Indexed OCR Text

Pages 201-220

٠٠
٢٠١
النوع الثامن : معرفة المقطوع
تَبَعْ لقريشٍ ... )(١) الحديثَ. فكلُّ ذلك وأمثالهُ كنايةٌ عن رفعِ الصحابىِّ الحديثَ إلى
رسولِ اللهِ وَلَه؛ وحُكُمُ ذلك عند أهلِ العلم حُكُمُ المرفوعِ صريحًا.
قال المملى أبقاه الله: وإذا قال الراوى عن التابعى: يَرفُع الحديثَ، أو: يبلغ به؛ فذلك
أيضًا مرفوعٌ، ولكنه مرفوعٌ مرسَل(٢)، والله أعلم.
(١) وبه، عن أبى هريرة، يبلغ به: فى صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش. (ح ١٨١٨/١)
(٢) انظر تقييد العراقى ٦٧ والتبصرة ١٣٦/١.

النوع التاسع
معرفةُ المرسَل(١)
وصورتُه التى لا خلافَ فيها، حديثُ التابع الكبير الذى لقى جماعةً من الصحابة
(١) حاشية مطولة على ورقة مستقلة ملصقة بالأصل (غ) بخط ابن الفاسى:
[قال القاضى عياض رحمه الله فى (إكماله): اختلف العلماء فى المرسل على ما يقع من الحديث وفى ثبوت
الحجة به؛ فأما الفقهاء والأصوليون فيطلقون المرسل على كل ما لم يتصل سنده إلى النبى وَ له، وأرسله راو من
رواته تابعيًّا كان أو من دونه، إلى النبى رَّ، أو سكت فيه عن راو من رواته أو أكثر وارتفع إلى من فوقه، فهو
داخل عندهم فى المرسل. وكذلك إذا قال: عن رجل، ولم يسمه. وأما أصحاب الحديث فلهم تفريق فى ذلك
واصطلاحات بنوا عليها صنعتهم ورتبوا أبوابهم وتراجمهم، فلا يطلقون المرسل إلا على ما أرسله التابعى وقال
فيه: قال رسول اللّه وَّل، دون ذكر الصحابى. وقال ((أبو عبد الله الحاكم)) فى كتاب (علوم الحديث) فى هذا: فأما
ما أرسله الراوى دون التابعى فهو عندهم المنقطع. وكذلك يسمون الحديث عن رجل لم يسم. وذكر فى كتاب
(المدخل إلى كتاب الإكليل): المرسل أن يقول التابعى أو تابع التابعى: قال رسول اللّه وَل؛ فإن كان بين
المرسِل والنبى ﴿ أكثر من رجل سموه معضلا، كذا لقبه ((ابن المدينى)) وغيره، وأدخل البلاغات وشبهها
عندهم فى باب المعضّل، وكل هذا بالحقيقة داخل فى باب المرسل، إذ أصل ذلك إضافة الراوى الحديث إلى من
روى عنه، وإرسال سنده وسقوط اتصاله. وأما الحجة به، فذهب السلف الأول إلى قبوله والحجة به. وهو مذهب
((مالك، وأبى حنيفة)) وعامة أصحابها، وفقهاء الحجاز والعراق. وذهب ((الشافعى، وإسماعيل القاضى)) فى عامة
أهل الحديث وكافة أصحاب الأصول وأصحاب النظر، إلى ترك الحجة به. وحكاه ((الحاكم)) عن ابن المسيب
ومالك وجماعة أهل الحديث وفقهاء الحجاز ومن بعدهم من فقهاء المدينة، وعن الأوزاعى والزهرى وابن حنبل.
والمعروف من مذهب مالك وأهل المدينة خلاف ما ذكره. وشرط من لم ير الحجة به مراسيل التابعين جملة.
وخص بعضهم مراسيل كبار التابعين، وبعضُهم مراسيل الصحابة إذا قالوا: حدثنى رجل عن النبى وَّ. وخص
الشافعى مراسيل سعيد بن المسيب، وبعضهم مراسيل الأئمة، وجعلها كالمسندات، إذ أكثرها كذلك، إذ
لا يرسلون إلا ما صح. ومنهم من جعل هذه أقوى من المسانيد لأن الإِمام لا يرسل الحديث إلا مع نهاية الثقة
به والصحة. واختار بعض المحققين من المتأخرين قبول مرسل الصحابى والتابعى إذا عرف من عادته أنه
لا يروى إلا عن صحابى. قال أبو عمر وأبو الوليد -الباجى -: ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان مرسله
غير متحرز، يرسل عن غير الثقات." هـ
- قوبل على الإِكمال للقاضى عياض، خط دار الكتب.
قال ((البيهقى)) فى (مناقب الشافعى) بإسناده: من كلام الشافعى ما حاصله: يقبل مرسل التابعى إذا =
٢٠٢

٢٠٣
النوع التاسع : معرفة المرسل
وجالسَهم؛ كـ: عبيد اللّه بن عَدِى بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما؛ إذا قال:
"قال رسول اللّه وَالله))". والمشهورُ التسويةُ بين التابعين أجمعين فى ذلك، رضى الله عنهم.
= أسنده حافظ غيره، أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول، أو وافق قول بعض الصحابة، أو أفتى عَوّامُّ
أهل العلم بمعناه. قال ((البيهقى)): فالشافعى يقبل مراسيل الكبار من التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، وإلا لم
يقبلها سواء كانت مراسيل ابن المسيب أو غيره. فإذا لم ينضم إلى مراسيل سعيد - بن المسيب - ما يؤكدها، لم
يقبلها، وإن انضم إلى مراسيل غيره ما يؤكدها، قبلها. ومزية (سعيد)) أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم
الحفاظ" هذا كلام الخطيب والبيهقى. وأما قول ((القفال المروزى)) فى أول (شرح التلخيص): قال الشافعى فى
(الرهن الصغير): "مرسل ابن المسيب عندنا حجة" فمحمول على ما ذكره البيهقى والخطيب. كذا وجدته
بخط شيخنا أيده الله].
ثم أضاف بظهر الورقة الملصقة نفسها:
[قال أبو زكريا فى (مختصره) فى آخر المرسل: فرع، اشتهر عند فقهاء أصحابنا أن مرسل سعيد بن المسيب
حجة عند الشافعى حتى أن كثيرًا منهم لا يعرف غيره. وليس كذلك، إنما قال الشافعى فى (مختصر المزنى):
وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن. وذكر صاحب (التهذيب) - وغيره من أصحابنا فى أصول الفقه - فى
معنى كلامه وجهين: فمنهم من قال: حجة لأنها فتشت فوجدت مسانيد، ومنهم من قال: هى عندنا كغيرها، وإنما
رجح الشافعى به، والترجيح بالمرسل صحيح. وحكى ((الخطيب أبو بكر)) هذين الوجهين لأصحاب الشافعى
وقال: الصحيح عندنا هو الثانى، لأن فى مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح. وقد جعل
((الشافعى)) لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم، كما استحبه من مرسل سعيد ١ هـ نقلته من خط شيخنا أبى
بكر، أيده الله، كما وجدته، والحمد لله وحده، انتهى].
- وانظر: معرفة الحاكم: ٢٨، وتدريب الراوى ١٩٩/١ والتمهيد ٣٠/١ ويأتى نص كلام الإمام الشافعى فى
المرسل، فيما يلى.
* المحاسن :
((فائدة: لا يقال: ((عبيدالله بن عدى)) هذا، ذكره جماعةٌ فى جملة الصحابة، منهم: ابنُ
عبد البر، وابن حبان، وابن منده؛
لأنا نقول: الذى ذكره ابنُ عبد البر: أنه وُلِدَ على عهدِ النبىِ وَله. ولم يذكر له
سماعًا من النبى وَّة: وإنما قال: رَوَى عن عمرَ وعثمانَ (١). وقد ذكر ((الحاكم(٢)، =
(١) فى الاستيعاب، ترجمة عبيد الله بن عدى بن الخيار القرشى النوفلى: ١٠١/٣. (١٧١٧)
(٢) فى المعرفة: ٢٧.

٢٠٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وله صُوَرٌ اخْتِلَف فيها أهى من المرسَل أم لا؟
إحداها: إذا انقطع الإِسنادُ قبل الوصول إلى التابعىِّ فكان فيه رواية راوٍ لم يسمع من
المذكور فوقَه؛ فالذى قطع به ((الحاكم الحافظُ أبو عبد اللّه))(١) وغيرُه من أهل الحديث،
أن ذلك لا يسمَّى مرسَلا، وأن الإِرسالَ مخصوصٌ بالتابعين؛ بل إن كان مَنْ سقط ذكرُه
قبل الوصولِ إلى التابعى شخصًا واحدًا سُمى منقطعًا فحسبُ، وإن كان أكثرَ من واحدٍ
سُمِّى: مُعَضَلا، ويسمَّى أيضًا: منقطعًا، وسيأتى مثالُ ذلك إن شاء الله تعالى.
والمعروفُ فى الفقه وأصولِه، أن كلَّ ذلك يُسمى مُرْسَلاء* وإليه ذهب من أهلِ الحديث
((أبو بكر الخطيبُ)) وقطع به، وقال: "إلا أن (٢) أكثر ما يوصَف بالإِرسالِ من حيث
الاستعمالُ، ما رواه التابعىُّ عن النبى وَ له. وأما ما رواه تابع التابعىِّ عن النبىِ وَّه
فيسمونه المعضَّلَ" والله أعلم.
الثانية: قولُ ((الزهرى، وأبى حازم، ويحيى بنِ سعيد الأنصارى)) وأشباهِهم من
أصاغرِ التابعين: "قال رسولُ اللهِوَلَّ))؛ حَكَى ((ابنُ عبدالبر))(٣) أن قومًا لا يسمونه
(١) فى معرفة علوم الحديث: ٢٧ وانظر التقييد والإِيضاح ٧١ والتبصرة: ١٤٦/١.
(٢) من (غ، ص، ع) وهو نص الخطيب فى (الكفاية: معرفة ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات:
٢١) وفى (ز): [والأصح أن أكثر].
(٣) فى التمهيد ٢٢/١. طبع الرباط.
= وابنُ الصلاح)) تبعًا له فى طبقات التابعين: مَن ◌ُلِدَ فى زمن النبىِ وَّ ولم يسمع منه.
فالتمثيلُ صحيحٌ على تلك الطريقة، وسيأتى ما فيها. وليس المرادُ بقوله: "قال رسول الله
(َّ" حصرَ ذلك فى القولِ، بل لو ذكر فعلَ النبيِّ وَال كان مرسلا. انتهى)).
١٣/ظ
* المحاسن:
((فائدة: قولُ ((ابنِ الحاجب)) وغيره من الأصوليين: "المرسَلُ قولُ غير الصحابى:
قال وَلّه" لا يعم صورةَ سقوطِ رجلٍ قبل التابعى: ولا سقوطه مع التابعَىِّ إذا ذكر
الصحابى." فيظهر بذلك توقفٌ فى نسبةٍ ذلك إلى المعروف فى أصول الفقه - انتهت)).
١٥/و
أ

٢٠٥
النوع التاسع : معرفة المرسل
مُرْسَلا، بل مُنقطِّعًا، لكونِهِم لم يلقَوا من الصحابةِ إلا الواحدَ والاثنين(١)، وأكثرُ روايتهِم
عن التابعين *.
(١) بهامش الأصول (غ، ص، ز) من أمالى ابن الصلاح: [قال المملى رضى الله عنه - فى (ص) قال
المؤلف -: قولى: الواحد والاثنين، كالمثال فى قلة ذلك، وإلا فالزهرى قد قيل إنه رأى عشرة من الصحابة
وسمع منهم: أنسًّا، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، ومحمود بن الربيع، وُسنّينا أبا جميلة ... وغيرهم، ومع ذلك
فأكثر روايته عن التابعين. والله أعلم.]
فى تقييد العراقى ٧٢، أن المصنف أملاها حاشية على هذا المكان من كتابه ويأتى مثله فى المحاسن عن
ابن الصلاح مما وجد بخط تلميذه عبدالمعطى بن عبدالكريم الأنصارى، - أبى محمد الخزرجى القوصى
(٥٧٣-٦٨١ هـ) ذيل التقييد: ل / ٢٢أ -
* المحاسن :
((فائدة: وجدتُ بخط تلميذ ابن الصلاح سامع هذا الكتابِ منه، وهو ((عبد المعطى بن
عبدالكريم بن أبى المكارم الأنصارى)): قوله، يعنى الشيخ: الواحد والاثنين، كالمثالٍ فى
ذلك. وإلا فالزهرى قد قيل إنه قد رأى عشرةً من الصحابةِ وسمع منهم: ((أنَسَّا وسهلَ
بن سعد، والسائب بن يزيد، ومحمود بن يزيد، ومحمود بن الربيع، وسُنّيْنا أبا جميلة ...
وغيرَهم، ومع ذلك فأكثر روايتِه عن التابعين)).
ودخل تحت قول تلميذِ الشيخ: "وغيرهم" أنْ لم يتقيد بعَشرة: ابنُ عمر فإنه - يعنى
الزهرى - رآه وروى عنه ثلاثةَ أحاديث، وأبو الطفيل عامرُ بن وائلةَ، وعبد الرحمن بنُ
أزهرَ، وعبدُ الله بن ثعلبة بن صُعَيْ، وربيعة بن عباد الديلى، وأبو أمامة بن سهل،
وعبدالله بن عامر بن ربيعة)) وذكر هؤلاءٍ كلَّهم ((عبدُ الغنى)) في (الكمال) ومما زيد عليه:
مسعودُ بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، والحسَنُ، والحسينُ، وأُّ عبدِ الله الدوسية،
وأبو رُهْم، ومروان بن الحكم، وتمامُ بن العباس بن عبدالمطلب، وسَندر)» ورجلٌ من بَلِّ له
صحبةٌ، وقد ذكره ((عبد الغنى)) أيضًا. وحَكَى ((ابنُ منجَويه)): أدرك ((الزهرى)) عشرة
من أصحابِ النبىِّ وَ له. وذكر عن ((العجلى)) أنه أدرك عبد الرحمن بن أيمن - قال: ولعله
أراد: ابنَ أزهر(١).
1
(١) عبد الرحمن بن أزهر الزهرى، أبو جبير المدنى. صحابى شهد حنينًا وروى عن النبى و﴿، وعنه ابناه
عبد الله وعبد الحميد، والزهرى تهذيب التهذيب (٢٨١/١٣٥/٦) وأما عبد الرحمن بن أيمن المخزومى، مولاهم،
فمن التابعين روى عن ابن عمر وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهم. وعنه عمرو بن المبارك (تهذيب التهذيب
٢٩٠/١٤٢/٦).

٢٠٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قال المعلى أبقاه الله: وهذا المذهُب فرعٌ لمذهبِ مَن لا يُسَمِّى المنقطعَ قبل الوصولِ
إلى التابعى: مُرسَلا. والمشهورُ التسويةُ بين التابعين فى اسم الإِرسال كما تقدم؛ والله أعلم.
الثالثةُ: إذا قيل فى الإِسناد: فلانٌ عن رجلٍ أو عن شيخ عن فلان (١)، أو نحو ذلك؛
فالذى ذكره ((الحاكم)) فى (معرفة علوم الحديث)(٢) أنه لا يُسَمِىَّ مُرسَلا بل منقطِعًا. وهو
(١) من (غ، ص، ع) وفى (ز): [أو عن فلان].
(٢) فى النوع التاسع، منه: ٢٧، ٢٨.
= وفى بعضِ ما زيد نظرٌ، فإن ((أبا رُهْم)): إن أريد به ((الغفارىُّ كلثومُ بنُ الحصَين)) فلم
يسمع الزهرىُّ منه، إنما روى عن رجلٍ عنه، وفى روايةٍ عن رجلين عنه، وذلك فى
(معجم الطبرَانى الكبير). وإن أريد به: (أحزابُ بن أُسَيْد)) فذاك مختلَفُ فى صحبتِهِ،
والذى ذكره ((البخارىُّ)) فى آخرين ... أنه لا صحبةَ له، (١) ولم أقفْ على روايةِ الزهرى
عنه. وإن أريدَ به («الأرْحَبِىُّ)) فلا يُعرَفُ للزهرىِّ عنه روايةٌ؛ فلُيَنْظَرْ حالُ البقيةِ.
و«مروانٌ)) لا يصحُّ له سماعٌ من النبىِّ رَ. وفى المذكورين مَن ◌ُلِدَ على عهدٍ رسولٍ
اللّهِ وَّ، ولا يُعرَفُ له سَماعٌ. وبسْطُ ذلك فى النوع التاسع والثلاثين فى معرفة الصحابة.
ولعل مرادَ ((ابنِ الصلاح)) أنه - أى الزهرى - لم ير مَنْ له صحبةٌ مع روايةٍ كثيرةٍ،
وحينئذ فيقرُّب، والكلامُ فى المرسَلِ يدلَّ على ذلك. وعلى تلك الطريقةِ، يُزادُ: ((كثيرٌ
ابنُ العباس، وأبو إدريسَ الخولاني)». وأما ((أبو حازم الأشجعى سَلمانُ مولى عَزَّةَ)) فإنه
رَوى عن جماعةٍ من الصحابة، ذكر ((عبدالغنى)) وغيرُهُ أنه سمع من أبى هريرة،
وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، والحسن بن على. وحينئذ فاعتذار تلميذِ الشيخ
يحسن فى ((أبى حازم)) دونَ ((الزهرى)) على ما فُهِمَ.
وما تقدم من أن هذا المذهبَ فرعٌ لمذهبٍ مَن لا يُسمِّى المنقطعَ قبل الوصولِ إلى
التابعىِّ مُرسَلًا، فيه نظرُ: فذا المذهبُ أصلٌ يتفرعُ عليه أنه لا يُسمى المنقطعَ قبل
الوصولِ إلى التابعى مرسَلا - انتهت.)) ١٤/وظ
(١) تاريخ البخاري: ٦٤/٢ (١٧٠٠).
اv

٢٠٧
النوع التاسع: معرفة المرسل
فى بعض المصنفاتِ المعتبرة فى أصول الفقهِ معدود من أنواعِ المرسل*، والله أعلم.
ثم اعلم أن حُكْم المرسَلِ حُكْمُ الحديثِ الضعيفِ، إلا أن يصحَّ مخرجُه بمجيئه من وجهٍ
آخر ** ؛ كما سبق بيانه فى نوع الحسن (١). ولهذا احتج «الشافعىُّ)» رضى الله عنه
(١) على هامش (غ) طرة: [المرسل إذا روى من جهة أخرى مرفوعًا أو مسندًا أو عمل به بعض الصحابة.
أو أكثر العلماء، اعتضد واحتج به: ذكر ذلك النووى فى مقدمة شرح مسلم].
* المحاسن :
((فائدة: لا يقال: الذى ذكره ((الحاكم)) فيما إذا قال: عن شيخ، أو نحو ذلك؛ أنه
منقطع، بشرط ألا يسمى ذلك الشيخ من طريق آخَر. فإن سُمَِّ لم يكن منقطعًا. وهذا
غير ما ذُكِرَ عن ((الحاكم)) إذ لا يلزم من تسميتهِ منقطعًا أن يكون مرسلا؛
لأنا نقول: قد صرَّح ((الحاكم)) فى أولِ كلامِهِ فى ذلك - وهو فى النوع التاسع - أن
المنقطعَ غيرُ المرسل، فإذا سماه منقطعًا انتفى أن يكونَ مرسلا، بما قرر. وأما إذا سُمِّى
المجهولُ من طريقٍ آخرَ، فمجموعُ الطريقين لا يُسمَّى منقطعًا.
وما نسبه لبعضِ المصنفاتِ فى أصولِ الفقه، موجودٌ فى كلام أهلِ الحديث، ففى
(مراسيلٍ أبى داود) كثيرٌ من ذلك. انتهت)) ١٥/و
- أنظر علوم الحاكم، النوع التاسع: ٢٧، ٢٨ وتقييد العراقى ٧٤.
** ((فائدة وزيادة: لا يقال: لا معنى لقولكم: "إلا أن يصحّ مخرجُه بمجيئه من وجهٍ
آخر" لأن الحجة بالمسنَدِ فقط. وأيضًا فإن ((الشافعىَّ)) لم يحتج بمرسَلِ ((سعيدٍ)) كيف
كان، وإنما أثنى على مراسيله حين قيل له: كيف قبلتَ عن سعيد منقطعًا ولم تقبلوه عن
غيره؟ قال: لا نحفظ لسعيدٍ منقطعًا إلا وجدنا ما يستدل على تسديدِه، ولا يَأْتُر عن
أحدٍ عرفناه عنه، إلا عن ثقةٍ معروف، فمن كان بمثلِ حاله قبلنا منقطعَه؛
لأنا نقول: هذا سؤال موجود هو وجوابُه فى كتبِ أصولِ الفقه وقد سبق جوابه،
ونقول: ما نُقِل عن الشافعىِّ فى مراسيلٍ سعيد، هو معنى ما سبق؛ فلا معارضة. على أن
.. ((الماوَرْدى)) فى (الحاوى) فى باب بيع اللحم بالحيوان، قال: "إن الشافعىَّ قد اختلف قولُه
فى مراسيل سعيد، فكان فى (القديم) يحتجُّ بها بانفرادها، لأنه لا يرسل حديثًا إلا أن يوجَد مسندًا،
ولأنه لا يروى إلا ما سمعه من جماعة، أو عضده قولُ الصحابة، أورآه منتشرًّا=

٢٠٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= عند الكافة، أو وافَقه فعلُ أهلِ العصر؛ ولأنه لا يروى إلا عن أكابر الصحابة. وأيضًا
فإن مراسيلَه سُبِرت فكانت مأخوذةً عن أبى هريرةَ لما بينهما من الوصْلةِ والصهارة، فصار
إرسالُه كإسنادِه عنه. ومذهبُ الشافعىِّ فى (الجديد) أن مرسَل سعيدٍ وغيره ليس بحجة،
وإنما قال: مرسَل سعيدٍ عندنا حسن؛ لهذه الأمورِ التى وصفنا. استئناسًا بإرسالهِ ثم
اعتمادًا على ما قارنه من الدليل، فيصير المرسَلُ حينئذٍ مع ما قاربه، حُجَّةٍ".
وما ذكره ((الماوردى)) عن الجديدِ فيه نظر، ففى (الأم) - وهى من الكتبِ الجديدة
على المشهور - فى (الرهن الصغير) ساق ما سبق من الاعتراضٍ وذكره بزيادة وهو:
قيل له: فكيف قبلتم عن ابن المسيبِ منقطعًا ولم تقبلوه عن غيره؟ "قلنا: لا نحفظ أن
ابن المُسيَّبِ رَوَى منقطِعًا إلا وجدنا ما يدلُّ على تسديده، ولا أتَرهُ عن أحدٍ فيما عرفنا
عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان بمثل حالِهِ قبلنا منقطعَه. ورأينا غيرَه يسمى المجهولَ،
ويسمى من يُرغَب عن الروايةِ عنه، ويرِسلُ عن النبيِّ نَّهِ وعن بعضٍ مَن لم يلحق من
أصحابِه، المستنكَرَ الذى لا يوجَدُ له شىءٌ يُسدِّدُه. ففرقنا بينهم لافتراقِ أحاديثهم، ولم
نُحابِ أحدًا، ولكنا قلنا فى ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحةٍ روايته" (١)
وهذا الكلامُ من ((الشافعى)) يؤيد ما سبق. وأطلق قومٌ من العلماء عن ((الشافعى))
أنه يحتجُّ بالمُرسَلِ إذا أُسندٍ أو أُرسِلَ من طريقٍ آخَر، أو عضده قياسٌ أو قولُ صحابى
أو فعلُ صحابى، أو يكونُ قولَ الأكثرين، أو يُنْشَرِ من غير دافع، أو عَمِلَ به أهلُ العصر.
زاد ((الماوردى)): أن المرسَل يُحتَجُّ به إذا لم توجدْ دلالةٌ سواه.
وما تقدم من الإِطلاق، فيه تفصيلٌ ذكره ((الإِمام الشافعى)) فى (الرسالة) وهو قبولُ
مراسيلٍ كبارٍ التابعين بالشرط السابق، دون صغارِهم، فيذكره وفيه زياداتٌ حسنة،
وذلك فى أواخر بابِ (خبر الواحد) حيث ذكر أنه قال له قائل: فهل تقوم بالحديثِ
المنقطع حجة على مَن عَلِمِهِ؟ وهل يختلف المنقطعُ أو هو وغيرُه سواءٌ؟ قال الشافعى:
"فقلت له: المنقطع مختلِفٌ، فمن شاهَدَ أصحابَ رسولِ اللهِ وَّ من التابعين =
(١) كتاب الأم: ك البيوع، باب الرهن الصغير ١٨٨/٣.

٢٠٩
النوع التاسع: معرفة المرسل
= فحدَّث حديثًا منقطعًا عن النبيِّ وَّهِ، اعتُبِر عليه بأمورٍ منها: أن يُنظَرَ إلى ما أرسل
. من الحديث، فإن شَرَكَه فيه ألفاظُ المأمونين فأسندوه إلى رسولِ اللهِ وَل بمثل معنى
ما روى، كانت هذه دلالةً على صحةٍ من قبل عنه وحفظه. وإن انفرد بإرسال حديث لم
يَشْرَكْه فيه من يُسنِدُه، فيعتبر عليه بأن يُنظَر: هل يوافقه مُرسَلُ غيره ممن قُبِلَ العلمُ عنه
من غير رجاله الذين قبل عنهم؟ فإن وُجِدَ ذلك كانت دلالةً تُقوِّى له مُرسَلَه، وهى
أضعفُ مَن الأولى، فإن لم يوجَد ذلك نظر إلى ما يروى عن بعضِ أصحابِ النبى وَليه
قولًا له يوافقُه، فإن وجده يوافِقُ ما روِى عن النبى وَّ، كانت فى هذه دلالة على أنه لم
يأخذ مرسَلَه إلا عن أصلٍ يصحُّ. قال الشافعى: وكذلك إن وُجِدَ عَواُ من أهلِ العلمِ
يُفْتُونَ بمثل معنى ما روى عن النبى وَّل، ثم نعتبر عليه بأن يكونَ إذا سَمى مَن رَوَى
عنهم لم يُسمّ مجهولا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيُستدل بذلك على صحته فيما يروى
عنه. قال الشافعى: ويكون إذا شَرك أحدًا من الحُفَّاظ فى حديثٍ لم يخالفه، فإن خالفه
ووجدَ حديثُه أنقصَ، كانت فى هذه دلائلُ على صحةِ مخرج حديثِهِ. ومتى خالف ما وصفتُ
أضرَّ ذلك بحديثه، حتى لا يسعَ أحدًا منهم قبولُ مُرسَلِه. وإذا وُجِدت الدلائلُ بصحةٍ
حديثه بما وصفتُ، أحببنا أن نقبلَ مرسلَه، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها
بالمتَّصل، وذلك أن معنى المنقطع مُغَيَّبٌ يحتمل أن يكونَ مُمِلَ عمن يُرغَبُ عن الرواية عنه
إذا سُمِّى، وأن بعضَ المنقطعاتِ وإن وافقه مرسَل مثلهِ، فقد يحتمل أن يكون مخرجُهما
واحدًا من حيث لو سُمِّى لم يُقبَل، وأن قولَ بعضِ أصحاب النبى وَّهِ، إذا قال برأيه أو
وافقه، لم يدل على صحةٍ مخرج الحديثِ دلالةً قويةً إذا نُظر فيها، ويمكنُ أن يكون إنما غلطَ
به حين سمع قولَ بعضِ أصحاب النبى وَِّ، ويحتمل مثلُ هذا فيمن يوافقه من بعض
الفقهاء".
قال الشافعى رحمه الله: "فأما مَنْ بعد كبار التابعين الذين كثُرت مشاهدتهمُ لبعضٍ
أصحابِ النبى وَّل، فلا أعلم منهم واحدًا يُقْبَلُ مُرسَلُه، لأمورٍ: أحدها، أنهم أشدُّ تجوزًا
فيمن يروون عنه، والآخر أنهم يوجد عليهم الدلالةُ فيما أرسلوا بضعفٍ مخرجه، والآخرة
- كثرة الإِحالة فى الأخبار، وإذا كثُرت الإِحالةُ فى الأخبارِ كان أمكَنَ للتوهُّم وضعفٍ = ٦
١٠٠٠٠

٢١٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
بمرسَلات ((سعيد بن المسيب)) رضى اللّه عنهما، فإنها وُجِدتْ مسانيدَ من وجوه أُخَرَ،
ولا يختصُّ ذلك عنده بإرسالِ ((ابن المسيّبِ)) كما سبق.
ومَنْ أنكر هذا زاعًا أن الاعتماد حينئذٍ يقع على المسنَدِ دونَ المرسَلِ، فيقع لغوًّا
لا حاجةَ إليه؛ فجوابُه: أنه بالمسنَدِ يتبينُ صحةُ الإِسنادِ الذى فيه الإِرسالُ حتى يُحْكَمَ له
مع إرسالِهِ بأنه إسنادٌ صحيحٌ تقومُ به الحجة، على ما مهَّدنا سبيلَه فى النوع الثانى. وإنما
يُنكِرُ هذا مَنْ لا مذاقَ له فى هذا الشأنِ.
وما ذكرناه من سقوطِ الاحتجاجِ بالمرسَل والحكم بضعفِه، هو المذهبُ الذى استقر
عليه آراءُ جماهير حُفَّاظ الحديثِ ونَقَّاد الأثَرِ (١)، وتداولوه فى تصانيفهم.
(١) مقدمة ابن أبى حاتم لكتابه (المراسيل: ١٣) باب ما ذكر فى الأحاديث المرسلة أن لا تقوم بها حجة.
= من يُقْبَلُ عنه" ثم قال الشافعى بعد ذلك بكلام: "ومن نظر فى العلم بخبرةٍ وقلةِ غفلة،
استوحشَ من مُرسَلٍ كلُّ مَن دونَ كبارِ التابعين، بدلائلَ ظاهرةٍ فيها. قال له القائل:
فلم فرقتَ بين كبار التابعين والمتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول اللّه وَّل، وبين من
شاهد بعضَهم دونَ بعض؟ قال الشافعى رحمه الله: فقلت: لِبُعدِ إحالةٍ من لم يشهد
أكثَرهم. قال: فلم لا تقبلُ المرسَلَ منهم ومن كلِّ ثقةٍ دونهم؟ فقلت: لما وصفتُ".
ومُرادُ ((الشافعى)) بالذين شاهدوا أصحابَ رسولِ الله وَلّل: أى شاهدوا كثيرًا منهم؛
وبالذين شاهدوا بعضًا دون بعض: أى شاهدوا قليلا كما تقدم فى: أبى حازم، ويحيى بن
سعيد، بل والزهرى أيضًا. وإذا علمتَ ما تقدم فى كلام ((الشافعى)) ظهر لك قصورُ من
قال فى اعتراضاته: وزعم ((النوَوىُّ)) أن المرسَلَى إذا صحَّ مخرجُه بمجيئه من وجهٍ آخرَ
مسندًا أو مرسَلا أرسله آخرُ غير رجالِ الأول، كان محتجًّا به ويتبين بذلك صحةُ المرسَل،
وأنهما صحيحان لو عارضَهما صحيحٌ من طريقٍ رجحناهما عليه إذا تعذر الجمعُ."
ثُمُ يُعْتَرضُ بأن الوجهَ الآخَر المرسَلَ غيرُ مقبولٍ ضُمَّ إلى غير مقبول، ووجهُ ظهور
قصورِهِ نِسبتُه إلى زَعْمِ النووى، وهو نصُّ الإِمام الشافعى كما سبق، والاعتراضُ عليه
قد سبق نظيرُه وجوابُه - انتهى.)) ١٦/و - ١٧ /ظ
- قوبل على (الرسالة للإِمام الشافعى) رواية الربيع بن سليمان المرادى: ١٩٨ - ٢٠١ والتقريب للنووى:
١٩٨/١ وانظر تبصرة العراقى ١٥٠/١.

٢١١
النوع التاسع : معرفة المرسل
وفى صدرِ (صحيح مسلم): "المرسَلُ فى أصلِ قولِنا وقولِ أهل العلم بالأخبار، ليس
بِحُجَّةٍ،،(١).
٠٠
و ((ابنُ عبد البر: حافظُ المغرب)» ممن حَكَى ذلك(٢) عن جماعةِ أصحابِ الحديث.
والاحتجاجُ به مذهبُ مالكٍ وأبى حنيفةَ وأصحابِهما فى طائفةٍ(٣)*، والله أعلم.
ثم إنا لَمَ نَّعُدّ فى أنواع المرسَلِ ونحوِهِ، ما يُسَمَّى فى أصولِ الفقِهِ مرسَلَ الصحابىِّ.
مثل ما يرويه ((ابنُ عباس)) وغيرُهُ من أحداثِ الصحابةِ عن رسولِ اللهِ وَّل، ولم
. يسمعوه منه؛ لأن ذلك فى حُكم الموصولِ المسندِ، لأن روايتهَم عن الصحابةِ ** ، والجهالة
(١) مقدمة مسلم: ٣٠/١ ط الحلبى، ت محمد فؤاد عبد الباقى.
(٢) فى التمهيد: ٥/١.
(٣) زاد على هامش (ز): [وكذا وافقهم ((أحمد بن حنبل)) - ذكره النواوى فى (شرح مسلم)].
* المحاسن :
((زيادة: وهو روايةٌ عن الإِمام ((أحمد بن حنبل)). وذكر ((محمد بن جرير الطبرى)):
أن التابعين أجمعوا بأسرِهم على قبولِ المراسيل، ولم يأت عنهم إنكارُه ولا عن أحدٍ من
الأئمةِ بعدهم إلى رأسِ المائتين. قال ((ابنُ عبد البر)): كأن ابنَ جريرٍ يعنى أن الشافعىَّ
أولُ من أبى قبولَ المراسيلِ. انتهت.)) ١٧/ظ.
- التمهيد لابن عبد البر: ٤/١
** المحاسن:
((فائدة: حكى بعضُهم الإِجماعَ على قبولٍ مراسيل الصحابة. ولكن الخلافَ ثابتٌ،
ذكره بعضُ الأصوليين عن ((الأستاذ أبى إسحاق الأسفرائينى)). وحَكَى بعضُ المحدِّثين
فيه الخلافَ، لاحتمالِ تَلَقَّيهم ذلك عن بعضِ التابعين. وللخطيبِ أبى بكر تصنيفٌ فى
(الصحابة الذين رووا عن التابعين) بلغ عددُهم ثلاثةً وعشرين صحابيًّا. والمرادُ أن غالبَ
رواية الصحابى إنما هو عن صحابى مثله. وما وقع فى كلام ((البيهقى)) فى تسمية ما يرويه
التابعىُّ عن رجلٍ من الصحابة مُرْسَلا، لا يريدُ أنه لا يُحْتَجُّ به، بل ذلك اصطلاحُ فى
التسمية خاصة، انتهت.
=

٢١٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ، لأن الصحابة كلهم عُدول(١)، والله أعلم(٢).
(١) بهامش (غ) بخط ابن الفاسى:
[قال أبو زكريا - بعد قوله: كلهم عدول - قلت: وحكى ((الخطيب)) وغيره عن بعض العلماء، أنه لا يحتج.
به لمرسل غيره إلا أن يقول: لا أروى إلا ما سمع من رسول اللّه وَل﴾ وعن صحابى؛ لأنه قد يروى عن غير
صحابى. وهو مذهب ((أبى إسحاق الأسفرائينى)). والصواب صحته مطلقًا، لأن روايته عن غير الصحابة نادرة،
وإذا رووها عينوها. كذا وجدته بخطه أيده الله. ثم وجدت بخطه أيضًا: وقال أبو إسحاق الأسفرائينى: لا يحتج
به، إلا أن يقول إنه لا يروى إلا عن صحابى. نقله النواوى فى (شرح مسلم) والله أعلم]. ص ٣٠.
(٢) على هامش (ص): بلغ ناصر الدين ابن العديم قراءة بحث وعمه زين الدين عبدالرحمن وشمس
الدين أحمد بن محمد بن خليل الحلبى سماعا، وكتبه عبدالرحيم بن الحسين.
= ((وتتعلق بالمرسَل مسألةٌ مذكورة فى نوع المعضَل(١)، وذِكرُها فى المرسَل أنسبُ. وهى:
أن الحديثَ إذا رواه بعضُ الثقات مرسَلا وبعضُهم متصلا - كحديثٍ: "لا نكاحَ إلا
بِوَلَّ" رواه إسرائيلُ بن يونس وغيرُهُ عن أبى إسحاق عن أبى بردةً عن أبى موسى
الأشعرى عن النبى وَ﴾، مسندًا متصلًا. ورواه سفيانُ النورىُّ وشعبةُ عن أبى بردةً عن
النبِّي ◌ََّ، مرسلا - قال ((الخطيبُ))(٢): أكثُر أهلِ الحديث يرونَ الحكم للمرسلِ؛ وعن
بعضهم: الحكمُ للأكثر؛ وعن بعضهم: للأحفَظ. ولا يقدح فى عدالةٍ من أسند إذا كان
المرسِلُ أحفظَ. وقيل يقدح فى مسنده وأهلَّتِهِ. ومنهم من قال: الحكمُ لمن أسنده إذا كان
عدلا ضابطًا، وإن خالفه غيرُه، واحدًا كان أو جماعة. وصحَّحه ((الخطيبُ)) وهو الصحيحُ
فى الفقه وأصولِه. وسُئل ((البخارىُّ)) عن حديث: "لا نكاحَ إلا بِوَلَىٌّ" فحكم لمن وصلَه
وقال: الزيادةُ من الثقةِ مقبولة. قال البخارى: مع أن شعبةً وسفيانَ أرسلاه، وهما جبلان
لهما من الحفظِ والإِتقان الدرجةُ العالية - انتهت.)) ١٧/ظ - ١٨/و.
(١) النوع الحادى عشر، فى خامس التفريعات منه: متن ابن الصلاح.
(٢) فى الكفاية: ٤١١، وانظر حديث (لا نكاح إلا بِوَلِىّ) فى فتح البارى (٩، ١٤٩،١٤٥،١٤٤) وسنن
الدارقطنى (٢٧٨/٣ ح ٤ - ١١) وسئل فيه، فقال فى العلل: والصواب عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى
رَ﴾ (علل الدارقطنى: ٩٨/١) خط.

النوع العاشر
معرفة المنقطع
وفيه، وفى الفرق بينه وبين المرسَل، مذاهبُ لأهلِ الحديث وغيرهم. فمنها ما سبق فى
نوع المرسل عن ((الحاكم)) صاحبٍ كتاب (معرفة أنواع علوم الحديث) من أن المرسَل
مخصوصٌ بالتابعى؛ وأن المنقطع، منه: الإِسنادُ الذى فيه قبل الوصولِ إلى التابعى راوٍ لم
يسمع من الذى فوقه، والساقط بينهما غيرُ مذكور لا مُعَينا ولا مُبْهمًا؛ ومنه
[١٢ / ظ] الإِسنادُ الذى ذُكر فيه بعضُ رُواتِهِ بلفظٍ مبهم، نحو: رجلٍ، أو شيخ،
أو غيرهما(١).
مثالُ الأول: ما رويناه عن عبد الرزاق، عن سُفيانَ التورى، عن أبى إسحاق، عن
زيد بن يُنْع، عن حذيفةَ، قال: قال رسول اللّهِ وَّه: "إن وليتموها أبا بكرٍ فقوىٌّ
أمين ... " الحديث. فهذا إسنادٌ إذا تأمله الحديثىُّ وجد صورَته صورةً المتصل، وهو منقطع فى
موضعين: لأن عبدَ الرزاق لم يسمعه من الثورى، وإنما سمعه من النعمانِ بن أبى شيبةً
الجَنَّدِى عن الثورِى. ولم يسمعه الثورىُّ أيضًا من أبى إسحاق، إنما سمعه من شَريكٍ عن
أبى إسحاق(٢).
ومثال الثانى: الحديثُ الذى رويناه عن أبى العلاء بن عبدِ الله بنِ الشَّخِّير، عن
رجُلين، عن شَدَّاد بن أوس، عن رسول اللّه وَّ، فى الدعاء فى الصلاة: "اللهم إنى أسألك
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم (المرسل: ٢٥، ثالث المنقطع: ٢٨) وانظر معه تبصرة العراقى، وفتح:
الباقى عليها، للشيخ زكريا الأنصارى: ١٥٥/١٥٤/١.
(٢) بمزيد بيان عند الحاكم فى المعرفة (٢٨، ٢٩) وخرج حديث حذيفة بالإِسنادين: المنقطع ثم المتصل.
وانظر فيه (مجمع الزوائد للنور الهيتمى): ١٧٦/٥.
- على هامش (ص): بلغ ناصر الدين محمد، ولد قاضى القضاة الكمال ابن العديم ...
٢١٣

٢١٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الثباتَ فى الأمر ... )،(١) الحديث. والله أعلم".
ومنها، ما ذكره ((ابنُ عبد البر)» رحمه الله، وهو أن المرسَل مخصوصٌ بالتابعين،
والمنقطع شاملٌ له ولغيره. وهو عنده: "كل ما لا يتصل إسنادُه، سواء كان يُعَزَى إلى
النبى وَلّ، أو إلى غيره)،(٢) (*).
ومنها، أن المنقطع مثلُ المرسل، وكلاهما شاملان لكلِّ ما لا يتصل إسنادُه. وهذا
المذهب أقربُ، صار إليه طوائفُ من الفقهاء وغيرهم، وهو الذى ذكره ((الحافظ أبو بكر
(١) الحاكم فى (علوم الحديث: ٢٧) وأخرجه الترمذى فى الدعوات فيما يقرأ عند المنام، والنسائى فى
الصلاة، باب الدعاء بعد الذكر.
(٢) ابن عبد البر فى (التمهيد: ٢١/١).
* المحاسن:
[لا يقال: فيه نظر فى موضعين:
أحدهما: أن ((الحاكم)) ذكر المثالين المذكورين، فيكون ذلك ادعاءً لما ذكره الناس؛
لأنا نقول: لم يوجد فى الكلام دعوى ذلك. وما زال المصنفون يغترفون من كلام مَنْ
تقدمهم، ثم مرةً ينسبونه ومرة يسكتون.
الثانى: فى المثال الثانى: عن رجلين، والذى فى ((الحاكم)): "عن رجل" وكذا ذكره
الترمذى والنسائى؛
وجوابه، أنى وقفت على نسخة من (علوم الحديث للحاكم) أصلٍ مسموعةٍ، وفيها:
"عن رجلين" فى السند، ثم فى الكلام عليه. وهذا المثال يبين أن المنقطع ما سقط فيه رجل
أو أبهم قبل الصحابى، ولو كان التابعى. وهذا خلافُ ما يقتضيه ما نُقِلَ عن المذهب
الأول(١). انتهى)).
** ((فائدة: فالمنقطع على هذا أعم من المرسل، فكل مرسلٍ منقطعٌ، ولا عكسَ.
١٨/ظ
وكلام ((الشافعى)) السابق ينطبق على هذا. انتهى))
(١) قلت: فى طبعة الحاكم، الهندية: عن رجلين من بنى حنظلة: ص ٢٧ وفى جامع الترمذى: عن رجل من
بنى حنظلة (عارضة ٢٩٣/١٢) أبواب الدعاء والنسائى (١٩٢/٢).

٢١٥
النوع العاشر : معرفة المنقطع
الخطيب)) فى (كفايته)، إلا أن أكثر ما يوصّف بالإِرسال من حيث الاستعمالُ: ما رواه
التابعى عن النبى وَّ؛ وأكثر ما يوصف بالانقطاع: ما رواه مَنْ دونَ التابعين عن
الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك(١) والله أعلم.
ومنها ما حكاه ((الخطيب أبو بكر)) عن بعضِ أهلِ العلم بالحديث، أن المنقطع
ما رُوِى عن التابعى أو مَنْ دُونَهَ موقوفًا عليه من قوله أو فعله.
وهذا غريب* بعيد؛ والله أعلم (٢).
(١) قابل على الخطيب فى (الكفاية: ٢١).
(٢) على هامش (ص): بلغ ناصر الدين ابن العديم قراءة على العراقى.
* المحاسن :
((فائدة: لا يلتبس ذلك بما سبق فى المقطوع الموقوف على التابعى، من أنه يعبر بلفظه
عن المنقطع غير الموصول. فإن الكلام فى إطلاق المنقطع على ما يُطْلَّقُ عليه المقطوعُ
بزيادة: أو مَنْ دُونَ التابعى. وهذا هو الغريب.)) ١٩/و

النوع الحادى عشر
معرفة المُعْضَل
وهو لقبٌ لنوع خاصٍّ من المنقطع: فكل معضَلٍ منقطعٌ، وليس كلَّ منقطع معضَلا.
وقوم يسمونه مُرْسَلا كما سبق، وهو عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا.
وأصحابُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل، بفتح الضاد. وهو اصطلاح مُشِكلُ
المأخذِ من حيث اللغةُ، وبحثت فوجدت له قولهم: أمر عضيل، أى مستغلَق شديد.
ولا التفاتَ فى ذلك إلى: معضِل، بكسر الضاد، وإن كان مثل عضيل فى المعنى (١) *.
(١) على هامش (غ، ص) من أمالى ابن الصلاح:
[قال المؤلف رحمه الله: "دلنا قولهم: عضيل، على أن فى ماضيه: عضل. فيكون أعضله منه، لا من أعضل
۔۔
هو. وقد جاء: ظَلم الليل وأظلم، وأظلمه الله، وغَطِشَ الليلُ وأغطشه الله" وجدته بخطه].
قال العراقى: ((وأراد المصنف بذلك تخريج قول أهل الحديث: معضَل، بفتح الضاد، على مقتضى اللغة فقال
إنه وجد له قولهم: أمر عضيل. ثم زاده المصنف إيضاحًا فيما أملاه حين قراءة الكتاب عليه فقال: إن فعيلا يدل
على الثلاثى، فعلى هذا يكون لنا (عضل) قاصرًا، و(أعضل) متعديا وقاصرًا، كما قالوا: ظلم الليل وأظلم الليل.
انتهى؛ وقد اعترض عليه بأن فعيلا لا يكون من الثلاثى القاصر. والجواب أنه إنما يكون من الثلاثى القاصر
إذا كان فعيل بمعنى مفعول. فأما إذا كان بمعنى فاعل فيجىء من الثلاثى القاصر كقولك. حريص، من : حرص.
وإنما أراد المصنف بقولهم: عضيل، أنه بمعنى فاعل ...... وقرأت بخط الحافظ شرف الدين الحسن بن على بن
الصير فى المصرى - ت ٦٩٩ هـ - على نسخة من كتاب ابن الصلاح فى هذا الموضع: "دلنا قولهم عضيل ... ؛))
" - إلى أخر الطرة على هامش (غ، ص) - (التقييد: ١٠٢).
* المحاسن :
((فائدة: إن كان وجه الإشكال من حيث اللغة أن الماضى فى ذلك ثلاثى ليس إلا،
فممنوع. ففى (الصحاح للجوهرى): وأعضلنى فلان أى أعيانى أمرُه، وقد أعضل الأمرُ
أى اشتد واستغلق.
وإن كان وجه الإشكال أن الرباعى إنما أتى فى القاصر كأعضل الأمرُ، ومعه :=
٢١٦
-1

٢١٧
النوع الحادى عشر : معرفة المعضل
ومثالُهُ ما يَرويه تابعىُّ التابعىِّ قائلا فيه: قال رسولُ اللهِ وَله. وكذلك ما يرويه مَنْ
دُونَ تابعى التابعى عن رسول الله وَّل، أو عن أبى بكر وعمر وغيرهما، غيرَ ذاكرِ
للوسائط بينه وبينهم(١). وذكر ((أبو نصر السّجِزِّى الحافظُ)) قولَ الراوى: بلغَنى، نحوّ
قولٍ ((مالك)): بلغنى عن أبى هريرة أن رسول اللّه وَل قال: "لِلمملوكِ طعامُه
(١) على هامش (غ) طرة، بتعريف الحاكم كما فى المحاسن، فيما يلى.
= أمر مُعضِل، بكسر الضاد، فممنوع؛ فقد سبق فى كلام الجوهرى: أعضلنى فلان. وهذا
رباعى فى المتعدى. ولعل المراد أن المتعدى إنما استعمل فى نحو: أعضلنى فلان أى أعيانى
أمره. وإذا قلت: أعضلنى الحديثُ، أى أعيانى أمره، كنتَ أنت مُعضَلًا، بفتح الضاد، وهو
معضِل، بكسرها. وهو خلاف المصطلح. فلذلك كان مشكلا، ويؤخذ من قولهم: أمر عضيل
أى مستغلق. ولقائل أن يقول: لا يمتنع بما تقدم أن تقول: أعضلتُ الحديثَ وأعضلت
فلانًا، إذا صَيَّتُ أمره معضَلا. فيصح بذلك: حديث معضَل، بفتح الضاد.
لا يقال: قوله: "ولا التفات فى ذلك إلى معضِل بكسر الضاد" كأنه يشير به إلى أن
كسر ضاد معضل ليس عربيًّا، وهى لفظة عربية موجودة فى (الموعَب، والمحكَم)؛
لأنا نقول: لا يشير ما ذَكَرَ إلى ذلك، بل إلى أنه لا يُؤخذ منه معضَل بفتح الضاد،
فقط. وبيان ذلك نقرر أنه بالكسر عربى وإنما لم يُؤخذ منه معضّل بفتح الضاد لأن معضِلا
بكسرها من رباعىٌّ قاصر، كما فى: أظلم الليل فهو مظلم، والكلامُ فى رباعىٌّ متعدٍّ.
وعضيل يدل عليه، لأن فعيلا بمعنى مفعل، إنما يستعمل فى المُعَدَّى. وقد فسر عضيل
بمستغلَق، فتبين أنه من رباعىٍّ متعد، وذلك يقتضى صحة معضَلٍ بفتح الضاد، وهو
المقصود.
ولا يقال: لعل عضيلا من الرباعى القاصر. لأنا نقول: فَعيل بمعنى مُفِعِل، يدل على
التعدى، فلا يكون من رباعى قاصر. وينبغى أن يضبط مستغلَق بفتح اللام بمعنى استغلقه
غيره، كاستخرجه. وبالجملة فالأحسن أن يكون من: أعضلته إذا صيرت أمره معضّلا.
انتهت)) ١٩ / وظ.
- وانظر جامع التحصيل للعلائى: ١٥ وفتح المغيث ١ / ١٥١.

٢١٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وكسوتُه ... " الحديث. وقال(١): أصحابُ الحديث يسمونه المعضَل.(٢)
قال المملى أبقاه الله: وقولُ المصنَّفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول اللّه وَّ كذا
وكذا، ونحو ذلك؛ كلَّه من قبيل المعضَل، لما تقدَّمَ. وسَّه (الخطيبُ أبو بكر الحافظُ)) فى
بعض كلامه: مرسلاً(٣). وذلك على مذهب مَن يسمى كلَّ ما لا يتصلُ مرسَلا كما سبق *.
(١) أبو نصر السجزى.
(٢) بهامش الأصل (غ): [قال الحاكم: أعضل مالك هذا الحديث فى الموطأ. ووُصِلَ خارجه - أى خارج
الموطأ -: عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة، قال: "للمملوك طعامه ... " الحديث]. قوبل
على معرفة الحاكم: ص ٣٧، وانظر التقصى لابن عبد البر: ٢٤٨ ح ٨٠٩.
وسئل الدارقطنى فى حديث الموطأ - ٩٨٠/٢ باب الرفق بالمملوك - فقال: ((يرويه محمد بن عجلان
واختلف عنه: فرواه مالك، واختلف عنه: فرواه أصحاب الموطأ عن مالك أنه بلغه عن أبى هريرة؛ بغير إسناد.
ورواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبدالسلام ... عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة.
وخالفهم محمد بن عبد الوهاب القناد فرواه عن ابن عجلان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبى هريرة.
ورواه المفضل بن فضالة واختلف عنه عن ابن عجلان عن بكير عن عجلان عن أبى هريرة. ورواه سفيان بن
عيينة وسعيد بن أبى أيوب وبكر بن مضر ووهيب بن خالد والليث بن سعد وأبو ضمرة وطارق بن عبد العزيز،
عن ابن عجلان عن بكير عن أبى هريرة. وهو الصحيح)) (العلل للدارقطنى ٢٠٢/٣) خط.
والحديث أخرجه مسلم فى صحيحه، من طريق أبى الطاهر المصرى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث: أن
بكير ابن الأشج حدثه عن العجلان مولى فاطمة بنت عتبة عن أبى هريرة يرفعه. (ك الإِيمان، باب إطعام
المملوك، ح ٤١).
(٣) الخطيب فى (الكفاية: ٢١) وقال: وهو أخفض مرتبة من المرسل.
* المحاسن:
((فائدة: ما سبق فى المثال بقول ((مالك)) بلغنى. مثّل به ((الحاكم)) وذكر وصلَه خارجَ
الموطأ، فأسند الحاكم من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مالك عن محمد بن عجلان، عن
أبيه عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه وَلَى: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف،
ولا يكلّف من العمل إلا ما يطيق" وقد وصله أيضًا قبل الحاكم، الدارقطنىُّ فى (الغرائب)
ووصله الخطيب فى (الكفاية). قال الحاكم: رواه النعمان بن عبدالسلام وغيره عن مالك.
وكان الحاكم ذكر قبل ذلك حديثًا من عمرٍ و بن شعيب قال: "قاتل عبدٌ مع رسول
اللّهَ وَّه يومَ أَحُد، فقال له رسول اللّهِ وَّهِ: أَذِنَ لك سَيِّدُك؟ قال: لا. فقال: لو قُتِلِتَ
لدخلتَ النارَ. قال سيدُه: فهو حُرٌّ يارسول الله؛ فقال رسول اللّه ◌َلّ: الآنَ فقاتلْ" .=

٢١٩
النوع الحادى عشر: معرفة المعضل
وإذا رَوَى التابع عن التابعِ حديثًا موقوفًا عليه، وهو حديث متصل مُسنَدٌ إلى رسول
اللّهِ وَيّ، فقد جعله ((الحاكم أبو عبد الله)) نوعًا من المعضَل. مثالُه: ما رويناه عن
الأعمش، عن الشعبى، قال: "يقال للرجل يوم القيامة: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول:
ما عملتُه. فيُختم على فيه ... " الحديث؛ فقد أعضله الأعمشُ، وهو عند الشعبى: "عن(١)
أنسٍ عن رسول اللّهِ وَ﴾" متصلا مسندًا(٢).
قال المملى أبقاه الله: هذا جيد حسن، لأن هذا الانقطاع بواحدٍ مضمومًا إلى الوقف،
يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابى، ورسول اللّه وَله. فذلك باستحقاق اسم
الإِعضال أُوْلَى، والله أعلم.
(١) بهامش (غ): [الأعمش رأى أنس بن مالك. كذا وجدته بخطه أيده الله].
(٢) من (غ، ص، ع) ومثله فى متن (ز) ثم كتب فوقها: [متصل مسند] وهو لفظ الحاكم فى معرفة علوم
الحديث (٣٨) قال بعد أن أخرجه: ((متصل مسند مخرج فى الصحيح لمسلم)).
وهو عند مسلم فى كتاب الزهد والرقائق (ح٧) من رواية فضيل بن عمرو، عن الشعبى عن أنس قال: كنا
عند رسول الله ( 8* فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك؟" قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة
العبدِ ربَّه" الحديث بطوله.
= وذكر الحاكمُ حديثًا أسنده إلى ابن وهب، قال: أخبرنى مسلمة بن على أن النبى وَل
قال: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى إذا حضرته الوفاةُ حاف فى وصيته فوجبت
له النار. وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى إذا حضرته الوفاةُ عدل فى وصيته فوجبت
له الجنةُ". قال ((الحاكم)): فالإِسناد الأول أعضله عمرو بن شعيب، والثانى مسلمة بن
على، ثم لا نعلم أحدًا من الرواة وصله ولا أرسله؛ فالحديثان معضَلان. وليس كل
ما يشبه هذا بمعضّل، فربما أعضل راوٍ الحديثَ فى وقتٍ ثم وصله أو أرسله فى وقت. ومثّل
بما سبق من قول مالك رضى الله عنه. قال الحاكم: "فينبغى للعالم بهذه الصنعة أن يميز بين
المعضَلِ الذى لا يوصّل، وبين ما أعضله الراوى فى وقت ثم وصله فى وقت".
انتهت)) ٢٠/و
- قوبل على الحاكم فى: علوم الحديث. ٣٦ - ٣٧ النوع الثانى عشر (المعضل).
١٠

٠
٢٢٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
تفريعات :
أحدُها: الإِسناد المعنَعَنُ، وهو الذى يقالُ فيه: فلان عن فلان. عَدَّه بعضُ الناس من
قبيل المرسَل والمنقطِع، حتى يتبينَ اتصالهُ، بغيرِه.
والصحيحُ والذى عليه العملُ، أنه من قبيلِ الإِسنادِ المتصل. وإلى هذا ذهب الجماهيرُ
من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح فى تصانيفهم فيه وقَبلوه. وكاد(١)
((أبو عمر ابن عبد البر الحافظ)) يَدَّعى إجماع أئمة الحديث على ذلك. وادّعى ((أبو عمرو
الدانى (٢) المقرئ الحافظُ)) إجماع أهل النقل (٣) على ذلك. وهذا بشرط أن يكونَ الذين
أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاةُ بعضهم بعضا مع براءتهم من وصمة التدليس،
فحينئذ يُحَملُ على ظاهر الاتصال، إلا أن يظهر فيه خلافُ ذلك.
وكثُر فى عصرنا وما قاربه، بين المنتسبين إلى الحديث استعمالُ "عن" فى الإِجازة، فإذا
قال أحدهم: قرأتُ على فلان عن فلان؛ أو نحو ذلك، فَظُنَّ به أنه رواه عنه بالإِجازة (٣)،
ولا يُخرجه ذلك من قبيلِ الاتصال على ما لا يخفى، والله أعلم.
الثانى: اختلفوا فى قول الراوى: أن فلانًا قال كذا وكذا، هل هو بمنزلة "عن" فى
الحَمْلِ على الاتصال إذا ثبت التلاقى بينهما، حتى يتبين فيه الانقطاعُ؟
مثالُه: "مالك، عن الزهرى: أن سعيد بن المسيب قال كذا". فروينا عن ((مالك رضى
(١) فى التقييد ٨٤: ((لا حاجة إلى: كاد؛ فقد ادعاه فقال فى مقدمة التمهيد :.. فوجدتهم أجمعوا على قبول
الإِسناد المعنعن، لاخلاف بينهم فى ذلك، إذا جمع شروطًا ثلاثة وهى عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة
ومشاهدة، وأن يكونوا برءاء من التدليس)) ثم قال: وهو قول مالك وعامة أهل العلم)).
(قوبل على التمهيد ١٢/١ وانظر التبصرة ١٩٣/١).
(٢) [الدانى] من هامش (غ) لحقًّا والمتن فى العراقية.
وانظر فائدة البلقينى، فى ثالث هذه التفريعات.
(٣) على هامش (غ، ص، ز): [قوله: فظُن؛ هنا، أمر بالظن، وليس بإخبار.]