Indexed OCR Text

Pages 321-340

......-
٣٢١
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (القراءة على الشيخ)
قيل إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق، والله أعلم.
* *
وأما العبارة عنها عند الرواية به فهى على مراتب:
أجودها وأسلمها أن يقول: "قرأت على فلانٍ، أو: قرى على فلانٍ وأنا أسمع فأقر
به" فهذا سائغ من غير إشكال.
ويتلو ذلك ما يجوز من العبارات فى السماع من لفظ الشيخ مطلقةً، إذا أتى بها ههنا
مقيدةً بأن يقول: حدثنا فلانٌ قراءةً عليه، أو: أخبرنا قراءةً عليه؛ ونحو ذلك. وكذلك:
أنشدنا قراءةً عليه؛ فى الشعرِ.
وأما إطلاق "حدثنا، وأخبرنا" فى القراءة على الشيخ، فقد اختلفوا فيه على مذاهب:
فمن أهل الحديث من مَنَعَ منهما جميعًا، قيل إنه قول ((ابن المبارك ، ويحى بن يحيى
التميمى، [٣٧/و] وأحمد بن حنبل، والنسائى))(١) وغيرهم.
ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك وأنه كالسماع من لفظ الشيخ فى جواز إطلاق: حدثنا، ..
وأخبرنا، وأنبأنا. وقد قيل إن هذا مذهبُ معظم الحجازيين، والكوفيين، وقولُ: ((الزهرى،
ومالك، (٢) وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان))(٣). فى آخرين من الأئمة
(١) المحدث الفاصل: ٤٢٦-٤٢٥. ف ٤٣٤، ٤٩٧. وقال أبو داود: ((سمعت أحمد يقول: أرجو أن يكون
العرض لا بأس به. فقيل لأحمد: كيف يعجبك أن يقول؟ قال: يعجبنى أن يقول كما فعل: إن قرأ قال: قرأت.
قيل لأحمد وأنا أسمع: كأن "أخبرنا" أسهل من: حدثنا؟ قال: نعم، «أخبرنا» شديد (مسائل أحمد: ٢٨٢).
والكفاية.
(٢) طُرة على هامش (غ):
[قال شيخنا نجم الدين: رويت بسند يرفع ... إلى محمد بن سعد، عن إسماعيل بن أبى أويس، قال: سئل
((مالك)) عن حديثه، أسماع هو؟ قال: منه سماع، ومنه عرض، وليس العرض عندنا بأدنى من السماع. وبه عن
((مطرف بن عبد الله)) قال: سمعت مالكا يقول لبعض من يحتج عليه فى العرض أنه لا يجزئه إلا المشافهة،
فيأبى ((مالك)) ذلك واحتج بأن المقرئ يقرأ عليه فيقول: أقرأنى فلان، وهو لم يقرأ عليه. وعنه قال: صحبت
مالكا نحو عشرين سنة، فلم أر أحدًا أقرأ مالكا عليه. وقال ((مالك)): عجبًا لمن يريد المحدث يحدثه مشافهة،
وذلك إنما أخذ حديثه عرضًا] وانظر الإلماع: ٧٢ - ٧٥. والكفاية: ٣٠٨.
(٣) قابل على المحدث الفاصل: ٤٣٢ ف ٤٩٠، ٤٣٣ ف ٣٩٣.
= على العالم بمنزلة السماع منه. وابن عباس، قال: اقرءوا علىَّ فإن قراءتكم علىّ كقراءتى
علیکم. ذکر ذلك کله الرامهرمزی(١).)) ٤٩ / و
(١) فى المحدث الفاصل: ٤٢٨، ٤٢٩ ف ٤٧٨.

٣٢٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
المتقدمين، وهو مذهب ((البخارى: صاحب الصحيح)) فى جماعة من المحدِّثين. ومن هؤلاء
من أجاز فيها أيضًا أن يقول: سمعت فلانًا".
والمذهبُ الثالثُ: الفرقُ بينهما فى ذلك، والمنُعُ منِ إطلاقٍ: حدثنا، وتجويزُ إطلاقٍ:
أخبرنا. وهو مذهبُ ((الشافعى)) وأصحابِهِ، وهو منقولٌ عن ((مسلم)) صاحبِ الصحيح،
وجمهورِ أهل المشرق (١).
وذكر صاحبُ (كتابِ الإِنصاف): ((محمدُ بن الحسن التميمى الجوهرى المصرى)) أن
هذا مذهبُ الأكثر من أصحاب الحديثِ الذين لا يُحصيهم أحدٌ، وأنهم جعلوا «أخبرنا"
عَلَّا يقومُ مقامَ قولَِ قائِلِه: أنا قرأتُه عليه، لا أنه لَفَظَ به لى. قال: وممن كان يقول به من
أهل زماننا، ((أبو عبد الرحمنِ النسائى)) فى آخرينَ من الأئمةِ فى جماعةٍ مثلِه من
محدِّثینا(٢).
قلتُ: وقد قيل إن أول من أحدث الفرقَ بين هذين اللفظين ((ابنُ وهبٍ)) بمصرَ؛ وهذا
يدفعه أن ذلك مروِيٌّ عن ((ابن جريج، والأوزاعى)) حكاه عنهما («الخطيبُ أبو بكر))،
إلا أن يعنى أنه أولُ من فَعَلَ ذلك بمصر؛(٣) والله أعلم.
(١) المحدث الفاصل، بأسانيد الرامهرمزى: ٤٢٥، ٤٣١- ٤٣٣ ف ٤٧٠، ٤٨١ والكفاية (٢٩٦ - ٢٩٧).
(٢) انظر معه، الباب فى كفاية الخطيب.
والفقرات ٤٨٦-٤٩٧ من المحدث الفاصل للرامهرمزى.
(٣) الكفاية: باب ما جاء فى عبارة الراوى عما سمع من المحدث لفظًا (٢٨٨-٢٨٩) والمحدث الفاصل،
بإسناد الرامهرمزى إلى ابن جريج (٤٣٣-٤٩٢) وإلى الأوزاعي (٤٣١-٤٣٢ف ٤٨٧-٤٨٩).
* المحاسن:
((زيادة: ومن جوَّز إطلاقَ "حدثنا" فى ذلك ((عطاءٌ، والحسنُ، وأبو حنيفة وصاحباه،
وزُفَر، ومنصور)) قال ((الثورى)) لما سئل عن ذلك: أتقول سمعت فلانًا؟ قال: نعم
- ذكره الرامهرمزى (١). انتهت)) ٥٠/و
(١) فى المحدث الفاصل: ٤٢٢ ف ٤٦٥ (عطاء)، ٤٧٣/٤٢٦، ٤٧٤ (الحسن)، ٤٧١/٤٢٥ (أبو حنيفة
وصاحباه)، ٤٢٨/ ٤٧٨ (زفر)، ٤٦٣/٤٢٢ (منصور)، ٤٦٤/٤٢٢ (الثورى).

٣٢٣
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (القراءة على الشيخ)
قال الشيخُ أبقاه الله: الفرقُ بينهما صار هو الشائع الغالب على أهلِ الحديثِ،
والاحتجاجُ لذلك من حيث اللغةُ عناءٌ وتكلف. وخيرُ ما يقال فيه أنه اصطلاحُ منهم،
أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خُصِّص النوعُ الأول بقولِ : "حدثنا" لقوةِ إشعارِه
بالنطقِ والمشافهة(١).
ومن أحسن ما يُحكَى عمن يذهبُ هذا المذهبَ، ما حكاه ((الحافظُ أبو بكر البرقانى)»
عن أبى حاتم محمد بن يعقوب الهروى، أحدٍ رؤساء أهلِ الحديث بخراسان، أنه قرأ علي
بعض الشيوخ عن ((الفَرَبْرى)) (صحيحَ البخارى) [٣٨/و] وكان يقول له فى كلّ
حديث: "حدَّثكم الفَرَبْرى" فلما فرغ من الكتاب، سمع الشيخَ يذكر أنه سمع الكتابَ
من ((الفربرى)) قراءةً عليه، فأعاد ((أبو حاتم)) قراءة الكتابِ كلّه، وقال له فى جميعِهِ:
: "أخبركم الفربرى)"(٢)* والله أعلم.
(١) طره على هامش (غ):
[من المتأخرين من يتسامح ويقول: سمعت فلانًّا يقولَ؛ فيما قرأ عليه أو سمعه من القارئ عليه. وهذا
تسامح خارج عن الوضع، ليس له وجه إلا أن يكون بتغيير اصطلاح، وهو أن يقع الاصطلاح عامًا، فقد يقرب
الأمر فيه. وإن وضعه هذا الراوى بنفسه فلا أرى ذلك جائزًا. وربما قربه بعضهم بأن يقول: سمعت فلانًا قراءة
عليه، وفلانًا .... بسماعه من لفظه. نعم. وقع الاصطلاح العام من أرباب التواريخ أن يقولوا عمن يترجمون
· باسمه: سمع فلانًا وفلانًا. ولا يريدون بذلك السماع من لفظه، بل ما هو أعم من ذلك.]
(٢) الخطيب فى الكفاية، عن شيخه أبى بكر البرقانى (٣٠٣-٣٠٤)
* المحاسن:
((زيادة: هذه الحكاية مباينة لما حَكَى ((أبو جعفر بنُ النحاس)» فى كتابه (الناسخ
والمنسوخ) وهى أن ((حبيب بن أبى ثابت)) - على محله فى العلم - لا يقوم بحديثه حجة،
لأمرٍ كان يذهب إليه، وكان مذهبه ما قال: "إذا حدثنى رجل عنك بحديث، ثم حدثتُ به
عنك، كنتُ صادقًا» (١) فانظر إلى حكاية ((أبى حاتم الهروى))، وتشديده، وحكاية
((حبيب)) وتساهله. ومع ذلك فقد خُرِّجَ لحبيب بن أبى ثابت فى (الصحيح) فكأن هذه
الحكاية لم تصح.
=
(١) أبو جعفر ابن النحاس: الناسخ والمنسوخ (٥٨) فى آية البقرة ٢١٩ ﴿يَسْأَلُونَك عَنِ الخَمْرِ﴾.

٣٢٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
تفريعات :
الأول: إذا كان أصلُ الشيخ عند القراءة علیه بِيدِ غیره وهو موثوق به، مراعٍ لما
يقرأ، أهل لذلك: فإن كان الشيخ يحفظ ما يُقرَأ عليه، فهو كما لو كان أصلُه بِيَدِ نفسِه،
بل أوْلَى، لتعاصُدٍ ذِهنَى شخصين عليه.
وإن كان الشيخُ لا يحفظ ما يُقرَأ عليه، فهذا مما اختلفوا فيه: فرأى بعضُ أئمةٍ
الأصولِ أن هذا سماعٌ غيرُ صحيح(١). والمختارُ أن ذلك صحيح، وبه عَمِلَ معظُمُ
الشيوخِ وأهلِ الحديث.
وإذا كان الأصلُ بيدِ القارئ، وهو موثوق به دِينًا ومعرفةً، فكذلك الحكم فيه، وأوْلى
بالتصحيح.
وأما إذا كان أصلُه بيدٍ مَنْ لا يوتَقُ بإمساكه له، ولا يؤمَنُ إهمالهُ لما يَقرأ، فسواءٌ كان
بِيَدِ القارئُ أو بيدٍ غيره، فى أنه سماعٌ غير مُعْتَدٍّ به إذا كان الشيخُ غير حافظ للمقروء
عليه؛ والله أعلم.
الثانى: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلا: أخبرك فلان، أو قلتَ: أخبرنا فلان، أو
نحو ذلك، والشيخُ ساكتُ مُصْغٍ إليه، فاهمُ لذلك غيرُ منكرٍ له، فهذا كافٍ فى ذلك(٢).
واشترط بعضُ الظاهرية وغيرُهم إقرارَ الشيخِ نُطْفًّا،(٣) وبه قطع ((الشيخُ أبو إسحاق
(١) حكاه القاضى عياض فى (الإلماع: ٧٥) عن الإمام الجوينى، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف، إمام
الحرمين. ثم قال: ((وتردد فيه القاضى ابن الطيب - هو الباقلانى- وأكثر ميله إلى المنع)) ونقله العراقى فى
(التقييد ١٧١) عن عياض.
(٢) فى الكفاية: باب ما جاء فى إقرار المحدِّث بما قرىُ عليه، وسكوته أو إنكاره (٢٨٠).
(٣) الكفاية: ٢٨١، والإِلماع للقاضى عياض: ٧٨
= وفى كتاب ((السلفى)) الذى سماه (شرط القراءة): هل على التلميذ أن يُرِىَ الشيخَ صورةً ..
سماعِه فى الجزء، أو يقتصر على إعلامه؟ قال أبو طاهر: "هما سيانٍ، على هذا عَهِدْنا علماءنا عن
آخرهم. ولم يزل الحفاظ قديمًا وحديثًا يخرجون للشيوخ من الأصول، فتصير تلك الفروع بعد
المقابلة أصولا، وهل كانت الأصول أولا إلا فروعًا؟"(١) انتهت)) ٥٠/و
(١) مثله فيما نقل العراقى عن الحافظ أبى طاهر السلفى (التقييد: ١٧١).

٣٢٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (القراءة على الشيخ)
الشيرازى، وأبو الفتح سليم الرازى، وأبو نصر بن الصباغ)» من الفقهاء الشافعيين. قال
((أبو نصر)): "ليس له أن يقول: حدثنى، أو: أخبرنى. وله أن يعملَ بما قُرِئٍ عليه، وإذا
أراد روايته عنه قال: قرأتُ عليه، أو قُرِئُ عليه وهو يسمع".
وفى حكاية بعضِ المصنفين للخلافِ فى ذلك، أن بعضَ الظاهرية شرطَ إقرار الشيخ
عند تمامِ السماع، بأن يقول القارئ للشيخ: هو [٣٨/ظ] كما قرأتُه عليك؟ فيقول:
نعم(١).
والصحيحُ أن ذلك غيرُ لازم، وأن سكوتَ الشيخ على الوجهِ المذكور نازلٌ منزلةً
تصريحهِ بتصديق القارئ اكتفاءً بالقرائنِ الظاهرة. وهذا مذهبُ الجماهير من المحدَّثين
والفقهاء وغيرهم؛ والله أعلم(٢).
الثالث: فيما نرويه عن ((الحاكم أبى عبدالله الحافظ)) رحمه الله قال: "الذى أختاره فى
الرواية وعهدتُ عليه أكثر مشايخِى وأئمةَ عصرى، أن يقولَ فى الذى يأخذه من المحدِّث
لفظا وليس معه أحد: حدثنى فلان. وما يأخذه من المحدث لفظًا ومعه غيره: حدَّثنا فلان؛
وما قرأ على المحدِّثِ بنفسِه: أخبرنى فلان؛ وما قرئً على المحدِّثِ وهو حاضر: أخبرنا
فلان،(٣).
وقد روينا نحوَ ما ذكره، عن ((عبدِ الله بنِ وهب، صاحبِ مالِك)) رضى الله عنهما؛ (٤)
وهو حسَنٌ رائق.
فإن شَكّ فى شىءٍ عنده أنه من قَبِيلِ: حدَّثنا أو أخبرنا، أو من قبيل: حدثني، أو
أخبرنى؛ لترُّدِه فى أنه كان عند التحمُّلِ والسماعِ وحدَه أو مع غيره، فيحتملُ أن
نقول: ليقلْ: "حدثنى، أو: أخبرنى" لأن عدمَ غيرهِ هو الأصل. ولكنْ ذكَر ((عليُّ بنُ
عبد الله المدينى الإِمامُ)) عن شيخِه ((يحيى بن سعيد القطان الإِمامِ))، فيما إذا شكَّ أن
الشيخ قال: حدَّثنى فلان، أو قال: حدثنا فلان. أنه يقول: حدثنا. وهذا يقتضى فيما إذا
(١-٢) الكفاية: ٢٨١، ٢٨٢، والإلماع: ٧٨.
(٣) علوم الحديث للحاكم، فى النوع الثانى والخمسين. وتمام قوله: "وما ◌ُرِضَ على المحدِّث فأجاز له
روايته شفاهًا، يقول فيه: أنبأنى فلان؛ وما كتب إليه المحدِّث من مدينة ولم يشافهه بالإِجازة، يقول: كتب إلىَّ
فلان".
(٤) الإِلماع: ١٢٦-١٢٧، وانظر تقييد العراقى: ١٧٢.

٣٢٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
شكّ فى سماع نفسِه فى مثلِ ذلك أن يقولَ: حدثنا (١).
وهو عندى يتوجَّهُ بأن "حدثنى" أكملُ مرتبةً، و"حدثنا" أنقصُ مرتبةً، فليقتصرْ إذا
شَّ على الناقصِ، لأن عدمَ الزائد هو الأصلُ، وهذا لطيفٌ.
ثم وجدت ((الحافظَ أحمدَ البيهقى)) قد اختار بعد حكاية(٢) قولِ القطان، ما قدَّمتُه.
ثم إن هذا التفصيلَ من أصلِه مُستحَبُّ وليس بواجب، حكاه ((الخطيبُ الحافظ)) عن
أهلِ العلم كافةً.(٣) فجائزٌ إذا سمع وحده [٣٩/ ظ] أن يقول: "حدثنا" أو نحوه، لجواز
ذلك للواحدِ فى كلام العربِ. وجائزٌ إذا سمع فى جماعةٍ أن يقول: "حدثنى" لأن المحدِّث
حدِّثه وحدَّث غيرَه؛ والله أعلم.
الرابع: روينا عن ((أبى عبد الله أحمدَ بنِ حنبلٍ)) رضى الله عنه، أنه قال: اتبعْ لفظ
الشيخِ فى قولهِ: حدثنا، وحدثنى، وسمعت، وأخبرنا؛ ولا تُعْدُه.(٤)
قال الشيخ أبقاه الله: ليس لكَ فيما تجدُه فى الكتبِ المؤلّفة من رواياتٍ مَنْ تقدمكَ، أن
تبدلَ فى نفسِ الكتابِ ما قيل فيه: "أخبرنا" بـ"حدثنا" ونحو ذلك، وإن كان فى إقامةٍ
أحدِهما مقامَ الآخرِ خلافٌ وتفصيلٌ سبقَ؛ لاحتمالٍ أن يكون مَنْ قال ذلك ممن لا يرى
التسويةَ بينهما. ولو وجدتَ من ذلك إسنادًا عرفتَ من مذهبِ رجالِهِ التسويةً بينهما،
فإقامتُك أحدِهما مقامَ الآخِرِ من بابٍ تجويزِ الرواية بالمعنى. وذلك وإن كان فيه خلافٌ
معروفٌ، فالذى نراه الامتناعُ من إجراءِ مثلهِ فى إبدالِ ما وُضِعَ فى الكتبِ المصنفَّةِ
والمجامعِ المجموعةِ، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وما ذكره ((الخطيبُ أبوبكر)) (فى
كفايته)(٥)، من إجراء ذلك الخلاف فى هذا، فمحمولٌ عندنا على ما يسمعهُ الطالبُ من
لفظِ المُحَدِّثِ غير موضوعٍ فى كتابٍ مؤلّفٍ؛ والله أعلم.
١
(١) انظر تقييد العراقى: ١٧٢.
(٢) فى (ص): [فى بعض حكايته].
(٣) كفاية الخطيب: باب القول فيمن سمع حديثًا وحده، هل يجوز أن يقول فى روايته: حدثنا؟ ومن سمع
مع جماعة، هل يجوز أن يقول: حدثنى؟ (٢٩٤).
(٤) فى متن (غ): [ولا تعدوه] وفوقها: ش صح، أى نسخة الشمس ابن جميل. ومثله على هامش ص، ومتن
ابن الصلاح فى التقييد والإِيضاح. والذى فى متن ص ز، وهامش غ: [ولا تَعْدُّه].
(٥) فى باب ذكر الرواية عمن قال: يجب البيان عن السماع كيف كان (ص ٢٩٩) وباب ذكر الرواية
عمن أجاز أن يقال فى أحاديث العرض: حدثنا، ولا يفرق بين: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا (٣٠٥).

النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (تفريعات السماع والقراءة) ٣٢٧
الخامس: اختلف أهلُ العلم فى صحةٍ سماعٍ مَنْ يَنسَحُ وقتَ القراءةِ: فوردَ عن
((الإِمام إبراهيم الحربى، وأبى أحمدَ بنِ عدى الحافظِ،(١) والأستاذ أبى إسحاق الإِسْفَرَايينى
الفقيهِ الأصولى)) وغيرهم، نفىُ ذلك. وروينا عن «أبى بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغِى(٢)
أحدِ أئمة الشافعيِين بخراسان، أنه سُئل عمن يكتب فى السماع، فقال: "يقول: حضرتَ،
ولا يقل: حدثنا، ولا : أخبرنا".
وورد عن «موسى بن هارونَ الحَمَّالِ)) تجويز ذلك. وعن ((أبى حاتم الرازى)) قال:
كتبتُ عند ((عارم))(٣) وهو يقرأ، [٣٩/ظ] وكتبتُ عند ((عمرٍ وبنٍ مرزوق)) وهو يقرأ(٤).
وعن ((عبدِ الله بن المبارك)) أنه قرئُ عليه وهو ينسخُ شيئًا آخرَ غيرَ ما يُقرأ.
ولا فرق بين النسخ من السامع والنسخِ من المسمِّع.
قال الشيخ أبقاه الله: وخيرٌ من هذا الإِطلاقِ، التفصيلُ، فنقول: لا يصحُّ السماعُ إذا
كان النسخُ بحيث يمتنع معه فهمُ الناسخ لما يُقرأ، حتى يكون الواصلُ إلى سمِعِه كأنه
صوتٌ غُفْلُ؛ ويصحُّ إذا كان بحيث لا يمتنعُ معه الفهمُ، كمثلِ ما روينا عن ((الحافظِ
العالم أبى الحسن الدارقطنى)) أنه "حضر فى حداثتِه مجلسَ («إسماعيلَ الصفَّارِ)) فجلس
ينسخ جزءًا كان معه وإسماعيلُ يعلى، فقال له بعضُ الحاضرين: لا يصحُّ سماعُك وأنت
(١) فى الكفاية، بإسناد الخطيب إلى الإِمام الحربى والحافظ ابن عدى (٦٦ باب ما جاء فى سماع من كان
ينسخ وقت القراءة).
(٢) على هامش ص: [قال المؤلف: الصبغى بكسر الصاد المهملة والغين المعجمة والله أعلم]. وعلى هامش
(غ): [الصبغى بكسر الصاد، نُسِبَ إلى بيع الصبغ. وهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين، الفقيه
النيسابورى الصبغى، بالصاد المهملة والغين المعجمة. وجدته بخط شيخنا.]
قلت: الذى فى متن ابن الصلاح ((أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغى)) وكذلك هو فى كفاية الخطيب (٩٦)
قال النووى: أحد أئمة أصحابنا الوجوه البارعين الجامعين بين الحديث والفقه)) توفى سنة ٣٤٢ هـ (تهذيب
الأسماء ١٩٣/١ ت ٢٩٣) وقال الذهبى: شيخ الشافعية بخراسان. (دول الإِسلام ٢١٢/١ والعبر وفيات
٣٤٢ هـ) ومثله فى اللباب (٢٣٤/٢) ومعه فى (الصبغى): أبوبكر محمد بن عبدالله بن محمد بن الحسين
النيسابورى، - ٣٤٤ هـ.
(٣) على هامش (غ) حاشية من النسخة الأصل: [قال الشيخ المؤلف رضى الله عنه: اسمه محمد بن
الفضل، وعارم لقب سوء وقع على رجل صالح]. ونحوه على هامش (ص) ويأتى ((عارم)) فى النوع الثانى
والخمسين (معرفة ألقاب المحدثين).
(٤) أسنده الخطيب عن أبى حاتم الرازى، فى (الكفاية: ٦٧).

٣٢٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
تنسخ. فقال: فَهمِى للإِملاءِ خلافُ فهمِك. ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخُ من حديثٍ إلى
:الآن؟ فقال: لا. فقال الدارقطنىّ: أملى ثمانيةَ عشَر حديثًا، فَعُدَّت الأحاديثُ فوُجِدتْ كما
قال. ثم قال أبو الحسن: الحديث الأول منها عن فلانٍ عن فلان، ومَتنه كذا، والحديثُ
الثانى عن فلان عن فلان، ومَتّنْه كذا .. ، ولم يزل يذكر أسانيدَ الأحاديث ومتونها على
ترتيبها فى الإِملاءِ حتى أتى على آخرِها، فتعجب الناسُ منه".(١) والله أعلم ...
السادس: ما ذكرناه فى النسْخِ من التفصيل، يجرى مثلهُ فيما إذا كان الشيخُ أو
السامعُ يتحدث، أو كان القارئ خفيفَ القراءة يُفْرِطُ فى الإِسراع، أو كان يُهَيْنِمُ (٢) بحيث
يخفى بعضُ الكلام، أو كان السامعُ بعيدًا عن القارئُّ، وما أشبه ذلك.
ثم، الظاهرُ أنه يُعفَى فى كلُّ ذلك عن القدرِ اليسير، نحو الكلمةِ والكلمتين . .
ويُستحَبُّ للشيخ أن يجيزَ لجميع السامعين روايةَ جميع الجزء أو الكتاب الذى سمعوه
وإن جرى على كلّه اسمُ السماع. وإذا بذَل لأحدٍ منهم خطَّه بذلك كتب: أنه "سمع منى
هذا الكتابَ، وأجَزْتُ له روايته عنى" أو نحو هذا، كما كان بعضُ [٤٠/و] الشيوخ يفعل.
وفيما نرويه عن الفقيهِ ((أبى محمد بن أبى عبد الله بن عتاب، الفقيهِ الأندلسى)) عن أبيه
رحمهما الله، أنه قال: "لا غِنى فى السماع عن الإِجازة، لأنه قد يغلط القارئ ويغفل
الشيخُ، أو يغلط الشيخُ إن كان القارئَ ويغفل السامعُ، فينجبرُ له ما فاته بالإِجازة)، (٣).
هذا الذى ذكرناه تحقيقُ حسَن.
وقد روينا عن («صالح بنِ أحمدَ بنِ حنبل)) رضى الله عنهما، قال: "قلت لأبى: الشيخ
يدغم الحرفَ يُعرَفُ أنه كذا وكذا، ولا يُفهَمُ عنه، ترى أن يُروَى ذلك عنه؟ قال: أرجو
ألا يضيقَ هذا".(٤)
(١) بنصه فى رواية الخطيب عن شيخه الأزهرى (تاريخ بغداد، ترجمة الدارقطنى).
(٢) الضبط من (غ) وعلى هامشه: [أفرط فى الأمر أى جاوز فى الحد، وفرَّط: قصر. (الصحاح). والهينمة:
إخفاء الصوت].
وانظر (ما جاء فيمن سمع حديثًا فخفى عليه فى وقت السماع حرف منه الإدغام المحدث إياه) فى الكفاية:
٦٨ - ٦٩.
(٣) بنصه فى (الإلماع: ٩٢) سماع القاضى عياض من شيخه أبى محمد عبدالرحمن بن أبى عبدالله محمد بن
عتاب، القرطبى عن أبيه.
(٤) أسنده الخطيب فى (الكفاية: ٦٨-٦٩) عن صالح بن أحمد بن حنبل ..
:
:
٠
.

النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (تفريعات السماع والقراءة) ٣٢٩
وبلغنا عن «خلف بن سالم(١) المُخَرِّمى)) قال: سمعتُ ابنَ عُيَينَة يقول: "نا عمروبن
...
دينار)»(٢) يريد: حدثنا عمرو بن دينار، لكن اقتصر من "حدثنا" على النون والألف. فإذا
قيل له، قل: "حدثنا عمرو" قال: لا أقول، لأنى لم أسمع من قوله "حدثنا" ثلاثة أحرف
وهى: حدَّث، لكثرة الزحام(٣).
قال الشيخُ أبقاه الله: قد كان كثير من أكابر المحدِّثين يعَظُمُ الجمعُ فى مجالِسهم جدًّا،
حتى ربما بلغ ألوفًا مؤلفة، ويُبلِّغهم عنهم المستَملون، فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ
المسْتمِلِينَ، فأجاز غيرُ واحدٍ لهم روايةَ ذلك عن المُمْلِى. روبِنا عن ((الأعمشِ)) رضى الله
عنه، قال: "كنا نجلس إلى إبراهيمَ فتَتَسِعُ الحلقةُ، فربما يُحدِّثُ بالحديثِ فلا يسمعه مَنْ
تنحَّى عنه، فيسأل بعضُهم بعضًا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه". (٤) وعن ((حمادٍ بن
زيد)) أنه سأله رجلٌ فى مثل ذلك، فقال: "يا أبا إسماعيل كيف قلتَ؟ فقال: استفهمْ مَنْ
(١) على هامش (غ) من نسخة: [ابن صالح] والصحيح: ابن سالم كما فى المتن وسائر النسخ. والمخرمى:
نسبة إلى المخرم، محلة ببغداد نسب إليها أبو محمد خلف بن سالم (اللباب ١٧٨/٣) والضبط منه.
(٢) حكاه الخطيب فى الكفاية (٦٩) ووقع فى طبعة الهند [ثنا عمرو بن دينار] وليس السياق. وعلى هامش
(غ) حاشية، من النسخة الأصل عن المؤلف:
[ولقد تسامح الناس فى هذه الأعصار، فيستعجل القراء استعجالا يمنع من إدراك حروف كثيرة. وهذا عندنا
شديد، لأن عمدة الرواية الصدق ومطابقة ما يخبر به للواقع. وإذا قال السامع على هذا الوجه: قرأه علىَّ فلان
وأنا أسمع، أو: أنا فلان قراءة عليه وأنا أسمع؛ فهذا إخبار غير مطابق، فيكون كذبا. وما قيل فى هذا من أنه
يدخل فى الإجازة المقرونة بالسماع ويكون ذلك رواية لبعض الألفاظ بالإِجازة من غير بيان؛ هذا تسامح
لا أرضاه، لما أشرنا إليه من بُعْدٍ لفظ الإِجازة عن معنى الإِخبار، بل ها هنا أمر آخر، وهو دلالة اللفظ على أنه
سمع جميع ما يرويه من الشيخ. ولم يكن المتقدمون على مثل هذا التساهل. هذا ((أبو عبد الرحمن النسائى))
يقول فيما لا يحصى من المواضع فى كتابه: "وذكر كلمة معناها كذا وكذا" والذى أراه فى مثل هذا أن يستقرى
الشيخ برواية جميع الجزء. فإذا وقع مثل هذا فى السماع أطلق الراوى الإِخبار قائلا: أنا فلان، من غير أن
يقول: قرأه عليه. لأنا قد بينا أن الإِخبار الجملى فى هذا، كاف لمطابقة الواقع، وكونه على قانون الصدق. غاية
ما فى الباب أن يكون بعض تلك الألفاظ التى لم يسمعها داخلة فى هذا الإِخبار الجملى، وذلك صدق؛ وإنما كرهنا
ذلك فيما إذا لم يسمع الجزء أصلا، لمخالفته العادة، أو لكونه قد يوقع تهمة إذا عُلم أنه لم يسمع الجزء من الشيخ،
وهذا معدوم فى هذه الصورة، لاسيما إذا أثبت السماع بغير خطه. وانتفت الريبة من كل وجه].
(٣-٤) أسندها الخطيب فى الكفاية: عن الأعمش (ص ٧٢) وحماد بن زيد (٧١) وابن عيينة (٧٢) باب
ما جاء فى استفهام الكلمة من غير الراوى كالمستملى ونحوه.

٣٣٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
يَلِيكَ» (١) وعن ((ابن عيينة)) أن أبا مسلم المستملى قال له: "إن الناس كثيرٌ لا يسمعون.
قال: تسمع أنت؟ قال: نعم، قال: فأَسْمِعهم)،(٢).
وأبىَ آخرون ذلك. روينا عن «خلفٍ بن تميم)) قال: سمعتُ من سفيان الثورى عشرةً
آلافٍ حديثٍ أو نحوها، فكنت أستفهُمُ جَلِيسى، فقلت لزائدة، فقال لى: "لا تُحدِّث منها
إلا [٤٠/ظ] بما تحفظُ بقلبِك وسَمْعِ أذنك" قال: فألقيتُها.(٣)
وعن ((أبى نُعَيْمٍ)) أنه كان يرى فيما سقط عنه من الحرف الواحد والاسم مما سمعه
من سفيانَ والأعمشِ، واستفهمه من أصحابه، أن يرويَه عن أصحابه، لا يرى غيرَ ذلك
واسعًا له (٤)
قال الشيخ أبقاه الله: الأولُ تساهلٌ بعيد. وقد روينا عن ((أبى عبد الله ابن منده
الحافظِ الأصبهاني)) أنه قال لواحدٍ من أصحابه: "يا فلان، يكفيكَ من السماعِ شَعُّه".
وهذا إما متأوَّلٌ أو متروكٌ على قائلِه. ثم وجدتُ عن عبد الغنى بنِ سعيد الحافظ، عن
حمزةَ بنِ محمد الحافظِ بإسنادِهِ، عن عبد الرحمن بنٍ مهدى، أنه قال: "يكفيكَ من الحديث
شمه" قال عبد الغنى: "قال لنا حمزة: يعنى إذا سُئِلَ عن أولِ شىء عَرَفه، ولیس یعنی
التسهُّلَ فى السماع" والله أعلم (٥).
:
السابع: يَصُّ السماعُ مَّن هو وراءَ حجاب، إذا عُرِفَ صوتُه فيما إذا حَدَّثَ بلفظِهِ،
، وإذا عُرِفَ حضورُه بمسمعٍ منه فيما إذا قرئُ عليه. وينبغى أن يجوزَ الاعتمادُ فى معرفة
صوتِه وحضورِه على خبر مَنْ يُوتَقُ به. وقد كانوا يسمعون من ((عائشةَ)) وغيرها من
أْزواج رسولِ اللهِ وَ ل﴿ه من وراء حجاب، ويروونه عنهن اعتمادًا على الصوتِ. واحتجّ
(عبدُ الغنى بنُ سعيد الحافظُ)) فى ذلك بقوله وَّه: "إن بلالا ينادى بِلَيلٍ، فكلُّوا واشربوا
(١-٢) الخطيب فى الباب، بأسانيده إليهم.
(٣) أسنده الرامهرمزى فى المحدث الفاصل (٦٠١ ف ٨٦٧) والخطيب فى الكفاية (٧٠) من طريق
الرامهرمزى.
(٤) الخطيب فى الكفاية (٧٣).
(٥) انظر تقييد العراقى: ١٧٦ -١٧٨.

٣٣١
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
حتى ينادىَ ابنُ أمِّ مكتوم" (١) وروَى بإسنادِه عن ((شعبةَ)) أنه قال: "إذا حدثك المحدِّثُ
فلم تر وجهَه فلا تَرْوِ عنه، فلعله شيطانٌ قد تصورَ فى صورتِه يقول: حدثنا، وأخبرنا"
والله أعلم.
الثامن: من سمع من شيخ حديثًا ثم قال له: «لا تَروِه عنى، أو: لا آذَنُ لك فی
روايته عنى، أو قال: لستُ أخبركَ به، أو: رجعتُ عن إخبارى إياكَ به فلا تَروِهِ عنى"
غيرَ مسند ذلك [٤١/ و] إلى أنه أخطأ فيه أو شكَّ فيه ونحو ذلك، بل منعه من روايتِه عنه
مع جَزْمِه بأنه حديتُه، فذلك غيرُ مبطلٍ لسماعه، ولا مانع له من روايته عنه. وسأل
((الحافظُ أبوسعيد بن عَلِيَّك النيسابورى))(٢) الأستاذَ أبا إسحاق الإِسْفَرايينى، (٣) رحمهما
اللّه، عن محدِّث خَصَّ بالسماع قومًا، فجاء غيرُهم وسمع منه من غير علم المحدِّثِ به، هل
يجوز له روايةُ ذلك عنه؟ فأجاب بأنه يجوز، ولو قال المحدِّثُ: "إنى أخبركم ولا أخبرُ
فلانًا، لم يضره. والله أعلم (٤).
القسم الثالثُ من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله : الإِجازةُ
وهى متنوعة أنواعًا
أولها: أن يُحِيزَ لمعيَّنِ فى مُعينٍ، مثل أن يقولَ: «أجزتُ لكَ الكتابَ الفلانى، أو:
ما اشتملتْ عليه فَهْرستى هذه" فهذا أعلى أنواع الإِجازةِ المجرّدةِ عن المناولة. وزعم
(١) بلفظ البخارى فى كتاب الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان هناك من يخبره. وبلفظ "إن بلالا يؤذن
بليل" فى صحيح مسلم، ك الصيام، باب بيان أن الدخول فى الصوم يحصل بطلوع الفجر. وانظر (فتح البارى
٦٧/٢) ومعه الحديث فى النوع ٢٢ مما يلى، فانظره.
(٢) فى (غ): [أبو سعد بن عليك] وقع فى طبعة العراقيه: أبو سعيد [بن غلبك] بالغين المعجمة والباء، قلًّا.
وفى سير النبلاء (١١٣/١١): عبدالرحمن بن الحسين بن عليك النيسابورى أبو سعد: محدث حافظ جمع وصنف،
وتوفى سنة ٤٣١ هـ. وهو من أبناء السبعين. والذى فى الإكمال للأمير (باب عليل وعليك): «أبوسعيد
عبدالرحمن وابنه شيخنا أبوالقاسم على بن عبدالرحمن" واستوفى ابن نقطة ضبط ابن عَلَّك، أبى سعيد
عبد الرحمن بن الحسن بن عليك الرازى، فى المستدرك على الإكمال (هامش ٢٦٢/٦) فانظره.
(٣) فى النسخ: الأسفرائينى، مهموزًا. بالفتح - قلما- والضبط: بكسر الألف وسكون السين المهملة وفتح
الفاء والراء وكسر الياء، نسبة إلى إسفراين، بليدة قرب نيسابور، من (اللباب ٥٥/١).
وانظر فصل الإذن فى الرواية، فى (الكفاية: ٢٨٢).
(٤) على هامش (غ): [بلغ السماع بقراءتى فى المجلس الثانى على شيخنا عز القضاة ابن المنير وسمعه أبو
محمد عبد الله بن أبى القاسم بن رستم، وأبو البركات محمد، أخى، وكتبه محمدبن محمد الفاسى].

٣٣٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
بعضُهم أنه لا خلافَ فى جوازِها ولا خالَفَ فيها أهلُ الظاهر، وإنما خلافُهم فى غير هذا
النوع. وزاد ((القاضى أبو الوليد الباجى المالكى)) فأطلق نَفْىَ الخلاف وقال: "لا خلافَ
فى جواز الراوية بالإِجازةِ من سلَفِ هذه الأمة وخلفِها". وادَّعى الإِجماعَ من غير تفصيل،
وحكى الخلافَ فى العمل بها؛(١) والله أعلم.
قال الشيخُ أبقاه الله: هذا باطلٌ، فقد خالفَ فى جوازِ الرواية بالإِجازة جماعاتٌ من
أهلِ الحديثِ والفقهاءِ والأصوليين، وذلك إحدى الروايتين عن ((الشافعىِّ)) رضى الله
عنه؛ رُوِىَ عن صاحبِهِ («الربيع بن سليمانَ)) قال: كان الشافعى لا يرى الإِجازةَ فى
الحديث. قال الربيعُ: أنا أخالفُ الشافعىَّ فى هذا".
وقد قال بإبطالها جماعة من الشافعيين، منهم [٤١/ظ] القاضيان ((حُسَيْنِ بنُ محمد
المرورُّوذى،(٢) وأبو الحسن الماوردى)) - وبه قطع الماوردى فى كتابه (الحاوى) وعَزَاه إلى
مذهب الشافعى - وقالا جميعًا: لو جازت الإِجازةُ لبطلت الرحلةُ.
(١) الإِلماع للقاضى عياض: ٨٩ وانظر معه الكفاية (٣١٧) أبواب الإجازة.
(٢) على هامش (غ): [المرو الرُّوذى) وفى اللباب: نسبة إلى مرو الروذ، من أشهر مدن خراسان،
وأما المروزى فنسبة إلى مرو الشاهجان، بينها وبين مرو الروذ أربعون فرسخًا (١٩٨/٣، ١٩٩) والقاضى
حسين، بن محمد بن أحمد، أبو على المروروذى، شيخ الشافعية بخراسان، مشهور باسم ((القاضى حسين)) ت سنة
٤٦٢ هـ تهذيب النووى ١٦٤/١.
وفى بلدان ياقوت: نسبة إلى («مروذ، بالفتح ثم التشديد والضم وسكون الواو وذال معجمة، وهو مدغم من:
مرو الروذ، هكذا يتلفظ به جميع أهل خراسان)).
* المحاسن:
((فائدة: قد فعلها ((الشافعى)) للكرابيسى حين أراد أن يقرأ كتبَ الشافعى عليه، فأتى
الشافعىَّ فقال: "خذ كتبَ الزعفرانى فانسخْها فقد أجزتُها لك" فأخذها إجازةً - أسنده
«الرامهرمزی)»(١) انتهت، ٥١/و
(١) فى المحدث الفاصل (٤٤٨ ف ٥٣٢) بإسناده إلى أبى على الكرابيسى: الحسين بن على بن يزيد
البغدادى، وهو والزعفرانى أبوعلى الحسن بن محمد بن الصباح، من أثبت رواة القديم عن الإِمام الشافعى ..
(تهذيب النووى الترجمتان: ٤٨٦، ٤٦٥).

٣٣٣
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
ورُوِىَ أيضًا هذا الكلامُ عن ((شُعبةَ)) وغيره(١).
وممن أبطلها من أهلِ الحديث: ((الإِمامُ إبراهيم بن إسحاق الحربى، (٢) وأبو محمد
عبدُ الله بن محمد الأصبهانى الملقبُ بِأبى الشيخ(٣)، والحافظُ أبونصر الوائلى السِّجزِى)).
وحكى ((أبو نصر)) فسادَها عن بعضٍ من لَفِيه. قال أبو نصر: وسمعتُ جماعةٌ من أهلِ
العلم يقولون: "قولُ المحدث: قد أجزتُ لكَ أن تَروِىَ عنى؛ تقديرُه: أجزتُ لكَ
ما لا يجوزُ فى الشرع، لأن الشرعَ لا يبيحُ روايةً ما لم يسمّعْ"
قال الشيخ أبقاه الله: ويُشبِهُ هذا ما حكاه ((أبو بكر محمد بن ثابت الخُجَنْدى (٤) أحد
من أبطل الإِجازة من الشافعية، عن ((أبى طاهر الدباس)) أحدٍ أئمةِ الحنفية، قال: "من
قال لغيره: أجزتُ لك أن تروىَ عنى ما لم تسمع؛ فكأنه يقولُ: أجزتُ لك أن تكذبَ
علىّ،،(٥).
ثم إن الذى استقر عليه العملُ، وقال به جماهيرُ أهلِ العلم من أهل الحديث(٦)
وغيرهم: القولُ بتجويز الإِجازةِ وإباحةِ الرواية بها. وفى الاحتجاج لذلك غموضٌ.
ويَتَّجِهُ أن نقولَ: إذا أجاز له أن يَروِىَ عنه مروياتِهِ وقد أخبره بها جملةُ فهو كما لو أخبره
تفصيلا، وإخبارُه بها غيرُ متوقّفٍ على التصريح نُطقًّا كما فى القراءة على الشيخ كما سبق،
وإنما الغرضُ حصولُ الإِفِهامِ والفهم، وذلك يحصلُ بالإِجازة المفهِمة؛ والله أعلم.
ثم انه كما تجوزُ الروايةُ بالإِجازة، يجبُ العملُ بالمروِىِّ بها، خلافًا لمن قال من أهلٍ
الظاهرِ وَمَنْ تابَعَهم: أنه لا يجبُ العملُ به وأنه جارٍ مجرى المرُسلَ. وهذا باطلٌ لأنه ليس
(١-٢) أسنده الخطيب فى الكفاية (٣١٥) عن شعبة، وعن الإِمام الحربى.
(٣) وأسنده أبو محمد الأصبهانى عبد الله بن محمد، أبو الشيخ، إلى عطاء (الكفاية (٣١٣) قال: العلم
سماع. وإلى أبى زرعة، وسئل عن إجازة الحديث والكتب فقال: ((ما رأيت أحدًا يفعله، فإن تساهلنا فى هذا
يذهب العلم ولم يكن للطلب معنى، وليس هذا من مذهب أهل العلم)) (الكفاية ٣١٥).
(٤) على هامش (غ): [الخجندى: بضم الخاء المعجمة وفتح الجيم وسكون النون ثم دال مهملة، نسبة إلى
((خجندة)»: مدينة كبيرة على طرف سيحون. كذا وجدته بخط شيخنا أبى بكر فنقلته] .
وهو الضبط فى (اللباب ٤٢٤/١).
(٥) فى تقييد العراقى: ١٨١.
(٦) فى (ص): [جماهير أهل الحديث]. وما هنا من (غ، ع).

: ٣٣٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
فى الإِجازة ما يقدَحُ فى اتصالِ المنقولِ بها وفى الثقةِ به؛"[٤٢/و] والله أعلم (١).
(١) على هامش (غ): بلغت المقابلة على أصل الشيخ. ثم بلغ مقابلة عليه ثانية.
* المحاسن:
((فائدة: ذكر ((ابن حزم)) مخالفته فى العمل وفى جوازِ الرواية، فقال فى كتابه
(الإِحكام) (١): "وأما الإِجازة التى يستعملها الناس فباطل، ولا يجوز لأحدٍ أن يخبر
بالكذب، ومن قال لآخر: ارو عنى جميعَ روايتى، أو يخبره بها ديوانًا ديوانًا وإسنادًا إسنادًا،
فقد أباح له الكذب.(١) [قال]: ولم تأت الإِجازة عن سيدنا رسولِ الله وَّل، ولا عن
أصحابِه [رضى الله عنهم] ولا عن التابعين، ولا [عن أحد من] أتباع التابعين، فحسبك
بدعةً بما هذه صِفَتُه» (٢) وما ذكره ((ابن حزم)) قد سبق نقلهُ عن جماعة. وفى (القنية) من
كتب الحنفية: "إذا أعطاه المحدِّثُ الكتابَ، وأجاز له ما فيه، ولم يسمع ذلك منه ولم يعرفه،
فعند ((أبى حنيفة، ومحمد)) لا يجوز روايته" وهذا يدل على منع الإِجازة المقرونة بالمناولة
وسيأتى الكلامُ عليها. و((ابن حزم)) إن كان كلامه المتقدم، فى الإِجازة المقرونة بالمناولة
وغيرها، رُدَّ عليه قولُه: "إنها لم يقل بها أحد من التابعين" .. الخ، فسننقل ذلك فى المناولة
عن جماعة من التابعين، وجاء عن ((أُنَسٍ)) ما يُشْعِر بها، ففى (معجم البغوى الكبير)
عن يزيد الرقاشى قال: "كنا إذا أكثرنا على أنَسِ بن مالك أتانا بِمِخَالٍ له فألقاها إلينا
وقال: هذه أحاديثُ سمعتها من رسول اللّهِ وَ له وكتبتُها وعرضتها". وفى (المحدِّث
الفاصل، للرامهرمزى) فى (باب القولِ فى الإِجازة والمناولة) أُسنَد إلى ((الحسن)) أنه كان
لا يرى بأسًا أن يدفع المحدِّثُ كتابهَ ويقول: ارْوِ عنى جميعَ ما فيه؛ يسعه أن يقول:
حدثنى فلان عن فلان(٣).
وإن كان كلام ((ابن حزم)) فى الإِجازة الخالية عن المناولة، فلا يناسِبُ تعليلَه، إذ
لا فرق بينهما. وما نقل [ابنُ الصلاح] عمن قال من الظاهرية: إن العمل بالإِجازة
لا يجب ويجرى مجرى المرسل؛ يقتضى ذلك منعَ العملِ دون التحديث. وقد نُقِل عن
((الأوزاعى)) عكسُ ذلك، ففى (كتاب الرامهرمزى) قال ((الأوزاعى)) فى كْب =
(١ - ٢) ابن حزم: (الإحكام، فصل فى صفة الرواية) ١٤٧/٢، ١٤٨ والمقابلة عليه.
(٣) المحدث الفاصل (٤٣٥ ف ٤٩٨).

٣٣٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
النوع الثانى من أنواع الإِجازة:
أن يجيزَ لمعيَّنِ فى غير مُعيَّنٍ، مثل أن يقول: «أجزتُ لك، أو لكم، جميعَ مسموعاتى، أو
جميعَ مروياتى" وَما أَشبَةَ ذلكَ. فالخلافُ فى هذا النوع أقوى وأكثر. والجمهورُ من العلماء
من المحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويزِ الرواية بها أيضًا، وعلى إيجابِ العملِ بما رُوِىَ
بها بشرطِه؛ والله أعلم.
النوع الثالث من أنواع الإِجازة:
أن يجيزَ لغير مُعَيَّنِ بوصفِ العموم، مثل أن يقولَ: أجزتُ للمسلمين، أو: أجزتُ لكلِّ
أحدٍ، أو: أجزتُ لمن أدرك زمانى؛ وما أشبه ذلك. فهذا نوعٌ تكلم فيه المتأخرون ممن جوَّز
أصلَ الإِجازة، واختلفوا فى جوازه: فإن كان ذلك مقيدًا بوصفٍ حاصرٍ أو نحوِه، فهو إلى
= الأمانةِ، يعنى المناولة: يعمل به ولا يحدّث به (١). وعن ((الأوزاعى)) فى ذلك رواياتٌ
ذكرها ((الرامهر مزى)) منها: أنه قال لِعَمرٍ وبن أبى سلمة لما سأله عن المناولة: أقول فيها -
حدثنا؟ قال: إن كنتُ حدثُتك فقُلْ. قال: أقول فيها أخبرنا؟ قال: لا. قلت: فكيف
أقول؟ قال، قل: قال أبو عمرو، وعن أبى عمرو (٢)
وعلى هذا ينبغى أن يُحمَل قولُه فيما تقدم: ولا يحدثْ به، أى بصيغة التحديث. ويدل
على هذا روايةٌ أخرى عن ((الأوزاعى)) قال عمر بن عبد الواحد: دفع إلىَّ ((الأوزاعى))
كتابًا بعد ما نظر فيه، فقال: اروِه عنى (٣). وعن ((الأوزاعى)): دفع إلىَّ يحيى بنُ أبى كثير
صحيفةً فقال: اروِها عنى.(٤)
وفى بعض هذه السياقة ما له تعلقُ بالقول فى عبارة الراوى بطريق المناولة والإِجازة،
وسيأتى ذلك مُستوفىِّ، وإنما سُقنا ذلك لما حكينا عنه: "یعمل به ولا يحدث به". فاحتجنا
إلى تأويله بما نقل عنه. انتهت)) ٥١/و ظ
(١-٢) المحدث الفاصل: (٥٠٣/٤٣٧، ٥٠٢/٤٣٦) على التوالى.
(٣) أسنده الرامهرمزى عن عمر بن عبد الواحد (المحدث الفاصل ٥٠٤/٤٣٧) والخطيب فى (الكفاية:
٣٢٢) باب ذكر بعض أخبار من كان يقول بالإِجازة ويستعملها.
(٤) أسنده الرامهرمزى عن أبى عمرو الأوزاعى، فى (المحدث: ٤٣٧ ف ٥٠٥).

:
٣٣٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الجواز أقربُ. وممن جوَّز ذلك كلَّه ((الخطيبُ الحافظ أبوبكر)) (١). وروينا عن
((أبى عبدالله ابنِ مَنْده الحافظِ)) أنه قال: "أجزتُ لمن قال لا إله إلا الله". وجوَّز ((القاضى
أبو الطِّيب الطبرى)) أحد الفقهاء المحققين- فيما حكاه عنه الخطيبُ(٢) - الإِجازةَ لجميع
المسلمين مَنْ كان منهم موجودًا عند الإِجازة. وأجاز («أبو محمد ابنُ سعيد)» أحد الجِلَّةِ من
شيوخ الأندلس، لكلِّ مَنِ دخل قرطبةَ من طلبة العلم(٣). ووافقه على جوازٍ ذلك جماعة
منهم: ((أبو عبدالله بنُ عتّاب)) رضى الله عنهم. وأنبأنى مَن سأل ((الحازمىَّ أبا بكر)) عن
الإِجازة العامة هذه، فكان من جوابه، أن من أدركه من الحفّاظ، نحو ((أبى العلاءِ
، الحافظ)) وغيره، [٤٢/ظ] كانوا يميلون إلى الجواز. والله أعلم.
قال المُعلى أبقاه الله: ولم نَرَ ولم نسمع عن أحدٍ ممن يُقتَدَى به، أنه استعمل هذه
الإِجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة المستأخرة(٤) الذين سوَّغوها. والإِجازةُ فى أصلِها
ضعفٌ، وتزداد بهذا التوسعِ والاسترسالِ ضعفًا كثيرًا لا ينبغى احتمالُه،» والله أعلم.
(١-٢) الكفاية: ٣١٦، ٣٢٥ من باب (الكلام فى الإجازة وأحكامها وتصحيح العمل بها) والإلماع: ٩٨.
(٣) القاضى عياض بسنده إلى أبى عبد الله بن عتاب، عن أبى محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالى
(الإِلماع: ٩٩) توفى أبو محمد ابن سعيد بقرطبة سنة ٤٣٦هـ (الصلة لابن بشكوال ٢٦٣/١).
(٤) من (ع) ومتن (غ، ص) وعلى هامشهما: [المتأخرة] خ.
* المحاسن:
((فائدة: قال ((النووى)): "الظاهرُ من كلام مَن صحَّحها، جوازُ الرواية بها، وهذا
مقتضى صحتها، وأى فائدة لها غير الرواية؟))(١) وما قاله ((النووى)) لا ينافى ما ذكره
((ابنُ الصلاح)). ومرادُ ابنِ الصلاح أنه لم يجد وقوعَها؛ وقد وقعتْ ولم يبلغ ابنَ الصلاح.
فقد حَكَى ((ابنُ تامتيت)» أن الحافظَ المنذرى ندب الناس إلى قراءة البخارى على
، أبى العباس ابن تامتيت بالإِجازة العامة، (٢) فسمعه عليه خلقٌ كبير. وحكى =
(١) فى التقريب (٣٣/٢) بلفظ: وهذا يقتضى صحتها.
(٢) أبو العباس ابن تامتيت، أحمد بن محمد بن الحسن اللواتى الفاسى نزيل القاهرة (ت ٦٥٧هـ) روى
البخارى بالإجازة العامة عن أبى الوقت السجزى عبد الأول بن عيسى الهروى، انتهت إليه رياسة الحديث
وعلو الإستاد (٤٥٨_٥٥٣ هـ).

٣٣٧
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
....
النوع الرابع، من أنواع الإِجازة:
الإِجازةُ للمجهولِ أو بالمجهولِ.
وتتشبثُ بذيلها الإِجازةُ المعلقةُ بالشرط: وذلك مثل أن يقولَ: "أجزتُ لمحمدٍ بن
= ((ابنُ دِحْيَة)) أن الحافظَ السلفى حدَّث عن ((ابن خيرونَ)) بها، وابنُ دحيةَ حدَّث بها فى
تصانيفه عن ((أبى الوقت، والسلفى)). و((أبو الحسن الشيبانى القفطى)) حدّث فى كتابه
(تاريخ النحاة) عن السلفى بها. وقد جمع ((أبو جعفر البغدادى))(١) كتابًا، فيه ذِكْرُ مَن
جوَّزها وكتب بها، فمن جملته أن ((أبا طاهر)) كتَب بها، وحدَّث بها ((ابنُ أبى المعمر)) فى
كتابه (علوم الحديث) عن السلفى، ولعل جميع ذلك لم يبلغ ((ابنَ الصلاح)).
واستعملها من المتأخرين: الحجَّارُ، والشيخ شرف الدين الدمياطى حدث بها عن
المؤيد الطوسى، وحدَّث عبدُ البارى الصعيدى بمشيخة الصفراوى عنه، بها. وما قيل من
أن أصل الإِجازة العامة ما ذكره ((ابنُ سعد)) فى (الطبقات):(٢) «تنا سَفان، ثنا حماد، ثنا
على بن زيد بن جدعان عن أبى رافع، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما احتضِر
قال: مَنْ أدرك وفاتى من سَبْىِ العرب فهو حُرٌّ من مالِ اللّه" ليس فيه دلالة، لأن العتق
النافذ لا يحتاج إلى ضبطٍ وتحديثٍ وعمل، بخلافِ الإِجازة، ففيها تحديثٌ وعمل وضبطٌ،
فلا يصح أن يكون ذلك دليلا لهذا، ولو جُعِلَ دليلُه ما صح من قول النبىِ وَلِّ: "بلِّغوا
عنى".(٣) الحديث، لكان له وجهٌ قوى. انتهت)) ٥٢/وظ.
(١) فى تقييد العراقى: ((أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبى البدر، الكاتب البغدادى، فى جزء كبير رتب!
أسماءهم فيه على حروف المعجم لكثرتهم)) (١٨٣) وهو فى كشف الظنون (١٠/١) كتاب (الإِجازة العامة) لأبى
جعفر البغدادى محمد بن الحسين بن أبى البدر.
(٢) فى طبقات ابن سعد، وذكر استخلاف عمر رحمه الله: ((أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة،
عن على بن زيد بن جدعان عن أبى رافع .. )) فذكره. (٣٤٢/٣ ط بيروت)
(٣) "بلغوا عنى" الحديث بطوله، أخرجه البخارى فى كتاب بدء الخلق، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل.
وانظر (فتح البارى ١٣١٩/٦) وتمام الحديث: ((بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن
كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) وأخرجه الترمذى فى جامعه ١١١/٢ وقال: حسن صحيح، والخطيب
فى (شرف أصحاب الحديث (١٣-١٥) من حديث عبد الله بن عمرو، من عدة طرق، ومن حديث أبى هريرة.
وهما فى مسند أحمد. وأخرج ابن عبد البر طرفه الأول فى (جامع بيان العلم ٤٠/٢) من حديث عبدالله بن
عمرو، رضى الله عنهم جميعا.

٣٣٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
خالد الدمشقى"، وفى وقتِه ذلك جماعةٌ مشتركون فى هذا الاسم والنسبِ، ثم لا يعين
المجاز له منهم. أو يقول: «أجزتُ لفلانٍ أن يروىَ عنى كتابَ السُّنَنِ" وهو يروى جماعةٌ
من كتبِ السننِ المعروفةِ بذلك، لا يُعَيِّنُ. فهذه إجازةٌ فاسدةٌ لا فائدةَ لها. وليس من هذا
القبيلِ ما إذا أجاز لجماعةٍ مُسمَّين معيَّنين بأنسابِهِم، والمجيز جاهلٌ بأعيانِهِم غيرُ عارفٍ
بهم، فهذا غيرُ قادح. كما لا يقدحُ عدُ معرفتِه به إذا حضر شخصُه فى السماع منه؛ والله .
أعلم.
وإن أجاز للمسمَّين المنتسبين فى الإستجازة، ولم يَعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم، ولم
يعرف عدَدَهم ولم يتصفح أسماءهم واحدًا فواحدًا، فينبغى أن يَصِحَّ ذلك أيضًا، كما يصِحُ
سماعُ مَن حضر مجلسَه للسماعِ منه، وإن لم يعرفْهم أصلا ولم يعرف عددهم، ولا تصفح
أشخاصَهم واحدٍ واحدًا.
وإذا قال: "أجزتُ لمن يشاء فلانٌ" أو نحو ذلك، فهذا فيه جهالةٌ وتعليقٌ بشرطٍ،
فالظاهرُ أنه لا يصح. وبذلك أفتى ((القاضى أبو الطيب الطبرى الشافعى)) إذ سأله
((الخطيبُ الحافظ)) عن ذلك، وعلَّل بأنه إجازةٌ لمجهولٍ، فهو كقولِه: "أجزتُ لبعضٍ
الناس" من غير تعيينٍ. وقد يُعَلَّل ذلك أيضا بما فيها من التعليق بالشرطِ، فإن ما يُفَسَّر
بالجهالة يُفَسَّر بالتعليق، [٤٣ /و] على ما عُرِفَ عند قوم. وحكى ((الخطيبُ)) عن أبى يعلى
بن الفراء الحنبلى، وأبى الفضل بن عمروس المالكى: أنهما أجازا ذلك. وهؤلاء الثلاثةُ،
كانوا مشايخَ مذاهبهم ببغداد إذ ذاك. وهذه الجهالةُ ترتفع فى ثانى الحالِ عند وجودٍ
المشيئة، بخلافِ الجهالة الواقعة فيما إذا أجاز لبعض الناس. وإذا قال: «أجزتُ لمن
شاء" فهو كما لو قال: "أجزتُ لمن شاء فلانٌ" والله أعلم. بل هذه أكثرُ جهالةً وانتشارًا،
من حيث إنها معلقةٌ بمشيئةٍ مَنْ لا يُحصَرُ عددُهم، بخلافِ تلك.
ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإِجازةَ منه له. فإن أجاز لمن شاء الروايةَ عنه فهذا
أُوْلَى بالجواز، من حيث أن مقتضى كلِّ إجازةٍ تفويضُ الرواية بها إلى مشيئةِ المُجازِ له.
فكان هذا، مع كونه بصيغة التعليق، تصريحًا بما يقتضيه الإِطلاقُ وحكايةً للحَالِ، لا تعليقًا
فى الحقيقة. ولهذا أجاز بعض أئمة الشافعيينَ فى البيع أن يقول: "بُعُتكَ هذا بكذا إن

٣٣٩
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الإِجازة)
شئتَ". فيقول: قبلتُ﴾.
وُجِدَ بخط ((أبى الفتح محمد بن الحسين الأزدى الموصلى الحافظ)): "أجزتُ روايةَ
ذلك لجميع من أحَبَّ أن يروىَ ذلك عنى".
أما إذا قال: "أجزتُ لفلانٍ كذا وكذا إن شاء روايتَه عنى، أو: لكَ إن شئتَ، أو:
أحببتَ، أو: أردتَ" فالأظهرُ الأقوى أن ذلك جائز، إذ قد انتفت فيه الجهالةُ وحقيقةُ
التعليق، ولم يبق سوى صيغتِه؛ والعلم عند الله تعالى.
النوع الخامس، من أنواع الإِجازة:
الإِجازةُ للمعدوم، ولنذكر معها الإِجازةَ للطفل الصغير.
هذا نوع خاض فيه قوم من المتأخرين واختلفوا فى جوازه. [٤٣/ظ] ومثالُه أن
تقول: "أجزتُ لمن يولّدُ لفلان". فإن عَطَفَ المعدومَ فى ذلك على الموجودِ بأن قال:
* المحاسن:
((فائدة: ما تقدم، فيما إذا أراد من شاء الرواية، وأنه أولى بالجواز؛ أى مما إذا قال:
أجزت لمن شاء فلان؛ أن قوله: لمن شاء، يريد الرواية، لا يحسن تشبيهُه بأحدٍ الوجهين،
وهو الأصحُّ فيما إذا قال: بعتُك هذا بكذا إن شئتَ، فيقول: قبلتُ. من جهة أن قوله:
بعتُك إن شئتَ؛ ليس تعليقًا على ما عليه تفرعٌ من جهة التصريح بمقتضى الإِطلاق، فإن
المشترى بالخيار: إن شاء قَبِلَ وإن شاء لم يقبل، لتوقفِ تمام البيع على قبولِهِ. وليس كذلك
فى الإِجازة، فلا تتوقف على القبول فيكون قولُه: "أجزتُ لمن شاء الرواية" تعليقًا، لأنه
قَبْلَ مشيئة الرواية لا يكون، وبعد مشيئتها يكون مُجازًا؛ وحينئذ فلا يصح، لأنه يؤدى إلى
تعليق وجهل، وذلك باطل كما تقدم. ونظيرُه فى الوكالة: وكَّلتُ فى بيع هذه العين مَن شاء
بيعها. وفى الوصايا: وصيتُ بهذه العين مَن شاء أن يقبلها. ومثل هذا، إذا بطل فى الوصية
مع احتمالها ما لا يحتمله غيرُها، فَلأَنْ يبطلَ فيما نحن فيه أوْلَى. نعم، نظيرُ فرع البيع أن
يقول: "أجزتُك إن شئتَ" على معنى أن تروىَ إذا شئتَ، وذلك صحيح، وسيأتى قريبًا.
ويدل لما قدمنا أنه لو قال: "راجعتُكِ إن شئتِ" فإنه لا تصح الرجعةُ. انتهت)). ٥٣/ وظ
- وانظر تقييد العراقى (١٨٥) وتدريب الراوى (٣٦/٢) عن العراقى والبلقينى.
:

٣٤٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
"أجزتُ لفلانٍ وَمَن يولَد له، أو: أجزتُ لكَ ولو لِدك وعقبِكِ ما تناسلوا" كان ذلك أقربَ
إلى الجوازِ من الأول. ولمثلِ ذلك أجاز أصحابُ الشافعى فى الوقفِ القسمَ الثانى دون
الأول .* وقد أجاز أصحابُ مالكٍ وأبى حنيفة - أو مَن قال ذلك منهم - فى الوقفِ،
القسمين كليهما. وفَعَلَ هذا الثانى فى الإِجازة من المحدِّثين المتقدمين ((أبو بكر بن أبى داود
السجستانى)» فإنا روينا عنه أنه سئل الإِجازةَ فقال: "قد أجزتُ لك ولأولادِك وِحَبَلٍ
الحَبلةِ" يعنى الذين لم يُولَدوا بعد (١) **.
وأما الإِجازة للمعدوم ابتداءً من غير عطفٍ على موجود، فقد أجازها ((الخطيبُ
أبو بكر الحافظ)) وذكر أنه سمع ((أبا يعلى بن الفراء الحنبلى، وأبا الفضل بن عمروس
المالكى)) يجيزان ذلك. وحكى جوازَ ذلك أيضًا ((أبو نصر ابنُ الصباغ الفقيه)) فقال:
"ذهب قوم إلى أنه يجوز أن يُجيز لمن لم يُخْلقَ". قال:(٢) "وهذا إنما ذهب إليه من يعتقد أن
الإِجازة إذن فى الرواية، لا محادثة" ثم بَيَّنَ بُطلانَ هذه الإِجازة، وهو الذى استقر عليه
رأىُ شيخِه ((القاضى أبى الطيب الطبرى الإِمام)).
وذلك هو الصحيحُ الذى لا ينبغى غيرُهُ، لأن الإِجازةَ فِى حُكم الإِخبار جملةً بالمجازِ
على ما قدمناه فى بيانِ صحة أصل الإِجازة؛ فكما لا يصحُّ الإِخبارُ للمعدوم، لا تصح
الإِجازةُ للمعدوم. ولو قدَّرنا أن الإِجازةَ إذنْ فلا يصح أيضًا ذلك للمعدوم، كما لا يصح
الإِذن فى بابِ الوكالةِ للمعدوم، لوقوعهِ فى حالةٍ لا يصحُّ فيها المأذونُ فيه من المأذونِ له.
(١) أسنده الخطيب عن أبى بكر بن أبى داود، فى (الكفاية ٣٢٥).
(٢) الخطيب أبوبكر، فى: الكفاية: ٣٢٥/ أبواب الاجازة.
*المحاسن :
((فائدة: الشافعى نفسُه أجازه، ونصَّ عليه فى وصيته المكتتبة فى (كتاب الأم) فأوصى
فيها أوصياء على أولادِه الموجودين ومَنْ يُحدِثه الله له من الأولاد. انتهت)) ٥٤/و
- الأم، كتاب الوصايا: ١٢٢/٤ - ١٢٣.
,٠
** ((فائدة: يحتمل أن يكون ذلك على سبيلِ المبالغة وتأكيد الإِجازة، لا أن المرادَ
به حقيقةُ اللفظ. انتهت)». ٥٤/و
: