Indexed OCR Text
Pages 161-180
رضوان الله عليهم - كانوا يستعملون جميع هذه الألفاظ فيما سمعوه من النبي # وأورد ثلاثة تعاليق تنبيهاً على أن الصحابي تارة كان يقول حدثنا، وتارة كان يقول سمعت، فيدل على أنه لا فرق بينهما، وهذه التعاليق هي: الأول: قال ابن مسعود: حدثنا رسول الله (8 وهو الصادق المصدوق(١) . : الثاني: قال شقيق عن عبدالله: سمعت النبي وَّةَ (٢). الثالث: وقال حذيفة حدثنا رسول الله وَ لل حديثين(٣). ثم ذكر حديث ابن عمر قال: قال رسول الله وَالله: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي، فوقع الناس: في شجر البوادي، قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم. قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة))(٤). قال الحافظ ابن حجر: «فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصرحية وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور؟ فالجواب أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ عبدالله بن دينار المذكور في الباب ((فحدثوني ما هي)) وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير ((أخبروني)) وفي رواية عند الإسماعيلي ((أنبئوني)) وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم ((حدثوني ما هي)) وقال فيها ((فقالوا أخبرنا بها)) فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم (١) هذا التعليق طرف من الحديث المشهور الذي يرويه ابن مسعود، أوصله البخاري في كتاب القدر. (٢) هذا التعليق رواه أبو وائل شقيق عن عبدالله بن مسعود، أوصله البخاري في كتاب الجنائز. (٣) هذا التعليق رواه حذيفة بن اليمان، أوصهل البخاري في كتاب الرقاق. (٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب قول المحدث ((حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا)) رقم (٦١) ج١ ص١٧٥. ١٦٢ سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة(*). (١) ومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خِيرٍ﴾(٢). وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم، ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل: فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج الأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر: فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: ((حدثني)) ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: ((أخبرني)) ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب، فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن تجوز عنها احتاج إلى (*) تعقب العلامة العيني الحافظ ابن حجر في هذا وبين أن هناك فرقاً من جهة اللغة حاصله: أن الخبر يرجع إلى العلم، وإنما استواء هذه الألفاظ من حيث الاصطلاح (عمدة القارىء ١١/٢). وهذا التعقيب ليس بشيء، فقد قال الخطيب في الكفاية ص٢٨٧ ((وقد قال بعض أهل العلم بالعربية هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، ثم ذكر بالسند عن ثعلب إمام اللغة أن حدثنا وأخبرنا وأنبأنا في اللغة سواء)». (١) سورة الزلزلة، الآية: ٤. (٢) سورة فاطر، الآية: ١٤. ١٦٣ الإتيان بقرينة تدل على مراده، وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين)) (١). ثانياً - القراءة والعرض على المحدث: وقد بوّب الإمام البخاري في كتاب العلم بهذا «باب القراءة والغرض على المحدث))، قال الحافظ - رحمه الله -: .: ((إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره. ولا يقع العرض إلا بالقراءة. لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه، ومع غيره. بحضرته، فهو أخص من القراءة، وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته، وأذن له من غير أن يحدث. به، أو يقرأه الطالب عليه. والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا بالإطلاق. وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم. ولهذا بوّب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن - وهو البصري - لا بأس بالقراءة على العالم، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما يسويان السماع من العالم والقراءة عليه»(٢). وقد ذهب، العلامة العيني إلى أنه لا فرق بين القراءة والعرض وأنهما متساويان، واعتمد على كلام الكرماني لأنه قال المراد بالعرض عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة ثم قال: فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يصح (١) فتح الباري: ج١ ص ١٧٥، وانظر: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - للقاضي عياض - تحقيق السيد أحمد صقر، ط أولى - مكتبة دار التراث - القاهرة، ص٦٩، والكفاية، للخطيب البغدادي، ط دار الكتب العلمية، سنة ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨م، ص٢٨٣ - ٢٨٦. (٢) فتح الباري: ج١ ص١٧٩ - ١٨٠. ١٦٤ عطف العرض على القراءة لأنه نفسها. قلت: العرض تفسير القراءة ومثله يسمى بالعطف التفسيري (١). والتحقيق أن العرض في كلام أئمة الحديث يطلق على معنيين: عرض القراءة، وعرض المناولة. وهذه أقوال الأئمة التي تشهد على هذا: قال الإمام الحاکم النيسابوري - رحمه الله -: (( ... وبيان العرض أن يكون الراوي متقناً فيقدم المستفيد إليه جزءاً من حديثه أو أكثر من ذلك فيتناوله، فيتأمل الراوي حديثه، فإذا أخبره وعرف أنه من حديثه، قال المستفيد: قد وقفت على ما ناولتنيه، وعرفت الأحاديث كلها وهذه رواياتي عن شيوخي فحدث بها. فقال جماعة من أئمة الحديث أنه سماع))(٢). ثم ذكر جماعة من علماء المدينة ومكة والبصرة والكوفة ومصر وأهل الشام وخراسان ثم قال: ((وقد رأيت أنا جماعة من مشايخي يرون العرض سماعاً)»(٣) . وذكر الحجة على ذلك ثم قال: ((قد ذكرنا مذاهب جماعة من الأئمة في العرض فإنهم أجازوها على الشرائط التي قدمنا ذكرها، ولو عاينوا ما عايناه من محدثي زماننا لما أجازوه. فإن المحدث إذا لم يعرف ما في كتابه، كيف يعرض عليه؟)»(٤) فالعرض هنا يقصد به المناولة. وقال الإمام الخطيب البغدادي: ((ذهب بعض الناس إلى كراهة العرض: وهو القراءة على المحدث ورأوا أنه لا يعتد إلا بما سمع من لفظه، وقال جمهور الفقهاء والكافة من أئمة العلم بالأثر إن القراءة على (١) عمدة القارىء: ج٢ ص١٦ - ١٧. (٢) معرفة علوم الحديث ص٢٥٦. (٣) المصدر نفسه ص٢٥٨. (٤) المصدر نفسه ص٢٥٩. ١٦٥ المحدث بمنزلة السماع منه»(١). وقال القاضي عياض (٥٤٤هـ) وهو يتحدث عن الضرب الثاني من أصول الراوية وهو القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمونه ((عرضاً» لأن القارىء يعرض ما يقرؤه على الشيخ كما يعرض القرآن على إمامه، وحكاه البخاري عن الحسن والثوري ومالك)»(٢). فالعرض عند الخطيب البغدادي والقاضي عياض بمعنى القراءة على المحدث، ونسب القاضي عياض التسوية بينهما إلى البخاري. والذي يتبين لي أن الإمام البخاري سوّى بين القراءة والعرض من حيث الاستعمال وأن العطف بينهما تفسيري كما ذهب إليه العلامة العيني - رحمه الله - وهذا من خلال الحجج التي ذكرها في هذا الباب على صحة القراءة وهي قوله: ((١ - واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة قال للنبي ◌َّ الله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال نعم. قال البخاري - رحمه الله - فهذه قراءة على النبي وقلة أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه . ٢ - واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون أشهدنا فلان، ويقرأ ذلك قراءة عليهم. ٣ - ويقرأ على المقرىء فيقول القارىء: أقرأني فلان))(٣). فهذه الحجج واضحة أنها في القراءة وليست في عرض المناولة. ثم ذكر الإمام البخاري كيفية التعبير عن التحمل بالقراءة فقال: (١) الكفاية ص٢٩٦. . (٢) الإلماع ص٧١. (٣) صحيح البخاري كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث ج١ ص١٧٩ مع الفتح. ١٦٦ ((حدثنا عبدالله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرىء على المحدث فلا بأس أن يقول: حدثني، قال: سمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم، وقراءته سواء))(١). ثالثاً ورابعاً - المناولة والمكاتبة: وهي "إعطاء الشيخ الطالب شيئاً من مروياته مع إجازته به صريحاً أو كتابة))(٢) والإمام البخاري يرى صحة الرواية بالمناولة فقد ترجم في صحيحه في كتاب العلم بما يدل على ذلك حيث قال: ((باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان)»(٣). قال الحافظ رحمه الله: ((لما فرغ من تقرير السماع والعرض، أردف ببقية وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور فمنها المناولة وصورتها، أن يعطي الشيخ الطالب الكتاب فيقول له: هذا سماعي من فلان، أو هذا تصنيفي، فاروه عني، وقد قدمنا صورة عرض المناولة، وهي إحضار الطالب الكتاب، وقد سوّغ الجمهور الرواية بها وردها من رد عرض القراءة من باب أولى)» (٤) . وقد ذكر العلماء للمناولة ثلاثة أنواع هي(٥): ١ - المناولة المقرونة بالإجازة مع التمكين من النسخة والراوية بها صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين. (١) المصدرنفسه: وانظر أيضاً الإلماع ص٧٣، والكفاية ص٢٩٦ - ٣٠٦. (٢) فتح المغيث: ج٢ ص ١٠٠. (٣) فتح الباري: ج١ ص ١٨٥ - ١٨٦. (٤) المصدر نفسه. (٥) انظر: معرفة علوم الحديث ص٣١٨ وما بعدها. والإلماع ص٧٩ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص١٤٦ وما بعدها، فتح المغيث: ج١٠٧ وما بعدها، توضيح الأفكار: ج٢ ص٣٣٣ وما بعدها، شرح العلل ص١٦٦ وما بعدها. ١٦٧ ٢ - المناولة مع الإجازة من غير تمكين من النسخة، يرى الفقهاء والأصوليون أنه لا تأثير لها، ولا فائدة فيها بينما شيوخ الحديث يرون لذلك مزية معتبرة. ٠ ٣ - المناولة المجردة من الإجازة أجازها طائفة من أهل العلم، وصححوا الراوية بها، وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على من أجازها وسوّغ الرواية بها. والإمام البخاري يعتبر النوع الأول فقط، كما سيأتي توضيحه من خلال الأدلة اليت أوردها على جواز المناولة، وأما النوعين الآخرين فهما : من توسع المتأخرين بعد عصر الرواية محافظة على بقاء الإسناد. وقول البخاري: ((وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان))(١) يدل على جواز المكاتبة عنده. قال الحافظ رحمه الله: ((قوله إلى البلدان)) أي أهل البلدان، وذكر البلدان على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها، والمكاتبة من أقسام التحمل وهو: أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يثق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في روايته عنه وقد سوى المصنف بينها وبين المناولة ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وقد جوّز جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما والأولى ما عليه المحققون من اشترط بيان ذلك))(٢) وقد قسم العلماء المكاتبة إلى قسمين (٣): ١ - المكاتبة المقرونة بالإجازة: وهي في الصحة والقوة شبهية بالمناولة المقرونة بالإجازة، والرواية بها صحيحة بلا خلاف. ٢ - المكاتبة المجردة من الإجازة: منعها بعض الفقهاء والأصوليين. (١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص ١٨٥. (٢) فتح الباري: ج١ ص١٨٥. (٣) انظر: علوم الحديث ص ١٥٣ - ١٥٥ وفتح الغيث: ج٢ ص١٢٢ والإلماع ص ٨٣ - ٨٤ وتدريب الراوي : ج٢ ص٥٥ - ٥٦. ١٦٨ وأجازها أكثر المحدثين وهو المعمول به عندهم. أدلة الإمام البخاري على جواز المناولة والمكاتبة: استدل الإمام البخاري على صحة الرواية بالمناولة والمكاتبة بعمل السلف من الصحابة والتابعين والأئمة. وقد ذكر منها البخاري ما يلي: ١ - قال أنس: ((نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق))(١). قال الحافظ: ((ودلالته على تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح، فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف، ومخالفة ما عداها))(٢). ٢ - ورأى عبدالله بن عمر ويحيى بن سعد ومالك ذلك جائزاً(٣). قال الحافظ: ((وجدت في كتاب الوصية لأبي القاسم بن مندة من طريق البخاري يسند له صحيح إلى أبي عبدالرحمن الحبلي(٤) أنه أتى عبدالله بكتاب فيه أحاديث فقال: انظر في الكتاب، فما عرفت منه اتركه وما لم تعرفه امحه، ... وهو أصل في عرض المناولة)). وأما الأثر بذلك عن يحيى بن سعيد ومالك فأخرجه الحاكم في علوم الحديث من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك، قال مالك: فكتبتها ثم بعثتها إليه، وروى الرامهرمزي من طريق ابن أبي أويس أيضاً عن مالك في وجوه التحمل قال: قراءتك على العالم، ثم قراءته وأنت تسمع ثم أن يدفع لك كتاباً يقول: ارو هذا عني))(٥) . (١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص ١٨٥. (٢) فتح الباري: ج١ ص١٨٦. (٣) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص ١٨٥. (٤) فتح الباري: ج١ ص ١٨٦. (٥) هو: عبدالله بن يزد المعافري أبو عبدالرحمن الحبلى، بضم المهملة والموحدة، ثقة من الثالثة مات سنة مائة بإفريقية روى له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة، (التقريب ص٣٢٩). ١٦٩ ٣ - واحتج بعض أهل الحجاز(*) في المناولة بحديث النبي وَلا حيث كتب لأمير السرية كتاباً وقال: لا تقرأه، حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ◌َلَ(١). قال الإمام السهيلي - رحمه الله - (ت٥٨١هـ): ((احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناوله التلميذ جاز أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقه صحيح)) (٢). وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: ((ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى الكتاب)»(٣). ثم أورد البخاري - رحمه الله - حديث أنس - رضي الله عنه - قال: كتب النبي وس# كتاباً أو أراد أن يكتب كتاباً فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة. نقشه: محمد رسول الله كأني أنظر إلى بياضه في يده(٤). قال الحافظ - رحمه الله -: ((يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب لينبه على شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوماً ليحصل الأمن من توهم تغيره لكن قد يستغني عن ختمه إذا كان الحامل عدلًا مؤتمناً»(٥). (*) هو الحميدي (الفتح ١٨٦/١). (١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص ١٨٥. (٢) عبدالرحمن السهيلي: الروض الأنف - المطبعة الجمالية القاهرة ١٣٣٢ هـ، ج٢ ص٥٩ وقد نقله السيوطي في التدريب: ج٢ ص٤٤. (٣) الفتح: ج١ ص١٨٧ وانظر عمدة القاري: ج٢ ص٢٧. (٤) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص ١٨٧. (٥) فتح الباري: ج١ ص١٨٧. ١٧٠ حكم الطرق الأخرى من أنواع التحمل عند الإمام البخاري: نلاحظ أن الإمام البخاري لم يذكر الأوجه الأخرى من أوجه التحمل، والظاهر أنه لا يرى صحة الأخذ بها فالأئمة المتقدمون لم يكونوا يرون لصحة التحمل إلا تلك الطرق كما مر ذلك في قول مالك بن أنس - رحمه الله - لكن عندما دونت الكتب وأمن جانب الرواية سوّغ العلماء في توسيع طرق التحمل تيسيراً على الناس وإبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأئمة وكلما تأخرت الأعصار كثر التنويع والتوسيع والتساهل وإليك من أقوال العلماء ما يشهد على ما تقدم ذكره. قال الحافظ - رحمه الله -: ((لم يذكر المصنف (أي البخاري) من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة، ولا الوجادة، ولا الوصية، ولا الإعلام، المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى شيئاً منها))(١). وقد سبق إلى هذا الإمام الحافظ ابن رُشيد السبتي (ت٧٢١هـ) رحمه الله حيث قال: (( ... وإنما اعتمد الناس منذ مدة متقدمة على الإجازة المطلقة والكتابة المطلقة توسعة لباب النقل وترحيباً لمجال الإسناد، لعزة وجود السماع على وجهه في هذه الأعصار: بل قبلها بكثير، وتعذر الرحل في أكثر الأحوال، واعتماداً على أن الأحاديث لما صارت في دفاتر محصورة، وأمات مصنفات مشهورة، ومرويات الشيوخ في فهارس مفهرسة، قام ذلك عندهم مقام التعيين الذين كان من مضى من السلف يفعله، فاكتفى المجيزون بالإخبار الجملي، واعتمدوا في البحث عن التفصيل على المجاز إذا تأهل، فكانت رخصة أخذ بها جماهير أهل العلم إبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، ولله الحمد والمنة وإن كانت هذه ليست الإجازة المتعارفة عند التابعين وتابعيهم، كالحسن ابن أبي الحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وأبي بكر بن عبدالرحمن أحد الفقهاء السبعة، ومجاهد بن جبر، وعلقمة بن قيس، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج وغيره ممن (١) فتح الباري: ج١ ص ١٨٧. ١٧١ لا يحصى كثرة، فإما كانت تلك في الشيء المعين يعرفه المجيز والمجاز له، أو مع حضور الشيء المجاز فيه)»(١). ثم ساق آثاراً عن السلف في العمل بالإجازة المعينة في الشيء المعين ثم قال ابن رشيد - رحمه الله -: ((وأجل شيء نعرفه لمتقدم في الإجازة المقيدة وأجلاه لفظاً وأصحه معنى ما ذكره أبو عيسى الترمذي الإمام الحافظ في كتاب العلل له في آخر الديوان، في باب التاريخ الذي نقله عن الإمام أبي عبدالله البخاري - رحمه الله - وقد انتهى بالسماع عليه إلى بعض حرف العين ما نصه. قال أبو عيسى: إلى هاهنا سماعي من أبي عبدالله محمد بن إسماعيل من أول الحكايات وما بعدها فهو مما أجازه لي وشافهني به بعدما عارضته بأصله إلى أن ينقضي به كلام محمد بن إسماعيل. فقال: قد أجزت لك أن تروي عني إلى آخر باب ي)»(٢). ثم قال الحافظ ابن رشيد: ((هذا أجلى نص تجده في الإجازة لمتقدم معتمد من لفظ قائله، نعم نجد ألفاظاً مطلقة مجملة غير مفسرة منقولة عنهم بالمعنى، أو ظواهر محتملة، وهذا كان دأب تلك الطبقة من الإجازة في المعين أو الكتابة له، وما رأى الإجازة المطلقة حدثت إلا بعد زمن البخاري حيث اشتهرت التصانيف وفهرست الفهارس، وإن كان بعضهم قد نقل الإجازة المطلقة عن ابن شهاب الزهري وغيره فما أرى ذلك يصح))(٢). من خلال ما تقدم يتبين لنا أن الإمام البخاري لا يرى صحة الرواية بالإجازة المطلقة وإنما يرى صحة الإجازة المقترنة بالمناولة أو المكاتبة. فإن قلت: قال بعض الحفاظ إن ما يقول فيه البخاري ((قال لي)) فهي إجازة فالجواب على هذا قد ذكره الحافظ ابن حجر - رحمه الله - حيث (١) أبو عبدالله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي: السنن الأبين والمورد الأمعن - تحقيق د. محمد الحبيب ابن الخوجة - الدار التونسية للنشر ض ٥٤ - ٥٥ وانظر علوم الحديث ص١٣. (٢) المصدر نفسه ص ٦١ - ٦٢. (٣) المصدر نفسه ص ٦٢. ١٧٢ قال: ((وقد ادعى ابن مندة أن كل ما يقول البخاري فيه ((قال لي)) فهي إجازة، وهي دعوى مردودة بدليل أني استقريت كثيراً من المواقع التي يقول فيها في ((الجامع)) ((قال لي)) فوجدته في غير الجامع يقول فيها: ((حدثنا)) والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث(*)، فدل على أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما بلغ شرطه وما لا يبلغ، والله أعلم)»(١). لكن بقي هنا إشكال لا بد من الإجابة عليه، وهو إذا تقرر أن البخاري لا يرى صحة الرواية بالإجازة المطلقة فلماذا أخرج في صحيحه لمن روى بالإجازة؟ من المعلوم أن أصحاب الصحيح كانوا يتحرون في كيفية سماع الرواة بعضهم من بعض حتى يتم لهم تحقق شرط الصحيح، وهو اتصال السند مع بقية الشروط الأخرى ومن ثم تركوا الرواية عن كثير من الرواة بسبب خلل وقع لهم في التحمل، فمن هؤلاء مثلًا: عمرو بن شعيب فقد قال الذهبي بصدد روايته عن أبيه عن جده: «وبعضهم تعلل بأنها صحيفة رواها وجادة ولهذا تجنبها أصحاب الصحيح، والتصحيف يدخل على الرواية من الصحف، بخلاف المشافهة في السماع)» (٢). وقال الإمام ابن تيمية: ((وكان عند آل عبدالله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي ◌َّلير وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقالوا: هي نسخة))(٣). ومن أبرز الرواة الذين أخرج لهم البخاري، وقيل عنهم أنهم رووا بالإجازة. (*) اختلف العلماء في كيفية التعبير عن التحمل بالإجازة فمنهم من يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا والجمهور على المنع، إلا عند التقيد كأن يقول حدثنا فلان إجازة، أو أخبرنا إجازة للتوسع انظر: علوم الحديث ص ١٥٠ والإلماع ص١٢٨. (١) فتح الباري: ج١ ص١٨٨. (٢) ميزان الاعتدال: ج١ ص٢٦٥. (٣) مجموع الفتاوى: ج١٨ ص٨. ١٧٣ الحكم بين نافع أبو اليمان الحمصي ((قال أبو زرعة: لم يسمع من شعيب (هو ابن أبي حمزة) إلا حديثاً واحداً، والباقي إجازة، وقال أحمد كان يقول: أنا(*) شعيب استحل ذلك بقول شعيب لهم ارووا عني، قلت: ومع روايته لذلك عن شعيب بالإجازة فاحتج بها صاحبا الصحيحين لثقته: وإتقانه))(١). وقال فيه الحافظ ابن حجر: ((مجمع على ثقته، اعتمده البخاري، وروى عنه الكثير، وروى له الباقون بواسطة تكلم بعضهم في سماعه من. شعيب، فقيل: إنه مناولة، وقيل عنه إذن مجرد، ... وقد قال الفضل بن غسان سمعت يحيى بن معين يقول: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب: فقال: ليس هو مناولة: المناولة لم أخرجها لأحد، وبالغ أبو زرعة الرازي: وقال: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً. قلت: إن صح ذلك فهو حجة في صحة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا ولا مشاححة في ذلك إن كان اصطلاحاً له)) (٢). وكلام الحافظ لو يحمل على ظاهره يناقض ما ذهب إليه البخاري، وما قرره الحافظ نفسه من أن البخاري لم يذكر الإجازة المجردة عن المناولة، أو المكاتبة ولا الوجادة، ولا الوصية ولا الإعلام المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى شيئاً منها. فالظاهر أنه ليست إجازة مطلقة بل هي إجازة في معين - وهي صحيحة عند الإمام البخاري كما سبق نقله عن الترمذي أنه سمع التاريخ الكبير إلى بعض حرف العين، والباقي إجازة عن الإمام البخاري، وهذا ما. يدل عليه كلام الحافظ ابن رجب - رحمه الله - حيث قال: (*) اختصار أخبرنا. (١) شمس الدين الذهبي: تذكرة الحافظ - دار إحياء التراث العربي - ج١ ص ٤١٢. (٢) هدي الساري ص٤١٨. ١٧٤ (( ... وحديث أبي اليمان(١) - عن شعيب(٢) - متفق على تخريجه في الصحيحين، وإذا كان حديث شعيب عندهم معروفاً وأذن لهم في روايته عنه فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته، بل هذه إجازة من غير مناولة ... إلا أن أبا اليمان كان يقول في الرواية بها: أخبرنا. وقد نهى عن ذلك الأوزاعي وأحمد بن صالح المصري، ورخص فيه آخرون منهم: مالك، ورواه الوليد بن مزيد عن الأوزاعي أيضاً، وقد روى عن أحمد أيضاً. وقال أبو اليمان قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه عليّ وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله أخبرنا شعيب))(٣). ومنه يمكن القول بأن البخاري يرى صحة الراوية بالإجازة المعينة وهي في حكم المناولة أما الإجازة المطلقة وغيرها من أنواع التحمل كالإعلام والوصية والوجادة فهي من توسع المتأخرين بعد عصر الراوية. المطلب الثالث العنعنة وموقف البخاري منها تعريف العنعنة: أ - لغة: هو مصدر جعلي كالبسملة والحمدلة والحوقلة، مأخوذ من لفظ ((عن (١) الحكم بن نافع أبو اليمان الحمصي، الإمام الحافظ شيخ البخاري، روى عنه البخاري وأخرج له البقية. مات سنة ٢٢٢هـ، ترجمته في: تهذيب التهذيب: ج٢ ص٤٤١، تذكرة الحافظ : ج١ ص ٤١٢. (٢) شعيب بن أبي حمزة، أبو بشر الحمصي أحد الأئمة الأثبات، أخرج له الستة. مات سنة ١٦٢ هـ ترجمته في تهذيب التهذيب: ج٤ ص٣١٥. (٣) شرح العلل ص١٦٨. ١٧٥ فلان)) كأخذهم حولق وحوقل من قول ((لا حول ولا قوة إلا بالله العلي: العظيم)) وسبحل من قول ((سبحان الله))(١). ب - اصطلاحاً: كل حديث فيه صيغة ((فلان عن فلان)) من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع (٢) وهذه الصيغة غير ظاهرة في السماع، ومن هنا اختلفت فيها أقوال الأئمة في الحكم عليها قبولاً ورداً، ويتحصل من مجموع أقوالهم. ستة مذاهب : المذهب الأول: يرى أصحابه أن ما كان فيه لفظ ((عن)) فهو من قبيل المرسل المنقطع حتى يتبين اتصاله من جهة أخرى. وهذا القول نقله ابن الصلاح ولم يسم قائله(٣) ونقله قبله القاضي أبو محمد الزامهرمزي (ت٣٦هـ) عن بعض المتأخرين من الفقهاء(٤) وقد أفاض الحافظ العلائي في ذكر أدلة هذا المذهب والرد عليه(٥) وكذلك الإمام ابن رشيد الفهري فقد توسع أيضا في ذكره والرد عليه وسألخص المهم من كلامه . (المذهب الأول: مذهب أهل التشديد، وهو أن لا يعد متصلًا من الحديث إلا ما نص فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان فهو من قبيل المرسل أو المنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره، وهذا المذهب وإن قلّ القائل به بحيث لا يسمى ولا يعلم فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط . (١) توضيح الأفكار: ج١ ص ٣٣٠. (٢) شرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٦٢ - ١٦٣. (٣) علوم الحديث ص١.٥٦ (٤) المحدث الفاصل ص ٤٥٠. (٥) جامع التحصيل ص١٣٦. ١٧٦ وحجته: أن ((عن)) لا تقتضي اتصالًا لا لغة ولا عرفاً، وإن توهم متوهم فيها اتصالًا لغة فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه. نقول: أخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلًا فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه، وليس فيها دليلٌ على اتصال الراوي بالمروي عنه. وما علم منهم أنهم يأتون بـ((عن)) في موضع الإرسال والانقطاع يخرم ادعاء العرف، وإذا أشكل الأمر وجب أن يحكم بالإرسال، لأنه أدون الحالات، فكأنه أخذ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه، وكان لصاحب هذا المذهب أن لا يقول بالإرسال بل بالتوقف حتى يتبين لمكان الاحتمال، ولعل ذلك مراده، وهو الذي نقله مسلم عن أهل هذا المذهب أنهم يقفون الخبر، ولا يكون عندهم موضع حجة لإمكان الإرسال فيه (١)، إلا أن هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين بل جميعهم وهو الذي لا إشكال في «أن أحداً من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقيمها مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ومن سمى معهم لا يشترطه ولا يبحث معه))(٢) ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جداً، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير فكأن الله أتاح الإجماع عصمة لذلك وتوسعة علينا والحمد لله)) (٣). المذهب الثاني : وهو أيضاً من مذاهب أهل التشديد إلا أنه أخف من الأول ويشترط أصحابه أن يكون الراوي طويل الصحبة لمن روى عنه فإن كان كذلك ولم يكن مدلساً كانت عنعنته محمولة على الاتصال(٤) وهو منسوب للإمام أبي المظفر بن السمعاني الشافعي (ت٤٨٩هـ). (١) مقدمة صحيح مسلم ص١٤. (٢) المرجع نفسه ص١٥. (٣) السنن الأبين ص٢١ - ٢٥. (٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص٦٢، وجامع التحصيل ص١٣٤، والسنن الأبين ص٣١. ١٧٧ المذهب الثالث: إن كان الراوي معروفاً بالرواية عمن عنعن عنه، ولم يكن مدلساً حمل ذلك على الاتصال(١)، قاله الحافظ المقرىء أبو عمرو الداني (ت٤٤٤هـ) .. المذهب الرابع: إذا أدرك الراوي من عنعن عنه إدراكاً بيناً، ولم يكن مدلساً جمل ذلك على الاتصال(٢)، قاله أبو الحسن القابسي. فهذه مذاهب المتشددين، إلا أن ما ذكر عن الداني غير صريح في التشديد بل اعتبره الحافظ ابن رشيد موافقاً لمذهب مسلم بن الحجاج، وسيأتي ذكره وتفصيله. المذهب الخامس : يرى أصحابه أن العنعنة تقتضي الاتصال وتدل عليه، إذا ثبت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئاً من تهمة التدليس، وهذا المذهب قد نسبه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري وشيخه ابن المديني، وأكثر الأئمة(٣). المذهب السادس : يرى أصحابه أن العنعنة محمولة على الاتصال إذا توفرت الشروط التالية : ١ - أن يكون الراوي بريئاً من تهمة التدليس. (١) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٦٠، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٦٤. (٢) انظر: نفس المصادر. (٣) من هؤلاء: العلائي في جامع التحصيل ص١٣٤، وابن رجب في شرح العلل ص٢١٢، وابن رشيد في السنن الأبين ص٣١، والسخاوي في فتح المغيث: ج١ ص١٥٧، وابن كثير في اختصار علوم الحديث ص٥٦، والبلقيني في محاسن الاصطلاح ص١٥٨، والسيوطي في التدريب: ج١ ص٢١٦، وغير هؤلاء كثير. ١٧٨ ٢ - أن يكون لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكناً من حيث السن والبلد. فإذا توفرت هذه الشروط كان الحديث متصلًا وإن لم يأت أنهما اجتمعا قط . وهو قول الإمام مسلم، والحاكم أبي عبدالله، وهو ظاهر كلام ابن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والإمام الصيرفي(١). وقد جعله مسلم - رحمه الله - قول كافة أهل الحديث وأن القول باشتراط ثبوت اللقاء قول مخترع، لم يسبق قائله إليه، وبالغ في رده، وطوّل في الاحتجاج لذلك في مقدمة صحيحه(٢) . وهذه المذاهب على اختلافها وتباينها نجدها قد أجمعت على شروط القبول السند المعنعن، وذكرها كثير من العلماء منهم: الحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي، وابن عبدالبر - رحمهم الله -. وهذه الشروط هي (٣): ١ - عدالة المحدثين في أحوالهم. ٢ - لقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة. ٣ - أن يكونوا برآء من التدليس. الموازنة بين البخاري ومسلم في الحكم على السند المعنعن: بعد أن عرضنا مذاهب العلماء في الحكم على السند المعنعن، وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، نرجع إلى بيان مذهب البخاري - رحمه الله - في هذه المسألة. (١) شرح العلل ص٢١٤. (٢) جامع التحصيل ص ١٣٥. (٣) انظر: التمهيد لابن عبدالبر: ج١ ص١٢ - ١٣ والكفاية ص٤٢١ ومعرفة علوم الحديث ص٤٣. ١٧٩ لقد سبق ذكر الإمام البخاري مع أصحاب المذهب الخامس، والذي يرى أصحابه أن العنعنة تقتضي الاتصال وتدل عليه إذا ثبت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئاً من تهمة التدليس، هذا المذهب قد نسبه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري وشيخه . ابن المديني وأكثر الأئمة، كما نسبوا الإمام مسلم إلى مخالفة هذا الشرط، والرد على البخاري ومن تبعه على ذلك. ومن المعلوم قطعاً أن البخاري لم يصرح بهذا المذهب في كتبه، ولا غيره من أئمة الحديث والنقد، وإنما أخذ العلماء ذلك من تصرفهم وصنيعهم في كتبهم، حيث لاحظوا أن الإمام البخاري وشيخه ابن المديني يعلان: الأحاديث كثيراً بعدم سماع الراوي عمن عنعن عنه مع كونهما متعاصرين، فاستنبطوا من ذلك أن البخاري وشيخه ابن المديني لا يكتفيان بمجرد المعاصرة بل يشترطان تحقق اللقاء. وأما الإمام مسلم فقد صرح بشرطه في مقدمة صحيحه، فأزال بذلك كل ظن وشك، كما أنه رد على مخالفه في ذلك رداً بليغاً شديداً. ويتساءل الكثيرون من المعني بهذا الرد والنقد؟ ومن المقصود بهذا الإنكار الشديد والتهجين القوي؟ والعجيب أن ((صحيح مسلم)) قرىء على مؤلفه وتلاميذه وتلاميذهم مئات المرات، وأول ما يقرأ فيه المقدمة، وفيها ذلك الإنكار والتهجين، ولم ينقل عن مسلم أو تلاميذه أو تلاميذهم تعيين المعني بالرد، ولذا خمن العلماء في تعيين المعني بالرد والإنكار، والعجيب أنهم حملوه على البخاري أو شيخه ابن المديني، وبنوا على ذلك التخمين إشكالات ومحاكمات بين البخاري ومسلم، وكأن الأمر قطعي ثابت لا مرية فيه، والأعجب من هذا كله أن يصدر عن أئمة حفاظ ويتتابعوا عليه منهم الإمام ابن الصلاح، والنووي، وابن رجب الحنبلي، وابن كثير، وابن حجر، والسخاوي، وابن : رشيد الفهري، والحافظ العلائي وغيرهم، وسأنقل المهم من كلامهم وأتعقبه بما أراه مناسباً . ١٨٠ قال الحافظ ابن رجب: (( ... وما استدل به مسلم على المخالف له أن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة والقطان وابن مهدي قال ومن بعدهم من أهل الحدیث»(١). فالمطلوب ممن يريد نقض كلام مسلم أن يأتي بأقوال لهؤلاء الأئمة تخالف ما حكاه مسلم عنهم، أو أقوال لغيرهم ممن لم يذكر قولهم، ولم يفعلوا، ولن يفعلوا إلا أن تكون أقوالًا لعلماء الكلام والأصول ومتأخري الظاهرية . ثم قال ابن رجب: ((وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - رحمه الله - من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة، وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط السماع فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة وقالوا مع ذلك لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة))(٢) وذكر أمثلة على هؤلاء ثم قال: ((ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال، أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه (٣) فیە)»(٣) . وهذا الأمر مما يوافق عليه مسلم ويستعمله أيضاً فإنه قال: ((وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك (١) شرح العلل ص ٢١٢. (٢) المصدر نفسه ص ٢١٤ - ٢١٥. (٣) المصدر نفسه ص ٢١٧. ١٨١