Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦٢ -
فإذا كان من ذكرهم في تاريخه الكبير يشتمل على نحو من أربعين
ألفاً ، والذين ذكرهم من الضعفاء أقل من سبعمائة فمعنى ذلك أن
أكثر من تسعة وثلاثين ألفاً كلهم ثقات ، ومع هذا فلم يرو في جامعه
الصحيح إلا عن أقل من أَلفي رجل وقل هذا القول في مسلم أيضاً ،
فهو لم يرو عن كل الثقات عنده ، وإِنما روى عن بعضهم وهو القليل .
وليس هذا بمستغرب إِذا عرفنا أن البخاري رحمه الله روى عن أكثر
من ألف شيخ ، حيث قال محمد بن أبي حاتم - وراقه عنه قال : كتبت
عن أَلف وثمانين نفساً ليس فيهم إِلا صاحب حديث))(١).
وعن أنس بن سيرين قال : أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف
يطلبون الحديث ، وأربعمائة قد فقهوا (٢).
ومع هذا فلم يكن البخاري ومسلم باللذين يرويان عن كل، وحسب
ما يطيب، وإِنما مثلهما كما قال عفان بن مسلم رحمه الله وقد سمع قوماً
يقولون : نسخنا کتب فلان ، ونسخنا كتب فلان ، فقال : ترى هذا
الضرب من الناس لا يفلحون ، كنا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند
هذا ، ونسمع من هذا ما ليس عند هذا ، فقدمنا الكوفة فأَقمنا أربعة
أَشهر ، ولو أردنا أن نكتب مائة ألف حديث لكتبنا بها ، فما
كتبنا إِلا قدر خمسين ألف حديث ، وما رضينا من أحد إلا بالإملاء إِلا
شريكا ، فإِنه أَبِى علينا، وما رأينا بالكوفة لحناً مجوزاً))(٣)
(١) هدی الساری (٤٧٩ ).
(٢) المحدث الفاصل ( ٥٦٠ ) .
(٣) المحدث الفاصل (٥٥٩).

- ٢٦٢ -
فإِذا كان الشيوخ متوافرين - وبهذه الكثرة - والأحاديث المسندة
المتعددة الطرق متوافرة ، وسهلة الرواية والأخذ . والجمع بين الروايات
وضمها ممكناً أيضاً، والسبل ميسرة لطالب الحديث أن يحمل من الحديث
: ما يستطيع ويقدر ، وأن يكتب منه قدر طاقته ، ومع هذا كله لم يرو
الشيخان إلا النذر اليسير من تلك الألوف المؤلفة وعن العدد القليل من
الشيوخ في كتابيهما ، فلا أقل أن يختلفا في الشيوخ والرواية والأسانيد
أيضاً ، إِذ من عادتهما وغيرهما أن يسمعا من شيخ ما ليس عند غيره ،
والأسانيد تختلف، والرواة يتعددون كثرة . فيوجد عند هذا ما لا يوجد
عند الآخر ، والبخاري ومسلم مثلهما مثل غيرهما من الرواة . فقد يوجد
عند البخاري - حسب مروياته - ما لا يوجد عند مسلم من الشيوخ ،
والعكس كذلك. والله أعلم . . .... ..
سادساً : ظروف الرحلات ، واللقاء بالشيوخ :
فإِنه مما لا شك فيه أن علماء الحديث من سلفنا الصالح كانوا
يرحلون ويجولون البلاد شرقاً وغرباً بحثاً عن الشيوخ ، والعلماء الكبار ،
والثقات الأَثبات ، وكلما سمعوا بإِمام من الأئمة ، أَو من يحظى
بسند عال ، أَو مزية خاصة رحلوا إليه ، وازدحموا عليه ، وكثر الطلب
والمراسلة ، وهذا شأنهم وديدنهم ، وهذا ما نراه من الأسانيد الماثلة أمامنا
في كتب الحديث ، فنرى أول السند يبدأ بالحجاز ، ثم يصبح بصرياً
ثم كوفياً ، ثم مصرياً ثم شامياً ، وقد يبدأ يمنياً ، ثم مكياً ثم ما وراء النهر
ثم بغدادياً ، وهكذا .
وقد رحل الأَّئمة رحمهم الله آلاف الأميال على أقدامهم طلباً للحديث
الواحد أَو بحثاً عن صحة حديث واحد ، أَو لاستكشاف صحة سند

- ٢٦٣ -
واحد . ولولا ذلك لما حصل من الحديث ما حصل من الجمع والتدوين
والتمحيص .
والناس قديماً يمتدحون صاحب الرحلات واللقي بالشيوخ ...
وشأن العالم المحدث أن يأخذ أَولا عن أهل بلده ثم يرحل وهكذا
فعل كل من البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى ، والناس يموتون في
آجالهم ، والأعمار مقدرة ، والعلم رزق يناله الطالب بالسعي ثم بفيض
من الله وكل فضل من الله ونعمة .
ومما لا شك فيه أن كلا من البخاري ومسلم رحمهما الله قد التقيا
بشيوخ ، كما فات أحدهما ما لم يفت الآخر ، والتقى أَحدهما بما لم
يلتق به الآخر ، وذلك لظروف رحلاتهما ، ومدة أعمارهما ابتداءً
وانتهاءً . والمدن التي دخلاها أَو أَحدهما ، والاجتهاد في الأخذ عن
شیخ دون غيره .
ولا شك أن الرحلات تتداخل فيها عوامل مالية وصحية ونفسية
وزمنية فكم من إِمام عاقه قلة ذات اليد للرحيل إِلى إِمام من الأمة ،
فيروى عنه نازلا، وكم من إِمام بلغه - خطأً - وفاة إِمام فلم يرحل إليه .
مع أنه اقترب من موطنه ، ثم بان خطأً الخبر وأنه حي فروى عنه
بالواسطة - كما هو الحال مع البخاري والإِمام عبد الرزاق .
ولهذه الظروف مجتمعة فات أحدهما بعض الشيوخ وفات الآخر
بعض الشيوخ، وبفوت ذلك الشيخ يفوت بعض السند أيضاً لأن الشيوخ
يعتنون بأسانيد بلادهم أولا ، والله أعلم.

- ٢٦٤ -
سابعاً : كثرة الطرق وعملية الانتقاء :
إِن المحدث في بدء طلبه للحديث يحاول أن يجمع من الأحاديث
ومن الطرق ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فإذا أراد أن يؤلف على الأبواب
أو الكتب أو الأجزاء أو المشيخات ... يمحص ماعنده ثم يكتب ،
ولا يكتب كل ما عنده ، إنما ينتقي من محفوظاته بعض علمه ، وهذا
واضح من أقوالهم رحمهم الله تعالى، وما وصل إلينا ليس هو كل ما عندهم
من العلم والحديث . فالبخاري انتقى صحيحه من ستمائة ألف حديث ،
ومسلم انتقى صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ، وأحمد بن حنبل
انتقى مسنده من سبعمائة وخمسين ألف حديث وجعله للمسلمين إماماً
وحجة ، وأبو داود انتقى سننه من خمسمائة ألف حديث ... وهكذا .
وليست هذه الألوف أو مئات الألوف أحاديث متعددة كما يظنه
من لا علم عنده ، وإِنما هي طرق للأحاديث ، فكم من حديث يروى من
مائة طريق أو مائتي طريق أو عشرة طرق أو أكثر أو أقل . وهكذا ،
وشأن المحدث الإِمام العالم أن ينتقي من تلك الطرق الكثيرة طريقاً
أو طريقين حسب ما يريد من تلك الأحاديث والطرق .
مثال ذلك حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فقد نقل عن الحافظ أبى
إسماعيل الأنصارى الهروي أنه كتبه من حديث سبعمائة من أصحاب
راويه يحيى بن سعيد الأنصاري (١) .
وقال الجوزقي رحمه الله : إنه استخرج على أحاديث الصحيحين
فكانت عدته خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقاً(٢).
(١ و٢) فتح المغيث (١: ٢٨).

- ٢٦٥ -. ..
بينما نجد في الصحيحين لهذا الحديث أربعة عشر طريقاً، اتفقا على
طريق، وانفرد البخاري بست طرق ومسلم بسبع طرق ، وكلها عن يحيى
ابن سعيد،وهي كلها عن تسعة من أصحاب يحيى بن سعيد وهم: ((مالك
وسفيان ، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي ، والليث بن سعد ، وسلمان
ابن حيان، وحفص بن غياث، ويزيد بن هرون ، وعبد الله بن المبارك)»
والله أعلم
ولا يعقل أن يضع البخاري أو مسلم هذا الحديث من طريق سبعمائة
راوٍ ضمن كتاب لا يزيد عن أربعة آلاف حديث لمسلم وعن أقل للبخاري
لذا كان لابد من انتقاء سبع طرق أَو ثمان ، وانتقاء الطريق خاضع
لعوامل متعددة ، منها تنوع السند ، ومنها صحة السند وعلوه - عدداً
وصفة - في نظر المؤلف، ومنها خشية التكرار وكثرته ، ومنها عوامل
كثيرة مع أنا لا نغفل الجانب البشري في الانتقاء وما يعتري الإنسان من
ملل أَو كسل أَو ... علماً بأن هذا الحديث رواه البخاري في سبعة مواطن
من صحيحه ، بينما رواه مسلم في موطن واحد ، وبسند واحد ثم ذكر سبعة
أَسانيد وأحال بها على الأول .
وما دام البخاري ومسلم لابد لهما من انتقاء عدد من الطرق من
مجموع تلك الألوف التي يحفظونها لذا فإن عملية الانتقاء لا يشترط
أن تتفق عندهما على نمط واحد وأُسلوب واحد وبأسانيد واحدة ، وإِنما
تخضع لعوامل كثيرة ذكرت بعضها . ولكل منهما وجهة في الاختيار
اتفقا في بعض واختلفا في بعض آخر - كمجتهدين في الاختيار .
والله أعلم .

- ٢٦٦ -
ثامناً : العلو بالإسناد والنكت الحديثية الأخرى :
إِن مما بهم المحدث بالدرجة الأولى هو صحة الحديث ، لأن عليه
المعول ، ثم تأتي نكت حديثية ذات بال في الحديث، منها: علو الإسناد
سواءٌ بنقص العدد أَو بصفةُ الرواة، إِذ كلما كان عدد الرواة قليلا كلما
كان أقرب إلى مصدر التشريع ، وأقرب في التناول والتعرف على صحة
الحديث ... كما أَن الحديث كلما كان في سنده من الأئمة كلما كانت
النفس تر کن وتطمئن إليه ...
ولما كان في المحدثين عن عرف بالتدليس - وعند عامة المحدثين
لا تقبل رواية المدلس إلا إذا صرح بالسماع والتحديث - كانت رغبة
الشيخين قوية في سوق الأسانيد التي فيها التصريح بالسماع والتحديث
من المدلسين ، وقد يسوق البخاري رحمه الله سنداً إنما القصد منه مجرد
التصريح بالسماع من مدلس .
كذلك الأمر في احتمال الانقطاع بين اثنين لوجود شبهة عدم اللتي ،
فيضطر المحدث إلى ذكر بعض الأسانيد لوجود التصريح فيها بالسماع .
وقد يرغب بعض المحدثين برواية ما فيه التصريح بالسماع ويرغب
عن التحديث بالعنعنة فيضطر لذكر تلك الأسانيد المصرح فيها بالتحديث
خشية الرمي بالعنعنة ...
لهذا كله قد يضطر المحدث لذكر سند - عالياً - ومن طريق بعض
الرواة الذين لا يروي عنهم عادة صاحب الصحيح - لبيان علو السند ،
أو التصريح بالسماع من مدلس . أو زيادة لفظة في الحديث ... فيختلف
ذلك في الشيوخ والرواة .

٠٢٦٧
· وعلى هذا يحمل عمل المحدثين مع كبار الأمة ، فالبخاري مثلا
لم يرو عن الشافعي ولم يذكره في صحيحه إلا في موطنين مع أن أكثر
من ثلاثين شيخاً للبخاري هم تلاميذ الشافعي . ولم يذكر هو ومسلم
أبا حنيفة رحمه الله مع أنهما أدركا بعض أتباع أتباعه ، ولم يذكر
: البخاري أحمد بن حنبل إلا في موطنين من صحيحه أَحدهما تعليقاً
والآخر نازلا ، مع أنه عرض عليه صحيحه ، ولم يذكر مسلم البخاري
رحمهما الله في صحيحه ، مع أنه لازمه ونسج على منواله ولم يذكر
أحمد إِلا قدر ثلاثين ، ولا أَخرج أحمد في مسنده من طريق الشافعي
عن مالك عن نافع عن ابن عمر - والذي هو أَصح الأسانيد أو من أَصحها
إلا مرة واحدة - وهو عند غيره أربعة أَحاديث . مع أن أحمد روي
الموطأُ على الشافعي وقال بعدأن قرأه على سبعة عشر حافظاً من كبار أصحاب
مالك : إِني رأيته أَقومهم ، أَو أَضبطهم ، ويعد من رواة المذهب القديم
إِذ سمع على الشافعي جميع كتبه التي كان قد كتبها قبل خروجه إِلى
مصر، ومع هذا لا نجد في المسند إلا أقل من أربعين حديثاً تقريباً
- من طريق الشافعي - .
وكل هذا عندهم رحمهم الله ليس لضعف في اعتقادهم ، وإنما لعلو
في السند إذ لو روى البخاري من طريق الشافعي عن مالك لكان نازلا
بدرجة وهو يروي من طريق رجال هم أقران الشافعي . وأَما أَحمد فقد
اختار رواية عبد الرحمن بن مهدي وهو ممن توفي قبل الشافعى ...
وهكذا. وقد استوعبت هذه المسألة شرحاً في (( الشافعي وأثره في الحديث
وعلومه )) فانظرها هناك .
هذا وقد يضطر - كما قلت - المحدث أن يروي عالياً بسند أَضعف،

- ٢٦٨ -
وعنده الحديث بسند نازل من طريق الثقات ، أَو أن يكون الحديث
معروفاً عند أقرانه من طريق الثقات . وقد صرح مسلم رحمه الله بذلك
فقال عندما عاتبه أبو زرعة الرازي رحمه الله في روايته عن أَسباط
ابن نصر ، وقطن بن نسير ، وأَحمد بن عيسى المصري فقال مسلم رحمه
الله : إِنما أدخلت من حديث أَسباط بن نصر ، وقطن ، وأحمد ، ما قد
رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون
عندي من رواية من هو أَوثق منهم بنزول فأَقتصر على أُولئك ، وأَصل
الحديث معروف من رواية الثقات(١)
وقال رحمه الله عندما لامه إبراهيم بن أبي طالب على التخريج عن
سويد : من أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة بعلو (٣) ؟ وذلك أَن
مسلماً لم يرو في صحيحه عن أحد ممن سمع حفصاً سواه ، وروى فيه
عن واحد عن ابن وهب عن حفص)) فيكون ذكره طريق سويد عالياً .
قلت : وكل من قطن بن نسير ، وسويد بن سعيد الهروي من
أفراد مسلم أَما أَسباط فقد روى له البخاري تعليقاً ، وأخرجا جميعاً عن
أحمد بن عيسى .
فمسلم رحمه الله لما لم يجد طريقاً عالياً يوصله إلى نسخة حفص
ابن ميسرة إلا من طريق سويد بن سعيد بن سهل الهروي - الذي أثنى عليه
أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم وأُفحش فيه القول ابن معين -
(١) شروط الأئمة الخمسة (٦٢ - ٦٣):
(٢) انظر تدريب الراوى (١: ٩٨) وفتح المغيث (١: ٣٠٣) وانظر ما فصلته
فى ذلك ((الشافعى وأثره فى الحديث وعلومه)) (١٩٦ - ٢٠١).

- ٢٦٩ -
روى من طريقه، علماً بأَن أَحاديثها معروفة - نازلاً - من طريق
الثقات الأَثبات .
وهذا شأن المحدثين ، ولم ينفرد مسلم رحمه الله بذلك .
ومن هذا قد يروي مسلم عن شيوخ لأنه لم يقع له حديث أَو نسخة
بسند عال إلا من طريقهم ، بينما هي عند البخاري بعلو ، مثلا ؛
وهؤلاءِ الشيوخ أيضاً ليسوا على شرط البخاري. والعكس كذلك. والله أعلم ..
تاسعاً : الاختلاف فى الشرط فى الرجال :
لقد مر في الباب الأول ((شروط الصحيحين)) طبقات الرواة عن
الزهري وهي خمس طبقات : كما ذكرت تقسيم مسلم لرواة الحديث
وهم عنده ثلاث طبقات أيضاً . وأنه يخرج حديث الطبقتين الأولى
والثانية ، ولا يعرج على رجال الطبقة الثالثة ، وأما بالنسبة للمكثرين
كالزهري ونافع وغيرهما . فإِن البخاري رحمه الله يخرج حديث الطبقة
الأُولى كمالك وسفيان وغيرهما . وقد يخرج من حديث أَهل الطبقة
الثانية ما يعتمده من غير استيعاب ، وإِن كان أكثر ما يخرج حديث
الطبقة الثانية تعليقاً ، وهم كأمثال الأوزاعي والليث بن سعد وأَضرابهما.
وقد يخرج البخاري أحياناً وبشكل قليل جداً من حديث الطبقة الثالثة
تعليقاً أيضاً. وهم أمثال جعفر بن برقان وسفيان بن حسين وأضرابهم (١).
وأَما مسلم فإِنه يخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب
ويخرج أحاديث أهل الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنعه البخاري
في الثانية .
(١) سفيان: روى له تعليقاً، جعفر فى الأدب المفرد، وهما من رجال مسلم:

- :٢٧٠ -
أَما الرابعة والخامسة فلا يعرجان عليهما .
فمسلم يخرج من أهل الطبقة الثالثة ما لم يذكره البخاري رحمهما
الله ، فزاد عليه .
قال الحافظ رحمه الله : وهذا المثال الذي ذكرناه هو في حق
المكثرين ، فيقاس على هذا أَصحاب نافع وأصحاب الأَعمش وأصحاب
قتادة وغيرهم .
فأما غير المكثرين فإِنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة
والعدالة وقلة الخطأ ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرد
به كيحيى بن سعيد الأنصاري ، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه ، فأخرجا
له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر (١).
وبهذا الاختلاف في الشروط اختلف الشيخان في بعض الشيوخ ،.
فأحدهما روى عنه لأنه قوي عنده صحة الاعتماد ، والآخر لا ، وكذا
في أَهل الطبقة الثالثة والثانية وسيأتي مزيد بحث في الفقرة العاشرة
إن شاءَ الله تعالى . والله أعلم.
عاشراً : اختلاف وجهات النظر فى بعض الرواة :
إن بعض الرواة قد تكلم فيهم بعض الحفاظ ، سواءٌ من المتشددين
أَم من المعتدلين ، وكون تلك الاتهامات مقبولة أم مردودة ، لذا حصلت
شبهة في مروياتهم علماً بأنهم من الحفاظ الثقات الضابطين ، لكن لما
تكلم في رواياتهم توقف بهم بعض المحدثين لوجود تلك الشبهة ،
(١) هدیلساری ( ١٠ ) .

- ٢٧١, ١
واستغنى بغيرهم عنهم . والبعض الآخرِ سبر أحوالهم ورواياتهم فرآها
سليمة صحيحة فاعتقد صحتها ، لذا روى عنهم . ..
ومن هؤلاء البخاري ومسلم فإِن أَحدهما توقف في رواية بعض
المحدثين كما هو الحال في البخاري مع : حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي
صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم،
لكنه روى عن بعضهم تعليقاً أو استشهاداً ليبين أنه ثقة - كما سأُذكر.
أَما مسلم فقد زالت عنده تلك الشبهة عنهم لذا روى عنهم .
قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي رحمه الله : فاعلم أن
شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إِلى
الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات ، ويكون إِسناده
متصلا غير مقطوع .
فإِن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وإِن لم يكن له إِلا راوٍ
واحد إِذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه .
إلا أن مسلماً أَخرج أحاديث أَقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة
وقعت فى نفسه ، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة ، مثل حماد بن
سلمة ، وسهيل بن أبي صالح ، وداود بن أبي هند ، وأبي الزبير ، والعلاء
ابن عبد الرحمن ، وغيرهم .
جعلنا هؤلاء الخمسة مثالاً لغيرهم ، لكثرة روايتهم وشهرتهم .
فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخاري إخراج
حديثهم معتمداً عليهم تحرياً ، وأخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة .

- ٢٧٢، سد
ومثال ذلك : أَن سهيل بن أبي صالح تكلم في سماعه من أبيه ،
فقيل صحيفة ، فترك البخاري هذا الأصل ، واستغنى عنه بغيره من
أصحاب أبيه .
ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه ، فوجده : مرة يحدث عن
عبدِ الله بن دينار عن أبيه .
ومرة عن الأعمش عن أبيه .
ومرة يحدث عن أخيه عن أَبيه بأحاديث فاتته من أبيه .
فصح عنده أنه سمع من أبيه ، إذ لو كان سماعه صحيفة لكان
يروي هذه الأحاديث مثل تلك الأخر .
[قلت : قال الحافظ : له في البخاري حديث واحد في الجهاد مقرون
بيحيى بن سعيد الأنصارى كلاهما عن النعمان بن أبي عياش عن أَبي
سعيد ، وذكر له حديثين آخرين متابعة في الدعوات ، واحتج به
(١)
الباقون(١) اهـ .
وقال الذهبي : خرج له البخاري استشهاداً ... وقال ابن عدي :
هو عندي ثبت لا بأس به ، له نسخ ، روى عن أبيه ، وعن جماعة
عن أبيه ، وهذا يدل على ثقته ، كونه ميز ما سمع من أبيه ، وما سمع
من أصحاب أبيه عن أَبيه .
وقال السلمي : سألت الدارقطني : لم ترك البخاري سهيلا في الصحيح؟
فقال : لا أعرف له فيه عذراً ، فقد كان النسائي إذا تحدث بحديث
لسهيل ، قال : سهيل والله خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير ، وغيرهما ..
(١) هدی الساری ( ٤٠٨) .

- ٢٧٣ -
وقال الحاكم: روى له مسلم الكثير، وأكثرها في الشواهد (١) اهـ.
فهذا شأن سهيل ، تركه البخاري في الأصول لوجود الشبهة ،
وأخرج له مسلم لزوال الشبهة . والله أعلم ] .
ثم قال الحافظ أبو الفضل رحمه الله : وكذلك حماد بن سلمة :
إِمام كبير مدحه الأمة ، وأَطنبوا ، لما تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة :
أَن بعض الكذبة أَدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج [ أي البخاري ]
عنه معتمداً عليه . بل استشهد به في مواضع ليبين أَنه ثقة ، وأخرج
أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه ، كشعبة ، وحماد بن
زيد ، وأَبِي عوانة ، وأبي الأحوص ، وغيرهم .
ومسلم اعتمد عليه ، لأَنه رأي جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين
رووا عنه حديثاً لم يختلفوا عليه ، وشاهد مسلم منهم جماعة ، وأخذ
عنهم ، ثم عدالة الرجل في نفسه ، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإِمامته.
فهذا الكلام فيما اختلفا فيه من إخراج أحاديث هؤلاءٍ وما جرى
مجراهم(٣) . اهـ.
وقال الحافظ أبو بكر الحازمى رحمه الله : ... وعلى هذا يعتذر
لمسلم في إخراجه حديث حماد بن سلمة ، فإنه لم يخرج إِلا رواياته
عن المشهورين نحو ثابت البناني ، وأيوب السختياني ، وذلك لكثرة
ملازمته ثابتاً وطول صحبته إياه ، حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره
وحفظه بعد الاختلاط ، كما كانت قبل الاختلاط .
(١) ميزان الاعتدال (٢: ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٢) شروط الأئمة الستة (١٠ - ١١).
( ١٨ - مكانة الصحيحين)

- ٢٧٤ -
وأَما حديثه عن آحاد البصريين ، فإِن مسلماً لم يخرج منها شيئاً ،
لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب ، وذلك لقلة ممارسته
لحديثهم ) اهـ. فلما اختلط في آخره ترك البخاري رحمه الله الرواية
عنه اعتماداً ، وإِنما ذكره تعليقاً ولم يخرج له احتجاجاً ولا مقروناً
ولا متابعة إلا في موضع واحد قال فيه : قال لنا أَبو الوليد : حدثنا
حماد بن سلمة ... فذكره ، وهو في كتاب الرقاق ، وهذه الصيغة
لا يستعملها إلا إذا کان في إسنادها من لا يحتج به عنده .. .
وقد سبق البحث في هذه المسألة في الفصل الأول من الباب الثاني
فانظره هناك .
وقال ابن الجوزي رحمه الله : اشترط البخاري ومسلم الثقة والاشتهار
قال : وقد تركا أشياءً تركها قريب ، وأَشياءً لا وجه لتركها ، فمما
تركه البخاري الرواية عن حماد بن سلمة ، مع علمه بثقته ، لأَّنه
قيل: إنه كان له ربيب يدخل في حديثه ما ليس منه ... )) ثم ذكر
تركه الرواية عن سهيل وقد سبق ذكر ذلك ، والله أعلم .
قلت : ومثل ذلك عكرمة أَبو عبد الله مولى عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما ، فقد احتج به البخاري وأصحاب السنن ، وتركه مسلم ،
فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقروناً بسعيد بن جبير ، وإنما
تركه مسلم لكلام الإِمام مالك فيه ، وقد تعقب جماعة من الأَّمة ذلك ،
وصنفوا في الذب عنه مصنفات أمثال أبي جعفر ابن جرير الطبري ،
(١) شروط الأئمة الخمسة ( ٤٧).
(٢) انظر هدى السارى (٣٩٩).
(٣) فتح المغيث للسخاوى (١ : ٤٢).

- ٢٧٥ -
ومحمد بن نصر المروزي ، وأبي عبد الله ابن منده ، وأَبي حاتم ابن حبان
البستي ، وأبي عمر ابن عبد البر وغيرهم .
وأن تلك الطعون التي وجهت إليه لا يثبت منها شيء ، وقد لخص
الحافظ ابن حجر رحمه الله ذلك والجواب عنه في تهذيب التهذيب ،
وأَعاد ذلك في مقدمة الفتح ((هدي الساري)) فانظرها فيهما إِن شئت(١)،
ولا حاجة لذكر ذلك هنا ، وقد أشرت إلى ذلك في الفصل الأول أَيضاً .
ومما ذكرته يتضح اختلاف الشيخين في الرواة عندما يقع فيهم
جرح ، مبهم أو مفسر ، فيرى أَحدهما أَن الجرح لا يضر ولا يثبت ،
ويثبت عنده براءة الراوي وصحة مروياته فيروي عنه ، بينما يتوقف
الآخر في رواياته ولم يسبرها فلم يرو عنه ، لكنه قد يذكره مرة أو تعليقاً
لبيان ثقته وجلالته . ويعتمد على ما يرويه من طريق غيره من أقرانه ،
وهذا واضح لا جدال فيه . والله أعلم .
الحادى عشر : ولا ننسى أنهما بشر يطرأ عليهما ما يطرأ على البشر
وإِن كان أَمثالهما ممن زكت نفوسهما ، وسمت أرواحهما، وأَخلصت
الله نياتهما ، لا يعاملون الناس بالذي يستحقون ، وهذا واضح جلي ،
فالذهلي رحمه الله الذي شنع على البخاري وكان أحد الأسباب في
إخراجه من نيسابور ، ومع هذا فهو لم يترك الرواية عنه ، لكنه لم
يذكره باسمه كاملاً فيقول حدثنا محمد ، أَو ينسبه لجده ، لكن مسلماً
رحمه الله لم يحدث عنه ، وأرسل له جميع ما كان قدسمعه منه، كما كان
(١) انظر: هدى السارى (٤٢٥ - ٤٣٠) وتهذيب التهذيب (٧: ٢٦٣ - ٢٧٣).

- ٢٧٦ -
منصفاً معه حيث لم يرو عن البخاري أيضاً ، ولم يذكره في صحيحه
- في قصة طويلة معروفة عند أهل العلم ، لاحاجة لذكرها هنا - رحمهم
الله تعالى جميعاً ورحمنا معهم بمنّه وكرمه .
فقد يعتري الإنسان الأحوال البشرية ، وهذا ما جبل عليه البشر .
والله أعلم .
هذا ما حضر لي من العوامل التي جعلت كلا من الشيخين يروي عن
شيوخ لم يرو عنهم الآخر ، ولا شك أن هناك غيرها ، لكن هذا ما حضرني،
والعلم عند الله تعالى . ولعلي وفقت في ذلك . وفيما ذكرت مقنع لذوي
العقول . والله أعلم .

الفَصلُ الثَّالِثَ
فَارَهَنَا كَثير مَنْ الحَدِيثِالصَّحِخْ
لقد أُلزم الإِمام الدارقطني وابن حبان وأبو ذر الهروي وغيرهم
رحمهم الله تعالى الشيخين - البخاري ومسلماً - رحمهما الله تعالى إِخراج
أحاديث تركا إخراجها ، مع أن أسانيدها أَسانيد قد أَخرجوا لرواتها في
صحیحیهما بها .
كما أَلزمهما الدارقطني وغيره إِخراج حديث جماعة من الصحابة
رضي الله عنهم ، صحت الرواية عنهم ، ورويت أحاديثهم من وجوه
صحاح لا مطعن فيها ، ومع ذلك لم يخرجا شيئاً من أحاديثهم .
بل ذكر البيهقي رحمه الله أن كلا من البخاري ومسلم روى أحاديث
من صحيفة همام بن منبه واتفقا على بعض منها ، ثم انفرد كل منهما
بأحاديث منها ، مع أن الإِسناد واحد ، وعلى هذا فيلزمهما إخراج جميع
ما في الصيحفة .
قال الإمام النووي رحمه الله : ألزم الإمام الحافظ أبو الحسن علي
ابن عمر الدارقطني رحمه الله وغيره البخاري ومسلماً رضي الله عنهما
إخراج أحاديث تركا إِخراجها ، مع أَن أَسانيدها أسانيد قد أُخرجا
لرواتها في صحيحيهما بها .
وذكر الدارقطني وغيره أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم
رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورويت أحاديثهم من وجوه

- ٢٧٨ -
صحاح لا مطعن في ناقليها ، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئاً ، فلزمهما
إخراجها على مذهبيهما
وذكر البيهني أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن مثبه ،
وأَن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها ، مع أن الإِسناد
واحد .
وصنف الدارقطني وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما .. (١).
وهذا الإلزام الذي ألزمهما إياه من بعدهم من الأَئمة ليس بلازم لهما
ولا يلزمهما ، وذلك لأنهما لم يلتزما استيعاب جميع الحديث الصحيح ،
كما أنهما لم يلتزما إِخراج حديث كل راوٍ ثقة ، وإِنما كان جل عملهما
رحمهما الله تعالى إخراج مختصر لأحاديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم . صحت الطرق فيها ، وتناظر فيها أهل عصرهما ، وتعددت
رواياتها ، فانتقوا منها هذا العدد القليل ، من جملة محفوظاتهما الكثيرة
ولم يكن همهما رحمهما الله تعالى استيعاب جميع الأحاديث الصحيحة
الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد ورد عنهما رحمهما الله تعالى التصريح بذلك ، وأنهما لم يجمعا
جميع ما صح، وإِنما جمعا مختصراً يضم عدداً من أحاديث رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الذي جمعاه صحيح عندهما وعند من
يتبعهما ، كما أنهما رحمهما الله تعالى لم يحكيا ، ولم يقولا أن كل
ما لم يذكراه من الحديث هو ضعيف ، بل على العكس من ذلك .
وعلى هذا القول اعتمد عامة أهل العلم بالحديث . وصرحوا بأَن
. (١) شرح النووي على صحيح مسلم (١: ٢٤) .

- ٢٧٩ -
الشيخين رحمهما الله لم يستوعبا جميع الصحيح ، ولم يلتزما ذلك ،
ومن زعم غير ذلك فإِن شاهد البرهان - وهو وجود الصحيح عند غيرهما -
يرد عليه ويقطع حجته بالإضافة إلى ما نقل عنهما من عدم استيعابه .
لذا فإني أَنقل هنا أقوال عدد من أئمة أهل العلم بالحديث مبيناً أن
الشيخين لم يستوعبا ولم يلتزما إخراج كل حديث صحيح .
علماً بأن المبتدعة استغلوا هذا وحملوا على أهل الحديث بأَّنه لم
يصح من الحديث إِلا العدد القليل ، وسوف أذكر الجواب عن هذا
إن شاء الله تعالى .
قال الإِمام الحاكم أبو عبد الله صاحب المستدرك رحمه الله تعالى في
مقدمة المستدرك مبيناً كيف شمت جماعة من المبتدعة برواة الحديث
زاعمين أنه لم يصح من الحديث إلا عشرة آلاف ويقصدون بذلك
مجموع ما في البخاري ومسلم ، علماً بأن كلا من البخارى ومسلم لم
يصرح بأن ما لم يروه لم يصح : فقال :
. أما بعد ، فإن الله تعالى ذكره أَنعم على هذه الأمة باصطفائه بصحبة
نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله أَخيار خلقه في عصره ، وهم الصحابة
النجباءُ لزموه في الشدة والرخاء ، حتى حفظوا عنه ما شرع لأمته بأمر الله
تعالى ذكره ، ثم نقلوه إلى أتباعهم ... ثم قيض الله لكل عصر جماعة
من علماء الدين، وأئمة المسلمين ، يزكون رواة الأخبار ونقلة الآثار ،
ليذبوا به الكذب عن وحي الملك الجبار ، فمن هؤلاء الأَّمة:
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي .
وأَبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رضي الله عنهما .

- ٢٨٠ -
صنفا في صحيح الأخبار كتابين مهذبين انتشر ذكرهما في الأقطار ،
ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه .
وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار
بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث ،
وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزءٍ أَو أَقل أَو أَكثر منه
. (١)
كلها سقيمة غير صحيحة
وكان هذا هو الحامل - والعلم عند الله تعالى - له على أن وضع كتابه
المستدرك ليبين لهؤلاء المبتدعة كذب دعواهم ، وأنه قد صح من الحديث
كثير مما ليس في كتابي البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى . وإِن كان في
الذي ذكره في كتابه المستدرك عليه مؤاخذات واستدراكات ليس هذا
موطن بحثها . وسيأتي ذكر قول أبي زرعة وابن وارة من خشيتهما من أهل
البدع ، واعتمادهم على ما قيل من صحة الكتابين وأن سواهما غير صحيح .
وأما أقوال أهل العلم بالحديث في كون الشيخين رحمهما الله لم
يستوعبا الصحيح في كتابيهما ولم يلتزما ذلك ، بل لم يستوعبا أَصح
الصحيح ، فمنها :
قال الإِمام أَبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله تعالى في الفائدة الرابعة :
لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك ، فقد روينا عن
البخاري أنه قال: ما أَدخلت في كتابي ((الجامع)) إلا ما صح وتركت
من الصحاح لحال الطول . وروينا عن مسلم أنه قال : ليس كل شيءٍ
(١) المستدرك (١: ٢).