Indexed OCR Text

Pages 141-160

((إن الشيخين يخرجان لمن فيهم كلام في مواضع معروفة.
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام لا يضره، في روايته
البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام إنما يقتضي أنه لا
يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقروناً أو حيث
تابعه غيره ونحو ذلك.
١
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان
من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما سمع منه من غير كتابه، أو بما
سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو مدلس ولم يأت عنه من
وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس.
فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح)» (١).
وهذا تلخيص جيد لا مزيد عليه.
المطلب الثالث
مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط
إن رجال الصحيحين ليسوا على مرتبة واحدة من حيث الضبط. ففيهم
الحافظ الثقة وفيهم دون ذلك.
وسأسوق من أقوال العلماء ما يدل على ذلك.
قال الإمام الذهبي (ت٧٤٨هـ) - رحمه الله -:
(١) عبدالرحمن بن يحيى المعلمي: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - بتخريج
الألباني وتعليقات زهير الشاويش - المكتب الإسلامي - الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٦ هـ -
١٩٨٦ م، ص٦٩٢.
١٤٢

((من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين:
أحدهما ما احتجا به في الأصول، وثانيهما: من أخرجا له متابعة
وشهادة واعتباراً.
فمن احتجا به أو أحدهما، ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي،
ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتاً،
والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضاً، وتارة يكون في تليينه
وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها:
من أدنى درجات الصحيح.
فما في ((الكتابين)) بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في
الأصول ورواياته ضعيفة بل حسنة أو صحيحة.
أومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات. ففيهم من
في حفظه شيء وفي توثيقه تردد، فكل من خرج له في ((الصحيحين)) فقد
قفز القنطرة فلا معدل عنه إلا ببرهان بين.
نعم الصحيح مراتب والثقات طبقات فليس من وثق مطلقاً كمن تكلم
فيه، وليس من تكلم في سوء حفظه واجتهاده في الطلب كمن ضعفوه، ولا
من ضعفوه ورووا له كمن تركوه ولا من تركوه كمن اتهموه وكذبوه)»(١) .
وقد سبق إلى هذا الحافظ الحازمي (ت٥٢٤هـ). فإنه قال بعد أن قسم
الرواة إلى خمس طبقات وجعل الطبقة الأولى مقصد البخاري. ويخرج
أحياناً من أعيان الطبقة الثانية.
((فإن قيل: إذا كان الأمر على ما مهدت، وأن الشيخين لم يودعا
كتابيهما إلا ما صح، فما بالهما خرجا حديث جماعة تكلم فيهم، نحو
فليح بن سليمان، وعبدالرحمن بن عبدالله بن دينار وإسماعيل بن أبي أويس
عند البخاري ومحمد بن إسحاق وذويه عند مسلم. قلت: أما إيداع البخاري
(١) الموقظة ص٧٩ - ٨١.
١٤٣

ومسلم: ((كتابيهما)) حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم
يبلغ ضعفهم حداً يرد به حديثهم))(١).
ومعنى هذا أن الإمام البخاري يروي عن الضعفاء الذين لم يصلوا إلى
حد الترك ولكن لا يروي لهم إلا ما صح من حديثهم.
وتعرف صحة حديثه بأمرين :
الأول: موافقة هذا الراوي لغيره ومتابعتهم له .
وهذا أمر يلاحظ في صحيح البخاري فإنه يكثر من ذكر المتابعات
والشواهد. فإنه يروي الحديث ثم يقول: تابعه فلان وفلان ... إذا كان
راويه ضعيفاً، أو كان الراوي ثقة لكن وقع فيه اختلاف في سنده ومتنه. كما
سيأتي توضيحه في ((منهج البخاري في تعليل الأحاديث)).
الثاني: مراجعة أصول الراوي والنظر فيها، فإنه ولو كان ضعيفاً في
حفظه فإنه يقبل حديثه الموجود في أصوله. إذا كان الراوي صدوقاً في
الجملة. ومثال هذا أحاديث إسماعيل بن أبي أويس (٢).
وهذا المنهج يعرف بمنهج الانتقاء من أحاديث الضعفاء، أي أن
حديث الضعيف لا يرد جملة ولا يقبل جملة. وإنما يقبل ما صح من حديثه :
فقط. كما أن الثقة لا تقبل أحاديثه مطلقاً فيقبل ما أصاب فيه ويرد ما أخطأ
فيه .
قال الإمام ابن القيم وهو يرد على من عاب على مسلم إخراج
أحاديث الضعفاء سيئي الحفظ كمطر الوراق وغيره: ((ولا عيب على مسلم
في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه،
كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من :
استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة، ومن ضعف جميع أحاديث سيئي
(١) شروط الأئمة الخمسة ص٦٩ - ٧٠.
(٢) انظر ص ٤٥ من هذه الرسالة.
١٤٤
...

الحفظ. فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد بن حزم
وأشكاله. وطريقة مسلم، هي طريقة أئمة هذا الشأن))(١).
وهذه هي طريقة الإمام البخاري - رحمه الله - أيضاً ولكن قد يختلف
اجتهاد الأئمة في تقدير ضعف الراوي ومرتبته. فقد يكون الراوي ضعيفاً متروكاً
عند مسلم بينما يكون عند البخاري ضعيفاً ضعفاً يسيراً محتملًا، أو على العكس
كل بحسب اجتهاده وقد صرح الإمام ابن الصلاح بهذا حيث قال:
(«شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة
عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالماً من الشذوذ والعلة. وهذا حد
الصحيح، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين
أهل الحديث، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث: فقد يكون بسبب
اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها. وهذا هو
الأغلب في ذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من
شرط الصحيح، فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقات، غير أن فيهم أبا الزبير
المكي مثلًا أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبدالرحمن، لكون هؤلاء
عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري
ذلك فيهم. وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن
عباس وإسحاق بن محمد الغروي وعمرو بن مرزوق وغيرهم ممن احتج
بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم))(٢).
وواضح من كلام الإمام ابن الصلاح أن الأئمة لم يختلفوا في حد
الصحيح وشروطه المعتبرة وأركانه من: إتقان الرواة، واتصال السند،
والسلامة من الشذوذ والعلل، وإنما الخلاف بينهم في تطبيق تلك الشروط
(١) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد - تحقيق شعيب الأرنائوط وعبد القادر
الأرناؤوط - مؤسسة الرسالة - الطبعة الثامنة، سنة ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ج١ ص٣٦٤.
(٢) أبو عمرو بن الصلاح: صيانة صحيح مسلم - دراسة وتحقيق موفق بن عبدالله بن
عبدالقادر - دار الغرب الإسلامي - الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤م، ص٧٢ -
٧٤.
١٤٥

على الرواة والأحاديث ومن ثم تختلف اجتهاداتهم، وليس بسبب الاختلاف
في الأسس والمنهج كما يفهمه - خطأ - الكثير وإنما الخلاف في التطبيق
وتنزيل تلك الشروط .
وقد ظن الكثير أن للبخاري شرطاً خاصاً به في الصحيح، وكذلك أن
لمسلم: شرطاً متميزاً وكذلك أن لابن حبان ولابن خزيمة شروطاً خاصة بهما :
وهكذا للحاكم شرط الصحيح خاص به. أي إنّ لكل إمام وناقد شروطاً في
الصحيح تختلف تماماً عن شروط الآخرين وهذا مخالف للواقع العملي
التطبيقي عند النقاد، والسبب في الوقوع في هذا الخطأ المنهجي الخطير هو
تلك الألفاظ المجملة التي أطلقها الحازمي والمقدسي والحاكم في كثبهم
وهم لا يعنون أبداً ما فهمه هؤلاء.
ومن هنا فإن التعريف المتداول للحديث الصحيح وهو: (ما يرويه .
العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه وسلم من الشذوذ والعلة القادحة) فيه
قصور إذ لا يشمل أحاديث العدول الذين خف ضبطهم أو بعبارة أخرى لا
يشمل أحاديث الضعفاء التي صحت.
ولهذا يرى الحافظ ابن حجر أن يكون تعريف الحديث الصحيح على
هذا النحو: (هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط أو
القاصر عنه إذا اعتضد - عن مثله إلى منتهاه - ولا يكون شاذاً ولا
معللًا)(١).
وقد استند الحافظ في هذا إلى تتبعه واستقرائه لأحاديث الصحيحين.
قال - رحمه الله -:
(وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيراً من أحاديث الصحيحين فوجدتها
لا يتم عليها الحكم بالصحة إلا بذلك))(٢). ثم ذكر أمثلة على هذا.
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح ص١٣٤.
(٢) المصدر نفسه ص١٣٤.
١٤٦

فمن ذلك حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد (١) عن أبيه(٢)
رضي الله عنه في ذكر خيل النبي وَ ل# قال: كان للنبي ◌ّ في حائطنا فرس
يقال لها اللحيف. قال أبو عبدالله وقال بعضهم: اللخيف(٣).
وأبي هذا قد ضعفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
والنسائي. ولكن تابعه عليه أخوه عبدالمهيمن بن العباس(٤) أخرجه ابن ماجه
من طريقه. وعبدالمهيمن فيه ضعف. فاعتضد. وانضاف إلى ذلك أنه ليس
من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعة حكم البخاري بصحته(٥).
وكذا حكم البخاري بصحة حديث معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته
عائشة بنت طلحة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت النبي ◌َّ عن
الجهاد فقال ◌َ: ((جهادكن الحج والعمرة)) (٦).
ومعاوية ضعفه أبو زرعة ووثقه أحمد والنسائي(٧).
وقد تابعه عليه عنده حبيب بن أبي عمرة(٨) فاعتضد(٩).
في أمثلة كثيرة قد ذكر الحافظ كثيراً منها في مقدمة شرحه للبخاري
ويوجد في كتاب مسلم منها أضعاف ما في البخاري.
(١) فيه ضعف من السابعة. انظر التقريب ص٩٦، وهدي الساري ص٤٠٨.
(٢) ثقة، مات في حدود (١٢٠هـ) وقيل قبل ذلك، انظر التقريب ص ٢٩٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار الحديث (٢٨٠٠)، ج٦
ص٦٩ مع الفتح.
(٤) ضعيف من الثامنة، مات بعد السبعين ومائة روى له الترمذي وابن ماجة، انظر التقريب
ص٣٦٦.
(٥) النكت ص١٣٤.
(٦) أخرجه البخاري ف يكتاب الجهاد، باب جهاد النساء رقم (٢٨٧٥) ج٦ ص٨٥.
(٧) انظر الكاشف: ج٣ ص١٥٦ وهدي الساري ص٤٦٦.
(٨) حبيب بن أبي عمرة القصاب أبو عبدالله الحماني، بكسر المهملة، الكوفي، ثقة مات
سنة (١٤٢ هـ) ترجمته في: التقريب ص ١٥١.
(٩) أخرج البخاري حديثه عقيب حديث معاوية بن إسحاق السابق، رقم (٢٨٧٦)، ج٦
ص٨٩.
١٤٧

وقال الحافظ ابن حجر - مبيناً مراتب الرواة من حيث الضبط - عند
الإمام البخاري :
«وأما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير
الغلط، ينظر فيما أخرج له، إن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير
هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه
الطريق، وإنْ لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف فيما هذا سبيله :
- وليس في الصحيح - بحمد الله، من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة :
الغلط، كما يقال سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من
العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلّا أن الرواية عن هؤلاء في
المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك)) (١).
ومن هنا يتبين لنا أن منهج البخاري في تصحيح الأحاديث هو النظر
في الحديث بمجموع طرقه وأسانيده، وليس النظر في خصوص كل إسناد .
على انفراده، وليس هذا منهجاً للإمام البخاري فحسب بل هو منهج كل :
المحدثين النقاد كالإمام مسلم والترمذي وغيرهم، لذلك نرى الإمام مسلم
يورد في صحيحه بعض الأحاديث التي في إسنادها ضعف ثم يورد لها
الشواهد والمتابعات فيكون ذلك الحديث صحيحاً بمجموع تلك الطرق،
وكذلك الإمام الترمذي فإنه يورد في كثير من الأحيان أحاديث في رواتها
ضعف، ويتكلم على أولئك الرواة فيقول مثلًا: «فلان ليس بالقوي»، أو
((ليس بذاك)) ونحوها من عبارات التليين، ثم يحكم على الحديث بالصحة أو
الحسن أو هما معاً، باعتبار شواهده ومتابعاته لأنه يعقب على ذلك الحكم
غالباً بقوله وفي الباب عن فلان وفلان ... وشرح هذا الأمر وذكر الأمثلة
عليه يطول، ومن ينظر في الجامع الصحيح للإمام مسلم وجامع الإمام
الترمذي بتمعن يتبين له ذلك، والذي أركز عليه هو ذكر أمثلة ونماذج من
صحيح الإمام البخاري، قواها البخاري وصححها بمجموع طرقها لا
· بخصوص أسانيدها.
(١) هدي الساري ص ٤٠٣.
١٤٨

المطلب الرابع
نماذج من أحاديث الضعفاء ومنهج
البخاري في تصحيحها
١ - أحاديث محمد بن عبدالرحمن الطفاوي:
له في البخاري ثلاثة أحاديث، ولو نظرنا إلى ترجمته في كتب
الرجال(١) نجد أنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين هم من شرط الصحيح.
فقد وثقه ابن المديني.
وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه يهم أحياناً.
وقال ابن معين: لا بأس به.
وقال أبو زرعة: منكر الحديث.
وأورد له ابن عدي عدة أحاديث وقال: إنه لا بأس به.
فهذا الراوي واضح أنه ليس في الدرجة العليا من رجال الصحيح، بل
ليس من رجال الصحيح حسبما استقرت عليه كتب المصطلح، فإن من قيل
فيه صدوق يهم، ولا بأس به، فحديثه حسن، ومن قيل فيه منكر الحديث
فحديثه ضعيف، إذن فأحاديث الطفاوي تكون ضعيفة ضعفاً محتملًا أو حسنة
على الاصطلاح المتداول، والآن ندرس أحاديثه وكيف صححها الإمام
البخاري - رحمه الله -.
الحديث الأول:
قال البخاري - رحمه الله -: ((ثنا أحمد بن المقدام العجلي ثنا
(١) انظر: التاريخ الكبير: ج١ ت ٤٦٥، والجرح والتعديل: ج ٧ ت١٧٤٧، والثقات: ج٧
ص٤٤٢، وتاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠٨، وتهذيب الكمال: ج٢٥ ص٦٥٢، والميزان:
ج٣ ت ٧٨٣، وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٣٠٩، والتقريب ص ٤٩٣، وهذي الساري
ص ٤٦٣ والخلاصة: ج٢ ت ٦٤٤٦.
١٤٩

محمد بن عبدالرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالوا:
إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا الله
وكلوه))(١).
لو نظرنا إلى خصوص سند هذا الحديث لحكمنا عليه بالضعف، وفي
أحسن الأحوال بالحسن الاصطلاحي، لكن الإمام البخاري صححه وأورده.
في صحيحه محتجاً به، والجواب على ذلك أنه وإن كان خصوص سنده فيه
مقال لكن له متابعات تقويه وترفعه إلى درجة الصحة، وهذه المتابعات هي:
١ - متابعة أبو خالد الأحمر (٢): وصلها المصنف في كتاب التوحيد،
قال البخاري - رحمه الله - ((حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو خالد
الأحمر، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قال:
قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواماً حديثاً عهدهم بشرك يأتونا بلُخْمَانٍ لا
ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا)).
تابعه محمد بن عبدالرحمن وعبدالعزيز بن محمد وأسامة بن
(٣)
حفص(٣).
وأبو خالد هو سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، قال فيه الذهبي: ٪.
((صاحب حديث وحفظ، روى عباس عن بن معين: صدوق ليس بحجة،
وقال علي بن المديني: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، روی له أحاديث
خولف فيها - هو كما قال يحيى: صدوق ليس بحجة، وإنما أوتي من سوء
حفظه .
(١) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، رقم
(٢٠٥٧) ج٤ ص ٣٤٥ مع الفتح.
(٢) انظر ترجمته في الجرح والتعديل: ج٤ ت٤٧٧، وتاريخ بغداد: ج٩ ص٢١، والسير:
ج٩ ص١٩، وتهذيب الكمال: ج١١ ص٣٩٤، والتهذيب: ج٤ ص١٨١، وهدي
الساري ص٤٢٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها رقم (٧٣٩٨)،
ج١٣ ص٣٩١ مع الفتح
١٥٠

قلت: الرجل من رجال الكتب الستة، وهو مكثر يهم كغيره)) (١).
وقال فيه الحافظ: ((صدوق يخطىء))(٢).
وقد ذكره العقيلي في كتابه الضعفاء(٣)، فهو صالح للمتابعة.
٢ - متابعة أسامة بن حفص: وصلها المصنف في كتاب الأضاحي،
قال البخاري :
(ثنا محمد بن عبدالله، ثنا أسامة بن حفص المديني عن هشام بن
عروة عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - أن قوماً قالوا للنبي وَالرّ: "إن
قوماً يأتوننا ... )).
تابعه علي عن الدراوردي، وتابعه أبو خالد والطفاوي(٤).
وأسامة بن حفص شيخ لم يزد البخاري في ترجمته في التاريخ الكبير
على ما في هذا الحديث حيث قال: ((أسامة بن حفص المديني، عن
هشام بن عروة سمع منه محمد بن عبدالله))(٥) .
ولم يذكره أبو حاتم في كتابه، وقال فيه الذهبي: «صدوق، ضعفه أبو
الفتح الأزدي بلا حجة، وقال اللالكائي: مجهول، قلت روى عنه أربعة)) (٦)
يعني انتفت عنه الجهالة بذلك، فمثله يصلح للمتابعة.
لهذه المتابعات صحح الإمام البخاري هذا الحديث وأورده في كتابه
محتجاً به مستنبطاً منه مسائل في الفقه والعقيدة، وقد أخذ منه الحافظ ابن
حجر أن تقوية الحديث الذي يرويه الضعيف إذا كانت له متابعات هو أمر
يشهد له صنيع البخاري، قال - رحمه الله -:
(١) ميزان الاعتدال: ج٢ ص ٢٠٠.
(٢) التقريب ص ٢٥٠.
(٣) الضعفاء: ج٢ ص١٢٤.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، رقم (٥٥٠٧)
ج٩ ص٥٥٠ مع الفتح.
(٥) التاريخ الكبير: ق٢ ج١ ص٢٣.
(٦) ميزان الاعتدال: ج١ ص١٧٤.
١٥١

«ويؤخذ من صنيعه أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون راويه من
أهل الضبط والإتقان أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك، ووافقه على
رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك، وصح الحديث
على شرطه))(١) .
الحديث الثاني :
قال الإمام البخاري: ((حدثنا محمد بن المقدام العجلي حدثنا
محمد بن عبدالرحمن الطفاوي حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال:
قال النبي ◌َل: ((أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم
البارحة إذا أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي))(٢).
وطريق الطفاوي هذا قال فيه البغوي فيما ذكر عنه الإسماعيلي: ((لا
أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبدالرحمن))(٣)، وهذا الحكم من
مثل هذا الإمام له قيمته العلمية لأنه مبني على التتبع والاستقراء لذا لم يذكر
الحافظ في مقدمة الفتح متابعات لحديث الطفاوي وكذا لم يفعل في شرحه
لهذا الحديث في الفتح، مع سعة اطلاع الحافظ - رحمه الله - وتبحره في
معرفة الطرق والروايات، وشدة دفاعه عن الصحيح ورجاله، ومن هنا
أستطيع أن أقول إن هذا الحديث لو طبقنا عليه قواعد المصطلح بخصوص
إسناده لحكمنا عليه بالغرابة والضعف، لكن الإمام البخاري أورده في جامعه
الذي اشترط فيه الصحة معتمداً عليه، والإمام البخاري لم يحكم على
خصوص هذا الإسناد وإنما باعتبار ما لهذا الحديث من شواهد منها:
الشاهد الأول: ما رواه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحة قال:
(حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وقليل قال:
(١) الفتح: ج٩ ص ٥٥٠.
(٢) رواه البخاري في كتاب التعبير، باب رؤيا الليل، رقم (٦٩٩٨)، ج١٢ ص٤٠٦.
(٣) نقله الحافظ في فتح الباري: ج٩ ص٤٠٧.
١٥٢

(بُعثت بجوامع الكلم ... ))(١).
والشاهد الثاني: ما رواه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه قال:
«حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَل قال: ((بُعثت
بجوامع الكلم ونُصرت بالرعب ... ))(٢).
فهذه الشواهد أو بعبارة أدق هذه المتابعات القاصرة، تدل على أن هذا
الحديث محفوظ عن أبي هريرة يرويه عنه محمد بن سيرين وسعيد بن
المسیب .
ويرويه عن سعيد بن المسيب، ابن شهاب الزهري، ويرويه عن
الزهري، إبراهيم بن سعد وعقيل.
وأما محمد بن سيرين فيرويه عنه أيوب، ولم يروه عن أيوب إلا
الطفاوي كما تقدم.
فأصل الحديث إذن ثابت وصحيح لا مرية فيه.
لكن ما هو الغرض العلمي الذي دفع البخاري إلى إخراج هذا
الحديث من طريق الطفاوي؟ ظهر لي غرضان هما:
أولًا: هذا الإسناد رواته كلهم بصريون، كما صرح به الحافظ وكما
يعلم من تراجمهم، إذن فهذا الإسناد وإن كان فيه تفرد محمد بن
عبدالرحمن الطفاوي عن أيوب، الذي قد يثير شبهة الغرابة، وخاصة أن
المتفرد ليس من الحفاظ، لكن لما كان هذا المتفرد إنما انفرد به شيخه
وبلديه، والحديث مشهور بالبصرة متداول بين علمائها، فهذه الشهرة تدفع
تلك الغرابة الآتية من تفرد الطفاوي به.
(١) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي ◌َّة: ((بعثت بجوامع الكلم)) رقم
(٧٢٧٣)، ج١٣ ص٢٦١ مع الفتح.
(٢) كتاب الجهاد، باب قول النبي وقالير: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)) رقم (٢٩٧٧) ج٦
ص١٤٩.
١٥٣

ثانياً: هذا الطريق أعلى سنداً من غيره فبين البخاري والنبي صَلّ خمسة
رجال، بينما الطريق الذي أورده في كتاب الجهاد فبينه وبين النبي وَ ل ستة
رجال، فطريق الطفاوي جمع بين العلو وتسلسل الرواة باعتبار بلدهم وهذا
مما يُعنى به المحدثون، ولا يكون هذا كله إلا إذا تأكد لديهم صحة أصل
الحديث، والله تعالى أعلم.
وأما الحديث الثالث فهو حديث ابن عمر («كن في الدنيا كأنك غريب
أو عابر سبيل ... )).
قال البخاري: ((حدثنا علي بن عبدالله حدثنا محمد بن عبدالرحمن أبو
المنذر الطفاوي عن سليمان أوعمش قال: حدثني مجاهد عن عبدالله بن
عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله وهو بيميني فقال: كن في الدنيا
كأنك غريب أو عابر سبيل»(١).
قال الحافظ: ((فهذا الحديث قد تفرد به الطفاوي وهو من غرائب الصحيح
وكأن البخاري لم يشدد فيه لكونه من أحاديث الترغيب والترهيب))(٢).
((وقد أخرجه أحمد والترمذي من رواية سفيان الثوري عن ليث بن أبي
سليم عن مجاهد، وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق الحماد بن
شعيب عن أبي يحيى القتات عن مجاهد، وليث وأبو يحيى ضعيفان والعمدة.
على طريق الأعمش وللحديث طريق آخر أخرجه النسائي من رواية عبدة بن
أبي لبابة عن ابن عمر مرفوعاً وهذا مما يقوي الحديث المذكور))(٣).
٢ - أحاديث فضيل بن سليمان النميري: أبو سليمان البصري، تكلم
في حفظه كثير من الأئمة(٤) ..
(١) رواه البخاري كتاب الرقاق باب قول النبي ◌َّ: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر
سبيل)) رقم (٦٤١٦) ج١١ ص٢٣٧.
(٢) هدي الساري ص ٤٦٣.
.(٣) فتح الباري: ج١١ ص٢٣٨.
(٤) انظر: هدي الساري ص ٤٥٦ - ٤٥٧.
١٥٤
1

قال الساجي: كان صدوقاً، وعنده مناكير.
وقال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: لين
الحدیث.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس
بالقوي .
وقد لخص الحافظ حاله فقال: ((صدوق له خطأ كثير)) (١).
فواضح أن مثل هذا الراوي ليس من شرط الصحيح، ومع ذلك نجد
الإمام البخاري قد انتقى من حديثه ما يتابعه عليه غيره، منها:
١ - حديثه عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر في إجلاء
اليهود.
ساق البخاري سنده فقط في كتاب الحرث والمزارعة وذكر عقبه متابعة
ابن جريج من طريق عبدالرزاق معلقاً(٢) وقد وصل مسلم طريق ابن جريج،
وأخرجها أحمد عن عبدالرزاق عنه بتمامها (٣)، وقد ساق البخاري لفظ
فضيل بن سليمان في كتاب الخمس (٤).
٢ - وحديثه بهذا الإسناد أيضاً في قصة زيد بن عمرو بن نفيل(٥) تابعه
عليه عبدالعزيز بن المختار عند أبي يعلى(٦).
٣ - وحديثه عن مسلم بن أبي مريم عن عبدالرحمن بن جابر عمن
(١) التقريب ص٤٤٧.
(٢) كتاب الحرث والمزارعة، باب إذا قال رب الأرض أقرك، ما أقرك الله ... رقم
(٢٨٣٨)، ج٢٦٥.
(٣) الفتح: ج٥ ص٢٧.
(٤) كتاب الخمس، باب ما كان النبي ◌َّله يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس وغيره
رقم (٣١٣٤)، ج٦ ص ٢٩٠.
(٥) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم (٣٨٢٦)، ج٧ ص١٧٦.
(٦) هدي الساري ص٤٥٧.
١٥٥

سمع النبي ◌ّ وتابعه عليه عند البخاري سليمان بن يسار عن عبدالرحمن بن
جابر وسمي المبهم أبا بردة بن نيار(١) .
٤ - وحديثه عن منصور بن عبدالرحمن عن صفية عن عائشة أن امرأة
سألت النبي وَ﴿ عن غسلها من الحيض ... )) (٢) تابعه عليه ابن عيينة ووهيب
وغيرهما(٣).
٥ - وحديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في حفر الخندق قال
البخاري - رحمه الله -:
«حدثني أحمد بن المقدام العجلي حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو
حازم حدثنا سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع النبي ◌َّ في الخندق وهو
يحفر ونحن ننقل التراب، وبصر بنا، فقال: اللهم لا عيش إلا عيش
الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة»(٤).
وقد تابعه على حديثه هذا عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه عن
سهل(٥) ..
(٥)
٦ - وحديثه أيضاً بهذا الإسناد ((ليدخلن الجنة من أمتي سبعون
ألفاً ... ))(٦).
(١) المصدر نفسه ص ٤٥٧
(٢) كتاب الاعتصام بالتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل رقم (٧٣٥٧)، ج١٣
ص٣٤١.
(٣) متابعة ابن عيينة في كتاب الحيض، باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض رقم
·(٣١٤)، ومتابعة وهيب في كتاب الحيض أيضاً، باب غسل الحيض رقم (٣١٥)، ج١
١
ص٤٩٤ و٤٩٦.
(٤) كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة رقم (٦٤١٤)؛
ج١١ ص٢٣٣.
(٥) كتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبي ◌َّير: ((أصلح الأنصار والمهاجرة)) رقم (٣٧٩٧)،
ج٧. ص١٤٨.
(٦) كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة رقم (٣٢٤٧)، ج٦.
ص٣٦٧.
١٥٦

تابعه عليه عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه أيضاً (١).
فهذه أمثلة ونماذج لم أقصد منها الاستيعاب، وإنما قصدت توضيح
منهج البخاري في تقوية أحاديث الضعفاء، وأنه لا يعتمد على خصوص
الأسانيد وإنما يحكم للحديث بمجموع طرقه.
والسؤال الذي يمكن أن يُطرح: لماذا يخرج البخاري لمثل هؤلاء
الضعفاء مع أن الحديث قد يكون مروياً بإسناد آخر أقوى منه؟ ونفس
الإشكال يُطرح أيضاً على الإمام مسلم.
وقد أجاب الإمام ابن الصلاح عن هذا فقال ما ملخصه:
«عاب عائبون مسلماً بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو
المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح.
والجواب: أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها.
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.
الثاني: أن يكون ذلك واقع في الشواهد والمتابعات.
الثالث: أن يكون صنف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه،
باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته.
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات
نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن
بذلك، ولما أنكر أبو زرعة(٢) على مسلم روايته عن أسباط بن نصر(٣)،
(١) كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار رقم (٦٥٥٣)، ج١١ ص٣٢٤.
(٢) هو الإمام العلم الحافظ أبو زرعة عبيدالله بن عبدالكريم بن يزيد القرشي المخزومي
الرازي، روى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، قال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا
يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل، توفي سنة (٢٦٤هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ :
ج٢ ص٥٥٧، والعبر: ج٢ ص٢٨.
(٣) (( ... صدوق كثير الخطأ، يغرب، من الثامنة/ خ ت م٤)) التقريب ص٩٨.
١٥٧

وقطن بن نسير (١)، وأحمد بن عيسى المصري(٢)، قال: إنما أدخلت من
حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه؛
ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول،
فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات))(٣).
وما أجاب به ابن الصلاح عن الإمام مسلم هو نفسه الجواب عن
الإمام البخاري .
(١) (( ... صدوق يخطىء، من العاشرة م د ت)) التقريب ٤٥٦.
(٢) (( ... صدوق تكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة، من العاشرة.
خ م س ق)) التقريب ص ٨٣.
(٣) صيانة صحيح مسلم ص٩٤ - ٩٨.
١٥٨

المبحث الثالث
اتصال السند
المطلب الأول: تعريفه وأهميته.
المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري.
المطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها.
المطلب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح
البخاري .
المطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري منه.
المطلب الأول
تعريف السند وأهميته
تعريف السند لغة:
هو ما ارتفع من الأرض ... وما قابلك من الجبل وعلا عن السفح،
والجمع أسناد، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند، ويقال أسند في
الجبل إذا ما صعده، ويقال فلان سند أي معتمد (١) .
(١) انظر: لسان العرب مادة (سند).
١٥٩

واصطلاحاً:
هو طريق المتن، أي سلسلة الرواة الذين نقلوا المتن عن مصدره الأول،
وسمي هذا الطريق سنداً إما لأن المسند يعتمد عليه في نسبة المتن إلى مصدره،
أو لاعتماد الحفاظ على السند في معرفة صحة الحديث وضعفه (١).
والمراد باتصال السند: أن لا يكون هناك انقطاع في سلسلة الإسناد
بسقوط راو أو أكثر عمداً من بعض الرواة أو من غير عمد، من أول السند
أو من آخره أو من أثنائه سقوطاً ظاهراً أو خفياً.
أهميته:
إن اتصال السند شرط أساسي وضروري في صحة الحديث (فمدار
الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل)(٢) ولهذا الأهمية
العظيمة اعتبر الإسناد من الدين، قال الإمام ابن المبارك: ((الإسناد من الدين
ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)) (٣).
وقال سفيان الثوري: («الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح
فبأي شيء يقاتل)) (٤).
فالإسناد خصيصةٍ من خصائص هذه الأمة، وفضيلة تمت لله عز وجل
عليهم بها النعمة، به عرف الصحيح من السقيم، وصان الله دينه عن قول
كل أفاك أثيم، وليس لمن قبل هذه الأمة غير صحف اختلط منكرها
بمقبولها، واشتبه صحيحها بمعلولها، فلا تمييز عند أحد منهم بين ما جاء به
أنبياؤهم المرسلون، وبين ما أدخل في ذلك، وألحق به الغواة المبطلون(٥).
(١) انظر: تدريب الراوي ص ٥ - ٦، وشرح الزرقاني على البيقونية ص٩.
(٢) هدي الساري ص ١٣.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي: ج١ ص٧٧.
(٤) رواه ابن حبان في كتاب المجروحين: ج١ ص٢٧.
(٥). الحافظ صلاح الدين العلائي: بغية الملتمس، حققه وعلق عليه - حمدي عبدالمجيد.
السلفي - عالم الكتب، طعبة أولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥م، ص٣٦.
١٦٠

وقد سبق في الفصل الأول أن الإمام البخاري سمى كتابه ((الجامع
الصحيح المسند ... )).
وأنه قصد جمع الأحاديث المرفوعة المتصلة الإسناد، وقد أورد فيه
الآيات والموقوفات والآثار على سبيل التبع والاستشهاد والكثير منها معلق
غير مسند، وهذه لا أتكلم عنها في هذا البحث، لأنها ليست على شرط
الكتاب، وسأتكلم على قضايا لها علاقة مباشرة بصحة الحديث وتعليله،
كطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري، والعنعنة وموقف البخاري منها،
ثم دراسة نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع وهي في صحيح البخاري، ثم
أتعرض للتدليس وموقف الإمام البخاري من رواية المدلسين.
المطلب الثاني
طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري
ذكر الإمام البخاري في ((صحيحه)) الطرق المعتمدة عنده في النقل
والتحمل وهي:
١ - السماع من لفظ الشيخ.
٢ - القراءة والعرض على المحدث.
٣ - المناولة .
٤ - المكاتبة .
أولاً - السماع من لفظ الشيخ:
وقد ترجم له بقوله: ((باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا)) وهي
الصيغ المستعملة للتعبير عن السماع، وأورد في هذا الباب ما يلي: ((قال لنا
الحميدي، كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا واحد».
واستدل البخاري، على أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بأن الصحابة -
١٦١