Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
النوع الثامن عشر: معرفة المعَلَّل
ومثالُ العِلةِ فى المْنِ، ما انفرد ((مسلمٌ))(١) بإخراجِه فى حديثِ ((أَنَسٍ)) من اللفظ
...
..... .
المصرِّح بنفىِ قراءةٍ "بسم الله الرحمن الرحيم" فعلَّل قومٌ روايةَ اللفظ المذكور، لَمَّا رأوا
الأكثرين إنما قالوا فيه: "فكانوا يستفتحون القراءةَ بالحمد لله رب العالمين" من غير
تعرُّض لِذكرِ البسملة، وهو الذى اتفق ((البخارى ومسلم)) على إخراجه فى الصحيح.(٢)
ورأوا أن مَنْ رَواه باللفظ المذكور، رواه بالمعنى الذى وقع له، فَفَهِمَ من قوله: "كانوا
يستفتحون بالحمد لله" أنهم كانوا لا يُيَسْمِلون، فرواه على ما فهم، وأخطأ. لأن معناه أن
السورةَ التى كانوا يفتتحون بها من السوَرِ هى الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسميةِ.
وانضم إلى ذلك أمورٌ، منها: أنه ثبت عن ((أنس)) أنه سُئِل عن الافتتاح بالتسمية، فَذَكَر .
أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله وسية،(٣)* والله أعلم.
(١) ك الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (ح ٣٩٩/٥٢) رواية قتادة عن أنس. وفيه لزيادة:
(لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فى أول قراءة ولا فى آخرها)
(٢) صحيح البخارى: ك الأذان، باب ما يقول بعد التكبير (فتح البارى ١٤٥/٢).
((مسلم: ك الصلاة، من قال لا يجهر بالبسملة (ح ٣٩٩/٥٠) ورواه الإمام الشافعى من حديث قتادة عن
أنس، بغير هذه الزيادة (المسند ٣)، كما فى البخارى، وكذلك الدارقطنى عن عدد من أصحاب قتادة (السنن، ك
الصلاة: باب ذكر اختلاف الرواية فى الجهر بالبسملة ح ٦) ورواه من عدة طرق عن أنس بلفظ: فكانوا
لا يجهرون، أو: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بالبسملة)) (ح١- ٥) ورواه الإمام مالك فى الموطأ عن حميد الطويل
عن أنس، موقوفا.
(٣) سنن الدارقطنى (ح ١٠) من الباب، ومسند الشافعى: ١٣.
* المحاسن:
((فائدة: لا يقدح فى ذلك قول ((ابنٍ طاهر)» فى كتابه (تصحيح العلل) بعد رواية ذلك
عن ((أنس)): هذا إسنادٌ صحيح متصل، لكنَّ هذه الزيادةَ فى متنه مُنْكَرَةٌ موضوعة.
ولا قولُ ((ابن عبد البر)»: عندى أن من حَفِظَ مُقَدَّم على من سأله فى حالِ کِبره
ونسيانِه.(١)
لأن المقصودْ وجودُ مثالٍ لعلةٍ فى المتنِ، وقد وُجِدَ، وانضم إليه تأييد. انتهت)) ٣٣/ظ
(١) التمهيد ٢٦٥/١٤
قلت: جمع الدارقطنى فى الجهر بالبسملة أربعين حديثًا، وفى الاختلاف عليها أربعة وعشرين، مخرجة فى
التعليق المغنى على سنن الدارقطنى، بهامشه (٣٠٢/٣-٣١٣) وبسط ابن عبد البر القول فى المسألة، والنظر فى
مختلف الروايات فيها. بالتمهيد (٢٢٨/٢-٢٣١) والاستذكار (١٥١/٢-١٦٥) وإليهما آل الزين العراقى فى
(التقييد ١١٩-١٢٦، والتبصرة ٢٣١/١) مع تخريج مختلف الأحاديث فيها. وانظر أيضًا فتح البارى
(١٥٤/٢- ١٥٥).

٢٦٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ثم اعلم أنه قد يُطَلقُ اسمُ العِلَّةِ على غير ما ذكرناه من باقى الأسباب القادحةِ فى
الحديث، المُخرِجةِ له من حالِ الصحةِ إلى حالِ الضعف، المانعةِ من العملِ به على
ما هو مُقتَضَى لفظِ العلةِ فى الأصل. ولذلك تجدُ فى كتبِ عللِ الحديث الكثيرَ من الجرحِ
بالكذبِ، والغفلة، وسوءِ الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح. وسَمَّى ((الترمذىُّ)» النسخَ
عِلَةَ من عللِ الحديث. ثم إن بعضهم(١) أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه
الخلاف، نحو إرسالٍ مَن أرسلَ الحديثَ الذى أسنده الثقةُ الضابطُ [٢٣/و] حتى قال:
من أقسام الصحيح ما هو صحيحٌ معلول. كما قال بعضُهم (٢): من الصحيح ما هو صحيحٌ
شاذ، والله أعلم".
(١) قال العراقى: أبهم المصنف قائل ذلك؛ وهو الحافظ أبو يعلى الخليلى، فقال فى كتاب الإِرشاد: إن
الأحاديث على أقسام كثيرة، صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه؛ إلى آخر كلامه (التقييد
١٢٤) وتوضيح التنقيح ٣٤/٢.
(٢) بلاغ المقابلة والسماع بقراءة ابن الفاسى، على هامش (غ).
* المحاسن:
"فائدة وزيادة: قد تقدم ما فى نحو ذلك من العمل فليُنظر ذلك فى موضعه. وجعل
((الحاكم)) معرفةَ علل الحديث علمًا برأسِه؛ غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل.
وأُسنَدَ عن «ابن مهدى)»: لأنْ أعرفَ عِلَةَ حديثٍ أحَبُّ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثًا
ليس عندى." قال ((الحاكم)): وإنما يُعَلَّلُ الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخَلٌ؛ فإن
حديثَ المجروح ساقط [واهٍ]. والحجة فى التعليل عندنا الحفظُ والفهمُ والمعرفةُ لا غير.
قال ((ابنُ مهدى)): معرفةُ علة الحديث إلهامٌ، فلو قلتَ للعالم بعللِ الحديث: من أين قلتَ
هذا؟ لم يكن له حجةٌ. وأسند ((الحاكم)) إلى أبى زرعة، سأله رجل: ما الحجةُ فى تعليلكم
الحديث؟ قال: "الحجةُ أن تسألنى عن حديث له علةٌ، فأذكرِ عِلّتَه؛ ثم تقصد ((ابنَ وارَه))
فتسأله ولا تخبره، فيذكر علََّه؛ ثم تقصد ((أبا حاتم)) فيعلِّله؛ ثم تميز كلامنا (١) على=
(١) فى (معرفة علل الحديث: ١١٣): [ثم تميز كلام كل منا] وعلى هامشه: [بالأصل: كلامنا] وما حكاه
عن أبى زرعة وابن واره وأبى حاتم، ذكر نحوه ابن أبى حاتم الرازى فى ترجمته لأبيه، وأنه سمعه يقول: إن
رجلا من جلة أصحاب الرأى جاءه وعرض عليه دفترًا معه، فقال أبوحاتم فى بعضه: هذا حديث خطأ، وفى
بعضه: هذا باطل، وفى بعضه: هذا كذب. فسأله الدليلَ على ما يقول، فأقترح عليه أن يذهب إلى أبى زرعة
فيسأله فيما عرضه عليه ولا يخبره بما قال. ففعل الرجل، وعجب من اتفاقهما دون تواطؤ بينهما (مقدمة الجرح
والتعديل ٢٤٨/١).

٢٦٣
النوع الثامن عشر: معرفة المعَلَّل
= ذلك الحديث، فإن اتفقنا فاعلم حقيقة هذا العلم، وإن اختلفنا فاعلم أن كلّا يتكلم على
مراد" ففعل الرجلُ فاتفقتْ كلمتُهم، فقال: «أشهد أن هذا العلم إلهام".
وهذه الحكاية التى ذكرها (الحاكم)) تدل على أن الجهابذة النقاد يميزون بين صحيح
الحديث وسقيمه ومعوجّه ومستقيمه، كما يميز الصير فى بين الجيد والردىء. وكم من شخص
لذلك لا يهتدى. وجعل ((الحاكُمُ)) أجناسَ العلل عشرةً، وطَوّلها فنَذكرها مختصرةً:
أولها: أن يكون السند ظاهرُه الصحة، وفيه من لا يُعَرف بالسماع ممن روَى عنه. ومَثَّله
بما أسنده عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن
النبى وَ﴿ل قال: "من جلس مجلسًا كثُّر فيه لغطُه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم
وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك؛ إلا غُفِرَ له ما كان فى مجلسه ذلك" ثم
أسند إلى ((مسلم)) أنه جاء إلى ((البخارى)) فقبل بين عينيه وقال: دعنى حتى أُقْبِّلَ رجليك
يا أستاذ الأستاذِين، وسيد المحدِّثين، وطبيب الحديث فى علله، حدثك محمدُ بن سلام قال
حدثنا مخلد بن يزيد الحرانى، قال حدثنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن
أبيه عن أبى هريرة عن النبى وَّ فذكر الحديث، ما علته؟: قال ((البخارى)): هذا
حديث مليح ولا أعلم فى الدنيا فى هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول: حدثنا به
موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهيب، ثنا سهيل، عن عون بن عبد الله، قوله .. " قال
محمد بن إسماعيل: هذا أولى، لا يذكر لموسى بن عقبة سماعٌ من ((سهيل))(١). انتهى
كلام ((الحاكم)) وهذه الطريقة التى ذكرها مسلم للبخارى معروفة. ورواه ((الطبرانى)) فى
(معجمه الأوسط) عن حجاج بن محمد، عن سفيان عن ابن جريج، فقال: ثنا محمد بن
جعفر بن أعين، ثنا يحيى بن المبارك الكوفى، ثنا حجاج بن محمد، عن سفيان عن ابن
جريج، أخبرنى موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة عن
النبى (َّ*" فذكر الحديثَ وفى آخره: "كان كفَّارةً لما كان فى ذلك المجلس" بدل=
(١) المقابلة على الحاكم فى (المعرفة ١١٣) بإسناده عن أبى حامد القصار عن مسلم وكذلك الخطيب فى
(تاريخ بغداد ٢٩/٢ ترجمة البخارى) وأبو بكر ابن نقطة فى (التقييد: ل ٦ ترجمة البخارى) من طريق
الخطيب. وتعقب العراقى هذه الحكاية، واتهم بها القصار، راوبها عن مسلم (التقييد والإِيضاح ١١٨، والتبصرة
٢٢٩/١) ثم ذكر من خرجوا حديث كفارة المجلس: الترمذى، وصححه، وابن حبان والحاكم.

٢٦٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= قوله: "إلا غُفِرَ له" قال ((الطبرانى)»: لم يُدْخِل فى إسناد هذا الحديث بين حجاج وابن
جريج ((سفيانَ)) أحدٌ ممن رواه عن حجاج، إلا يحيى بن المبارك(١).
ولم يتعقب ((الحاكم)) كلام البخارى فى قوله: "لا أعلم فى الدنيا" إلى آخره. وفى
البابِ: عن أبى برزة: رواه أبو داود(٢) والنسائى؛ وجبير بن مطعم ورافع بن خديج
وعائشة: رواه النسائى فى عمل اليوم والليلة. وفى الباب أيضًا، عن نافع بن صبرة، وقد
أشار إلى حديثه ابنُ عبد البر فى (الاستيعاب) فقال: "نافع بن صَبرة، مخرج حديثه عن
أهل المدينة، بمثل حديث أبى هريرة، فى كَفَّارة ما يكون فى المجلس من اللغَط»(٣). وما
أشار إليه ((ابنُ عبدالبر)) خرجه الترمذى(٤). وفى الباب أيضًا عن أنس بن مالك: أسند
((الطبرانى)) فى (معجمه الأوسط) فقال: ثنا محمد بن محمد بن التّار البصرى، ثنا أبو
بكر بن حارث بن عياش الأحدب، وعيسى بن إبراهيم البَرْكی قالا: ثنا عثمان بن مطر
الشيبانى عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه وَالر: "كفارة
المجلس، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" قال الطبرانى:
لا يُروَى هذا الحديثُ عن أنسٍ إلا بهذا الإِسناد. تفرد به عثمان بن مطر. وروى
((الحاكم)) فى (مستدركِه) (٥) حديث عائشة، وقال: صحيح الإِسناد.
وقد بسطتُ القولَ فى ذلك فى (العرف الشذى على جامع الترمذى) فلينظر منه.
ثانى الأجناس: أن يكون الحديثُ مِرسَلا من وجهٍ رواه الثقاتُ الحُفَّاظ، ويسنده من
وجهٍ ظاهرُه الصحةُ. ولكن له علةً تمنع من صحة السند. ومثّله بما أسنده عن قبيصة=
(١) قابل على مجمع الزوائد للنور الهيثمى، باب كفارة المجلس (١٤١/١٠-١٤٢).
(٢) فى كتاب الأدب، باب فى كفارة المجلس من حديث أبى برزة الأسلمى (ح ٤٨٥٩).
(٣) الاستيعاب: ترجمة نافع بن صبرة (رقم ٢٥٨٨) ١٤٩٠/٤.
(٤) جامع الترمذى، باب ما يقول إذا قام من المجلس. من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عن
:
موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة. قال أبو عيسى: وفى الباب عن أبى برزة وعائشة .. قال:
هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه (٣١٤/١٢)
عارضة.
(٥) المستدرك، ك الدعاء، باب دعاء كفارة المجلس (٥٣٧/١).

:
النوع الثامن عشر: معرفة المعَلَّل
٢٦٥
= ابن عقبة عن سفيان عن خالدِ الحذَّاء؛ وعاصمُ عن أبى قلابة عن أنس، قال رسول الله
وَه: "أرحُمُ أَمَّتِى أبو بكر، وأشدُّهم فى دين الله عمرُ، وأصدقهم حياءً عثمانُ، وأقرؤهم أبىُّ
بن كعب، وأعلمُهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمة أمينًا وإن أمين هذه الأمة
أبو عبيدةً" فلو صح إسناده لأخرج فى (الصحيح) إنما روى خالدُ الحذاء عن أبى قلابة
أن رسول الله وسلّم قال: "أرحمُ أمتى ... " مرسَلا. لكن آخره: "أن لكل أمة أمينًا" رواه
البصريون الحُفَّاظُ عن خالد وعاصمٍ جميعًا، فأُسقِط المرسَلُ وخُرِّج المتصلُ بذكر
أبى عبيدة فى (الصحيحين)(١).
ثالث الأجناس: أن يكون الحديثُ محفوظًا عن صحابى، فيُروَى عن غيره لاختلاف
بلادِ رُواتِهِ، كرواية المدنيين عن الكوفيين. ومثّله بما أسنده عن موسى بن عقّبة عن أبى
إسحاق عن أبى بردة عن أبيه، أن رسول الله وَل قال: "إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى
اليوم مائة مرة" وهذا إسنادٌ لا ينظر فيه حديثَّى إلا ظن أنه من شرط الصحيح.
والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين، زلَقوا. وإنما الحديث محفوظ من حديث أبى بردة عن
الأغرِّ المُزَنى وكانت له صحبة. أسنده ((الحاكم)) من جهةٍ حماد بن زيد عن ثابت البنانى،
قال: سمعت أبا بردة يُحِّدث عن الأغرِّ قال: قال رسول اللّهِ وَّه: "إنه ليُغَان على قلبى
فأستغفر الله فى اليوم مائة مرة" رواه مسلم فى (صحيحه) (٢) ورواه الكوفيون أيضًا، مِسعر
وشعبةُ وغيرُهما عن عمرو بن مرة عن أبى بردة، هكذا.
رابع الأجناس: أن يكون الحديثُ محفوظًا عن صحابى، فيُروَى عن تابعى يقع الوهمُ
بالتصريح بما يقتضى صحُبتَه، بل ولا يكون معروفًا من جهته؛ وربما وقع وهم آخرُ فى
إسناده. مثالُه: ما أُسنَد عن زهير بن محمد، عن عثمان بن سليمان، عن أبيه، أنه سمع
النبى وَل﴾ليقرأ فى المغرب بالطور. وقد خرَّج ((العسكرىُّ)) وغيره هذا الحديثَ فى
(الوحدان). وهو معلول: أبو عثمانَ لم يسمع من النبى وَ لَّ ولم يره، وعثمان إنما رواه=
(١) البخارى فى ك المناقب، أصحاب النبى وَله، باب مناقب أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه (فتح
البارى ٦٥/٧-٦٦) ومسلم فى كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبى عبيدة رضى الله عنه (ح ٢٤١٩/٥٣)
ولفظه فى الصحيحين: ( ... وإن أميننا أيتها الأمة، أبو عبيدة بن الجراح).
(٢) ك الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (ح٤٢،٤١) ٢٧٠٢، ٢٧٠٣.
•

٢٦٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه. وإنما هو ((عثمان بن أبى سليمان))(١).
خامس الأجناس: أن يكونِ الحديثُ رُوِىَ بعنعنةٍ سقط منها رجلٌ دلَّ عليه طريقةٌ
أخرى محفوظةٌ. مثالُه: ما أُسنَد عن يونس [بن يزيد] عن ابن شهاب عن
على بن الحسين، عن رجالٍ من الأنصار: "أنهم كانوا مع رسول الله وَّل ذات ليلة فَرُمِىَ
بنجم فاستنار" الحديث، بِطُولِهِ. وعليه: أن ((يونسَ)) مع جلالته قَصَّر به، وإنما هو "عن،
ابن عباس، قال: حدثنى رجال من الأنصار ... " هكذا رواه ابنُ عيينةَ وشعيب وصالح
والأوزاعى وغيرهُم عن الزهرى. وهو مُخرجٌ فى (الصحيح) (٢).
سادس الأجناس: أن يُختَلفَ على رجل بالإِسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه
ما قابل الإِسنادَ، فيكون ذلك علة فى المسند. مثاله: ما أُسنَدَ عن على بن الحسين بن
واقد، [قال] حدثنى أبى، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضى
الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما لكَ أفصحُنا، ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال:
"كانت لغةُ إسماعيلَ قد درَستْ، فجاء جبريلُ عليه السلام فحفظنيها" وعِلَّه: ما أسنَد
عن على بن خشرم، ثنا على بن الحسين بن واقد: بلغنى أن عمر بن الخطاب ... ،
فذكره(٣).
ومن غريبٍ ما وقع لى فى هذا الحديث، ما ذكره ((أبونعيم الأصبهانى)) فى (تاريخ
أصبهان) فى ترجمة أحمد بن يحيى بن الحجاج الجُرْوَاءانى فقال: ومن مناكير حديثه،
روايته عن عمرو بن على: ثنا عبدُ الرحمن بن مهدى، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن
ابن عمر، قال قال عمر: "يا نبى الله، مالك أفصَحُنا؟ فقال النبىِ رَله: جاءنى جبريل
فلقننی لغة أبی إسماعيل)، (٤).
=
(١) عبارةَ الحاكم أوضح، قال بعد أن ذكر تخريج العسكرى للحديث فى الوحدان. ((وهو معلول من ثلاثة
أوجه: أحدها أن عثمان هو ابن أبى سليمان، والآخر أن عثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه،
والثالث قوله: سمع النبىَّ وَله؛ وأبو سليمان لم يسمع من النبى وَّه ولم يره (المعرفة ١١٥: رابع أجناس العلل).
(٢) صحيح مسلم، ك السلام، باب تحريم الكهانة (ج ٢٢٢٩/١٢٤) وقابل على رواية يونس عن الزهرى،
فيه.
(٣) الحاكم فى المعرفة (علل الحديث: ١١٦).
(٤) أبو نعيم: (ذكر أخبار أصبهان: ١١٧/١) ط بريل. والجرواءانى، نسبة إلى جرواآن ((محلة كبيرة
بأصفهان، يقال لها بالعجمية كرواآن (اللباب ٢٧٤/١).
٠١٠

٢٦٧
النوع الثامن عشر: معرفة المعَلَّل
= سابع الأجناس: الاختلافُ على رجل فى تسميةِ شيخهٍ أو تجهيله. مثالُه: ما أُسنَد عن
ابن شهاب عن سفيان الثورى، عن حجاج بن فُرافِصةَ، عن يحيى بن أبى كثير، عن
أبى سلمة، عن أبى هريرة: قال رسول اللّه وَ له: "المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خَبٌّ لئيم":
وهكذا رواه عيسى بن يونس ويحيى بن الضريس، عن الثورى. وعلته: ما أسند عن
محمد بن كثير، ثنا سفيان الثورى، عن الحجاج بن فرافصة، عن رجلٍ، عن أبى سلمة
-قال سفيان: أراه ذكر أبا هريرة- قال رسول الله وَل. فذكره(١).
ثامن الأجناس: أن يكون الراوى عن شخصٍ أدركه وسمع منه، لكنْ لم يسمع منه
أحاديثَ معينةً، فإذا رواها عنه من غير ذكر واسطة تبينت عِلتها ببيان أنه لم يسمعها منه.
مثالُه: ما أُسنَد عن يحيى بن أبي كثير عن أنس، أن النبى وَّليل كان إذا أفطر عند أهل
بيت قال: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، ونزلت عليكم السكينة."
فيحيى بن أبى كثير رأى أنّسًّا، وظهر ذلك من غير وجهٍ، إلا أنه لم يسمع منه هذا الحديثَ.
ثم أُسنَد عن يحيى قال: حُدَّثتُ عن أنَس أن النّبِى وَِّ، كان إذا أفطر عند أهل بيتٍ
قال: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرارُ، وصلَّت عليكم الملائكة)»(٢).
تاسع الأجناس: أن يكون طريقه معروفة، يروى أحدُ رجالها حديثًا من غير تلك
الطريقة؛ فيقع من رواه من تلك الطريقة "ثنا" على الجادة، فى الوهم، مثالُه: ما أُسنَد عن
المنذر بن عبد الله الحِزامى عن عبدالعزيز بن أبى سلمة الماجشون، عن عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر، أن رسول اللّه ويقول كان إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم تبارك
اسمُك وتعالى جَدُّك" الحديث، بطولِهِ. أخذ فيه ((المنذرُ)) طريق المجرة فيه. وإنما هو من
حديث عبد العزيز بن أبى سلمة: "حدثنا عبدُالله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله
بن أبى رافع، عن على بن أبى طالب، عن النبى (وَل" فذكر [الحديث بغير هذا اللفظ]
وهكذا أخرجه «مسلم» فى (صحيحه)(٣).
=
(١) الحاكم: علل الحديث ١١٧ (المعرفة).
(٢) الحاكم فى المعرفة: (علل الحديث ١١٧-١١٨) والنسائى فى الوليمة.
(٣) الحاكم: ١١٨ وصحيح مسلم: ك صلاة المسافرين، باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه
(ح ٧٧١/٢٠١).

٢٦٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= عاشر الأجناس: أن يُروَى الحديثُ مرفوعًا من وجهٍ آخر. مثالُه: ما أُسنَدَ عن
أبى فروة يزيد بن محمد، [بن يزيد بن سنان الرهاوى]:ثنا أبى عن أبيه عن الأعمش عن
أبى سفيان عن جابر، عن النبى وَله: "من ضحك فى صلاةٍ، يعيد الصلاةَ ولا يعيد
الوضوء". وِلته: ما أسند عن وكيع، عن الأعمش، عن أبى سفيان، قال: سئل جابر
عن الرجل يضحك فى الصلاة، قال: يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء(١).
قال ((الحاكم)): وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلنا هذه مثالاً لأحاديث كثيرة (٢):
وما أشار إليه ((الحاكم)) من الأجناس يدخل تحت القسمين السابقين. وإنما ذكرتُ كلامه
فى ذلك ملخصًا، ليكون مدخلا إلى العلل، وإن كان عليه فى بعضه كلامٌ يُفهَم بعضُه مما
تقدم.
وأجلُّ كتابٍ فى العلل، كتاب "الحافظ ابن المدينى" وكذلك كتاب ((ابن أبى حاتم))
وكتاب (العلل للخلَال) وأجمعُها كتابُ الحافظِ الدارقطنى انتهت)) ٣٣/ظ- ٣٦ و
(١-٢) الحاكم فى المعرفة: (علل الحديث ١١٩).
٠٠ ٠٠٠
!
1

النوع التاسع عشر
معرفة المضطرب من الحديث
المضطربُ من الحديث، هو الذى تَخْتِفُ الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وجهٍ،
وبعضُهم على وجهٍ آخرَ مخالفٍ له. وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان. أما إذا
ترجَّحتْ إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راوبها أحْفَظَ أو أكثرَ صحبةً
للمروىِّ عنه، أو غيرَ ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحُكُمُ للراجِحةِ، ولا يُطَلقُ
عليه حينئذٍ وصفُ المضطرب، ولا له حُكْمُهُ(١).
(١) طرة على هامش (غ) طرة بخط ابن الفاسى، لم أتحقق من قائلها:
[الأمر فى المضطرب منقسم: فإن كان أحد الوجوه مرويًّا من وجه ضعيف والآخر من وجه قوى
فلا اضطراب، والعمل بالقوى متعين. وإن لم يكن كذلك فإن أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن أن
يكون المتكلم معبرًا باللفظين الواردين عن معنى واحد، فلا إشكال أيضًا. مثل أن يكون فى أحد الوجهين قد
قال الراوى: عن رجل، وفى الوجه الآخر سمّى رجلا. فهذا يمكن أن يكون ذلك المسمى هو ذلك المبهم،
فلا تعارض.
وإن لم يكن كذلك بأن يسمى الراوى باسم معين فى رواية، ويسمى باسم آخر فى رواية أخرى، فهذا محل
نظر، إذ يتعارض فيه أمران: أحدهما، أنه يجوز أن يكون الحديث عن الرجلين معًا، والثانى أن يغلب على الظن
أن الراوى واحد اختلف فيه. فها هنا لا يخلو أن يكون الرجلان معًا ثقتين أو لا: فإن كانا ثقتين فها هنا
مقتضى مذاهب الفقهاء والأصوليين ألا يضر هذا الاختلاف، لأنه إن كان الحديث عن هذا المعين فهو عدل، وإن
كان عن الآخر فهو عدل، فكيفما انقلبنا، فإلى عدل، فلا يضر هذا الاختلاف. وغيرهم يقول: إن الاضطراب فى
الحديث دليل على عدم ضبطه فى الجملة. وهذا إنما يتوجه إذا كان لا دليل لنا على أن الحديث عنها جميعًا. أما إن
دل دليل فلا اختلاف. مثل أن يروى إنسان حديثًا من رجل تارة، ويروى ذلك الحديث عن آخر تارة، ثم يرويه
عنهما معًا فى مرة ثالثة.
وأما إن كان أحد الراويين ضعيفًا، فقد تردد الحال بين أن يكون عن القوى، أو عن الضعيف، أو عنهما. وهو
على أحد هذه التقديرات غير حجة ... وهذا بشرط ألا تكون الطريقان مختلفتين بل يكونان عن رجل واحد.
ومع ذلك فيجوز أن يكون قد رواه عنهما جميعًا. فمن يعتمد مجرد الجواز لا يلتفت إلى هذا التعليل. ولا يغفلن فى
جميع هذا عن طلب الترجيح عند الاختلاف، فإن النظر إنما هو عند التساوى أو التفاوت، والله أعلم.]
٢٦٩

٢٧٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ثم قد يقع الاضطرابُ فى مَتْنِ الحديث، وقد يقع فى الإِسناد؛ وقد يقع ذلك من راوٍ
واحد، وقد يقع بين رُواةٍ له جماعةٍ. والاضطرابُ موجِبٌ ضعفَ الحديث، لإشعارهِ بأنه لم
يُضْبَطْ، والله أعلم.
ومن أمثلته: ما رويناه عن إسماعيلَ بن أمية، عن أبى عمرو بن محمد بن حريث، عن
جَدِّه حريث، عن أبى هريرةَ، عن رسول اللّهِ وَّهِ فِى الْمُصَلَّى: "إذا لم يجد عصًا ينصبها
بين يديه، فَلْيَخُطَ خَطَّ،". فرواه ((بِشرُ بنُ المفضل(١)، وروحُ بنُ القاسم)) عن إسماعيلَ،
هكذا. ورواه ((سفيان الثورى)) عنه، عن أبى عمرو ابن حريث، عن أبيه عن أبى هريرة.
ورواه ((حميدُ بنُ الأسود)) عن إسماعيل عن أبى عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن
أبيه عن أبى هريرة. ورواه ((وهيبٌ، وعبدُ الوارث)) عن إسماعيل عن أبى عمرو بن
حريث، عن جدِّه حريث. وقال ((عبدُالرزاق)) عن ابنِ جُرَيح: سمع إسماعيل، عن
حريث بن عمار عن أبى هريرة(٢). وفيه من الاضطراب أكثر مما ذكرناه؛ والله أعلم*(٣).
(١) قابل على رواية بشر بن المفضل فى سنن أبى داود، ك إقامة الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصًّا
( ٦٨٩) ولأبى داود كلام فيه، يأتى فيما يلى من (المحاسن).
(٢). عبد الرزاق: عن ابن جريج قال: أخبرنى إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمار عن أبى هريرة عن
النبى ﴿ فذكره (المصنف ١٢/٢) (ح ٢٢٨٦).
(٣) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغ مقابلة بالأصل المقابل على أصل السماع.
* المحاسن:
((فائدة وزيادة: لا يقال: من جملة رُواة حديثِ الخَطِّ، ((سفيانُ الثورى)) وليس فيهم
من يقاربه فى الحفظ والإِتقان، فهلا جعل روايته راجحةً وليست مضطربة كما تقدم، وما
بالعهدِ من قِدَم؟ لأنا نقول: ليس الترجيحِ مختصًّا بالحفظ بل الكثرة، وغيرها من الوجوه
المعتمدة فى الترجيح معتبرةٌ أيضًا والكثرةُ موجودة، بخلاف رواية ((سفيانَ)) لاسيما إذا
كان فى الكثرة من هو موصوف بالحفظ أيضًا كابن جُريج وغيره ممن ذكر.
ورواية بشر بن المفضل، خرَّجها ((أبو داود)) فى (سُنَتِهِ)(١) وفيها التصريحُ بالتحديث
والسماع، فقال: "ثنا مسدد، ثنا بشرُ بن المفضل، ثنا إسماعيل بن أمية، ثنى أبو عمرو=
(١) سنن أبى داود، ك الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصًّا (ح ٦٨٩).

٢٧١
النوع التاسع عشر : معرفة المضطرب من الحديث
ءُ
= ابن محمد بن حريث أنه سمع جده حريثًا يحدث عن أبى هريرة". وتقرب منها رواية
سفيان بن عيينة، خرَّجها ((ابنُ ماجه)) فى (سُنَتِهِ)(١) فقال: "ثنا عمار بن خالد، ثنا سفيان
بن ◌ُيينةَ، عن إسماعيل بن أمية، عن أبى عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جَدِّه
حريث بن سليم، عن أبى هريرة" وفيها التصريحُ بأن الرواية عن جده حريث، ولكن
فيها أن بين محمدٍ وحريثٍ عَمْرًا. ورواه ((أبوداودَ)) عن سفيان - هو ابن عيينة- خلافَ
ذلك، فقال: "ثنا محمدُ بن يحيى بن فارس، ثنا علىٌّ -يعنى ابن المدينى- عن سفيان عن
إسماعيل بن أمية، عن أبى محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث - رجل من بنى
عذرة - عن أبى هريرة عن أبى القاسم وَّ﴾ قال»(٢) فذكر حديثَ الخطّ. ورواه ((ابن
ماجه)) قبل رواية سفيان بن عُيَينةَ فقال: "حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا حُمَيْدُ بن
الأسود، ثنا إسماعيل". ثم حَوَّل إلى طريقة ابن عيينة التى ذكرناها (٣)، وهذا يخالف
ما تقدم من رواية ((حميد بن الأسود)). وأما رواية ((سفيان الثورى)) فلم أقف عليها.
والحديث مضطرب كما تقدم، و ((إسماعيل بن أميةً)) كان إذا حدَّث بهذا الحديث يقول:
عندكم شىء تَشَدُّونه به؟ ذكره ((المنذرى)). وفى (سنن أبى داود) عقبَ رواية سفيان
السابقة: "قال سفيان: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه؛ .
قال: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه. ففكر ساعةً ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن
عمرو. وقال سفيان: قدم هنا رجل بعد ما مات إسماعيل بن أميّةَ، فطلَبَ هذا الشيخ.
أبا محمد حتى وجده فسأله عنه، فخلط عليه،،(٤).
وهذا من ((أبى داود)) إشارةٌ إلى تضعيفه. وقد أشار ((الشافعىُّ)) إلى تضعيفه. وقال فى
الْبُوَيطى: "ولا يَخطُّ بين يديه خَطًّا إلا أن يكون فى ذلك حديث ثابت فيتبع" قال = .
(١) سنن ابن ماجه، ك إقامة الصلاة، باب ما يستر المصلى (ح ٩٤٣).
(٢) سنن أبى داود، باب الخط (ح ٦٩٠).
(٣) ابن ماجه، باب مايستر المصلى (ح ٩٤٣) وسياق إسناده: حدثنا بكر بن خلف، أبو بشر، ثنا حميد بن
الأسود، ثنا إسماعيل بن أمية، (ح) وحدثنا عمار بن خالد، ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن أبى
عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث بن سليم عن أبى هريرة.
(٤) سنن أبى داود، صلاة، باب الخط (ص١٨٤/١) بعد حديث: ٦٩٠.

٢٧٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
٨.
-- " 1
=((البيهقى)): وإنما توقّف الشافعىُّ فى الحديث لاختلافِ الرواةِ على إسماعيلَ بن أمية.
وقال البيهقى: ولا بأس به فى مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى. وقد ضعفه غيرُ البيهقى،
وخالف ((ابنُ حبانَ)) فأخرجه فى (صحيحه) وكأنه لم يقدح عنده الاضطرابُ(١) .=
(١) ((سئل الدارقطنى عن حديث العمرى، حفص بن عاصم، عن أبى هريرة عن النبى وَلا قال: "إذا
صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عودًا، وإن لم يجد فليخط خطّا». فقال: يرويه
إسماعيل بن أمية واختلف عليه، فرواه وهيب بن خالد وسالم بن خالد الزنجى عن إسماعيل عن أبى محمد بن
عمرو بن حريث عن أبيه عن جده عن أبى هريرة. واختلف عن وهيب. ورواه ابن عيينة واختلف عنه، فقال
سعيد بن منصور عنه، عن إسماعيل عن أبى محمد بن عمرو بن حريث عن أبيه عن جده عن أبى هريرة،
وخالفه جماعة من أصحاب ابن عيينة فقالوا عنه: عن أبى محمد بن عمرو بن حريث عن جده؛ ولم يقولوا: عن
أبيه. وكان ابن عيينة يضطرب فى هذا الحديث فربما قال: عن أبى محمد بن عمرو بن حريث، وربما قال: عن أبى
عمرو بن محمد. ثم ثبت على: أبى محمد بن عمرو. واختلف عن ابن جريج: فرواه حجاج عن ابن جريج عن
إسماعيل عن أبى محمد بن عمرو عن أبى هريرة؛ ولم يقل: عن أبيه ولا عن جده، ورفعه. وقال عبد الرزاق:
عن ابن جريج عن إسماعيل عن حريث عن عمار عن أبى هريرة. وقال أبو عاصم عن ابن جريج: عن
إسماعيل بن أمية عن ابن عمرو بن حريث عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعًا. وكذلك قال معمر عن إسماعيل.
وقال داود بن عُلْبَةَ: عن إسماعيل عن ابن عمرو بن حريث بن سليم عن جده حريث عن أبى هريرة، مرفوعًا.
ورواه بشر بن المفضل وعبد الوارث بن سعيد وحميد بن الأسود وأبو إسحاق الفزارى فقالوا: عن إسماعيل
عن أبى عمرو بن محمد بن حريث عن جده عن أبى هريرة، إلا أن حميدًا قال من بينهم: عن أبيه عن أبى
هريرة. واختلف عنه: فرواه خارجةُ بن مصعب عن إسماعيل فقال: عن عمروبن حريث أوحريث بن عمرو
عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعًا. وقال نصر بن حاجب: عن إسماعيل عن محمد بن عمرو عن أبيه عن أبى
هريرة، وقال إسماعيل بن مسلمة: عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن عمرو بن حزم عن جده حريث بن سليم
عن أبى هريرة؛ - ووهم فى قول: حزم، وإنما هو حريث .- ورواه همام عن إسماعيل فقال: حدثنى ابن عم لى، لم
يسمه، عن أبى هريرة.
وكل هؤلاء رفعه .. ورواه إسماعيل بن أمية وقال: عن أبى عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن
أبى هريرة. موقوفًا. ورفعه صحيح عن إسماعيل)) (العلل للدارقطنى ١٦٤/٣) خط.
وانظر معه تقييد العراقى (١٢٥-١٢٧) وتبصرته (٢٤٢/١-٢٤٤) وفيه رواية إسماعيل بن مسلمة عن
إسماعيل بن أمية عن محمد بن عمرو بن حزم التى وهمه الدارقطنى فى قوله: حزم، وإنما هو حريث.
على أن محقق التبصرة، ترجم لمحمد بن عمرو بن حزم، بن زيد، الأنصارى النجارى (٢٤٣/٢ تبصرة،
هامش).
:

٢٧٣
النوع التاسع عشر : معرفة المضطرب من الحديث
= ومتى كان أحدُ الوجوه ضعيفًا والآخرُ قويًّا عُمِل بالقوى، وإلا فإن أمكن الجمعُ بينهما
مثل إن قال الراوى: "عن رجل" وفى طريق آخر سماه، فلا تعارض. وأما إذا أسماه
باسم معين فى رواية، وذكر اسًا لآخر فى أخرى، فيجوز أن يكون الحديث عنهما معًا. فإن
كانا ثِقتين لم يضر، وإن كان أحدهما ضعيفًا، والطريقتان عن رجل واحد اختلف عليه،
فهو محل نظر. وحينئذ فيطلب الترجيحُ والأقرب صحةً عند واحدةٍ لا تقدح الأخرى
فيها. انتهى)) ٣٦/ظـ - ٣٧ و
:

٠٠
النوع العشرون
معرفة المدرج فى الحديث
وهو أقسام: منها ما أدرِج فى حديثِ رسولِ اللهِ وَّر من كلامِ بعضٍ رواته، بأن
يذكر الصحابىُّ أو مَنْ بَعْدَه، عَقِبَ(١) ما يرويه من الحديث، كلامًا من عند نفسه، فيرويه
مَنْ بعدَه موصولاً بالحديثِ غيرَ فاصلٍ بينهما بذكرٍ قائله، فيلتبس الأمرُ فيه على من
لا يعلم حقيقة الحال، ويتوهم أن الجميعَ عن رسولِ اللهِ وَله
ومن أمثلتهِ المشهورة: ما رويناه فى التشُّدِ عن أبى خيثمةَ زهير بن معاوية عن
الحسن بن الحُرِّ، عن القاسم بن مُخَيْمِرةَ، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود، أن
رسول الله وسل﴿ل علّمه التشهدَ فى الصلاة فقال: "قل: التحياتُ اللّه" - فذكر التشهدَ، وفى
آخره: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسولُ اللّه" "فإذا قلتَ هذا فقد
قضيتَ صلاتَك، إن شئتَ أن تقوم فقُم، وإن شئت أن تقعد فاقعدْ". هكذا رواه أبو خيثمةً
عن الحسن بن الحر، فأدرج فى الحديثِ قولَه: "فإذا قلت هذا" إلى آخره، وإنما هذا من
كلام ((ابن مسعود)) لا من كلام رسول اللّه وَله.
ومن الدليلِ عليه، أن الثقةَ الزاهدَ ((عبدالرحمن بنَ ثابت بن ثَوْبانَ)) رواه عن
(١) فى الأصول: [عقيب] وكتب على هامش (غ): [صوابه: عقب].
وعلى هامش (غ) طرة مطموس - أولها كأنه: قال الشيخ نقى الدين- والمقروء منها:
والمدرج [قد يقوى فى بعض المواضع بأن يكون كلام الراوى أتى بعد انقضاء كلام النبى وَّل* متصلا بآخره.
ومما قد يضعف فيه أن يكون مدرجًا فى أثناء لفظ الرسول وسلّه، لاسيما إن كان مقدمًا على اللفظ المروى أو
معطوفًا عليه بواو العطف، كما لو قال: من مس أنثييه وذكره فليتوضأ، بتقديم لفظ الأنثيين على الذكر. فهاهنا
يضعف الإِدراج لما فيه من اتصال هذه اللفظة بالعامل الذى هو من لفظ الرسول (وَل .]
قلت: وهذا لفظ الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد فى (الاقتراح: ٢٤٤) المدرج. ومنه نقل الصنعانى فى
(توضيح التنقيح ٥٦/٢).
٢٧٤

٢٧٥
النوع العشرون: معرفة المُدْرَج من الحديث
راويه(١) ((الحسن بنِ الحر)) كذلك، واتفق ((حسين الجعفى، وابن عجلان)) وغيرهما فى
روايتهم عن ((الحسن بن الحر)) على ترك ذكرِ هذا الكلام فى آخرِ الحديث، مع اتفاقٍ كلّ
مَنْ رَوَى التشهدَ عن ((علقمةَ)) وعن غيره، عن ((ابن مسعود)) على ذلك. ورواه ((شبابة))
عن أبى خيئمة، ففَصَلَه أيضًا.
ومن أقسام المدَرَج: أن يكونَ متنُ الحديث عند الراوى له بإسنادٍ إلا طرفًا منه، فإنه
عنده بإسناد ثان، فيدرجه مَن رواه عنه على الإِسناد الأول، ويحذف الإِسنادَ الثانى،
ويروى جميعَه بالإِسناد الأول. مثالُه: حديثُ ابن عيينة، وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن
كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر، فى صفة صلاة رسول الله وَليل، وفى آخره: "أنه جاء
فى الشتاء فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثيابِ" والصوابُ روايةٌ مَن رَوَى عن ((عاصم
بن كليب)) بهذا الإِسناد صفة الصلاة خاصة، وفصَلَ ذكرَ رفع الأيدى عنه، فرواه عن
عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعضٍ أهلهِ عن وائلٍ بن حُجْر (٢).
ومنها، أن يُدْرَجَ فى متنِ حديثٍ بعضُ متنِ حديثٍ آخرَ مخالفٍ للأول فى الإِسناد.
مثالُه: روايةُ سعيد بن أبى مريم، عن مالك، عن الزهرى، عن أنس، أن رسول اللّه وله
قال: "لا تَبَاغضوا ولا تحاسدوا، ولا تَدابروا، ولا تنافسوا ... »(٣) الحديث.
فقوله: "لا تنافسوا" أدرجه ((ابنُ أبى مريم» من مَتْنِ حديثٍ آخر، رواه مالكٌ، عن
أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، فيه: "لا تَجَسَّسُوا ولا تَحَسَّسوا، ولا تنافسوا
ولا تحاسدوا)،(٤) والله أعلم.
(١) من (غ، ص) وفى ز والعراقية: [رواية] وعبدالرحمن بن ثابت العنسى توفى سنة ١٦٥هـ، روى عنه
الحسن بن الحربن الحكم النخعى ت سنة ١٣٣هـ.
وانظر الحاكم فى المعرفة (المدرج ٣٩ - ٤٠) وتصحف ((الحسن بن الحر)) فى شرح الملا على القارى للنخبة،
بالحسن بن [الحرب] ١٣٦.
(٢) على هامش (غ) موجز ترجمة وائل بن حجر، أبى هنيدة الحضرمى رضى الله عنه، من الاستيعاب ..
وفيها أن عبد الجبار بن وائل، لم يسمع من أبيه فيما يقولون. انظره فى (تهذيب التهذيب ١٠٥/٦).
(٣-٤) الحديثان فى الموطأ، كتاب حسن الخلق، باب ما جاء فى المهاجرة:
- مالك عن الزهرى عن أنس عن النبى وَ ل# (ح ١٤) وليس فيه: ولا تنافسوا.
- مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبى وَّة، وفيه:
(ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا) (ح ١٥) وأخرج=

٠
٢٧٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ومنها، أن يروى الراوى حديثًا عن جماعة بينهم اختلافُ فى إسنادِه، فلا يَذكر
الاختلافَ، بل يُدرِجُ روايتَهم على الاتفاق. مثالُه: روايةُ عبدِ الرحمن بنِ مهدى ومحمد بن
كثير العبدى، عن الثورى، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبى وائل، عن
عمرو بن شُرحبيلَ، عن ابن مسعود: "قلت: يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ ... "
الحديث. وواصلٌ إنما رواه عن أبى وائل، عن عبدالله، من غير ذكر عمرو بنِ شَرَحبِيل
ءُ
بينهما، والله أعلم".
= ابن عبد البر حديث سعيد بن أبى مريم عن مالك عن الزهرى عن أنس، بزيادة: ولا تنافسوا؛ وأسند عن
حمزة بن محمد الكنانى، قال: ((لا أعلم أحدًا قال فى هذا الحديث عن مالك: ولا تنافسوا؛ غير سعيد بن أبى
مريم)). التمهيد (١١٦/٦).
* المحاسن:
((فائدة وزيادة: قال ((الدارقطنى)) فى (علله) (١): يشبه أن يكون الثورى جمع بين
الثلاثة، لابن مهدى ولابن كثير فجعلَ إسنادهم واحدًا. ولم يذكر بينهم خلافًا، وحَلَ
حديثَ واصلٍ على حديث الأعمش ومنصور؛ وقد فصل الثورى ليحيى بن سعيد،
فحدثه عن منصور والأعمش، عن أبى وائل عن عمرو بن شرحبيل؛ وحدثه عن واصل،
عن أبى وائل عن ابن مسعود. ومن ذلك قال ((الدارقطنى)): إن التفصيل هو الصواب،
لأن شعبة ومهدىًّ بن ميمون، روياه عن واصل عن أبى وائل عن عبد الله، كما رواه يحيى
عن الثورى - انتهى)»
وفيه نظر: فقد رواه محمدبن يسار، عن عبدالرحمن بن مهدى، عن سفيان، عن
واصل، عن أبى وائل، عن ابن شرحبيل. وهذا يقدح فيما تقدم من المثال. إلا أن يقال :=
(١) العلل للدارقطنى، حديث أبى وائل، شقيق بن سلمة الأسدى الكوفى عن ابن مسعود - والحديث
أخرجه البخارى فى التفسير، البقرة ﴿ولا تَجَعَلُوا لَلِهِ أَنْدادًا﴾ ومسلم فى الإِيمان، باب كون الشرك أقبح
الذنوب، (ح ١٤١)، من رواية منصور عن أبى وائل عن عبد الله، وبذكر عمرو بن شرحبيل، فى البخارى: كتاب
المتحاربين، باب إثم الزنى، من رواية منصور وسليمان -بن مهران الأعمش- عن أبى وائل عن أبى ميسرة
عمرو بن شرحبيل عن عبد الله. (مسلم فى الإِيمان: ح ١٤٢) من رواية الأعمش بهذا السند.
وفى (فتح البارى ٩٣/١٢-٩٤) بيان لزيادة عمرو بن شرحبيل بين أبى وائل وعبدالله بن مسعود رضى الله
عنه. وانظر تبصرة العراقى (٢٥٨/١).
أ
أ

٢٧٧
النوع العشرون : معرفة المدرج من الحديث
!
= لعله لما روى سفيان لابن مهدى والعبدى الحديثَ من الثلاثة جمعًا، روى ابنُ مهدى
حديثَ واصلٍ على انفراد بمقتضى الجمع، وهو بعيد. وقد نّبه الدارقطنى على أن الأعمشَ
أيضًا اختُلف عليه، فروى أبوشهاب وأبو معاوية وشيبانُ الحديثَ عن الأعمش، عن
أبى وائل عن عبدالله، ورواه الثورى ومعمر وجرير وعبدالله بن نمير؛ عن الأعمش كما
تقدم.
وذكر ((الحاكم)) من أمثلة المدَرَج بعد التمثيل بحديث التشهد، حديث أبى هريرة أن
النبى وَل* قال: "من أعتق نصيبًا له فى عبد" وفيه ذكرُ السعاية. فقال الحاكم: حديث
العتق ثابتٌ صحيح، وذِكْرُ الاستسعاءِ فيه، من قول قتادة، وَهِمَ مَنْ أدرجه فى كلام
رسول الله وَله. ثم ذكر ((الحاكم)) عن همام، أن قتادة كان يقول؛ فذكر "السعاية" من
قوله. وفى ذلك كلام له بَسْطٌ ليس هذا موضعه(١).
=
(١) الحاكم فى المعرفة، (النوع ١٣ معرفة المدرج ص ٤٠) وحديث أبى هريرة رضى الله عنه، مرفوعًا:
(من أعتق نصيبًا له فى عبد) أو: شركاً، أو شقصًا، أو: شقيصًا - فى الصحيحين وكتاب العتق فى السنن. ورواية
سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة، وفيها ذكر الاستسعاء: فى
الصحيحين: البخارى ك الشركة، باب الشركة فى الرقيق (فتح البارى ٢٨٤/٥) ثم فى كتاب العتق وفضله،
باب إذا أعتق نصيبًا فى عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه. وقال بعد إخراج الحديث من رواية
سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن النضر عن بشير عن أبى هريرة: ((تابعه حجاج وأبان وموسى بن خلف عن
قتادة. واختصره شعبة)). قال الحافظ ابن حجر: أراد البخارى بهذا، الردّ على من زعم أن الاستسعاء فى هذا
الحديث، غير محفوظ وأن سعيد بن أبى عروبة انفرد به، فاستظهر له برواية جرير بن أبى حازم بموافقه، ثم ذكر
ثلاثة تابعوهما على ذكرها (فتح البارى: ٩٥/٥).
وكذلك أخرج مسلم الحديث، من رواية سعيد عن قتادة فى كتاب العتق، باب ذكر سعاية العبد، من طريقين
(ح ٣، ٤-٣، ١٥) ثم فى كتاب الإيمان، باب من أعتق شركًا له فى عبد، من عدة طرق عن سعيد عن قتادة
(ح ٥٤، ٥٥ - ٩٩٦) ١٦٦٨.
وأما رواية همام عن قتادة، بفصل الاستسعاء وجعله من كلام قتادة، فتعقبها الحافظ ابن حجر، وبين أنها
حيث جاءت، فمن طريق همام وحده. وجمع الروايات من مختلف الطرق، ما فيه ذكر الاستسعاء مرفوعًا، وما
جاء مختصرًا دون ذكره كرواية هشام الدستوائى وشعبة عن قتادة، وما فصله من طريق همام ((وهو ما أباه
آخرون منهم صاحبًا الصحيحين فصححا رواية سعيد عن قتادة. وهو الذى رجحه ابن دقيق العيد لكثرة ملازمة
سعيد لقتادة وأخذه عنه. وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد، لم ينافيا ما رواه وإنما اقتصرا من الحديث على
" بعضه. وقال: والعجب ممن طعن فى رفع الاستسعاء يكون همام جعله من قول قتادة، ولم يطعن فى فصل
الاستسعاء (فتح البارى: ٩٥١٥-٩٨) وانظر التبصرة (٢٥٨/١-٢٥٩).
٠٠٠
:

٢٧٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
واعلْ أنه لا يجوزُ تعمُّدُ شيءٍ من الإِدراجِ المذكور. وهذا النوع قد صَنَّفَ فيه
((الخطيبُ أبو بكر)) كتابه الموسوم(١) بـ(الفَصل، للوصلِ الْمُدَرَج فى النقلِ) فشَفَى
وكفى". والله أعلم (٢).
(١) فى (غ): [المرسوم] وما هنا من (ص، ز، ع).
(٢) على هامش ص (ل ١٨/أ) بخط العراقى: بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين ابن
العديم قراءة بحثٍ علىَّ، وعمه زين الدين عبد الرحمن، وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى، سماعًا. كتبه
عبد الرحيم بن الحسين.
= واعلم أنهُ يضعف دعوى الإِدراج فى المقدم(١)، ومن أمثلته فى العطف: لو جاء مَنْ مَسَّ
أنثييه وذَكَرَه فليتوضأ انتهى)) ٣٨/وظ.
* المحاسن :
قوله: "وقد صنف أبو بكر الخطيب ... فشفى وكفى"؛ ومع ذلك فقد ترك أشياء)»
٣٨/ظ
(١) أوجز بيانه، على هامش ص أول المدرج.
قلت: حديث الوضوء من المس، رواه الثقات من أصحاب هشام بن عروة عن أبيه عن مروان بن الحكم عن .
بسرة بنت صفوان، ترفعه (الموطأ، طهارة ح ٥٨، والترمذى - وقال: حسن صحيح - والنسائى وابن ماجه فى
باب الوضوء من مس الذكر، والدارقطنى فى الطهارة: باب فيما روى فى لمس القبل والذكر
(ح ١١،٧،٤،٣،٢،١، ١٢).
وأخرجه من رواية عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة قالت: سمعت رسول الله
وي* يقول: (من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ) قال الدارقطنى: كذا رواه عبد الحميد بن جعفر عن
هشام. ووهم فى ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك فى حديث بسرة عن النبى وَ اه. والمحفوظ أن ذلك من قول
عروة غير مرفوع. كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب السختيانى وحماد بن زيد وغيرهما. (ح ١٠) ثم
أخرجه من طريق أيوب وحماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة، أنها سمعت النبى وَلو يقول: ((من مس
ذكره فليتوضأ)) وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ (ح ١٢،١١).
والحديث خرجه من مختلف طرقه ((الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمرى)) فى (أجوبته على مسائل
تلميذه الحافظ ابن أيبك) حققها، ووثقها، الزميل الأستاذ الدكتور محمد الراوندى. (خزانة دار الحديث الحسنية
بالرباط).
١

النوع الحادى والعشرون
معرفة الموضوع
وهو المُختَلَقُ المصنوع.
اعلم أن الحديثَ الموضوع شَرُّ الأحاديث الضعيفة(١) ولا تَحِلُّ روايته لأحدٍ عَلِمَ حالَه
فى أىِّ [٢٤/ظ] معنىَّ كان، إلا مقرونًا ببيانِ وضعهِ. بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة
التى يحتمل صدقُها فى الباطن، حيث جاز روايتها فى الترغيب والترهيب، على ما نبينُه
قريبًا إن شاء الله تعالى.
وإنما يُعرف كونُ الحديثِ موضوعًا بإقرارِ واضعهِ، أو ما يتنزلُ منزلةَ إقراره(٢). وقد
يَفهمون الوضعَ من قرينةِ حالِ الراوى أو المروِىِّ، فقد وُضِعَتْ أحاديثُ طويلةٌ يشهدُ
بوضعِها رَكاكةُ ألفاظِها ومعانيها. ولقد أكثر الذى جمع فى هذا العصر (الموضوعاتِ) فى
نحو مُجُلَّدين (٣)، فأودع فيها كثيرًا مما لا دليل على وضعه، وإنما حقه أن يُذكَّر فى مُطلَقٍ
الأحاديثِ الضعيفة.
والواضعون للحديث أصنافٌ، وأعظمُهم ضررًا قومٌ من المنسوبين إلى الزهد وضعوا
الأحاديثَ احتسابًا فيما زعموا، فتقبل الناسُ موضوعاتهم ثقةً منهم بهم وركونًا إليهم. ثم
:
(١) اعترض عليه بأن (الموضوع) ليس حديثًا. وقال الشيخ زكريا الأنصارى: إنه (أورده فى أنواع:
الحديث مع أنه ليس بحديث، نظرًا إلى زعم واضعه. ولتعرف طرقه التى يتوصل بها إلى معرفته، لينفى عن
القبول (فتح الباقى على تبصرة العراقى ٢٦١/١).
(٢) نقلوا فيه عن التقى ابن دقيق العيد فى (الاقتراح) أنه استشكل الحكم على الموضوع بإقرار من
واضعه فقال: ((هذا كاف فى رده، لكن ليس بقاطع فى كونه موضوعًا لجواز أن يكذب فى هذا الإِقرار بعينه))
تقييد العراقى ١٣١ وشرح النخبة ١٢٣، مع (الاقتراح لابن دقيق العيد: ٢٣٤).
(٣) على هامش (غ): [قال النواوى: يعنى أبا الفرج ابن الجوزى].
قاله فى متن التقريب (٢٧٨/١) وقال العراقى فى ألفيته:
وأكثر الجامعُ فيه إذا خرج
المنطلق الضعف، عَنَى أبا الفرجْ
٢٧٩

٢٨٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
نهضتْ جهابذةُ الحديثِ بكشفِ عَوارِها ومَحْوِ عارِها والحمد لله. وفيما روينا عن ((الإِمام
أبى بكر السمعانى)) أن بعض الكَرَّامِيَّةَ(١) ذهب إلى جوازٍ وضع الحديث فى باب الترغيب
والترهيب(٢).
نـ
(١) نسبة إلى محمد بن كرَّام، أبى عبد الله السجستانى (ت ٢٥٥هـ) وكان من عُباد المرجئة. انظر مع تقييد
ابن نقطة، لسان الميزان ٣٥٣/١ والعبر ١٠/٢.
(٢) طرة على ورقة ملصقة بنسخة (غ):
[قال القاضى عياض فى (إكماله): اعلم أن الكذابين على ضربين: ضرب عرفوا بذلك فى حديث النبى وَّة،
وهم على أنواع: منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلا، إما تراقُعًا واستخفافًا كالزنادقة وأشباههم، ممن لم يرع
للدين وقارًا؛ أو حسبة بزعمهم وتدينًا، كجهلة المتعبدة الذين وضعوا الأحاديث فى الفضائل والرغائب؛ أو
إغرابًا وسمعة، كفسقة المحدثين؛ أو تعصبًا واحتجاجًا كدعاة المبتدعة ومتعصبى المذاهب؛ أو اتباعًا لهوى أهل
الدنيا فيما أرادوه، وطلبٍ العذر لهم فيما أتوه. وقد تعين جماعة فى كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة
وعلم الرجال.
ومنهم من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادًا صحيحًا مشهورًا.
ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها ويتعمد ذلك، إما للإِغراب على غيره، أو لدفع الجهالة عن نفسه.
ومنهم من يكذب فيدعى سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق، ويحدث بأحاديثهم الصحيحة، عنهم.
ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحِكَمِ العرب والحكماء فينسبها للنبى وصّ.
فهؤلاء كلهم كذابون متروكو الحديث. وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم يحققه ولم يضبطه أو هو شاك فيه.
فلا يحدَّث عن هؤلاء ولا يُقبّل ما حدثوا به ولو لم يكن منهم مما جاءوا به من هذه الأمور إلا المرة الواحدة،
كشاهد الزور إذا تعمد ذلك سقطت شهادته.
واختُلِفَ: هل تقبل فى المستقبل إذا ظهرت توبته أو زادت فى الخير حالته؟
والصنف الآخر من لا يستجيز شيئاً من هذا كله فى الحديث ولكن يكذب فى حديث الناس، قد عرف بذلك.
فهذا أيضًا لا يقبل حديثه ولا شهادته، قاله ((مالك)) وغيره. وتنفعه التوبة، ويرجع إلى القبول.
فأما من يندر منه القليل من الكذب ولم يعرف به، فلا يقطع بتجريحه بمثله، إذ يتأول عليه الغلط أو الوهم،
وإن اعترف متعمدًا بذلك، المرَّةَ الواحدة، مما لم يضرّ بها مسلمًا، فلا تلحق بمثله الجرحة وإن كانت معصية،
لندورها، ولأنها لا تلحق بالكبائر الموبقات، ولأن أكثر الناس قلما يسلمون من مواقعة بعض الهنات، ولهذا قال
((مالك)) رحمه الله، فيمن ترد شهادته: أن يكون كاذبًا فى غير شىء. وقال ((سحنون)) فى الذى يقارف بعض
الذنب كالزلة: تجوز شهادته لأن أحدًا لا يسلم من مثل هذا. فإذا تكرر هذا منه، سقطت به شهادته. وكذلك
لا يسقطها كذبه فيما هو من باب التعريض أو الغلو فى القول، إذ ليس بكذب على الحقيقة، وإن كان فى صورة
الكذب، لأنه لا يدخل تحت حد الكذب، ولا يريد المتكلم به الإِخبار عن ظاهر لفظه. وقد قال عليه السلام:
"أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه" وقال إبراهيم عليه السلام: "هذه أختى" وقد أشار ((مالك)) رحمه الله -
لنحو ذلك، والله أعلم].
وانظر مقدمة النووى لشرح مسلم (١٢٩/١) وتبصرة العراقى (٢٦٣/١-٢٦٦) وشرح النخبة
(١٢٣ - ١٣٠).