Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
النوع التاسع والعشرون: الإِسناد العالى والنازل
قال: ((قرب الإِسناد، قربٌ أو قربةٌ، إلى الله عز وجل)). وهذا كما قال، لأن قربَ الإِسناد
قرب إلى رسول اللّه وَله، والقرب إليه قرب من الله عز وجل.
الثانى: وهو الذى ذكره ((الحاكم أبو عبد الله الحافظ)): القربُ من إمام من أئمة
الحديث، وإن كثر العددُ من ذلك الإِمام إلى رسول اللّه ◌ِ وَلَ(١). فإذا وُجِد ذلك فى إسنادٍ،
وُصِفَ بالعلوِّ نظرًا إلى قربه من ذلك الإِمام، وإن لم يكن عاليًا بالنسبة إلى رسول الله
وَ﴿. وكلام ((الحاكم)) يوهم أن القرب من رسول الله وَله لا يُعَدُّ من العلوِّ المطلوبِ
أصلا. وهذا غلط من قائله، لأن القرب منه وَّ بإسنادٍ نظيف غير ضعيف، أوْلَى بذلك؛
ولا ينازع فى هذا مَن له مُسْكَةٌ من معرفةٍ(٢). وكأن ((الحاكم)) أراد بكلامه ذلك إثباتَ
العلو للإِسنادِ لقربه من إمام، وإن لم يكن قريبًا إلى رسول الله وَ له، والإِنكار على من
يراعى فى ذلك مجرد قربِ الإِسناد إلى رسول اللّه وَله، وإن كان إسنادًا ضعيفًا، ولهذا مثَّل
ذلك بحديث ((أبى هُدبةَ، ودينارٍ، والأشجِّ)) وأشباهِهم"؛ والله أعلم.
(١) علوم الحاكم: النوع الأول، ٩ - ١١.
(٢) فى الطرة على هامش (غ): [قال وكيع: أى الإِسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبى وائل عن
عبدالله؟ أو: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش عن أبى وائل. فقال:
ياسبحان الله: الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ؛وسفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه. وحديث
يتداوله الفقهاء، خير من أن يتداوله الشيوخ].
تأتى فى فائدة الإِمام البلقينى التالية، نقلا من علوم الحاكم. وعلى هامش (غ) أيضًا: [قال القاضى عياض:
قرأت بخط الشيخ أبى عمر ابن عبد البر الحافظ، مما نسبه للقعنبى:
عن الأشياخ متضح الطريق
إذا لم يكن خبر صحيح
فإنى ناصح لك ياصديقى
فلا ترفع به رأسًا ودعه
أشد علىًّ من فقد الشقيق
وإسقاط المشايخ من حديث
له نور بإسناد وثيق]
وما فى الأرض خير من حديث
- بنصه، فى (الإلماع: (١٩٧ -١٩٨)
* المحاسن:
((فائدة: ليس فى كلام ((الحاكم)) ما يوهم ما تقدم. كيف، وقد ساق حديث "زعم
رسولُك"، وما تقدم؟ وقوله: ((فأما معرفة العالية من الأسانيد، فليس على ما يتوهمه عوام
الناس: يعدون الأسانيد، فما وجدوا منها أقربَ عددًا إلى رسول اللّه وَله يتوهمونه أعلى)) =
1

٤٤٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= يعنى ((الحاكم)) بمجرد العدد من غير معرفة ما يفهم، يعنى ولا نظر إلى صحيح ولا
ضعيف، وذلك واضح من كلامه. فلا يقال: ((وكأن الحاكم)) إلى آخر ما قال ابن الصلاح،
بل يجزم بذلك. ومثل ((الحاكم)) لنفسه برباعيات - وكلها بـ: أخبرنا - من جهة [أبى
الحسن على بن محمد بن عقبة] الشيبانى، عن [الخضر] بن أبان الهاشمى، عن أبى هُدبة
عن أَنَسٍ )) قال: وهذه نسخة عندنا بهذا الإِسناد، ومن جهة ((أحمدَ بن كامل، عن أحمد
بن محمد بن غالب، عن عبد الله بن دينار عن أنَس))، وهى نسخة كبيرة؛ ومن جهة
((الصفار، عن محمد بن مسلمة الواسطى، عن موسى بن عبد الله الطويل عن أنس))،
وهى نسخة. قال: ((وأعجب من ذلك ما حدثناه جماعة من شيوخنا عن أبى الدنيا، واسمه
عثمان بن الخطاب، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه. قال: وعلى الجملة فهذه
الأسانيد وأشباهها كَ: ((خِراش بن عبد الله، وكثير بن سُلَيم، ويَغْنَم بن سالم
بن قَنْبَرَ(١)) مما لا يفرحُ بها(٢) ولا يُحتج بشىء منها. وقَلَّ ما يوجد فى مسانيد أئمة الحديث
حديث واحد عنهم. وأقربُ ما يصح لأقراننا من الأسانيد بِعددِ الرجال، ما حدثونا عن
أحمد بن شيبان الرملى: حدثنا سفيان بن عيينة، عن: عمرو بن دينار عن ابن عمر؛ وعن
الزهرى عن أنس؛ وعن عبيد الله بن أبى يزيد عن ابن عباس؛ وعن عبد الله بن دينار عن
ابن عمر؛(٣) وعن زياد بن علاقة عن جرير. فهذه أسانيد لابن عيينةَ صحيحة، ومن =
(١) يغنم؛ غير منقوط فى الأصل، وما هنا فى (علوم الحاكم) ولم يضبط فى مطبوعته، والضبط للأمير
ابن ماكولا: يغنم بياء مفتوحة معجمة باثنتين من تحتها، بعدها غين معجمة ثم نون مفتوحة: خادم الإِمام
على رضى الله عنه. يروى عن أنس (الإكمال ٣٥٨/٧). قال أبوحاتم: مجهول ضعيف الحديث (الجرح
والتعديل أفراد الياء ١٣٦/٣١٤/٩).
(٢) من علوم الحاكم. وتقرأ فى أصل المحاسن [يعرج بها].
(٣) فى مطبوعة (علوم الحاكم): ((عن ابن عمرو عن زياد بن علاقة)) (ص ١٠) قلت؛ تحرير الإِسناد كما
فى المحاسن: عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر؛ وعن زياد بن علاقة عن جرير. من أسانيد عالية لسفيان بن
عيينة. وسفيان من الرواة عن عبدالله بن دينار، أبى عبدالرحمن المدنى، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، وعنه
السفيانان. ت ١٢٧ هـ. وعن زياد بن علاقة الثعلبى أبى مالك الكوفى - ١٢٦هـ- عن جرير البجلى، وعنه
السفيانان.
(تهذيب التهذيب: ٣٤٩/٢٠١/٥، ٦٩٣/٣٨٠/٣).

..
النوع التاسع والعشرون: الإِسناد العالى والنازل
٤٤٣
= رسول الله ولل قريبة. وكذلك حدثونا [عن جماعة من شيوخنا] عن يزيد بن هارون
عن سليمان التيمى عن أنَسٍ؛ وعن حميد الطويل عن أنس. قال ((الحاكم)): ((والعالى من
الأسانيد: الذى يعرف بالفهم لا بعددِ الرجال، فَرُبِّ إسنادٍ يزيد عددُه على السبعة
والثمانية إلى العشرة، وهو أعلى من ذلك)). ومثّل ذلك بحديث: «أربع مَنْ كُنَّ فيه كان
منافقًا.، وعددُ رواته سبعة: أولهم ((أبو العباس محمد بن يعقوب)) والصحابىُّ سابعهُم
((عبد الله بن عمرو))(١). قال ((الحاكم)): [هذا إسناد صحيح مخرج فى مسلم] (٢) وهو أعلى
من الأربع السابقة)) فإن الغرض فيه القربُ من الأعمش، والحديثُ له، وهو إمام. وبين
((الحاكم)) وبينه ثلاثة. وكذلك كلَّ إسنادٍ يقربُ من إمام. فإذا صحت الرواية إليه
بالعدد والسنين فإنه عالٍ. روى ((الحاكم)) عن على بن خشرم قال(٣): ((قال لنا وكيع: أى
الإِسنادين أحبُّ إليكم: الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله؟ أو: سفيان عن منصور عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش عن أبى وائل. فقال: ياسبحان الله،
الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ؛ وسفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه؛
وحديث يتداوله الفقهاءُ خيرٌ من أن يتداوله الشيوخُ)). ثم روى ((الحاكم)) عن ابن عمر.
مرفوعًا: ((مَطْلُ الغَنَّ ظُلْم)) وفى إسناده ستة، وصار عاليًا لِقُربه من =
(١) يقتضى البيان، ذكر سند الحاكم إلى حديث الأعمش: حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا
الحسن بن على بن عفان العامرى، ثنا عبدالله بن نمير عن الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن
عبدالله بن عمرو)). (المعرفة: النوع الأول) ص١١
(٢) إضافة من (علوم الحاكم) لابد منها. فحديث عبدالله بن عمرو، رضى الله عنهما، مرفوعًا: ((أربع من
كنَّ فيه كان منافقًا)» متفق عليه، أخرجه البخارى فى كتاب الإيمان، باب علامات المنافق، عن قبيصة عن عقبة
عن سفيان عن الأعمش (فتح البارى ٦٧/١) وهو فى مسلم (ك الإِيمان، باب بيان خصال المنافق ح ١٠٦) من
طريقين عن عبدالله بن نمير عن الأعمش، كسند الحاكم، ثم من طريق وكيع عن سفيان عن الأعمش.
(٣) أخرجه الحاكم عن أبى الطيب محمد بن أحمد المُذَكّر عن إبراهيم بن محمد المروزى، عن على بن
خشرم. وكذلك أسنده ابن خلاد فى (المحدث الفاصل: القول فى فضل من جمع بين الرواية والدراية)، عن وكيع ٨١
(٢٣٨ ف١٣٩) والخطيب فى الكفاية، من طريق أبي الطيب المذكر بسنده عند الحاكم (٤٣٦).
وذكره الحازمى، مما ((حكى على بن خشرم عن وكيع)) فى الوجه الثالث والعشرين من وجوه الترجيح: أن
يكون رواة أحد الحديثين، مع تساوهم فى الحفظ والإتقان، فقهاء (الاعتبار فى الناسخ والمنسوخ من الآثار) ٣٩.
ـر

٤٤٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الثالث: العُلوُّ بالنسبة إلى رواية (الصحيحين) أو أحدِهما، أو غيرهما من الكتب
المعروفة المعتمدة، وذلك ما اشتهر آخِرًا من الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة. وقد
كثر اعتناءُ المحدِّثين المتأخرين بهذا النوع. [٧٦/ظ] وممن وجدتُ هذا النوعَ فى كلامه:
((أبو بكر الخطيب الحافظ)) وبعض شيوخه، و((أبو نصر ابن ماكولا، وأبو عبد الله
الحميدى)) وغيرهم من طبقتهم، وممن جاء بعدهم.
أما الموافقة: فهى أن يقع لك الحديثُ عن شيخِ ((مسلِم)) فيه مثلا، عاليًا بعددٍ أقلّ
من العدد الذى يقع لك به الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويته عن ((مسلم))، عنه.
وأما البدلُ: فمثلُ أن يقع لك مثلُ هذا العلو عن شيخ غير شيخ ((مسلم)) فى ذلك
الحديث. وقد يُرَدُّ البدلُ إلى الموافقة فيقال فيما ذكرناه: إنه موافقة عالية، فى شيخ شيخ
مسلم. ولو لم يكن ذلك عاليًا فهو أيضًا موافقة وبدَلُ، لكن لا يطلق عليه اسمُ الموافقة
والبدلِ لعدم الالتفات إليه.
وأما المساواة: فهى فى أعصارنا أن يقل العددُ فى إسنادك لا إلى شيخ ((مسلم)) وأمثاله،
ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك؛ كالصحابى أو مَن قاربه، وربما كان إلى
= هُشَيْم [بن بَشِير وهو أحد الأئمة]، لأنه رواه عن على بن الفضل عن ابن عرفة
عن هُشَيم عن يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر (١). قال ((الحاكم)): وكذلك
كلَّ إسنادٍ يقرب من ابن جُرَيج والأوزاعى ومالك والثورى وشعبةً بن الحجاج
وزُهير وحماد بن زيد، وغيرهم من أئمة الحديث، فإنه عالٍ وإن زاد فى عدده بعد
ذكر الإِمام الذى جعلناه مثالا".
ولم يقل ((الحاكم)) إن غيره ليس بعالٍ، بل أراد بيانَ أن هذا مما يُعَدُّ عاليًا، ردًّا
على من يعتقد القصورَ على مجرد العدد كما تقدم. انتهت)) ٨٥/ ظ - ٨٦/و(٢).
(١) وحديث ((مطل الغنى ظلم)) بهذا الإِسناد العالى للحاكم، من طريق ((الحسن بن عرفة)). وهو فى
(الموطأ: ك البيوع) من رواية مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. ومعها فى الصحيحين رواية معمر
عن همام بن منبه عن أبى هريرة: (خ) فى باب الحوالة، وفى باب الاستقراض وأداء الديون. (م) فى كتاب
المساقاة: باب تحريم مطل الغنى. وانظر فتح البارى (٣١٢/٤، ٣٩/٥).
(٢) المقابلة على نص ((الحاكم)) فى (معرفة علوم الحديث)، النوع الأول: معرفة عالى الإِسناد ٩ - ١٢.
وانظر (تدريب الراوى ١٦٧/٢).

٤٤٥
النوع التاسع والعشرون: الإِسناد العالى والنازل
رسول الله وَالقول، بحيث يقع بينك وبين الصحابى مثلا من العدد، مثل ما وقع من العدد بين
((مسلم)) وبين ذلك الصحابى، فتكون بذلك مساويًا ((لِمسلم)) مثلاً فى قرب الإِسناد وعددٍ
رجاله.
وأما المصافحة: فهى أن تقع هذه المساواةُ التى وصفناها، لشيخِك لا لك، فيقع ذلك لك
مصافحةً، إذ تكون كأنك لقيتَ ((مسلمًا)) فى ذلك الحديثِ وصافحتَه به، لكونِك قد لقيتَ
شيخك المساوىَ لمسلم.
فإن كانت المساواةُ لشيخ شيخِك، كانت المصافحةُ لشيخِكَ، فتقول: كأن شيخى سمع
مسلماً وصافحه. وإن كانت المساواةُ لشيخ شيخ شيخِك، فالمصافحةُ لشيخ شيخِك فتقول
فيها: كأن شيخَ شيخى سمع مُسلِما وصافحه. ولك أن لا تذكر لك فى ذلك نسبةً، بل
تقول: كأن فلانًا سمعه من مسلم. من غير أن تقول فيه: [٧٧/و] شيخى، أو شيخ
شیخی.
ثم لا يخفى على المتأمل أن فى المساوة والمصافحة الواقعتين لك، لا يلتقى إسنادُكَ
وإسنادُ (مسلم)) أو نحوه إلا بعيدًا عن شيخ مسلم، فيلتقيانٍ فى الصحابى أو قريبًا منه؛
فإن كانت المصافحة التى تذكرها ليست لك بل لمن فوقك من رجال إسنادك، أمكن التقاءُ
الإِسنادين فيها فى شيخ مسلم أو أشباهِه، وداخَلت المصافحةُ حينئذ الموافقة، فإن معنى
الموافقة راجع إلى مساواةٍ ومصافحةٍ مخصوصة، إذ حاصلُها أن بعض من تقدم من رُواةٍ
إسنادك العالى، ساوى أو صافح ((مسلمًا أو البخارى)) لكونِه سمع ممن سمع من شيخهما،
مع تأخر طبقتِه عن طبقتهما. ويوجد فى كثير من العوالى المخرجةِ لمن تكلم أولا فى هذا
النوع وطبقتهم، المصافحاتُ مع الموافقات والأبدالِ، لما ذكرناه.
ثم اعلم أن هذا النوعَ من العُلوِّ علوُّ تابع لنُزولٍ، إذ لولا نزولُ ذلك الإِمام فى
إسنادِهِ، لم تعلُ أنت فى إسنادك. وكنتُ قد قرأتُ بمروَ على شيخنا المكثر ((أبى المظفر
عبدالرحيم بن الحافظ المصنف أبى سعد السمعانى)) رحمهما الله، فى أربعى ((أبى البركات
الفراوى)) حديثًا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخُه من البخارى. فقال الشيخ
أبو المظفر: ((ليس لكَ بعال، ولكنه للبخارى نازل)). وهذا حسن لطيف يخدش وجهَ هذا

٤٤٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
النوع من العلوِّ*(١)، والله أعلم.
· الرابع: من أنواع العلوِّ، العلوُّ المستفاد من تقدم وفاة الراوى. مثالُه ما أرويه عن
شيخٍ أخبرنى به عن واحد، عن البيهقى الحافظ عن الحاكم أبى عبد الله الحافظ، أعلى
من روايتى لذلك عن شيخ أخبرنى به واحدٌ عن أبى بكر ابن خلف (٢) عن الحاكم؛ وإن
تساوى الإِسنادان فى [٧٧/ظ] العدد، لتقدم وفاة ((البيهقى)) على وفاة ((ابنِ خلف)) لأن
((البيهقى)) مات سنة ثمان وخمسٍ وأربعمائة، ومات ((ابنُ خلف)) سنة سبع وثمانين
وأربعمائة. وروينا عن ((أبى يعلى الخليل بن عبد الله الخليلى الحافظ)) رحمه الله تعالى(٣)،
قال: ((قد يكون الإِسنادُ يعلو على غيره بتقدم موتٍ راويه، وإن كانا متساويين فى العدد)).
ومَثَّلَ ذلك من حديثِ نفسِه بمثل ما ذكرناه.
(١) قال العراقى: ((أطلق المصنف أن هذا النوع من العلو تابع لنزول،؛ وليس ذلك على إطلاقه. وإنما هو
الغالب، وربما يكون هذا النوع غير تابع لنزول، بل يكون عاليا حديث هذا الإِمام أيضًا)). ومثّل له بحديث رواه
الترمذى - فى كتاب اللباس: ١٠- عن ابن مسعود، يرفعه. ووقع للعراقى من طريق الحسن بن عرفة عاليًا
بدرجتين، قال: ((فهذا الحديث بهذا الإسناد لا يقع لأحد فى هذه الأزمان أعلى منه على وجه الدنيا من حيث
العدد. وهو على مطلق ليس تابعًا لنزول فإنه عالٍ للتزمذى أيضًا)) ثم بين على طريقته: فإن شيخه أبا الفتح
الميدومى آخر من روى عن النجيب عبداللطيف الحرانى بالسماع، والنجيب آخر من روى عن عبدالمنعم بن
کلیب بالسماع، وابن کلیب آخر من روی عن ابن بيان، وهو آخر من روى عن ابن مخلد، آخر من روى عن
الصفار، آخر من روى عن ابن عرفة. وابن عرفة هو آخر من روى عن خلف بن خليفة، وهو آخر من رأى
الصحابة ((فهو علو مطلق)).
(التقييد والإيضاح ٢٥٨-٢٥٩)
وانظر (فتح المغيث ١٨/٣، وتدريب الراوى ١٧٠/٢).
(٢) وقع فى طبعة العلمية ببيروت ١٤٠١ هـ -١٩٨١م من علوم الحديث لابن الصلاح: [عن أبى بكر
عبدالله بن خلف] ترجيحًا للمحقق د.عتر، لإحدى النسخ. والصحيح أنه أبو بكر أحمد بن على بن عبدالله بن
خلف الشيرازى النيسابورى مسند خراسان، توفى سنة ٤٨٧هـ وقد نيف على التسعين وانتهى إليه علو
الإِسناد، وبخاصة فى كتب الحاكم أبى عبدالله إذ كان آخر من سمع منه وفاةً.
(٣) [تعالى] من (ص).
* المحاسن:
((فائدة: لا يخدش فى هذا النوع ما نبه عليه، فقد يحصل لا بالنزول، بأن تتأخر وفاةُ
من سمعه من شيخ ((مسلم)) مثلا، ويسمع منه من تتأخر وفاتُه. فيحصل لك أنت الموافقةُ،
وإن لم يكن هناك لمسلم نزول. انتهت)) ٨٧/ و

٤٤٧
النوع التاسع والعشرون: الإِسناد العالى والنازل
ثم إن هذا كلامٌ فى العلو المنبنى على تقدم الوفاة، المستفادِ من نسبةٍ شيخ إلى شيخ،
وقياسٍ راوٍ براوٍ. وأما العلوُّ المستفاد من مجرد تقدم وفاة شيخك، من غير نظرٍ إلى قياسه
براوٍ آخر، فقد حَدَّه بعضُ أهل هذا الشأن بخمسين سنة. وذلك ما رويناه عن ((أبى على
الحافظ النيسابورى)) قال: "سمعتُ أحمدَ بن عُمَيْ (١) الدمشقى، وكان من أركان
الحديث، يقول: إسنادُ خمسين سنةً من موت الشيخ، إسنادُ علوٍّ،". وفيما نروى عن ((أبى
عبد الله ابن منده الحافظ)) قال: "إذا مر على الإِسناد ثلاثون سنةً، فهو عال". وهذا
أوسعُ من الأول؛ والله أعلم.
الخامس: العلو المستفاد من تقدم السماع. أنبئنا عن محمد بن ناصر الحافظ، عن
محمد بن طاهر الحافظ، قال: "من العلو تقدُ السماع".
قلتُ: وكثير من هذا يدخل فى النوع المذكور قبله، وفيه ما لا يدخل فى ذلك بل يمتاز
عنه. مثل أن يسمع شخصان من شيخ واحد، وسماعُ أحدِهما من ستين سنةً مثلا، وسماعُ
الآخرِ من أربعين سنةً. فإذا تساوى السندُ إليهما فى العدد، فالإِسنادُ إلى الأول الذى تقدم
سماعُه أعلى(٢).
فهذه أنواع العلوِّ على الاستقصاءِ والإِيضاح الشافى. ولله سبحانه وتعالى الحمدُ كلُّه؛
والله أعلم.
وأما ما رويناه عن ((الحافظ [٧٨/ و] أبى طاهر السلفى)) رحمه اللّه من قوله فى أبياتٍ
بل علوُّ الحديث بين أولى الحفظ والإِتقانِ صحةُ الإِسنادِ
له : (٣)
(١) على هامش ص: [قال المؤلف: ابن عمير هذا، هو ابن جَوْصًا، الحافظ أبو الحسن الدمشقى]
(٢) مثل له الحافظ العراقى فى (التبصرة ٢٦٠/٢) بأن من سمع سنن أبى داود على الزكى المنذرى، أعلى
ت
٣٢٠ هـ عن نحو تسعين سنة.
ممن سمعه على النجيب الحرانى. ومن سمعه على النجيب أعلى ممن سمعه على ابن خطيب المزة والفخر ابن
البخارى، وإن اشترك الأربعة فى رواية الكتاب عن شيخ واحد وهو ابن طبرزد - ٦٠٧ هـ ـ
لتقدم وفاة المنذرى ٦٥٦ هـ، على النجيب ٦٧٢ هـ، على ابن خطيب المزة ٦٨٧ هـ والفخر ابن البخارى
٦٩٠ هـ.
(٣) من أبياتٍ ثلاثة أسندها التقى ابن رافع السلامى: قرأت على ست الفقهاء بنت الإِمام أبى
إسحاق إبراهيم بن على الواسطى، أنا جعفر بن على الهمذانى إجازة، قال: أنشدنا، يعنى أبا طاهر : =

٤٤٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وما رويناه عن "الوزيرِ نظام الملك" من قوله: "عندى أن الحديثَ العالى ما صح عن
رسول اللّه وَ له وإن بلغت رواتُه مائةً". فهذا ونحوه ليس من قبيلِ العُلوِّ المتعارَفِ إطلاقُه
بين أهلِ الحديث، وإنما هو علوٍّ من حيث المعنى فحسب؛ والله أعلم.
فصل: وأما النزولُ فهو ضد العلو. وما من قسم من أقسام العلو الخمسة إلا وضده
قسم من أقسام النزول؛ فهو إذًا خمسةُ أقسام، وتفصيلُها يُدرَكُ من تفصيل أقسام العلو،
على نحوِ ما تقدم شرحُه.
وأما قول ((الحاكم أبى عبد الله)): "لعل قائلا يقول: النزولُ ضد العلو، فمن عرف
العلوَّ فقد عرف ضِدَّه؛ وليس كذلك، فإن للنزول مراتبَ لا يعرفها إلا أهلُ الصنعة" إلى
آخر كلامه(١)، فهذا ليس نفيًّا لكون النزول ضِدًّا للعلو على الوجه الذى ذكرتُه، بل نفيًّا
لكونه يُعْرَفُ بمعرفة العلو. وذلك يليق بما ذكره هو فى معرفة العلوِّ، فإنه قَصَّرَ فى بيانِهِ
وتفصيله. وليس كذلك ما ذكرناه نحن فى معرفة العلو، فإنه مفصّلٌ تفصيلا مفهمًا لمراتبٍ
النزول؛ والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ثم إن النزولَ مفضولٌ مرغوبٌ عنه، والفضيلةُ للعلوِّ على ما تقدم بيانهُ ودليلُه. وحَكَی
((ابن خلادٍ)) عن بعض أهل النظر أنه قال: "التنزلُ فى الإِسنادِ أفضلُ" واحتج له بما
معناه أنه يجب الاجتهادُ والنظرُ فى تعديل كلِّ راوٍ وتجريحه، فكلما زادوا كان الاجتهاد .
أكثرَ، فكان الأجرُ أكثرَ(٢).
عند أرباب علمه النُّقَّاد
ليس حسن الحديث قرب رجال
بل على الحديث عند أولى الإِتقان والحفظ صحةُ الإِسناد
فاغتنمه، فذاك أقصى المراد
فإذا ما تجمعا فى حديث
(فوائد حديثية: ١٧/ب) مخطوطة التيمورية.
(١) بعده فى علوم الحاكم. ((فمنها ما تؤدى الضرورة إلى سماعه نازلا، ومنها ما يحتاج طالب الحديث إلى
معرفةٍ وتبحرٍ فيه فلا يكتب النازل وهو موجود بإسناد أعلى منه)) . - ١٢.
(٢) المحدث الفاصل: (القول فى التعالى والتنزل فيه) ٢١٦ ف ١٠٧ وقال بعد أن حكى الخلاف فيه:
(وفى الاقتصار على التنزل إبطال الرحلة وفضلها)). ثم نقل مقالا مسهبًا فى الرد على من غضوا من الرحلة فى
طلبه، جاء فيه :
((تهيبوا كدَّ الطلب ومعالجة السفر، وبعلوا بحفظ الآثار ومعرفة الرجال واختلفت عليهم طرائق =
i
1
١٠

٤٤٩
النوع التاسع والعشرون: الإسناد العالى والنازل
وهذا مذهب ضعيف، ضعيف(١) الحجة. وقد روينا عن ((على ابن المدينى،
وأبِى عَمْرو المستملى النيسابورى)) أنهما قالا: ((النزولُ شؤم)) وهذا ونحوُهُ مما جاء فى
نُمِّ النزولِ، مخصوصٌ [٧٨/ظ] ببعضِ النزول، فإن النزولَ إذا تعيَّنَ دونَ العلوِّ
طريقًا إلى فائدة راجحة على فائدة العلو، فهو مختار غيرُ مرذول؛ والله أعلم.
(١) بتكرار، فى النسخ الأصول.
= الأسانيد ووجوه الجرح والتعديل، فآثروا الدعة واستلذوا الراحة وعادوا ما جهلوا، وعلى المطامع
تألفوا وفى المآثم والحطام تنافسوا، وتباهوا فى الطيالس والقلانس ولازموا أفنية الملوك وأبواب السلاطين ...
واقتصروا على ابتياع صحيفة .... فإن حفظ أحدهم من السنن شيئًا فمن صحيفة مبتاعة كفاه غيره مئوتة
جمعه وشرحه، من غير رواية لها ولا دراية. فإن تعلق بشىء منها يسير خلط الغث بالثمين والسليم
بالجريح ..... ولو عرف الطاعنُ على أهل الرحلة مقدار لذة الراحل فى رحلته ومشاهدة ما لم ير من
عجائب البلدان واختلاف الألسنة والألوان .... لعلم أن لذات الدنيا مجموعة فيها (٢١٦-٢١٧
ف ١٠٧-١٠٨).

النوع الموفى ثلاثين
معرفة المشهورِ من الحديث
ومعنى الشهرة مفهوم،* وهو منقسم إلى: صحيح، كقوله وَلَةٍ: "إنما الأعمالُ
بالنيات،» **. وأمثالِهِ، وإلى غير صحيح كحديثٍ "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم، .***.
وكما بلغنا عن ((أحمد بن حنبلَ)) رضى الله عنه أنه قال: «أربعةُ أحاديثَ تدور عن
المحاسن :
((فائدة: لم يذكر له ضابطًا. وفى كتب الأصول: المشهورُ - ومنهم من يقول:
المستفيض - هو الذى يزيد نَقَلَتُه على ثلاثة. انتهت)) ٨٨/و
** ((فائدة: حديث: "إنما الأعمال بالنية" قد تقدم فى الشاذِّ أنه مما انفرد به ((عُمر)»
رضى اللّه عنه، وعنه ((علقمةُ)) وعن علقمة ((محمدُ بنُ إبراهيم)»، ومثلُ ذلك كيف يمثل
للمشهور؟ وجوابُه أن المراد ما اشتهر، وإن لم يصل نقلته فى جميع المراتبِ إلى ثلاثة.
وتقدم هناك - فى النوع الثالث عشر - الكلامُ على من رواه غير عمر. فلينظر فإن فيه
فوائد. انتهت)) ٨٨/و
*** ((فائدة: المراد ما لم يبلغ رتبةَ الصحيح. فإن الحديثَ رُوِىَ بِطُرقِ، ومنها طريقة
فى (ُنَنِ ابن ماجه) ليس منها من يوضع عليه النظر غير حفصٍ بن سليمان(١). وقد قال.
عبد الله بن أحمد: سألتُ أبى عنه، فقال: صالح؛ وعنه تضعيفه - انتهت)) ٨٨/و
(١) أخرجه ابن ماجه فى مقدمة السنن (باب فضل العلماء والحث على طلب العلم) (ح ٢٢٤) عن هشام
بن عمار عن حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن ابن سيرين عن أنس رضى الله عنه، مرفوعا. وفى
الزوائد عليه من حاشية السندى، تضعيف حفص بن سليمان. وإن كان للحديث طرق تبلغ رتبة الحسن، جمع
السيوطى منها خمسين طريقًا له فى جزء. وخرج ابن عبد البر الحديث من بضعة عشر طريقًا، منها طريق حفص
عن ابن شنطير عن ابن سيرين عن أنس (الجامع ٧/١-١٠) ثم ذكر أقوال العلماء فى الحديث. وحفص بن
سليمان الأسدى الغاضرى هو أبو عمر البزار الكوفى المقرئ، متروك الحديث موثق فى القراءة عن عاصم وكان
ابن امرأته. (تهذيب التهذيب ٧٠٠/١٠٠/٢).
٤٥٠

٤٥١٠
النوع الموفى ثلاثين: معرفة المشهور من الحديث
رسول اللّه وَل﴿ل فى الأسواق ليس لها أصلٌ:(١) من بشرنى بخروج آذار بشّرتُه بالجنةِ؛
ومن آذى ذِمِّيًّ فأنا خَصْمُه يومَ القيامة؛ ونحرُكم يوم صومكم؛ وللسائلِ حقُّ وإن
جاء على فرسٍ،(٢) *.
(١) على ورقة ملصقة بهامش (غ) بخط ابن الفاسى: [حديث: "للسائل حق وإن جاء على فرس"
خرجه ((أبو داود)) مسندًا بعد أن بوب (باب حق السائل) ثم قال: ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، ثنا مصعب بن
محمد بن شرحبيل، ثنى يعلى بن أبى يحيى عن فاطمة بنت الحسين، عن حسين بن على، قال: قال رسول الله
*: "للسائل حق وإن جاء على فرس" ثم قال: "ثنا محمد بن رافع ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير عن شيخ
- قال: رأيت سفيان عنده - عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها، عن على، عن النبى وَّل، مثله". وأورد
((الترمذى)) معناه ثم قال: ((وفى الباب عن على وحسين بن على وأبى أمامة)). وقد ذكره ((الحافظ أبو عمر ابن
عبد البر فى (تمهيده) مسندًا فقال: حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا يحيى بن عبدالحميد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبى يحيى، عن
فاطمة ابنة حسين، عن أبيها قال)) - الحديث. وخرج ((مالك)) فى (الموطأ) عن زيد بن أسلم، مرسلا، أن رسول
اللّهِ وَل قال: ((أعطوا السائل ولو جاء على فرس)) فهذا الحديث معنى الأول. فقال ((ابن عبد البر)): إن هذا
مرسل بلا خلاف بين رواة مالك، والأول مسند كما تقدم].
(٢) فى تقييد العراقى، أن حديث "للسائل حق" رواه الإمام أحمد نفسه فى مسنده. وحديث "من آذى
ذِميًّا" رواه الطبرانى عن الهرمامس بن زياد، وأبوداود من رواية صفوان بن سليم، عن عدة من أبناء الصحابة
عن آبائهم دِنْيَة، عن رسول اللّهِوَّه وسكت أبو داود عليه فهو عنده صالح. وأما حديث ((من بشرنى بخروج
آذار)) وحديث ((يوم صومكم)) فلا أصل لها (٢٦٣-٢٦٥).
- يأتى حديث أبى داود فى المحاسن. وحديث الموطأ فى (الترغيب فى الصدقة) مرسلا، عن زيد بن أسلم
العدوى، مولاهم، التابعى المدنى. وهو الحديث السابع والأربعون لمالك عن زيد، فى (التمهيد لابن عبد البر:
٢٩٤/٥) وانظر الحديث الأول فى (الفوائد المجموعة للشوكانى): ص ٤٣٨ ح ١) والحديث الثانى (٢١٣ ح
٣١) والحديث الرابع (٦٥ ح ١٤، ١٥) وانظر فيما يلى فائدة المحاسن مع تقييد العراقى.
المحاسن:
((فائدة: إدخال مثل هذا فى قسم المشهورِ غير الصحيح، إنما يصح إذا عنى به مطلق
الشهرة، لا المشهور عند أهلِ الحديث. فحديث: "من بشرنى بخروج آذار)»(١) لا يعرفه
المحدِّثُ. وحديث: "من آذى ذميًّا" له فى سنن أبى داود أصلٌ فى باب (فى تعسير أهل
الذمة إذا أخلفوا)(٢) قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهرى، حدثنا ابن وهب،=
(١) الموضوعات لابن الجوزى، باب ذكر آذار (٧٤/٢) والفوائد للشوكانى: ٢١٣ ح ٣١.
(٢) من كتاب الخراج فى سنن أبى داود (١٧١/٣).

٤٥٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وينقسم من وجه آخر إلى ما هو مشهور بين أهل الحديث وغيرهم، كقوله وَالآتى :
"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١) وأشباهِه. وإلى ما هو مشهورٌ بين أهل
الحديث خاصة دون غيرهم، كالذى رويناه عن محمد بن عبدالله الأنصارى، عن سليمان
التيمى، عن أبى مِجْلَزٍ، عن أنسٍ "أن رسول الله وَّرَ قَنَتَ شهرًا بعد الركوع يدعو على
رِعْلٍ وَذَْوانَ" فهذا مشهورٌ بين أهل الحديثِ مخرج فى الصحيح، وله رُواةٌ عن ((أنسٍ))
غير أبى مجلز، ورواه عن ((أبى مجلز)) غيرُ التيمى، ورواه عن ((التيمى)) غيرُ الأنصارى،
ولا يَعلم ذلك إلا أهلُ الصنعة، وأما غيرُهم فقد يستغربونه من حيثُ أن ((التيمىّ)) يروى
(١) متفق عليه: (خ) فى ك الإِيمان، باب أى الإِسلام أفضل. (م) الإيمان، باب تفاضل الإِسلام
ح (٤١/٦٥).
= حدثنى أبو صخر المدينى أن صفوان بن سليم أخبره عن عدة من أبناء أصحابٍ رسول
اللهِوَلّ عن آبائهم. دِنيةً عن رسول الله و الله قال: "إلا من ظلم معاهدًا، أوانتقصه أو
كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيبٍ نفس، فأنا حجيجُه يومَ القيامة" إسنادُه
جيد، لولا ما فيه من جهالة الذين أخبر عنهم صفوان بن سليم، فإن ((المهرى)) ثقةٌ،
و ((ابن وهب)) إمام جليل متفق على الإِخراج له. و«أبو صخر المدينى، حميدُ بن زياد
الخراط)» قال أحمد ويحيى: ليس به بأس. وقال ابنُ عدى: صالح، ولكن عن يحيى رواية
بضعفه.
وحديثُ: "نحركم يوم صومكم" لا يُعرَف، ويدور بلفظٍ آخر: "يوم صومكم يوم أول
سَنَّتِكم" وربما يقولون: "سنتكم هذه" والكلَّ لا أصلَ له.
وحديث "للسائل حق وإن جاء على فرس" أخرجه أبو داود فى سننه من حديث
الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما بإسنادٍ فيه ((يعلى بن أبى يحيى)) وهو
ضعيف، وفى (الأحكام للضياء): ورواه أبوداود، عن على؛ ولم أقف على ما قاله ((الضياء)).
ورواه ((ابنُ قانع)) فى (معجم الصحابة) من حديث ((الهرماس بن زياد)). وهذه الأحاديثُ
وإن لم تبلغ رتبةً الصحيح ولا الحسن، فمثلُ ذلك لا يقال فيه: ليس له أصل. انتهت))
٨٨/ظ.

٤٥٣
النوع الموفى ثلاثين: معرفة المشهور من الحديث
عن أنس، وهو [٧٩/و] ها هنا يروى عن واحدٍ عن أنس(١)».
ومن المشهورِ، المتواتِرُ الذى يذكره أهلُ الفقه وأصولهِ. وأهلُ الحديث لا يذكرونه
ء
باسمه الخاص المشعرِ بمعناه الخاص ** ، فإن كان ((الحافظ الخطيبُ)) قد ذكره ففى كلامه
ما يشعر بأنه اتبع فيه غيرَ أهلِ الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم ولا يكاد
(١) الحديث أخرجه البخارى فى (الوتر: باب القنوت بعد الركوع) من عدة طرق، منها: عن زائدة، عن
سليمان التيمى، عن أبى مجلز، عن أنس، ثم فى كتاب المغازى، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة، من
عدة طرق كذلك، منها عن عبد الله بن المبارك عن التيمى، عن أبى مجلز، عن أنس. وفى تخريجهما قال ابن حجر
فى الفتح: سليمان التيمى يروى عن أنس نفسه، وعنه بواسطة كما فى هذا الحديث (٢٧٥/٧) وأخرجه مسلم فى
ك المساجد، (باب استحباب القنوت فى جميع الصلاة فى النازلة) من رواية المعتمر بن سليمان التيمى عن أبيه
عن أبى مجلز عن أنس (ح٢٩٩) ومن طرق أخرى: الأحاديث ٢٩٨،٢٩٧، ٣٠٠-٣٠٣، ٣٠٧.
: المحاسن :
((فائدة: هذا التقسيم فيه نظر، فإنه إن عنى شهرةً المتن، فالأول صحيح والثانى
كذلك، من غير حاجة إلى ذكر ما فى السند؛ وإن عَنى ما فى السند من الدقائق، فلا فرق
بين الحدیثین . انتهت)) ٨٩/و
** المحاسن:
((فائدة: لا يقال: فقد ذكره ((الحاكم)) وكتابه مشحون به، ((وابنُ حزم)) فى (المُحَلَّى).
لأنا نقول: ليس ما ذكراه على الشرط المذكور، إن صح النقلُ عنهما. ولكن قد يوجد
معنى التواتر فى الأمور المقطوع بها، وإن كان الإِسنادُ بالتحديث ونحوِه يَعسر فيه ذلك.
انتهت)) ٨٩/و
- قال العراقى: ((وقد اعترُض على المصنف بأنه قد ذكره الحاكم وابن حزم فى المحلى وأبو عمر ابن
عبدالبر وغيرهم من أهل الحديث. والجواب عن المصنف أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه الخاص
المشعر بمعناه الخاص. وهؤلاء المذكورون لم يقع فى كلامهم التعبير عنه بما فسره الأصوليون. وإنما يقع فى كلامهم
أنه تواتر عنهم* كذا وكذا، أو: أن الحديث الفلانى متواتر ... وقد يريدون بالتواتر معنى الاشتهار، لا المعنى
الذى فسره به الأصوليون)). (التقييد والإيضاح ٢٦٦).
وانظر متن النخبة بشرح الملا على القارى: ٣٩ وفتح المغيث ٤٠/٣).

٤٥٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
يوجد فى رواياتهم؛ فإنه عبارةٌ عن الخبر الذى ينقله من يحصل العلم بصدقِه ضرورةً.
ولا بد فى إسنادِه من استمرارِ هذا الشرطِ فى رُواته من أوله إلى منتهاه، ومَن سُئل عن
إبراز مثالٍ لذلك فيما يُروى من الحديثِ أعياه تطلبُه. وحديثُ "إنما الأعمال بالنيات"
ليس من ذلك بسبيلٍ وإن نقله عددُ التواتر وزيادةٌ، لأن ذلك طرأ عليه فى وسط إسناده
ولم يوجَدْ فى أوائله، على ما سبق ذكره (١). نعم، حديثُ "من كذب علىّ متعمدًا فليتبوأ
مقعده من النار" نراه مثالا لذلك، فإنه نقله من الصحابة رضى الله عنهم العددُ الجُمُّ، وهو
فى (الصحيحين) مَرْوىٌّ عن جماعة منهم؛ وذكر «أبوبكر البزار، الحافظ الجليل)) فى
(مسنده) أنه رواه عن رسول الله وَ ل نحو من أربعين رجلا من الصحابة. وذكر بعض
الحفاظ(٢) أنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وستون نفسًا من الصحابة
وفيهم العشرةُ المشهودُ لهم بالجنة. قال: وليس لهم فى الدنيا حديث اجتمع على روايته
العشرةُ، غيرَه. ولا يعرف حديثٌ يروى عن أكثر من ستين نفسًا من الصحابة عن رسول
اللّه لَله إلا هذا الحديث الواحد".
.(١) وانظر تقييد العراقى (٢٦٧) وفيه بيان لعلل الطرق التى رُوِىَ بها الحديث، من غير طريق محمد بن
إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر رضى الله عنه.
(٢) قال العراقى موضحًا: ((ما أبهمه المصنف، هو الحافظ ابن الجوزى، فإنه ذكر ذلك فى النسخة الأولى
من (الموضوعات): رواه واحد وستون من الصحابة. ثم ذكر ما روى عن أبى بكر محمد بن عبد الوهاب
النيسابورى: إنه ليس فى الدنيا ... إلخ. ثم قال ابن الجوزى: إنه ما وقعت له رواية عبد الرحمن بن عوف إلى
الآن" هكذا نقلته من نسخة الموضوعات بخط الحافظ الزكى المنذرى. وهذه هى النسخة الأولى من
الكتاب. ثم زاد ابن الجوزى فى الكتاب المذكور أشياء، وهى النسخة الأخيرة، فقال فيها: رواه من
الصحابة ثمانية وتسعون نفسا. هكذا نقلته من خط ((على)) ولد المصنف (التقييد والإيضاح ٢٦٩ -٢٧٠).
* المحاسن:
((فائدة: لا يزادُ على ذلك: الوضوءُ من مَسِّ الذكَرِ وعدمُه، فإنه بلغ عددُ رواته نيفًا
وستين صحابيًّا. وكذلك: الوضوءُ مما مست النار وعدمُه، والمسح على الخفين وتوابعه:
يبلغان نيفًا وسبعين صحابيًّا. وحديثُ الحوض، والشفاعة: زاد عددُ رُواتهما على أربعين
٠٠٠
صحابيًّا. وكذلك حديث النزول، وشبه ذلك؛ لأنا نقول: الوضوء من مَسِّ الذكر وعدمه
حديثان؛ والكلام إنما هو حديث واحد. وكذلك الوضوء مما مسَّت النارُ وعدمه، =

٤٥٥
النوع الموفى ثلاثين: معرفة المشهور من الحديث
قلتُ: وبلغ بهم بعضُ أهل الحديث أكثرَ من هذا العدد، وفى بعضِ ذلك عددُ التواتر.
ثم لم يزل عددُ رُواته فى ازديادٍ وهلم جرًّا، على التوالى والاستمرار(١)، والله أعلم(٢).
(١) على هامش (غ): [قال ابن جماعة: قيل رواه عن النبى ◌َّر مائتان من الصحابة.]
(٢) بلغ مقابلة بالأصل المقابل على أصل السماع. ثم بلغ مقابلة عليه ثانية (غ).
= وكذلك المسحُ على الخفّيْن وتوابعه. وحديثُ الحوضِ والشفاعةِ يزيد على الأربعين.
والكلام فيما زاد على الستين.
وَّ سبعون صحابيًّا، منهم
لكن المسح على الخفين من غير توابعه: رواه عن النبى
العشرةُ المشهودُ لهم بالجنة؛ وحديث رفع اليدين: رواه عن النبى وَّ جمعٌ كبير، ويزيد
رواته على أربعين. وحديث: "مُرُوا أبا بكرِ فُلُيصلُّ بالناس" رواه الأنصار حين سألهم
((عمرُ)) عن ذلك، ورواه عدةٌ غير الأنصار، وهذا يزيد على ما سبق. وحديث الأنصار فى
(مصنف ابن أبى شيبة)(١) بإسنادٍ جيد، وقد بينتُ ذلك كلَّه فى (العرف الشذى، على جامع
الترمذى) فلينظر منه. انتهت)) ٨٩/ظ.
(١) كتاب الصلوات، الائتمام بالإمام: ٣٢٩/٢ - ٣٣٣.
- وانظر (التقييد والإيضاح: ٢٦٧-٢٧٠) ومتن النخبة بشرح الملا: ٢٩-٣٠، وفتح المغيث ٤٠/٣).
٠٠

النوع الحادى والثلاثون
معرفة [٧٩/ظ] الغريب والعزيز من الحديث
روينا عن («أبى عبد الله ابن منده الحافظِ الأصبهانى)) أنه قال: ((الغريبُ من الحديث،
كحديث الزهرى وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم: إذا انفرد الرجلُ عنهم
بالحديثِ يُسمى غريبًا؛ فإذا روى عنهم رجلانٍ وثلاثة واشتركوا فى حديثٍ، يسمى عزيزًّا؛
فإذا روى الجماعةُ عنهم حديثًا سُمِّى مشهورًا))(١).
قلتُ: الحديثُ الذى ينفرد به بعضُ الرواة يوصَفُ بالغريبِ، وكذلك الحديثُ الذى
ينفرد فيه بعضُهم بأمور لا يذكره فيه غيرُهُ، إما فى متنه وإما فى إسناده، وليس كلُّ ما يُعَدُّ
من أنواع الأفراد معدودًا من أنواع الغريب، كما فى الأفراد المضافة إلى البلاد على
ما سبق شرحُه.
ثم إن الغريب ينقسم إلى: صحيح، كالأفراد المخرجة فى (الصحيح).
وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالبُ على الغرائب. روينا عن ((أحمدَ بن حنبل))
رضى الله عنه أنه قال غيرَ مرة: ((لا تكتبوا هذه الأحاديثَ الغرائب فإنها مَنَاكيرُ،
وعامتُها عن الضعفاء)).
٠٠٠٠٧٠
وينقسم الغريبُ أيضًا من وجهٍ آخَر: فمنه ما هو غريب متنًا وإسنادًا، وهو الحديث
الذى تفرد برواية مَتْنِه راوٍ واحد. ومنه ما هو غريب إسنادًا لا متنا، كالحديث الذى متنُه
معروف مروىٌّ عن جماعة من الصحابة، إذا تفرد بعضهم بروايته عن صحابيّ آخرَ كان
غريبًا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب. ومن ذلك غرائب الشيوخ فى أسانيد
(١) انظر متن النخبة: ٣٢.
٤٥٦
أ
1
:
!
/

٤٥٧
النوع الحادى والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز من الحديث
المتون الصحيحة (١)، وهو الذى يقول فيه ((الترمذى)): ((غريبٌ من هذا الوجه))(٢).
ولا أرى هذا النوعَ ينعكس، فلا يوجد إذًّا ما هو غريب متنًا وليس غريبًا إسنادًا،
إلا إذا اشتهر الحديثُ الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون [٨٠/ و] فإنه يصير
غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا، وغير غريبٍ إسنادًا. لكن بالنظر إلى أحد طرفى الإِسناد،
فإن إسناده متصف بالغرابة فى طرفه الأول، متصف بالشهرة فى طرفه الآخر، كحديث:
(إنما الأعمال بالنيات، وكسائر الغرائب التى (٣) اشتملت عليها التصانيفُ المشهورة؛ (٤)
والله أعلم.
(١) على هامش (غ): [غرائب الصحيح: مالك - عن الزهرى - عن أنس "أن النبى ولا دخل مكة عام
الفتح وعلى رأسه المغفر" تفرد به مالك عن الزهرى. وغرائب الشيوخ كرواية الربيع بن سليمان: أنا الشافعى
أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللّه وَ ل﴿ قال: "لا يَبْعْ حاضر لبادٍ". غريب لمالك عن نافع، تفرد به
عنه الشافعى، وهما إمامان. لا نعلم من حدث به عنه غير الربيع وهو ثقة مأمون. هكذا وجدته بخط شيخنا
فنقلته.]
قلت: حديث الإِمام مالك فى (الموطأ: الحج، باب جامع الحج، ح ٢٤٧) وقال: ولم يكن رسول اللّه وَل
محرمًا. قال ابن عبدالبر: وهذا الحديث مما تفرد به مالك عن ابن شهاب الزهرى (التجريد ١١٧ خ ٣٦٢)
وحديث الإِمام الشافعى فى مسنده جـ ٢ من اختلاف الحديث بالأصل العتيق: ٦٠/٢) وانظر (سنن
الدارقطنى، وتخريج المغنى على هامشه) ٧٤/٣ ح ٢٨١ - ٢٨٤.
(٢) على هامش (غ) [: قال الترمذى فى آخر كتابه: أما قولى: غريب، فمعناه ألا يروى إلا من
طريق واحدة. وقد يروى من طريق فيستغرب إذا جاء من طريق منفردة].
(٣) من (ص، ع) وفى (غ): [الذى]
جامع الترمذى ٣٣٤/١٣ مع العارضة.
(٤) قال العراقى: استبعد المصنف وجود حديث غريب متنا لا إسنادًا إلا بالنسبة إلى طرفى الإِسناد.
وأثبت أبو الفتح اليعمرى هذا القسم مطلقًا من غير حمل له على ما ذكره المصنف، فقال فى (شرح الترمذى):
الغريب على أقسام: غريب سندًا ومتنا، ومتنًا لا سندًا، وسندًا لا متنا، وغريب بعض السند فقط، وغريب
بعض المتن فقط. ثم أشار إلى أنه أخذ ذلك من كلام محمد بن طاهر المقدسى فإنه قسم الغرائب والأفراد إلى
خمسة أنواع، خامسها أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم؛ وسنن ينفرد بالعمل بها أهل
مِصْرٍ، لا يعمل بها فى غير مصرهم. ثم تكلم أبو الفتح على الأقسام التى ذكرها ابن طاهر إلى أن قال: وأما
النوع الخامس فيشمل الغريب كله سندًا ومتنًّا، أو أحدهما دون الآخر)) التقييد والإِيضاح ٢٧٣.
قوبل على شرح الترمذى لأبى الفتح اليعمرى، المقدمات. مخطوط تركيا. مصورة الزميل السيد الدكتور
محمد الراوندى، الأستاذ بدار الحديث الحسنية بالرباط.

النوع الثانى والثلاثون
معرفة غريب الحديث
وهو عبارة عما وقع فى متون الأحاديثِ من الألفاظ الغامضة، البعيدة من الفهم لقلة
استعمالها.
هذا فن مُهِم يقبحُ جهلُه بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامةً. والخوضُ فيه ليس
بالهين، والخائض فيه حقيقٌ بالتحرى جديرٌ بالتوقى.
روينا عن ((الميمونى)) قال: سئل أحمد بن حنبل عن حرف من غريب الحديث فقال:
((سَلُوا أصحابَ الغريب فإنى أكره أن أتكلم فى قولِ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم
بالظنِّ فسأخطئٍ))(١).
وبلغنا عن ((التاريخى، محمد بن عبد الملك)) قال: ((حدثنى أبو قلابة عبد الملك بن
محمد، قال: قلت للأصمعى: يا أبا سعيد، ما معنى قول رسول اللّه وَليل "الجار أحق
بِسَقَبِه"؟ فقال: أنا لا أفسر حديثَ رسولِ اللهِ وَّه ولكن العرب تزعم أن السَّقَبَ
اللزيقُ))(٢).
ثم إن غير واحدٍ من العلماء صنّفوا فى ذلك فأحسنوا، روينا عن ((الحاكم أبى عبدالله
الحافظ)) قال: ((أولُ من صنَّف الغريبَ فى الإِسلام النضرُ بنُ شْمَيْل))(٣) ومنهم من خالفه
(١) من (غ، ص، ز) ونقل بهامش (ص): [فى نسخة أخرى: فأخطئ] وهى رواية (ع).
. (٢) على هامش (غ): [السقب: القرب، وهو المراد بالحديث. وقد سقبت داره - بالكسر - وأسقبت، أى
قربت، وأسقبتها أنا أى قربتها (الصحاح) زاد ابن الأثير: ويقال بالصاد أيضًا]
باب السين مع القاف من كتاب (النهاية فى غريب الحديث والأثر).
- وحديث ((الجار أحق بسقبه)) أخرجه البخارى فى كتاب الشفعة باب عرض الشفعة على صاحبها قبل
البيع (٢٣/٢) وأبو داود فى كتاب البيوع، باب الشفعة، ح ٣٥١٦ (٢٨٦/٣) وابن ماجه فى كتاب الشفعة ح:
٢٤٩٥، ٢٤٩٦ (٨٣٤/٢).
(٣) علوم الحاكم: ٨٨. وانظر (التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة الاصبهانى): ٣٣.
ونقل على هامش (غ): [قال ابن الأثير فى (النهاية): أول من صنف فى هذا الفن أبوعبيدة معمر=
٤٥٨

٤٥٩
النوع الثانى والثلاثون: معرفة غريب الحديث
فقال: ((أولُ من صنف فيه أبو عبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المتَنى.)) وكتاباهما صغيران. وصنف بعد ذلك
((أبو عبيدالقاسم بن سلام)) كتابَه المشهورَ، فجمع وأجاد واستقصى، فوقع من أهلِ العلم
بموقع جليل، وصار قدوة فى هذا الشأن. ثم تتبع ((القُتيبى))(١) ما فات ((أبا عبيد)) فوضع
فيه كتابه المشهور، ثم تتبع ((أبو سليمان الخطابى)) ما فاتهما فوضع فى ذلك كتابه
المشهور (٢). فهذه الكتبُ الثلاثة أمهاتُ الكتبِ المؤلفة فى ذلك؛ ووراءها مجامعُ تشتمل مِن
ذلك على زوائدَ وفوائد كثيرة ولا ينبغى أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمةً جِلَّة.
وأقوى ما يُعتَمدُ عليه فى تفسير غريب الحديث، أن يُظفر به مُفَسَّرًا فى بعض روايات
الحديث، نحو ما رُوِى فى حديث ((ابن صياد))(٣) أن النبى وَّ قال له: "قد خبأتُ خبيئًا
= ابن المثنى التيمى؛ ثم أبو الحسن النضر بن شميل المازنى، ثم عبد الملك بن قريب الأصمعى، وكان فى عصر
أبى عبيدة وتأخر عنه؛ وكذلك محمد بن المستنير المعروف بقطرب؛ وجماعة من أئمة اللغة والفقه. ثم أبو عبيد
القاسم بن سلام بعد سنة المائتين؛ ثم أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينورى. وكذلك فى زمانه أبو إسحاق
إبراهيم بن إسحاق الحربى؛ ثم جماعة منهم: شمر بن حمدويه، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وأبو العباس
محمد بن يزيد المبرد، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنبارى. وأحمد بن الحسن الكندى. وأبو عمر محمد بن
عبدالواحد الزاهد صاحب ثعلب، وغيرهم من الأئمة، ثم أبو سليمان أحمد بن محمد بن أحمد البسنى، بعد
الثلاثمائة والثمانين، رحمه الله.] - ٣٨٨ هـ (تقييد ابن نقطة) -.
الحاشية منقولة بتلخيص، من مقدمة كتاب (النهاية فى غريب الحديث والأثر) لابن الأثير ((مجد الدين أبى
السعادات المبارك بن محمد بن محمد الجزرى)».
(١) القتيبى: أبو محمد ابن قتيبة، عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينورى، ويقال فى نسبه أيضًا: القُتبى
(تهذيب التهذيب) وليس فى اللباب سوى القتبى (١٥/٣)
(٢) على هامش غ، [ثم بعد الخطابى، أبو عبيد أحمدبن محمد الهروى صاحب الإِمام أبى منصور الأزهرى
اللغوى، كان فى زمن الخطابى وبعده وفى طبقته. ثم الإِمام أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى. ثم الإِمام
الحافظ أبو موسى محمد بن أبى بكر بن أبى عيسى الأصبهانى، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسائة؛ وفى عصره
الإمام الحافظ أبوالفرج عبدالرحمن بن على الجوزى، ثم ابن الأثير، رحمهم الله].
وهذه الإِضافة أيضا، تلخيص لما فى مقدمة (النهاية لابن الأثير).
قلت: ((النضر بن شميل)) أولهم، توفى سنة ٢٠٣ هـ. ومن طبقته ((أبو بكر الباجدَّائى الحسين بن عياش
السلمى، مولاهم، المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، نقل فى ترجمته بتهذيب التهذيب: وقال الخطيب: كان أديبًا فاضلا وله
كتاب مصنف فى غريب الحديث (٦٢٠/٣٦٢/٢) وأما من بعد ابن الأثير الجزرى المتوفى ٦٠٦ هـ فقد تابع
الشمس السخاوى - ٩٠٢ هـ - المصنفات فى غريب الحديث إلى وقته (فتح المغيث ١٨٥/٢)
(٣) متفق عليه: أخرجه البخارى فى الجنائز، باب إذا أسلم الصبى هل يُصلى عليه. والجهاد، كيف يعرض
الإِسلام على الصبى. والأدب باب قول الرجل: اخسأ. والفتن، ذكر الدجال.
ومسلم فى (الفتن: حديث الدجال ابن صياد).

1
٤٦٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
لك فما هو؟ قال: الدُّخِ" (١) فهذا خَفِىَ معناه وأعضل، وفسره قوم بما لا يصح؛ وفى (معرفة
علوم الحديث للحاكم) أنه الدَّخ بمعنى الزُّعّ الذى هو الجماع (٢)، وهذا تخليط فاحش يغيظ
العالمَ والمؤمنَ، وإنما معنى الحديث أن النبى وَ ◌ّ قال له: قد أضمرت لك ضميرًا فما هو؟
قال: الدخ. بضم الدال، يعنى الدخان. والدخ هو الدخان فى لغة، إذ فى بعض روايات
الحديث ما نصه: ثم قال رسول اللّهِ وَله: "إنى قد خبأت لك خبيئًا" - وخبأ له ﴿يَوْم
تأتِ السَّماءُ بُدُخانٍ مُبِين﴾ - فقال ابنُ صياد: هو الدُّخ، فقال رسول اللّهِ وَلّ: "اخسأ
فلن تعدو قدرك" وهذا ثابت صحيح خرجه الترمذى(٣) وغيره، فأدرك ((ابن صياد)) من
ذلك هذه الكلمة فحسب، على عادة الكهان فى اختطاف بعض الشىء من الشياطين، من
غير وقوف على تمام البيان، ولهذا قال له: "اخسأ فلن تعدوَ قدرَك" أى فلا مزيدً لك على
قدرِ إدراكِ الكهان. والله أعلم".
(١) على هامش غ: امال ابن الأثير: الدخ بضم الدال وبفتحها هو الدخان. وأنشد:
* عند رواق البيت يغشى الدخا*] (النهاية) وفى مشارق الأنوار: قيل هى لغة فى الدخان .. وقيل: أراد أن
يقول: الدخان، فزجره النبى و 9 عن تمامه فلم يكمله. وقيل: هو نبت موجود بين النخيل، ورجح هذا الخطّابى
وقال: لا معنى للدخان هنا إلا أن يريد بـ: خبأت، أضمرت. قال القاضى عياض: بل الأصح والأليق بالمعنى
أنه هنا الدخان)» المشارق ٢٥٤/٢ وانظر فتح البارى ١٠٥/٦ وشرح النووى للحديث فى كتاب الفتن، باب
حديث الدجال، من صحيح مسلم، والعراقى فى التبصرة ٢٨٤/٢.
(٢) لم أجده نصا فى مطبوعة حيدر اباد من (معرفة علوم الحديث الحاكم: الألفاظ الغريبة فى المتون) وفيها:
"مزخة يزخها" فى رجز عن الإمام على كرم الله وجهه (٩١) ويبدو مبتور السياق. وفى فتح البارى ما نصه:
(«وقع عند الحاكم: الزخ، بفتح الزاى بدل الدال. وفسّره بالجماع. واتفق الأئمة على تغليطه فى ذلك. ويردّه ما
وقع فى حديث أبى ذر، رضى الله عنه: ((فأراد أن يقول: الدخان، فلم يستطع، فقال: الدخ، على عادة الكهان
من اختطاف الكلمة)) الفتح ١٠٥/٦.
(٣) جامع الترمذى، كتاب الفتن.
* المحاسن:
((فائدة: قال ((أبو موسى المدينى)): ((السر فى أن سيدنا رسول الله صل﴾ خبأ لابن
صياد الدخانَ، أن عيسى صلى اللّه عليه وسلم يقتله بجبل الدخان)).