحارث الثقفي (٢). وقال الحافظ الذهبي في ترجمة الحسن من كتابه سير أعلام النبلاء: ((وقد روى بالإرسال عن طائفة، كعلي، وأم سلمة، ولم يسمع منها، ولا من أبي موسى، ولا من ابن سريع، ولا من عبدالله بن عمرو، ولا من عمر بن تغلب، ولا من عمران، ولا من أبي برزة، ولا من أسامة بن زيد، ولا من ابن عباس، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من أبي سعيد قاله يحيى بن معين)) (٣). وقال الإمام يحيى بن معين في تاريخه: (لم يسمع الحسن من أبي بكرة، قيل له: فإن مبارك بن فضالة يقول: عن الحسن قال حدثنا أبو بكرة، قال ليس بشيء))(٤). وقال الذهبي أيضاً في تاريخ الإسلام في ترجمة الحسن: ((قال علي بن المديني: لم يسمع الحسن من أبي موسى الأشعري، ولا من عمر بن تغلب ولا من الأسود بن سريع، ولا من عمران، ولا من أبي بكرة))(٥) . (١) العلل ومعرفة الرجال. تحقيق د.عبدالمعطي أمين قلعجي. دار الوعي. حلب. ط الأولى ص ٦٠. (٢) تهذيب الكمال: ج٦ ص٩٩. (٣) سير أعلام النبلاء: ج٤ ص٥٦٦. (٤) تاريخ يحيى ابن معين - رواية الدوري عنه - تحقيق أحمد نور السيف، ج٤ ص ٣٢٢. (٥) تاريخ الإسلام: تحقيق د.عمر عبدالسلام تدمري - دار الكتاب العربي - ط سنة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م - ج٧ ص٤٨. ١٩٣ فهذا النص الذي أورده الذهبي مخالف لما نقلته آنفاً من علل ابن المديني، والظاهر أن النص الأول المنقول من العلل هو الصحيح لأنه يوافق ما حكاه البخاري في صحيحه عن ابن المديني، ويبدو أن الإمام الذهبي: كتب هذا من حفظه فوهم في نفي سماع الحسن من أبي بكرة، ويرجح هذا الاحتمال أننا لا نجد هذا النص بهذا الاختصار في علل ابن المديني بل نجده فرق الكلام على سماع الحسن في صفحات من العلل(١) والإمام الذهبي قد ذكرها هنا مختصرة، ولم يسق كل من قال عنه ابن المديني أن: الحسن لم يسمع منه . أما بالنسبة للإمام يحيى بن معين، فنعم لم يصح عنده سماع الحسن من أبي بكرة، وذلك لأن الطريق التي ورد منها التصريح بالسماع طريق ضعيفة، وسبب ضعفها كما أشار إليه ابن معين هو مبارك بن فضالة. فمبارك هذا قال فيه الحافظ - رحمه الله -: ((فمبارك بن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف المعجمة، أبو فضالة. البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة، مات سنة ست وستين،. على الصحيح/ خت، د، ت، ق)(٢) .. · «قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: كان مبارك بن فضالة يرفع حديثاً كثيراً، ويقول في غير حديث عن الحسن. قال حدثنا عمران قال حدثنا ابن. مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك، غيره)) (٣).". فمبارك هذا يخالف أصحابه في أحاديث الحسن، ويذكر للحسن. سماعاً لم يصح. ومن ثم لم يعتمد ابن معين - رحمه الله - على إثبات: سماع الحسن من أبي بكرة برواية مبارك بن فضالة. أما الإمام البخاري فإنه أثبت سماع الحسن من أبي بكرة برواية (١) انظر العلل ومعرفة الرجال ص٦٠ - ٧٤. (٢) التقريب ص٥١٩. (٣) تهذيب الكمال: ج٢٨ ص١٨٤، والجرح والتعديل: ج٨ ت١٥٥٧. ١٩٤ إسرائيل أبي موسى البصري، وهو ثقة كما قال الحافظ. قال الإمام البخاري: ((حدثنا صدقة حدثنا ابن عيينة حدثنا أبو موسى، عن الحسن سمع أبا بكرة سمعت النبي والقر على المنبر، والحسن ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: ((ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين)) (١). واستشهد أيضاً برواية مبارك بن فضالة (فقد أخرج البخاري حديث الكسوف من طرق عن الحسن، علق بعضها، ومن جملة ما علقه فيه رواية موسى بن إسماعيل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة. فهذا معتمده في إخراج حديث الحسن، ورده على من نفى أنه سمع من أبي بكرة باعتماده على إثبات من أثبته)(٢). فلما صح سماع الحسن من أبي بكرة عند الإمام البخاري أخرج له في صحيحه، ولم ينفرد الإمام البخاري بإخراج حديث الحسن عن أبي بكرة بل قد أخرج له كثير من الأئمة. وإليك الأحاديث التي رواها الحسن عن أبي بكرة مع ذكر من أخرجها من الأئمة (٣) : ١ - حديث ((رأيت النبي وَالر، والحسن إلى جنبه يقول إن ابني هذا سيد» رواه البخاري في كتاب الصلح، حديث رقم (٢٧٠٤)، وفي كتاب المناقب، حديث رقم (٣٦٢٩)، وفي كتاب فضائل الصحابة حديث رقم (٣٧٤٦)، وفي كتاب الفتن حديث رقم (٧١٠٩). والترمذي في سننه، في كتاب المناقب حديث رقم (١٠٢) وقال حسن صحیح. (١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين - رضي الله عنهما - رقم (٣٧٤٦) ج٧ ص١١٨. (٢) هدي الساري ص٣٧٢. (٣) انظر تحفة الأشراف للمزي - تحقيق عبدالصمد شرف الدين - مطبعة المكتب الإسلامي - الدار القيمة. الطبعة الثانية ١٣٠٣هـ، ١٩٧٣م - ج٩ ص٣٨ - ٤٢. ١٩٥ والنسائي في السنن الكبرى في كتاب المناقب. ٢ - حديث أنه انتهى إلى النبي ◌َلل وهو راكع فركع دون الصف. أخرجه البخاري في كتاب الأذان حديث رقم (٧٨٣)، وأبو داود في: كتاب الصلاة، والنسائي في الصلاة أيضاً. قال الحافظ: ((وقد أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، ورد هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة. عن الأعلم قال: ((حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه)) أخرجه أبو داود (١) والنسائي(١) . ٣ - حديث نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله بقطر: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)» رواه البخاري في كتاب المغازي حديث رقم (٤٤٢٥)، وفي كتاب: الفتن حديث رقم (٧٠٩٩) والترمذي في الفتن أيضاً (٧٥) وقال: صحيح، والنسائي في القضاة باب (٨). ٤ - حديث ((كنا مع النبي ◌ّ فانكسفت الشمس فخرج یجر رداءه فصلی بهم ركعتين)). رواه البخاري في كتاب الكسوف حديث رقم (١٠٤٠)، وفي كتاب اللباس باب (٢) حديث (٢). ورواه النسائي في كتاب الصلاة باب (٦٢٣) حديث (٧). فهذه أحاديث الحسن عن أبي بكرة عند البخاري، وقد شاركه في: تخريجها من ذكرت من الأئمة، وله أحاديث أخرى عن أبي بكرة أيضاً لم يخرجها البخاري وخرجها غيره من الأئمة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبان(٢). (١) فتح الباري: ج٢ ص٢١٣. (٢) انظر تحفة الأشراف: ج٩ ص٣٨ - ٤٢. ١٩٦ وخلاصة القول: إن سماع الحسن من أبي بكرة مختلف فيه بين مثبت وناف . فالمثبتون لسماعه كثير من الأئمة: كابن المديني، والبخاري، والترمذي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأحمد، وأبو داود، والبيهقي فكل هؤلاء يصححون حديثه عن أبي بكرة. وقد نفى سماعه بعض الأئمة كالدارقطني - رحمه الله - وابن المديني فيما نقله الذهبي - إن صح النقل - ويحيى بن معين، لضعف الطريق التي ورد فيها السماع عنده. والصواب صحة سماع الحسن من أبي بكرة وقد بينت - بحمد الله وتوفيقه - أن البخاري لم ينفرد بإثبات سماعه ولا بتصحيح حديثه، فقد أثبت سماعه جمع من الأئمة النقاد، وصحح حديثه كثير من الأئمة في كتبهم، ولا يفوتني أن أنبه على أن الحسن يروي عن أبي بكرة مباشرة من غير واسطة كما تقدم، ويروي عنه أيضاً بواسطة الأحنف بن قيس، وقد أخرج البخاري أيضاً حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة(١). حديث عبدالله بن الزبير قال: قال النبي وَلجر: ((من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة». فهذا الحديث أورده البخاري في صحيحه (٢)، وقد انتقده الدارقطني بما يفيد أنه مرسل، حيث قال - رحمه الله - وأخرج البخاري عن سليمان بن حرب عن حماد بن ثابت عن ابن الزبير قال: قال النبي ◌ُّر: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)». (١) كتاب الفتن، باب إذا التقى مسلمان بسيفهما، حديث رقم (٧٠٨٣) ج١٣ ص ٣٥ (مع الفتح). (٢) رواه البخاري في كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه حديث رقم (٥٨٣٣)، وعقبه بروايتي: أبي ذبيان خليفة بن كعب، وأم عمرو بنت عبدالله بن الزبير، وفيهما يقول ابن الزبير: سمعت عمر يقول قال النبي ◌َله: ((من لبس الحرير)) رقم (٥٨٣٤) ج١٠ ص٢٩٦ (مع الفتح). ١٩٧ قلت: لم يسمعه ابن الزبير من النبي 38، إنما سمع من عمر، قاله أبو ذبيان(١) وأم عمرو (٢)( عنه)(٣). قال الحافظ - بعد ذكره كلام الدارقطني -: «هذا تعقب ضعيف، فإن ابن الزبير صحابي، فهبه أرسل فكان ماذا؟ وكم في الصحيح مرسل صحابي، وقد اتفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك إلا من شذ ممن تأخر عصره عنهم فلا يعتد بخلافه)»(٤). : وقال الحافظ أيضاً في شرحه لهذا الحديث: ((هذا من مرسل ابن الزبير، ومراسيل الصحابة محتج بها عند جمهور من لا يحتج بالمراسيل، لأنهم إما أن يكون عند الواحد منهم عن النبي ◌َّ، أو عن صحابي آخر، واحتمال كونها عن تابعي لوجود رواية بعضا لصحابة عن بعض التابعين نادر، لكن تبين من الروايتين بعد هذا أن ابن الزبير إنما حمله عن النبي ول #. بواسطة عمر)) (٥). فالحديث إذن مسند، ولا وجه لإعلاله بالإرسال. فهذه نماذج من أحاديث في صحيح البخاري يرى الإمام الدارقطني بأنها مرسلة أو منقطعة، وقد بينت أن البخاري - رحمه الله - يرى بأنها مسندة لذا أوردها في صحيحه. (١) هو خليفة بن كعب التميمي، البصري، ثقة من الرابعة، روى له البخاري ومسلم والنسائي (التقريب: ص ١٩٥). (٢) هي أم عمرو بنت عبدالله بن الزبير بن العوام الأسدية مقبولة، روى لها البخاري تعليقاً . والنسائي (التقريب ص٧٥٧). (٣) التتبع - دراسة وتحقيق: مقبل بن هادي الوادعي - دار الكتب العلمية - الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص٣٠٦. (٤) هدي الساري ص٣٩٧ وانظر تفصيل القول في مراسيل الصحابة في أسباب اختلاف المحدثين لخلدون الأحدب ج١ ص٢٢٠ - ٢٢٤. (٥) الفتح: ج١٠ ص٣٠١. ١٩٨ المطلب الخامس التدليس وموقف البخاري من أحاديث المدلسين تعريف التدليس: التدليس لغة مشتق من الدلس بفتحتين، وهو اختلاط الظلام بالنور ويسمى المدلس بذلك لاشتراكهما في الخفاء والتغطية كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره، ومنه التدليس في البيع يقال: دلس فلان على فلان أي ستر عنه العيب الذي في متاعه(١). أقسام التدليس: قسمه العلماء إلى أقسام عدة، فمنهم من قسمه إلى ستة أقسام كالإمام الحاكم النيسابوري في كتاب ((معرفة علوم الحديث))(٢) وهذه الأقسام هي: الأول: من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين تقبل أخبارهم. الثاني: قوم يدلسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينفر عن سماعاتهم، ويلح ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم. الثالث: قوم دلسوا عن أقوام مجهولين لا يدرى من هم ولا من أين هم. الرابع: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا. الخامس: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم، فیدلسونه. (١) لسان العرب والقاموس المحيط مادة (دلس). (٢) معرفة علوم الحديث ص١٢٨ - ١٢.٠٠. ١٩٩ السادس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم وإنما قالوا: قال فلان. نحمل ذلك منهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل .. وقد مثل الحاكم لكل قسم من هذه الأقسام بعدة أمثلة. ونلاحظ أن الحاكم قد اعتمد في هذا التقسيم على حالات المدلسين مع شيوخهم. كما نلاحظ أن بعض الأقسام متداخلة في بعض، لذا ترى من جاء بعد الحاكم قد اختصر هذا التقسيم إلى ثلاثة أقسام، كالحافظ العراقي في شرحه لألفيته(١) وفي شرحه على مقدمة ابن الصلاح(٢). وهذه الأقسام هي: الأول: تدليس الإسناد. الثاني: تدليس الشيوخ. الثالث: تدليس التشوية .. ومن العلماء من قسمه إلى قسمين فقط هما: .(٣) تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ. وقد ذهب إلى هذا ابن الصلاح. ، والنووي (٤)، وابن كثير(٥)، والطيبي(٦)، وابن حجر (٧)، والسخاوي وغيرهم. (٨) (١) شرح العراقي المسمى فتح المغيث: ج١ ص١٧٩ - ١٩١. ! (٢) التقييد والإيضاح ص٧٨. (٣) علوم الحديث ص٦٦. (٤) التقريب (مع التدريب): ج١ ص٢٢٣. (٥) اختصار علوم الحديث ص ٥٠. (٦) الخلاصة في أصول الحديث ص٧٤. (٧) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٢٤٤. (٨) فتح المغيث: ج١ ص١٦٩. ٢٠٠ قال الحافظ البلقيني: ((الأقسام الستة التي ذكرها الحاكم داخلة تحت القسمين السابقين، فالقسم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول، والرابع عين القسم الثاني - أي تدليس الشيوخ وما عده العراقي قسماً ثالثاً - وهو تدليس التسوية داخل تحت القسم الأول وهو تدليس الإسناد (١). وعند التدقيق، نلاحظ أن الأقسام كلها تعود إلى تدليس الإسناد لأن الإسناد يتكون من الشيوخ، والصيغ الدالة على التحمل، فإخراج الشيوخ من الإسناد وإبقاء الصيغ الدالة على التحمل أمر غير سليم، ومن هنا يمكن أن نقول إن هذه التقسيمات اعتبارية فقط ترجع إلى أحوال المدلسين وليست تقسيمات حقيقية ترجع إلى التدليس في حد ذاته فالتدليس موضوعه الإسناد؛ شيوخه وما يدل على الاتصال بينهم. تعريفه اصطلاحاً: نذكر تعريف العلماء لقسمي التدليس. أ - تدليس الإسناد: اختلف تعاريف العلماء له. فقد عرفه الإمام البزار (ت٣٩٢هـ) بقوله: ((هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه))(٢). وبمثل تعريف البزار عرفه الإمام أبو الحسن القطان الفاسي (ت٦٢٨هـ) في كتابه بيان الوهم والإيهام(٣) وفصل ابن عبدالبر في تعريفه(٤) لكنه لم يخرج عن مضمون تعريف البزار، وهؤلاء يشترطون اللقي والسماع في حد التدلیس . (١) محاسن الاصطلاح ص١٦٨. (٢) فتح المغيث: ج١ ص١٩٧، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص ١٨٠. (٣) فتح المغيث: ج١ ص١٩٧، والنكت ص٢٤٢. (٤) انظر التمهيد: ج١ ص ١٥. ٢٠١