Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
وهذا أيضًا يوجبُ بطلانَ الإِجازة للطفلِ الصغير الذى لا يصحُّ سماعُه. قال
((الخطيبُ)): سألت القاضى أبا الطيبِ الطبرى [٤٤/و] عن الإِجازة للطفل الصغير:
"هل يُعتبر فى صحتها سِنَّه أو تمييزُه، كما يُعتَبرُ ذلك فى صحةِ سماعه؟ فقال: لا يُعتبَرَ ذلك.
قال، فقلت له: إن بعضَ أصحابِنا قال: لا تصحُّ الإِجازةُ لمن لا يصحُّ سماعه. فقال: قد
يصحُّ أن يجيزَ للغائبِ عنه، ولا يصح السماحُ له»(١). واحتج ((الخطيبُ)) لصحتها للطفلِ
بأن الإِجازةَ إنما هى إباحة المجيزِ للمجازِ له أن يروىَ عنه. والإِباحةُ تصحُّ للعاقلِ وغير
العاقل قال: "وعلى هذا رأينا كافة شيوخِنا يجيزون للأطفالِ الغَيَّب عنهم، من غير أنّ
يَسألوا عن مبلغ أسنانهم وحالٍ تميزهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودًا فى الحال،، (٢).
قال المعلى أبقاه الله: كأنهم رأوا الطفلَ أهلًا لتحملِ هذا النوعِ من أنواع تحملٍ
الحديثِ ليؤدىَ به بعد حصولِ أهليتِه، حرصًا على توسيع السبيلِ إلى بقاءِ الإِسناد الذى
اختصت به هذه الأمّة، وتقريبِه من رسول اللّه وَّة؛ والله أعلم (٣).
النوع السادس: من أنواع الإِجازة
إجازةُ ما لم يسمعه المجيزُ ولم يتحملْه أصلاً بعدُ ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيزُ بعد
ذلك. أخبرنى من أخبر عن ((القاضى عياضٍ بن موسى)) من فضلاءٍ وقته بالمغربِ،
قال: "هذا لم أر من تكلم عليه من المشايخ، ورأيتُ بعض المتأخرين والعصريينَ
يصنعونه" ثم حكى عن ((أبى الوليد يونس بن مغيث، قاضى قرطبة)) أنه سُئِل الإِجازةَ
لجميعِ ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعدُ، فامتنع من ذلك، فغضب السائلُ، فقال له
بعض أصحابه: "يا هذا، يُعطيكَ مالم يأخذْه؟ هذا محال" قال ((عياض)»: وهذا هو
(٤)
الصحيح
•
(١) كفاية الخطيب (٣٢٥) وتمام عبارته: ولا يصح السماع/ منه لمن غاب عنه، أو كلامًا كهذا».
(٢) يليه فى الكفاية: ولو فعله فاعل يصحُّ لمقتضى القياس)). (٣٢٥-٣٢٦)
(٣) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغ مقابلة بالأصل المقابل بأصل المسمِّع، ثانية.
(٤) قوبل على (الإِلماع للقاضى عياض: ١٠٥ - ١٠٦) قراءته من فهرسة الشيخ أبى مروان عبد الملك
بن زيادة الله الطبنى. وزاد عياض: ((فقال يونس: هذا جوابی)».

٣٤٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قال المملى أبقاه الله: ينبغى أن يُبنى هذا على أن الإِجازةَ فى حكم الإِخبار بالمجاز
جملةً، أو هى إذْنٌ. فإن جُعِلتْ فى حكم الإخبار لم تصح هذه الإِجازة، [٤٤/ظ] إذ كيف
يخبر بما لا خبرَ عنده منه؟ وإن جُعِلِتْ إذْنًا انبنى هذا على الخلافِ فى تصحيح الإِذنِ فى
بابِ الوكالة فيما لم يملكْه الآذنُ المؤكَّلُ بعدُ، مثل أن يوكَّلَ فى بيع العبدِ الذى يريد أن
يشتريه. وقد أجاز ذلك بعضُ أصحابِ الشافعى. والصحيحُ بطلان هذه الإِجازة .* وعلى
هذا يتعينُ على من يريد أن يروىَ بالإِجازةِ عن شيخٍ أجاز له جميعَ مسموعاته مثلا، أن
يبحثَ حتى يعلم أن ذلك الذى يريد روايتهَ عنه، مما سمعه قبلَ تاريخ الإِجازة. وأما إذا
قال: "أجزتُ لك ما صحَّ ويصحُّ عندك من مسموعاتى" فهذا ليس من هذا القبيل؛ وقد
فعله ((الدارقطنى)) وغيره. وجائزٌ أن يروىَ بذلك عنه ما صحَّ عنده بعد الإِجازة أنه
سمعه قبل الإِجازة. ويجوز ذلك وإن اقتصر على قوله: "ما صحَّ عندك" ولم يقل:
"وما يصح"، لأن المرادَ: أجزت لك أن تروىَ عنى ما صحَّ عندك. فالمعتبر إذًّا فيه صحةُ
ذلك عنده حالةً الرواية؛ والله أعلم.
النوع السابع من أنواع الإِجازة: إجازة المُجاز (١)
مثل أن يقولَ الشيخُ: «أجزتُ لك ◌ُجازاتى، أو: أجزتُ لك روايةَ ما أجيز لى روايتُه"
(١) انظر فى الكفاية (الرواية إجازة عن إجازة): ٣٤٩.
* المحاسن :
((فائدة: لو وكله فى بيع ما فى ملكه وما سيملكه، فالذى يظهر صحتهُ بما نص عليه
((الشافعىُّ)) فى وصيته، وقد تقدم؛ فلا يُنظَّر ذلك بما إذا وكَّله فی بیع عبد سیملكه مجردًا، بل
نظيرُه أن يوكله فى بيع ما فى مِلْكه وما سيجرى فى ملكه، فتقرب الصحةُ حينئذ فى
الإِجازة - انتهت)) ٥٥/و.
ـ وانظر (فتح المغيث: ٨٦/٢).

٣٤٣
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
فمنع من ذلك بعضُ مَن لا يُعتَدُّ به من المتأخرين . * والصحيحُ والذى عليه العملُ أن
ذلك جائز. ولا يشبهُ ذلك ما امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكّل. ووجدتُ عن
((أبى عمرو السفاقسى الحافظ المغربى)) قال: "سمعتُ أبا نُعيم الحافظَ الأصبهاني (١)
يقول: الإِجازةُ على الإِجازة قويةٌ جائزة".
وحكى ((الخطيبُ الحافظُ)) تجويز ذلك عن: ((الحافظِ الإِمام أبى الحسن الدارقطنى،
والحافظِ أبى العباس المعروفِ بابنِ عُقدةَ الكوفى)) وغيرهما.(٢) وقد كان الفقيهُ الزاهد
[٤٥/و] ((نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسى)) يروى بالإِجازةِ عن الإِجازة، حتى ربما والى فى
روايتِه بين إجازاتٍ ثلاث .*
وينبغى لمن يَروِى بالإِجازة عن الإِجازةِ أن يتأملَ كيفيةَ إجازةٍ شيخِ شيخه
ومقتضاها، حتى لا يروىَ بها ما لم يندرج تحتها: فإذا كان مثلاً صورةَ إجازةٍ شیخٍ
(١) [أصبهان، بكسر الهمزة وفتحها] من هامش (غ) وهو ضبطه فى (اللباب: ٦٩/٢). وانظر معه (مشارق
الأنوار على صحاح الآثار ٥٨/١).
(٢) الكفاية: باب الرواية إجازة عن إجازة (٣٥٠) وفيها صورة من نص إجازة الحافظ أبى العباس ابن
عقدة: أحمد بن محمد بن سعيد الكوفى (٢٤٩-٣٣٢هـ).
: المحاسن :
(( فائدة: قيل: كأنه يشير إلى الإمام العلامة الحافظ عبد الوهاب الأنماطى(١)، فإنه جمع
فى ذلك شيئًا - انتهت)». ٥٥/ و.
المحاسن :
((فائدة: القرينة الحالية من إرادة إبقاء السلسلة، قاضيةٌ بأن كلّ مُجيزٍ بمقتضى ذلك،
أَذِنَ لمن أجازه أن يُجيزَ، وذلك فى الإِذن فى الوكالة جائز. انتهت)) ٥٥/و
(١) عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد، أبو البركات الأنماطى الحافظ، محدث بغداد (٤٦٢-٥٣٨ هـ) كان
لا يجوز الإجازة على الإِجازة، وصنف فى ذلك (تذكرة الحفاظ للذهبى: ١٢٨٢/٤، والعبر، له: ١٠٤/٤) مع
التقييد لابن نقطة (ل: ١٢٨).

٣٤٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
شيخِه: "أجزتُ له ما صحَّ عنده من سماعاتى" فرأى شيئًا من مسموعاتٍ شيخِ شيخِهِ،
فليس له أن يروىَ ذلك عن شيخِه عنه، حتى يستبينَ أنه مما كان قد صحَّ عند شيخِه كونُه
من مسموعات شيخِه الذى تلك إجازتُه، ولا يكتفى بمجردٍ صحةٍ ذلك عنده الآنَ، عملاً
بلفظِهِ وتقييدِهِ. وَمَن لا يتفطنْ لهذا وأمثاله يَكثرْ عتارُه؛ والله أعلم.
هذه أنواعُ الإِجازة التى تمسُّ الحاجةُ إلى بيانها. ويتركبُ منها أنواعٌ أُخَرُ سيتعرفُ
المتأملُ حُكمَها مما أمليناه إن شاء الله تعالى.
ثم إنا نَبَّهُ على أمور:
أحدها: روينا عن «أبى الحسين(١) أحمدَ بنِ فارس)) الأديب المصنفِ رحمه الله قال(٢):
"معنى الإِجازة فى كلام العرب مأخوذٌ من جوازِ الماء الذى يُسقاه المالُ من الماشيةِ
والحَرْث، يقال منه: استجزتُ فلانًا فأجازنى، إذا أسقاك ماءً لأرضِك أو ماشيتِك. كذلك
طالبُ العلم يسأل العالِمَ أن يجيزَه عِلْمَه فيجيزَه إياه)،(٣).
قال المملى أبقاه الله: فللمجيزِ على هذا أن يقولَ: "أجزتُ فلانًا مسموعاتى أو
مَروِيأَتى" فُيعدِّيه بغير حرفِ جَرٍّ، من غير حاجةٍ إلى ذكر لفظِ الرواية أو نحو ذلك.
ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإِجازةَ بمعنى الَتسويغ والإِذْنِ والإِباحةِ، وذلك هو المعروف،
فيقول: "أجزتُ لفلانٍ روايةً مسموعاتى" مثلا. ومَن يقول منهم: "أجزت له مسموعاتى"
فعلى سبيلِ الحذف الذى لا يخفى نظيرهُ؛ والله أعلم.
الثانى: [٤٥/ظ] إنما تُستحسَنُ الإِجازةُ إذا كان المجيزُ عالما بما يجيز، والمجاز له من
أهلِ العلم، لأنها توسُّع وترخيصٌ يتأهَّلُ له أهلُ العلم لمسيسٍ حاجتهم إليها. وبالغ
بعضُهم فى ذلك فجعله شرطًا فيها. وحكاه ((أبو العباس الوليدُ بن بكر المالكىُّ)) عن
(١) متن (غ، ص). وبهامش (غ): [أبو الحسن] خ / ومثله فى مطبوعة (ع).
انظر: ((أحمد بن فارس بن زكريا. القزوينى الرازى، أبا الحسين)) صاحب (معجم مقاييس اللغة، والمجمل)
فى: اليتيمة ٢١٤/٣، ابن الأنبارى ٣٩٢، ابن خلكان ٣٥/١، إنباه القفطى ٩٢/١ والعبر ٥٨/٣ وفيات
سنة ٣٩٥هـ.
(٢) أحمد بن فارس ((فى جزء له سماه مآخذ العلم)) قاله السخاوى فى (فتح المغيث ٩٤/٢).
(٣) أسنده الخطيب فى (الكفاية: ٣١٢) عن أجر الحسين أحمد بن فارس.
٠

٣٤٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (المناولة)
((مالكٍ)) رضى الله عنه. وقال ((الحافظُ أبو عمر)): "الصحيحُ أنها لا تجوزُ إلا لماهرِ
بالصناعةِ، وفى شىء معينٍ لا يشكل إسنادُه"؛(١) والله أعلم.
الثالث: ينبغى للمُجيز إذا كتَبَ إجازتَه أن يتلفظَ بها، فإن اقتصر على الكتابة كان
ذلك إجازةً جائزةً إذا اقترن بقَصْدِ الإِجازة، غير أنها أنقصُ مرتبةً من الإِجازة الملفوظِ
بها. وغيرُ مستبعَدٍ تصحيحُ ذلك بمجردٍ هذه الكتابة فى بابِ الروايةِ الذى جُعِلتْ فيه
القراءةُ على الشيخِ، مع أنه لم يلفظ بما قُرئ عليه، إخبارًا منهُ بما قرئ عليه، على ما تقَدم
بيانُه؛ والله أعلم.
القسم الرابع من أقسامِ طُرُقِ تحمُّلِ الحديث وتلقيه
المناولة، وهى على نوعين:
أحدهما: المناولةُ المقرونةُ بالإِجازة، وهى أعلى أنواع الإِجازةِ على الإطلاق. ولها
صور:
منها، أن يدفع الشيخُ إلى الطالبِ أصلَ سماعه أو فرعًا مقابَلا به ويقولَ: "هذا
سماعى، أو روايتى عن فلانٍ، فاروِه عنى، أو: أجزتُ لك روايتهَ عنى". ثم يملكه إياه.
أو يقول: "خُذْه وانسخْه وقابلْ به، ثم رُدَّه إلىَّ» أو نحو هذا.
(١) أبو عمر ابن عبدالبر، فى (جامع بيان العلم: ١٧٩/٢ - ١٨٠).
ونقل الحافظ شمس الدين السخاوى فى (فتح المغيث: ٩٦/٢): قال ابن سيد الناس: "أصل الإِجازة
مختلف فيه، ومن أجازها فهى قاصرة عنده عن رتبة السماع. وحينئذ فينبغى ألا تجوز من كل من يجوز منه
السماع. وإن ترخص مرخص وجوزها من كل من يجوز منه السماع، فأقل مراتب المجيز أن يكون عالماً بمعنى
الإِجازة العلم الإجمالى من أنه روى شيئًا، وأن معنى إجازته لغيره إذنه لذلك الغير فى رواية ذلك الشىء عنه
بطريق الإِجازة المعهودة من أهل هذا الشأن؛ لا العلم التفصيلى بما روى وبما يتعلق بأحكام الإِجازة. وهذا العلم
الإجمالى حاصل فيمن رأيناه من عوام الرواة. فإن انحط راوٍ فى الفهم عن هذه الدرجة - ولا إخال أحدًا
ينحط عن إدراك هذا إذا عرف به - فلا أحسبه أهلا لأن يُتَحَمَّلَ عنه بإجازة ولا سماع. قال: وهذا الذى
أشرت إليه من التوسع فى الإِجازة هو طريق الجمهور)).
- قوبل على (أجوبة ابن سيد الناس) الحافظ أبى الفتح اليعمرى، على مسائل تلميذه الحافظ ابن أيبك
الدمياطى: ل ٤٦ أ مصورة معهد المخطوطات بالقاهرة، من مخطوط الإِسكوريال.

٣٤٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ومنها، أن يجىء الطالبُ إلى الشيخ بكتابٍ أو جزءٍ من حديثِه فيعرضَه عليه، فيتأمله
الشيخ وهو عارفٌ متيقظ، ثم يعيده إليه ويقول له: "وقفتُ على ما فيه، وهو حدیثی عن
فلان، أو: روايتى عن شيوخى فيه، فاروِه عنى، أو: أجزتُ لك روايتَه عنى". وهذا قد سماه
غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث: [٤٦/و] عَرْضًا. وقد سبقت حكايتنا فى (القراءةِ على
الشيخ) أنها تُسمَّى عَرْضًا، فلنُسمّ ذلك: عرضَ القراءةِ، وهذا: عرضَ المناولة.
وهذه المناولة المقرونةُ بالإِجازةِ حالَّةٌ محلَّ السماعِ عند «مالكٍ)) وجماعةٍ من أئمةٍ
أصحاب الحديث. وحَكَى ((الحاكمُ أبو عبدِ الله الحافظُ النيسابورى)) فى عَرْضِ المناولة
المذكور، عن كثير من المتقدمين، أنه سماع(١) وهذا مُطَّرِدٌ فى سائرِ ما يماثلُه من صُوَرٍ
المناولة المقرونة بالإِجازة. فمِمَّنْ حكى ((الحاكم)) ذلك عنهم: ((ابنُ شهاب الزهرى،
وربيعةُ الرأى، ويحيى بنُ سعيد الأنصارى، ومالكُ بنُ أنس الإِمامُ)) فى آخَرِينَ من
المدنيين؛ و((مجاهدٌ، وأبو الزبير، وابنُ عُيَيْنَة)) فى جماعةٍ من المكيين؛ و «علقمةُ وإبراهيمُ
النخَعِيَّانِ، والشعبىُّ)) فى جماعةٍ من الكوفيين؛ و((قتادةُ، وأبو العالية، وأبو المتوكّلٍ (٢)
الناجى)) فى طائفةٍ من البصريينَ؛ و((ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب))(٣) فى طائفة من
المصريين؛ وآخرون من الشاميين والخراسانيين. ورأى ((الحاكمُ)) طائفةٌ من مشايخه على
ذلك* (٤).
(١) فى معرفة علوم الحديث، النوع ٥٢ (معرفة من رخص فى العرض على العالم ورآه سماعا).
٢٥٧ - ٢٦٠.
وانظر معه فى كتاب العلم من صحيح البخارى (باب ما يذكر فى المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى
البلدان) فتح البارى ١١٤/١.
(٢) على هامش (غ): [أبو المتوكل، هو على بن دُوَاد. ويقال: ابن داود، أيضًا. والله أعلم] وفى تهذيب
التهذيب: بن داود ويقال: بن دُوَاد (٣١٨/٧) وفى معرفة الحاكم: على بن دُواد، ومثله فى الإِكمال (٣٣٦/٣).
(٣) [أشهب: لقب له واسمه: مسكين] من هامش (غ).
(٤) قوبل على معرفة الحاكم: ٢٥٦-٢٦٨.
* المحاسن:
((فائدة وزيادة: أحسنُ ما يُستدلَّ به على المناولة بغير قراءة، ما ذكر ((الحاكم))
مستدلا به مسندًا من حديث ابن عباس، أن رسول الله وَل بعث بكتابه إلى كسرى=

٣٤٧
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (المناولة)
٠٠
= مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ويدفعَه عظيم البحرين إلى!
کسری.
وأرفُعُ مَن حكاه عنه من المدنيين، أنها بمنزلة السماع: أبوبكر بن عبد الرحمن، أحد
الفقهاء السبعة، وعكرمة مولى ابن عباس. ومن دونهم: العلاء بن عبدالرحمن، وهشام بن
عروة، ومحمد بن عمرو بن علقمة. ومن دونهم: عبدُ العزيز بن محمد بن عبيد.(٢)
من جملة المكيينَ أيضًا: عبدُ الله بن عثمان بن خُثَيم، ونافع الجمحى، وداودُ العطار،
ومسلم الزنجى.(٣).
ومن الكوفيين: أبو بردة الأشعرى، وعلى بن ربيعة الأسدى، وحبيبُ بن أبى ثابت،
ومنصورُ بن المعتمر، وإسرائيلُ، والحسنُ بن صالح، وزهير بن معاوية الجعفى، وجابر
الجعفی.
ومن البصريين: حُمَيِّدُ الطويل، وسعيد بن أبى عروبةَ، وزياد بن فيروز،(٤) وعلى بن
زيد بن جدعان، وداود بن أبى هند، وكهمس، وجرير بن حازم، وسليمان بن المغيرة.
ومن المصريين: عبدُ الله بن عبدالحكم، وسعيدُ بن عفير، ويحيى بنُ عبدالله ابن بكير،
ويوسف بن عمرو. قال ((الحاكم)»: وجماعةٌ من المالكيين بعدهم.
وممن ذكر ((الرامهرمزى)) عنه أن كان يرى المناولة [سماعًا]: ((الحسنُ البصرى))
كان لا يرى بأسًا أن يدفع المحدِّثُ كتابَه ويقولَ: "اروِ عنى جميعَ ما فيه؛ يسعه=
(١) علوم الحاكم (٢٥٨) والحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: كتاب العلم، باب ما يذكر فى المناولة،
وكتاب الجهاد باب دعوة اليهود والنصارى، والمغازى باب كتاب النبى وَلّ إلى كسرى وقيصر. وفى (فتح
البارى ١١٥/١) أن كسرى هو أبرويز بن هرمز بن أنو شروان، وعظيم البحرين: المنذر بن ساوى العبدى.
رضى الله عنه.
(٢) نسبه فى مطبوعة المعرفة (٢٥٧): الأندراوردى. وهو فى (طبقات ابن سعد): عبدالعزيز بن محمد بن
عبيد بن أبى عبيد الدراوردى، أبو محمد، من أهل المدينة (٤٢٣/٥) ومثله فى تهذيب التهذيب، وذكر فى نسبه
أيضًا: الأندراوردى (٣٥٣/٦) وانظره فى اللباب (٤٩٦/١).
(٣) المعرفة للحاكم: ٢٥٧.
(٤) هو ((أبو العالية)) البصرى فى متن ابن الصلاح. وفى علوم الحاكم: وأبو العالية زياد بن فيروز. (٢٥٧).

٣٤٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وفى كلامه بعضُ التخليطِ : من حيث كونُه خَلط بعضَ ما ورد فى عرضِ القراءةِ، بما
ورد فى عَرْضِ المناولة، وساق الجميعَ مَساقًا واحدًا. والصحيحُ أن ذلك غيرُ حالٌ محلّ
السماع، وأنه مُنْحَطْ عن درجةِ التحديثِ لفظًا والإِخبارِ قراءةً* (١).
وقد قال ((الحاكم)) فى هذا العرض: أما فقهاء الإِسلام الذين أفتَوا فى الحلال والحرام
فإنهم لم يروه سماعًا، وبه قال ((الشافعى، والأوزاعى، والبويطى والمزنى، وأبو حنيفة،
وسفيان الثورِى، وأحمدُ بن حنبل، وابنُ المبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن [٤٦/ظ]
(١) انظر تقييد العراقى: ١٩٥.
=أن يقول: حدثنى فلان عن فلان"(١) وذكر أيضًا عن ((يحيى بن أبى كثير)) أنه كان
يرى المناولة (٢) - انتهت))
٥٦/و
* المحاسن:
((فائدة: أسند ((الرامهرمزى)) عن إسماعيل بن أبى أُوَيس قال: "سألتُ مالكًا عن
أصَحِّ السماع. فقال: قراءتك على العالم - أو قال: المحدث - ثم قراءة المحدِّث عليك، ثم
أن يدفع إليك كتابَه فيقول، اروِ هذا عنى".(٣)
فهذا تصريحٌ من ((الإِمام مالك)) بانحطاطِ درجة المناولة عن القراءة على الشيخ
وقراءةِ الشيخ على الطالب. وهذا خلافُ ما يقتضيه ظاهرُ كلام ((الحاكم)) فى النقل عن
((مالك)) وغيره. وقد روى ((الحاكم)) عن ابن أبى أويس، قال: "سُئل مالكٌ عن حديثهِ،
أسماعٌ هو؟ فقال: منه سماع ومنه عرض، وليس العرضُ عندنا بأدنى من السماع."(٤)
وهذا يمكن حمله على عرضِ القراءة. وفى رواية ((الرامهرمزى)) ما يقتضى تسميةً
عرضِ المناولةِ سماعًا، لأن الترتيب جوابٌ عن: أصحِّ السماعِ عندك. وكأن هؤلاء
الأئمة المحكِىَّ عنهم جوَّزوا الروايةَ بها، لا أنهم يُنزلونها منزلةَ السماع سواءً بسواء
- انتهت)) ٥٦/ظ.
(١-٢) الرامهرمزى فى (المحدث الفاصل: ٤٣٥ ف ٤٩٨، ٤٣٧ / ٥٠٥.
(٣) زاد الرامهرمزى عن إسماعيل، قال: فقلت لمالك: أقرأ عليك وأقول: حدثنى؟ قال مالك: أو لم يقل
ابن عباس: أقرأنى أبىُّ بن كعب؛ وإنما قرأ على أبىَّ؟ (المحدث ٤٣٨ ف ٥٠٦).
(٤) قوبل على الحاكم فى (المعرفة: ٢٥٩).

٣٤٩
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (المناولة)
راهويه)) قال: "وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا وإليه نذهب".(١) والله أعلم".
ومنها، أن يُناوِلَ الشيخُ الطالبَ كتابَه ويُجيزَ له روايتَه عنه، ثم يمسكه الشيخُ عنده
ولا يُمكِّنه منه. فهذا يتقاعدُ عما سبق: لعدم احتواءِ الطالبِ على ما تحمَّله، وغيبتِه عنه.
وجائزٌ له روايةُ ذلك عنه، إذا ظفر بالكتاب أو بما هو مقابَلٌ به، على وجهٍ يتقُ معه بموافقتِهِ
لما تناولتْه الإِجازةُ، مع ما هو مُعتَبرٌ فى الإِجازاتِ المجردةِ عن المناولة.
ثم إن المناولةَ فى مثلِ هذا، لا يكادُ يظهر حصولُ مزيةٍ بها على الإِجازة الواقعة فى
مُعيَّنِ كذلك من غير مناولة، وقد صار غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين إلى أنه لا تأثيرَ
لها وَلا فائدة. غير أن شيوخَ أهلِ الحديث فى القديم والحديث، أو من حُكِى ذلك عنه
منهم، ◌َرون لذلك مزيَّةً مُعتَبَرةً؛ والعلم عند الله تعالى.
(١) الحاكم فى المعرفة (٢٥٩-٢٦٠) نظر الحاكم فيهم إلى كونهم علماء الأمصار.
:
* المحاسن:
((فائدة: احتج ((الحاكم)) لذلك بقوله وَله: "نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها حتى
يؤديها إلى من لم يسمعها" (١) وبقوله وَّل: "تسمعون ويُسمَعُ مثكم))(٢).
وما احتج به ((الحاكم))، لا يقتضى امتناعَ تنزيل المناولة على ما تقدم، منزلةَ السماع
فى القوة. على أنى لم أجد من تصريح كلامهم ما يقتضى ذلك. انتهت)) ٥٧/و
بـ
(١) أخرجه الحاكم فى المعرفة (٢٦٠) والرامهرمزى فى (باب فضل الناقل لسنة رسول اللّه وَل*) من عدة
طرق، بأسانيده. والخطيب فى شرف أصحاب الحديث (١٧ - ١٩) وابن عبد البر فى (جامع بيان العلم) باب
دعاء النبى ويله لمستمع العلم وحافظه ومبلغه: ٣٨/١) وأخرجه قبلهم أبو داود فى سننه، والترمذى فى جامعه،
وحسَّنه، والنسائى وابن ماجه فى سننهما. وضبط الرامهرمزى: نضر، بالتخفيف، وقال: وأكثر المحدثين يقولونه
بالتثقيل إلا من ضبط منهم (المحدث ١٦٨ ف ١٠) وقال الخطابى فى (معالم السنن ١٨٧/٤): يقال بتخفيف
الضاد وتثقيلها، والتخفيف أجود. وقال عياض فى المشارق (١٦/٢): ((بتخفيف الضاد وتشديدها، وأكثر
الشيوخ يشددون، وأكثر أهل الأدب يخففون. قال ابن خلاد: وهو الصحيح)).
(٢) الحاكم فى المعرفة وأخرجه (٢٦٠) وفى المستدرك (٩٥/١) وابن خلاد الرامهرمزى فى المحدث
الفاصل، والخطيب فى الشرف باب ١٣ (٣٧ - ٣٨) وابن عبدالبر فى جامع بيان العلم (٤٣/١).

٣٥٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ومنها أن يأتىَ الطالبُ الشيخَ بكتابٍ أو جزء فيقول: "هذا روايتُك فناوِلنيه وأَخِزْ لى(١)
روايته". فيجيبه إلى ذلك من غير أنَ ينظر فيه ويتحققَ روايتَه لِجَميعِه. فهذا لا يجوز
ولاْ يصح .* فإن كان الطالبُ موثوقًا بخبره ومعرفته جاز الاعتمادُ عليه فى ذلك، وكان
ذلك إجازة جائزة، كما جاز فى القراءة على الشيخ الاعتمادُ على الطالبِ حتى يكون هو
القارئ من الأصل، إذا كان موثوقًا به معرفةً ودِينًا **.
قال ((الخطيب أبوبكر)): ولو قال: "حدِّث بما فى هذا الكتاب عنى إن كان من حديثى
مع براءتى من الغلَطِ والوهم؛ كان ذلك جائزًا حسنًا)، (٢) والله أعلم.
الثانى: المناولة المجردة عن الإِجازة، بأن يناوله الكتابَ كما تقدم ذكرهُ أولا، ويقتصر
على قولِه: "هذا من حديثى، أو: من سماعاتى" ولا يقول: "اروهِ عنى؛ أو: أجزتُ لك
روايته [٤٧/ و] عنى" ونحو ذلك؛ فهذه مناولة مختلة لا تجوز الروايةُ بها. وعابها غيرُ واحدٍ
من الفقهاء والأصوليين على المحدِّثين الذين أجازوها وسوَّغوا الروايةَ بها. وحَكَى
((الخطيبُ)) عن طائفةٍ من أهلِ العلم أنهم صحَّحوها وأجازوا الروايةَ بها.(٢) وسنذكر إن
(١) فى ص: [وأجزنى].
(٢) فى الكفاية: ٣١٨ وانظر جامع بيان العلم (١٧٩/٢ - ١٨٠) والإلماع (٩٥).
(٣) الخطيب فى الكفاية (٣٢٨) من طريق ابن خلاد الرامهرمزى. وهو فى (المحدث الفاصل بإسناده:
حدثنا الساجى، ثنا هارون بن سعيد الأيلى، ثنا أبوزيد بن أبى الغمر، قال: اجتمع ابن وهب وابن القاسم
وأشهب بن عبدالعزيز، أنى إذا أخذت الكتاب من المحدث، أن أقول فيه: أخبرنى)) ص ٤٤٠ ف٥١٣.
* المحاسن:
((على هامش المحاسن، بخط الشيخ:
((حاشية: قوله: فلا يجوز؛ فيه نظر، لأنه يشتمل على ما إذا استمر الحال على عدم
المعرفة، أو انكشف. وفى هذا الثانى يكون على تقدير قوله: أجزتك بروايته؛ إن كان من
مروياته ... وهو أولى مما تقدم فى بحث الإِجازة)). ٥٧/و
** ((فائدة: لاسيما إذا كان الكتابُ مشهورًا كالبخارى أو مسلم أو نحوِهما، فإنه
يقرب من تمليكه له أو إعارته - انتهت)) ٥٧/و

٣٥١
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (المناولة)
شاء الله سبحانه وتعالى قولَ من أجاز الروايةَ بمجردٍ إعلامِ الشيخ الطالبَ أن هذا
الكتابَ سماعُه من فلان . * وهذا يزيدُ على ذلك ويترجَّحُ بما فيه من المناولة، فإنها لا تخلو
من إشعارٍ بالإِذنِ فى الروايةِ؛ والله أعلم.
القولُ فى عبارةِ الراوى بطريقِ المناولةِ والإِجازة:
حُكِىَ عن قوم من المتقدمين ومَن بعدهم أنهم جوَّزوا إطلاق "حدثنا وأخبرنا" فى
الرواية بالمناولة. حُكى ذلك عن ((الزُّهرى، ومالكٍ)) وغيرهما.(١) وهو لائقُ بمذهبِ جميعِ
من سبقت الحكايةُ عنهم أنهم جعلوا عَرْضَ المناولةِ المقرونةِ بالإِجازة سماعًا. ويُحكَى أيضًا
عن قوم مثلُ ذلك فى الرواية بالإِجازة. وكان الحافظُ ((أبو نعيم الأصبهاني)) صاحبُ
التصانيف الكثيرة فى علم الحديث، يُطلق "أخبرنا" فيما يرويه بالإِجازة. روينا عنه أنه
قال: "أنا إذا قلتُ: حدثنا، فهو سَماعى، وإذا قلتُ: أخبرنا، على الإطلاق، فهو إجازة
من غير أن أذكر: إجازةً أو كتابةً، أو كَتبَ إلىَّ أو أَذِنَ لى فى الرواية عنه".
وكان ((أبو عبيد اللّه المرزبانى))(٢) الأخبارى صاحبُ التصانيف فى علم الخبر، يروى
.(١) انظرهم فى (الإِلماع، باب فى العبارة عن النقل لوجوه السماع والأخذ، والمتفق فى ذلك والمختلف فيه،
والمختار منه عند المحققين والمحدثين) ١٢٨.
(٢) فى (هـ): [أبو عبدالله المرزبانى] تصحيف. وكذلك وقعت كنيته فى طبعة العبر، وفيات سنة ٣٨٤
(٢٧/٣).
ترجمة ((محمد بن عمران بن موسى، أبى عبيد اللّه المرزبانى)) صاحب (معجم الشعراء، والموشح) فى: تاريخ
بغداد ١٣٥/٣، وابن خلكان ٥٠٦/١ وميزان الذهبى ٤٢٩/٢، وإنباه القفطى ١٨٠/٣.
* المحاسن:
على هامش المحاسن بخط الشيخ:
((حاشية: زاد فى (المحصول): إذا أشار الشيخ إلى كتاب فقال: هذا سماعى من فلان؛
جازت الرواية عنه، سواء [أراد روايته] أم لا.
قلت: وهذه الإِشارة أعلى من الإِعلام المجرد)). ٥٧/ظ

٣٥٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
أكثرَ ما فى كُتبِه إجازةً من غير سماع، ويقول فى الإِجازة: "أخبرنا"، ولا يبينها. وكان
ذلك - فيما حكاه (الخطيب)) - مما عيب به.(١)
والصحيحُ والمختارُ الذى عليه عملُ الجمهورِ، وإياه اختار أهلُ التحرِّى والورَعِ،
[٤٧/ ظ] المنعُ فى ذلك من إطلاق "حدثنا وأخبرنا" ونحوهما من العبارات، وتخصيصُ ذلك
بعبارةٍ تُشعِرُ بِهِ، بأن يُقَيِّدَ هذه العباراتِ فيقولَ: أخبرنا أو حدثنا فلانٌ مناولةً وإجازةً، أو
أخبرنا إجازةً، أو أخبرنا مناولةً، أو أخبرنا إذنا، أو فى إذنه، أو فيما أذن لى فيه، أو فيما
أطلق لى روايته عنه. أو يقول: أجاز لى فلان، أو أجازنى فلان كذا وكذا، أو ناولنی فلان؛
وما أشبه ذلك من العبارات.
وخصص قومُ الإِجازةَ بعباراتٍ لم يسلموا فيها من التدليسِ أو طرَفٍ منه، كعبارة من
يقول فى الإِجازة: "أخبرنا مشافهةً" إذا كان قد شافهه بالإِجازة لفظًا؛ وكعبارة من
يقول: "أخبرنا فلانٌ كتابةً، أو فيما كتب إلىَّ، أو فى كتابه" إذا كان قد أجازه بخطُّه. فهذا
وإن تَعَارَفَه فى ذلك طائفةٌ من المحدِّثين المتأخرين، فلا يخلو عن طرفٍ من التدليس، لما
فيه من الاشتراكِ والاشتباه بما إذا كَتَبَ إليه ذلك الحديثَ بعينِهِ.
وورد عن «الأوزاعى)» أنه خصص الإِجازةَ بقوله: "خبَّنا" بالتشديدِ، والقراءةَ عليه
بقوله: "أخبرنا)،(٢). واصطلح قومٌ من المتأخرين على إطلاق "أنبأنا" فى الإِجازة؛ وهو
اختيارُ ((الوليد بن بكر)) صاحبٍ (الوجازة (٣) فى الإِجازة).
وقد كان "أنبأنا" عند القوم فيما تقدم، بمنزلةٍ "أخبرنا". وإلى هذا نحا الحافظُ المتقن
(١) قال الخطيب: ((وكان حسن الترتيب لما يجمعه، غير أن أكثر كتبه لم تكن سماعًا له، وكان ير وها
بالإِجازة ويقول فى الإِجازة: أخبرنا؛ ولا يبينها)). وقال: ((وقد ذكره محمد بن أبى الفوارس فقال: كان يقول
بالإجازات. وكان فيه اعتزال وتشيع)). تاريخ بغداد (١٣٥/٣-١٣٦).
(٢) أسند الرامهرمزى عن الوليد بن مَزْيَدَ البيرونى - قال: ((قلت للأوزاعى: ما قرأته عليك، وما أجزته
لى، ما أقول فيهما؟ فقال: ما أجزته لك وحدك فقل فيه: خبرنى، وما أجزته لجماعةٍ أنت فيهم فقل فيه: خبرنا،
وما قرأت علىَّ وحدك فقل: أخبرنى، وما قرى علىَّ فى جماعة أنت فيهم فقل فيه: أخبرنا. وما قرأتُه عليك
وحدك فقل فيه: حدثنى وما قرأتُه على جماعة أنت فيهم فقل: حدثنا)) المحدث الفاصل ٤٣٦-٥٠١ وانظر كفاية
الخطيب: ٣٠٢ والإلماع ١٢٧.
(٣) فى (ص): [الإِجازة فى الإِجازة].

٣٥٣
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (المناولة)
((أبو بكر البيهقى)) إذ كان يقول: "أنبأنى فلانٌ إجازةً". وفيه أيضًا رعايةٌ لاصطلاح
المتأخرين؛ والله أعلم.
وروينا عن ((الحاكم أبى عبد الله الحافظ)) رحمه اللّه، أنه قال: "الذى أختارهُ وعهدتُ
عليه أكثرَ مشايخى وأئمة عصرى، أن يقول فيما عَرَض على المحدِّث فأجاز لِه(١) روايته
شفاهًا: أنبأنى فلان؛ وفيما كتب إليه المحدِّثُ من مدينةٍ ولم يُشافهه بالإِجازةِ: كتب إلىَّ
فلانٌ)، (٢) وروينا عن ((أبى عمرو بن أبى جعفر بن حمدانَ النيسابورى)) [٤٨/ و] قال:
"سمعتُ أبى يقول: كلَّ ما قال(٣) البخارى: قال لى فلان؛ فهو عَرْضٌ ومناولة".
قال المعلى أبقاه الله: وورد عن قومٍ من الرواة التعبيرُ عن الإِجازةِ بقول: «أخبرنا
فلانٌ أن فلانًا حدَّثه، أو أخبره". وبلغنا ذلك عن الإِمام ((أبى سليمانَ الخَطَّابِى)» أنه اختاره
أو حَكَاه، وهذا اصطلاحٌ بعيدٌ بعيدٌ(٤) عن الإِشعارِ بالإِجازةِ (٥)؛ وهو فيما إذا سمع منه
الإِسنادَ فحسبُ وأجاز له ما وراءه، قريبٌ؛ فإن كلمة أنَّ فى قوله: «أخبرنى فلانٌ أن
فلانًا أخبره" فيها إشعارٌ بوجودِ أصلِ الإِخبار، وإنْ أجمل المخبرُ به ولم يذكره تفصيلا.
١
قال المملى أبقاه الله: وكثيرًا ما يُعبر الرواةُ المتأخرونَ عن الإِجازةِ الواقعة فى رواية
مَنْ فوق الشيخِ المُسَمِّع، بكلمةٍ "عن" فيقول أحدهُم إذا سمع على شيخٍ بإجازته عن
شيخِه: "قرأتُ على فلانٍ عن فلان" وذلك قريبُ فيما إذا كان قد سمع منه بإجازته عن
شيخِه، إن لم يكن سماعًاً فإنه شاكٍّ. وحرفُ "عن" مشترَكٌ بين السماعِ والإِجازةِ صادق
عليها؛ والله أعلم.
ثم اعلم أن المنعَ من إطلاق: "حدثنا وأخبرنا" فى الإِجازةِ، لا يزولُ بإباحةِ المجيز
(١) فى (ص): [فأجاز روايته] وفى علوم الحاكم: فأجاز له؛ كما فى (غ، ع).
(٢) قوبل على علوم الحاكم (٢٦٠).
(٣) رسمه فى (غ): [كلما قال].
(٤) غير مكرر فى (ع) مكرر فى (غ، ص) وفوق [بعيد] الثانية منهما: صح فى (غ).
(٥) قال عياض: ((وأنكر هذا بعضُهم، وحقه أن ينكر، فلا معنى له يُتفهم به المراد، ولا اعتيد هذا الوضع
فى المسألة لغة ولا عرفًا ولا اصطلاحًا». الإِلماع ١٢٩.

٣٥٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
لذلك كما اعتاده قومٌ من المشايخ من قولهم فى إجازاتهم لمن يجيزون له: "إن شاء قال:
حدثنا، وإن شاء قال: أخبرنا" فليُعلَم ذلك؛(١) والعلم عند الله تبارك وتعالى.
القسم الخامس: من أقسام طرق نقل الحديث وتلقيه:
المكاتبة :
وهى أن يكتب الشيخُ إلى الطالب وهو غائبٌ شيئًا من حديثِه بخطُّه، أو يكتب له ذلك
وهو حاضر. ويلحقُ بذلك ما إذا أمر غيرَه بأن يكتبَ ذلك عنه إليه. وهذا القسم ينقسم
أيضًا إلى نوعين:
أحدهما: أن تتجرد المكاتبةُ عن الإِجازةِ.
والثانى، أن تقترنَ بالإِجازةِ بأن يكتب [٤٨/ظ] إليه ويقول: «أجزتُ لك ما كتبتُه
لك، أو ما كتبتُ به إليك" أو نحو ذلك من عبارات الإِجازة.
أما الأول وهو ما إذا اقتصر على المكاتَبةِ، فقد أجاز الروايةَ بها كثيرٌ من المتقدمين
والمتأخرين، منهم: ((أيوبُ السختيانى، ومنصورٌ، والليتُ بنُ سعد))(٢) وقاله غيرُ واحد من
الشافعيين، وجعلها ((أبو المظفر السمعانى)) - منهم - أقوى من الإِجازة. وإليه صار غيرُ
واحد من الأصولِيِينَ. وأبىَ ذلك قومٌ آخَرونَ، وإليه صار من الشافعيِّينَ ((القاضى
الماَوَردِى))، قطع به فى كتابه (الحاوى).
والمذهبُ الأولُ هو الصحيح المشهورُ بين أهلِ الحديث. وكثيرًا ما يوجَدُ فى مسانيدِهم
ومصنفَّاتهم قوُهُم: "كتب إلىَّ فلانٌ، قال: حدَّثنا فلان" والمرادُ به هذا. وذلك معمولٌ به
عندهم معدود فى المسنّدِ الموصول. وفيها إشعار قوىٌّ بمعنى الإِجازة، فهى وإن لم تقترن
بالإِجازة لفظًا فقد تضمنت الإِجازةَ معنى.
ثم يكفى فى ذلك أن يعرفَ المكتوبُ إليه خطَّ الكاتبِ وإن لم تقم البينةُ عليه. ومن
(١) وقال النووى: ((لأن إباحة الشيخ لا يغيرُ بها الممنوع فى المصطلح)). التقريب ٥٤/٢ وبسط
السخاوى القول فى بيان وجه هذا المنع (فتح المغيث ١١٨/٢-١٢٠).
(٢) أسنده الخطيب فى الكفاية: عن منصور بن المعتمر (٣٤٣) وأيوب السختيانى والليث بن سعد (٣٤٤)
باب (كيفية العبارة بالرواية عن المكاتبة).

٣٥٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (المكاتبة - الإِعلام)
الناسِ من قال: "الخطُّ يشبهُ الخطَّ، فلا يجوز الاعتماد على ذلك". وهذا غيرُ مَرضِيٍّ لأن
ذلك نادر، والظاهر أن خطّ الإِنسانِ لا يَشتبهُ بغيره، ولا يقعُ فيه إلباسٌ(١).
ثم ذهب غيرُ واحدٍ من علماء المحدِّثين وأكابرِهم،، منهم («الليثُ بنُ سعد، ومنصورٌ))
إلى جوازِ إطلاقٍ "حدثنا وأخبرنا" فى الرواية بالمكاتبة.(٢) والمختارُ قولُ مَن يقول فيها:
"كتب إلىَّ فلان، قال: حدثنا فلان بكذا وكذا." وهذا هو الصحيح اللائقُ بمذاهب أهلِ
التحرى والنزاهة. وهكذا لو قال: "أخبرنى به مكاتبةً، أو: كتابةً" ونحو ذلك من
العباراتِ؛* والله أعلم.
أما المكاتبةُ المقرونةُ بلفظِ الإِجازةِ فهى فى الصحةِ والقوةِ شبيهةَ بالمناولة المقرونةِ
بالإِجازة؛ والله أعلم.
[٤٩/و] القسم السادس من أقسام الأخذ ووجوهِ النقل:
إعلامُ الراوى
للطالبِ بأن هذا الحديثَ أو هذا الكتابَ سماعُه من فلان أو روايته، مقتصرًا على ذلك
من غير أن يقول: "اروِه عنى، أو: أزِنتُ لك فى روايته". ونحو ذلك. فهذا عند کثیرین
طريقٌ مُجُوِّزٌ لرواية ذلك عنه ونقلهِ(٣). حُكَى ذلك عن ((ابن جُرَيج)) وطوائفَ من.
المحدِّثين والفقهاءِ والأصوليِّين(٤) والظاهريين، وبه قطَع ((أبونصر بنُ الصباغ)) من
(١) نقل الخطيب عن بعض أهل العلم، قال: "وأما الكتاب من المحدث إلى آخر بأحاديث يذكر أنه
سمعها من فلان، كما رسمها فى الكتاب، فإن المكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث کتب بها
إليه، أو يكون شاكًا فيه: فإن كان شاًا فيه لم يجز له روايته عنه. وإن كان متيقنًا له فهو وسماعه الإِقرار منه
سواء ... " ٣٤٥ وانظر المحدث الفاصل (٤٥٢ ف ٥٤١).
(٢) الكفاية (٣٤٣، ٣٤٤) وانظر المحدث الفاصل (٥٤١/٤٥٢) وقال ابن حزم: ((وأما من كتب إلى آخر
كتابا يوقن المكتوب إليه أنه من عنده، فيقول له فى كتابه: ديوان كذا أخذته عن فلان - كما وصفنا قبل -
فليقل المكتوب إليه: أخبرنى فلان فى كتابه إلىّ ... )) الإحكام ١٤٧/٢.
(٣) انظر المحدث الفاصل: ٤٥٠ ف ٥٣٩.
(٤) فى (غ): [الأصليين] وكانت كذلك فى (ص، ز) ثم صححت فيهما كما نقلنا من (ع).
* المحاسن :
((فائدة: بشرط الاحترازِ عن تدليسٍ سبق التنبيهُ عليهِ - انتهت)) ٥٨/ظ.

٣٥٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الشافعيين، واختاره ونَصَره ((أبوالعباسِ الوليد بن بكر الغمرى المالكى)) فى كتابٍ
(الوجازة فى تجويز الإِجازة).(١)
وحكَى ((القاضى أبو محمد بن خلاد الرامَهرمُزِى)) صاحب كتاب (الفاصل بين الراوى
والواعى) عن بعضِ أهلِ الظاهر، أنه ذهب إلى ذلك واحتج له، وزاد فقال: "لو قال
له: هذه روايتى لكن لا تروِها عنى؛ كان له أن يروبها عنه، كما لو سمع منه حديثًا ثم قال .
له: لا تروه عنى ولا أجِيزه لك؛ لم يضره ذلك»(٢).
/
ووَجْهُ مذهبِ هؤلاء، اعتبارُ ذلك بالقراءةِ على الشيخ، فإنه إذا قرأ عليه شيئًا من
حديثه، وأقرَّ بأنه روايته عن فلانٍ ابنٍ فلان، جاز له أن يرويَه عنه، وإن لم يسمعه من
لفظِه ولم يقل له: ارِه عنى، أو: أذنتُ لك فى روايته عنى. والله أعلم.
والمختارُ ما ذُكِرَ عن غير واحدٍ من المحدِّثين وغيرهم، من أنه لا تجوزُ الروايةُ بذلك،
وبه قَطَع ((الشيخُ أبو حامد الطوسى)) من الشافعيين ولم يذكر غيرَ ذلك.(٣) وهذا لأنه قد
يكون ذلك مسموعَه وروايته، ثم لا يأذنُ فى روايته عنه لكونِه لا يُجَوِّزُ روايتَه لخللِ
ء
يعرفُه فيه، ولم يوجد منه التلفظُ به، ولا ما يتنزل منزلةَ تلفظِه به، وهو تلفظ القارئ عليه
وهو يسمع ويُقِرُّ به، حتى يكونَ قولُ الراوى عنه السامعِ ذلك: "حدثنا وأخبرنا" صِدقًا،
(١) حكاه عياض فى الإِلماع (١٠٨) وقال: ((وما قاله صحيح لا يقتضى النظر سواه، لأن منعه ألا يحدث
بما حدث به، لا لعلة ولا ريبة فى الحديث، لا يؤثر؛ لأنه قد حدثه فهو شىء لا يرجع فيه. وما أعلم مُقَتَدَّى به
قال خلاف هذا.)) ثم قال: ((إلا أنى قرأت فى كتاب الفقيه أبى بكر بن أبى عبد الله المالكى القروى، فى
(طبقات علماء إفريقية) عن شيخ من جلة شيوخنا أنه أشهد بالرجوع عما حدث به بعض أصحابه، لأمر نَقِمَه
عليه)) (الإِلماع: ١١١).
(٢) المحدث الفاصل (٤٥١ ف ٥٤٠) والخطيب فى الكفاية (٣٤٨) من طريق الرامهرمزى وكذلك عياض
فى الإِلماع (١١٠) مع إضافة ما نقلناه آنفا.
قال أبو محمد ابن حزم الظاهرى فى (فصل فى صفة الرواية) من إحكامه: ((وسواء أذن له المسموع عنه فى
ذلك أو لم يأذن، حَجَر عليه الحديث عنه أو أباحه أياه، كل ذلك لا معنى له. ولا يحل لأحد أن يمنع من نقل حق
فيه خير للناس قد سمعه الناقل، ولا يحل لأحد أن يبيح لغيره نقل ما لم يسمع ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم
نفسه﴾ وإنما هو حق أو كذب، فالحق الذى ينتفع به مسلم واحد فصاعدا واجب نقله، والكذب حرام)).
(الإِحكام: ١٤٦/٢).
(٣) الإِمام أبو حامد الغزالى، الطوسى، فى كتابه (المستصفى: مسألة مستند الراوى وكيفية ضبطه) ١٦٥/١
وانظر فتح المغيث ١٢٩/٢.

٣٥٧
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الوصية)
وإن لم يأذن له [٤٩/ظ] فيه. وإنما هو (١) كالشاهد، إذا ذَكَرَ فى غير مجلسِ الحُكم شهادتَه
بشىءٍ فليس لمن سمعَه أن يشهد على شهادتِهِ، إذا لم يأذنْ له ولم يُشهِدْه على شهادته.
وذلك مما تساوت فيه الشهادة والرواية، لأن المعنى يجمع بينهما فى ذلك وإن افترقتا(٢) فى
غيرهِ.
ثم إنه يجبُ عليه العملُ بما ذكره له إذا صح إسنادُه، وإن لم يَجْ له روايته عنه؛ لأن
ذلك يكفى فيه صحته فى نفسِه؛° والله أعلم.
القسم السابع من أقسام الأخذِ والتحمل:
الوصيةُ بالكُتُب:
أن يوصِىَ الراوى بكتابٍ يرويه، عند موته أو سفرِهِ، لشخصٍ. فَرُوِی عن بعضٍ
السلفِ رضى الله عنهم، أنه جَوَّز بذلك روايةَ الموصَى له لذلك عن الموصِى الراوى. وهذا
بعيدٌ جدًّا، وهو إما زَلَّهُ عالم، أو مُتَأوَّلٌ على أنه أراد الروايةَ على سبيلِ الوجادةِ التى يأتى
شرحُها، إن شاء الله تعالى.(٣) وقد احتج بعضُهم لذلك فَشَبَّهه بقسم الإِعلام وقسم
(١) من متن الأصلين. وعلى هامش (غ) [وإنما هذا] خ. ومثله فى متن المقدمة بالتقييد.
(٢) من (ص) وهامش (غ). وفى متن (غ) [افترقا] كالمتن فى (ع).
(٣) أسند الرامهرمزى عن حماد بن زيد، قال: أوصى أبو قلابة فقال: ادفعوا كتبى إلى أيوب، إن كان حيًّا،
وإلا فاحرقوها. وأسند عن أيوب السختيانى قال: أوصى إلىَّ أبو قلابة بکتبه، فبعثت فجیء بها إلىَّ؛ وعن أيوب
قال: قلت لمحمد - هو ابن سيرين -: إن فلانا أوصى لى بكتبه، أو أحدث بها عنه؟ قال: نعم. ثم قال لى بعد
ذلك: لا آمرك ولا أنهاك. (المحدث الفاصل ٤٥٩ ف ٥٤٦ - ٥٤٧) وعياض فى (الإلماع ١١٦) من طريق
الرأمهرمزى. وأسنده الخطيب فى الكفاية (باب الوصية بالكتب: ٣٥٢) ثم قال: يقال إن أيوب كان قد سمع
تلك الكتب، غير أنه لم يحفظها فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث بها. ولا فرق بين أن يوصى العالم
بكتبه وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، فى أنه لا يجوز له الرواية منها إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك
أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذى صارت الكتب له بأن يروى عنه
ما يصح عنده من سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب: أخبرنا أو حدثنا، على مذهب من أجاز أن
يقول ذلك فى أحاديث الإِجازة، مع أنه قد كره الروايةَ من الصحف التى ليست مسموعة، غيرُ واحد من
السلف)» (الكفاية ٣٥٢-٣٥٣).
* المحاسن:
((فائدة: كلام ((ابن حزم)) السابق، يقتضى منعَ هذه أيضًا - انتهت)) ٥٩/و
:

٣٥٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
بقسم الإِعلام وقسم المناولة.(١) ولا يصحُّ ذلك، فإن لقولِ مَنْ جوَّز الروايةَ بمجرد
الإِعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثلهُ ولا قريبٌ منه ههنا؛ والله أعلم.
القسم الثامن: الوجادة :
وهى مصدر لِـ: وجد يجد؛ مولَّد غيرُ مسموع عن العرب.
روينا عن «المُعاَى بن زكريا النهر وانى)» العلامةِ فى العلوم، أن المولدين فرَّعوا قولهم:
"وجادة" فيما أخذ من العِلْم من صحيفةٍ من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة؛ من تفريق
العربِ بين مصادرٍ "وَجَدَ" للتمييز بين المعانى المختلفة. يعنى قولهم: وجد ضالَّتَه وجدانًا،
ومطلوبَه: وجودًا، وفى الغضبِ: مَوجِدةً، وفى الغِنى: وُجدًّا، وفى الحُبِّ: وَجْدًا.
مثالُ الوِجادة [٥٠/ و] أن يقف على كتابٍ شخصٍ فيه أحاديثُ يروبها بِخَطَّه ولم
يلقه، أو لَقِيه ولكن لم يسمعْ منه ذلك الذى وجده بخطُّه، ولا له منه إجازةٌ ولا نحوُها؛
فله أن يقولَ: "وجدتُ بخطُّ فلانٍ، أو: قرأتُ بخط فلان، أو: فى كتابٍ فلانٍ بخطُّه : -
أخبرنا فلانٌ بِنُ فلانٍ" * ويذكر شيخَه ويسوقُ سائرَ الإِسنادِ والمتن. أو يقول: "وجدتُ،
أو: قرأت بخط فلان عن فلان" ويذكر الذى حدَّثه ومَن فوقَه. هذا الذى استمر عليه
العملُ قديمًا وحديثًا، وهو من بابِ المنقطعِ والمرسَلِ، غير أنه أخذ شَوْبًا من الاتصالِ
بقوله: وجدتُ بخطِّ فلان(٢).
وربما دلَّس بعضُهم فذكر الذى وجَدَ خطَّه وقال فيه: "عن فلان، أو: قال فلان" وذلك
(١) انظر تأول القاضى عياض، فى باب الوصية بالكتب من كتابه (الإلماع: ١١٩) ومعه (تدريب الراوى
٦٠/٢).
(٢) انظر فى كفاية الخطيب (ذكر أخبار من كان من المتقدمين يروى عن الصحف وجادة ما ليس بسماع له
ولا بإجازة): ٣٥٥ وفى (الإِلماع: باب الخط ١١٦) وتقييد العراقى ٢٠١.
* المحاسن:
((فائدة: يقع هذا كثيرا فى (مسند الإمام أحمد). يقول ابنُه عبدُ اللّه: "وجدتُ بخطّ
أبى: حدثنا فلان" ويذكر الحديثَ - انتهت)) ٥٩/و
1

٣٥٩
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الوِجَادة)
تدليسٌ قبيحٌ إذا كان بحيث يوهِمُ سماعَه منه، على ما سبق فى نوعِ التدليس. وجازف
بعضُهم فأطلق فيه: "حدثنا، وأخبرنا" وانتقِدَ ذلك على فاعِلِه.
وإذا وجَد حديثًا فى تأليفِ شخصٍ وليس بخطُّه، فله أن يقول: "ذَكر فلانٌ، أو: قال
فلانٌ أخبرنا فلان، أو: ذكر فلان عن فلان" وهذا منقطعٌ لم يأخذْ شوبًا من الاتصال".
وهذا كلُّه إذا وَثِقَ بأنه خطُّ المذكورِ أو كتابُه، فإن لم يكن كذلك فليقلْ: "بلغنى عن
فلان، أو: وجدت عن فلان" أو نحو ذلك من العبارات، أو ليُفصِحْ بالمستَنِدِ فيهِ، بأن
يقولَ ما قاله بعضُ من تقدَّمَ: قرأتُ فى كتابٍ فلانٍ بخطُّ، وأخبرنى فلانٌ أنه بخطُّه؛ أو
يقول: وجدتُ فى كتابٍ ظننتُ أنه بخطُّ فلان، أو: فى كتابٍ ذكر كاتبُه أنه فلانُ بنُ فلانٍ،
أو: فى كتاب قيل إنه بخطُّ فلان(١).
وإذا أراد أن ينقلَ من كتاب منسوب إلى مصنَّفِ فلا يقلْ: "قال فلانٌ كذا وكذا" إلا
إذا وثِقَ بصحةِ النسخة بأن قابلها، هو أو ثقةٌ غيره، بأصولٍ متعددة كما نَبَّهْنا عليه فى
آخرِ النوع الأول. وإذا لم يوجَد ذلك ونحوه [٥٠/ظ] فليقلْ: "بلغنى عن فلانٍ أنه ذكر
كذا وكذا، أو: وجدت فى نسخةٍ من الكتابِ الفلانى" وما أشبه هذا من العبارات.
وقد تسامح أكثرُ الناسِ فى هذه الأزمانِ بإطلاقِ اللفظِ الجازم فى ذلك من غير تَحَرِّ
وتَثُبُّتٍ، فيطالع أحدُهم كتابًا منسوبًا إلى مصنَّفٍ مُعَيَنٍ، وينقلُ منه عنه من غير أن يثق
بصحةِ النسخةِ، قائلا: "قال فلانٌ كذا وكذا، أو: ذكر فلانٌ كذا وكذا" وَالصوابُ
ما قدمناه.
فإن كان المطالعُ عالمًا فَطِنا، بحيث لا يخفى عليه فى الغالبِ مواضعُ الإِسقاطِ والسقَطِ
(١) انظر فى المحدث الفاصل (باب من قال: وجدت فى كتاب فلان، ومن قال: قرأت فى كتاب فلان بخطه
عن فلان، وأخبرنى فلان أنه خط فلان) ٤٩٧ - ٥٠٠ ف٦١٥ - ٦١٧، ومعه التبصرة ١١١/٢ وفتح المغيث
١٣٥/٢ ف ٦١٥-٦١٧.
* المجاسن : .
((فائدة: ويجىء فى "قال فلان" عند إبهام اللقاءِ، ما تقدم من التدليسِ . - انتهت)) ..
٥٩/ظ

٣٦٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وما أُحِيلَ عن جهتِهِ إلى غيرها، رجونا أن يجوزَ له إطلاقُ اللفظِ الجازم فيما يحكيه من
ذلك. وإلى هذا، فيما أحسب،َ استروح كثيرٌ من المصنفين فيما نقلوه من كتبِ الناس؛
والعلم عند الله تعالى.
هذا كلُّه كلامٌ فى كيفيةِ النقلِ بطريقِ الوِجادة.
وأما جوازُ العملِ اعتمادًا على ما يوتَقُ به منها، فقد روينا عن بعضِ المالكية أن
معظمِ المحدِّثين والفقهاءِ مِنِ المالكيين وغيرهم لا يَرون العملَ بذلك. وحُكِىَ(١) عن
((الشافعى)) وطائفةٍ من نُظَّارِ أصحابِهِ جَوَازُ العملِ به.
قال المعلى أبقاه الله: قطع بعضُ المحقّقِين من أصحابه فى أصولِ الفقهِ بوجوبٍ
العملِ به عند حصولِ الثقةِ به، وقال: "لو عُرِضَ ما ذكرناه على مُملة المحدِّثين لأَبَوه".
وما قطع به، هو الذى لا يتجهُ غيرُه فى الأعصارِ المتأخرة، فإنه لو توقَّف العملُ فيه على
الرواية لانسدَّ بابُ العملِ بالمنقولِ، لتعذَّرِ شرطٍ الرواية فيها على ما تقدَّم فى النوع
الأول؛ * والله أعلم(٢).
-
(١) الضبط من (ص، ع). وضبطه فى (غ) مبنيًّا للمعلوم، مع نصب [جوازاً بعده، مفعولا به. ولا يبدو لنا
وجه هذا الضبط قريبًا.
(٢) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغت المقابلة بأصل مقابل على أصل السماع والحمد لله. ثم بلغ
مقابلة عليه ثانية.
* المحاسن:
((فائدة: احتج بعضُهم بالعملِ بالوجادة بما ورد فى الحديث عن النبيِّي وَ ﴿، أنه قال:
"أى الخلق أعجبُ إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون والوحى ينزل
عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم، قالوا: فمن=