Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
النوع الثانى : معرفة الحسن من الحديث
وتختلف النسخُ من كتابِ الترمذى فى قوله: "هذا حديثٌ حسنٌ أو: "هذا حديث
حَسَنٌ صحيح" ونحو ذلك. فينبغى أن تصحِّحَ أصلَك به بجماعة أصولٍ وتعتمدَ على
ما اتفقتْ عليه. ونَصَّ ((الدارقطنى)) فى (سُنَّتِهِ) على كثيرٍ من ذلك. ومن مظانِّه (سنن أبى
داود السجستانى) رحمه الله. روينا عنه أنه قال: "ذكرتُ فيه الصحيح وما يشبهه
ويقاربه(١)، وروينا عنه أيضًا ما معناه: أنه يذكر فى كل بابٍ أصحَّ ما عرفه فى ذلك
الباب. وقال: "ما كان فى كتابى من حديثٍ فيه وهَنٌ شديدٌ فقد بيَّتُه، [٧/ظ] وما لم(٢)
أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضُها أصح من بعض.)، (٣) *
(١) الخطيب، بسنده إلى أبى بكر ابن داسه، قال: ((سمعت أبا داود يقول: ((كتبت عن رسول الله اله
خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت فيه
الصحيح وما يشبهه ويقاربه)). ترجمة أبى داود فى تاريخ بغداد ٥٧/٩، وتقييد ابن نقطة (ل ٩٦) من طريق
الخطيب.
(٢) يبدأ سقط فى (غ) نحو ورقة، وننقله من (ص) مقابلا على (ع، ز).
(٣) رسالة أبى داود إلى أهل مكة: ٢٧ وشرح السلفى لمقدمة معالم السنن: ٣٦٥/٤. قال أبو الفتح
اليعمرى: ((وأن الإِمام أبا عمرو، رحمه الله، زعم أن من مظان الحسن كتاب أبى داود، وإنما أخذ ذلك من قوله:
ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه. وقد قال إنه يذكر فى كتابه فى كل باب أصح ما عرفه فى ذلك الباب.
وقال: "ما كان فى كتابى من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح
"من بعض" فلم يرسم شيئًا بالحسن)». (شرح الترمذى لليعمرى: ل ٦/أ) تركية.
وانظر تقييد العراقى ٥٣، ٥٤ وتبصرته ٩٥/١، ١٠٠.
= فى عصر الترمذى(١).
لأنا نقول: لم يشتهر ذلك كاشتهارِه عن الترمذى. انتهت)) ٨/ظ.
* المحاسن :
"زيادة: وجاء عنه: "وما سكتُّ عنه فهو حسَن". إلا أن الرواية لسُنَنِ أبى داود ..
مختلفةٌ، يوجَدُ فى بعضِها كلام وحديثٌ ليس فى الأخرى. و((للآجُرى))، عنه: أسأله كذا
فيحتمل قوله: وما سكتُّ عنه، أى فى السننِ، ويحتمل مطلقًا. والأول أقرب. انتهت))
٨/ ظ.
(١) أبو على الطوسى. الحسن بن على بن نصر الخراسانى، ((له كتاب الأحكام على نمط جامع الترمذى))
-طبقات الحفاظ ٧٥٣/٣٣٠ - روى عنه شيخه أبو حاتم الرازى حكايات، كما جاء فى تذكرة الحفاظ -
٧٨٧/٣ - وتوفى أبوعلى سنة ٣١٢ هـ ولم يذكره ابن أبى حاتم الرازى فى (الجرح والتعديل) وتوفى أبو حاتم
سنة ٢٧٧ هـ، وأبو عيسى الترمذى سنة ٢٧٩ هـ. وانظر تقييد العراقى: ٥١-٥٢.

١٨٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قلتُ: فعلى هذا، ما وجدناه فى كتابِه مذكورًا مطلقًا، وليس فى واحدٍ من الصحيحين،
ولا نصَّ على صحتِه أحدٌ ممن يميّزُ بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسَن عند («أبى
داود)) وقد يكون فى ذلك ما ليس بحسَنِ عند غيرهٍ (١)، ولا مندرجٍ (٢) فيما حققنا ضبطَ
الحسَنِ به على ما سبق، إذ حَكَى ((أبو عبد الله بنُ منده الحافظ)) أنه سمع ((محمد بنَ سعد
الباوَرْدى (٣)) بمصر يقول: "كان من مذهبِ أبى عبدالرحمن النسائى، أن يُخرجَ عن كل
من لم يُجْمَعْ على تركِه" قال ابن منده: "وكذلك أبو داود السجستانى، يأخذ مأخذَه ويُخرج
الإِسناد الضعيف، إذا لم يجدْ فى البابِ غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأىِ الرجال .* والله
أعلم.
الخامس: ما صار إليه صاحب (المصابيح) (٤) رحمه اللّه من تقسيم أحاديثه إلى نوعين:
الصِّحَاح والحِسان، مُريدًا بالصحاح: ما ورد فى أحد الصحيحين أو فيهما، وبالحسان:
(١) تعقبه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد السبتى فيما نقل عنه الحافظ أبو الفتح ابن سيد
الناس اليعمرى، ((وذلك بأن قال: ليس يلزم أن يستفاد من كون الحديث لم ينص عليه أبو داود بضعف، ولا
نص عليه غيره بصحة، أن الحديث عند أبى داود حسن، إذ قد يكون عنده صحيحًا وإن لم يكن عند غيره
كذلك)) قال أبو الفتح: وهذا تعقب حسن، لكنه ربما نبه عليه قول الإمام أبى عمرو ((وقد يكون من ذلك
ما ليس بحسن عند غيره؛ لأنه جوز أن يخالف حكمه حكم غيره فى طرف، فكذلك يجوز أن يخالفه فى طرف
آخر. (شرح الترمذى النسخة التركية: ٧ أ). خط.
(٢) من (ز) والعراقية. ويطمئن به السياق. وفى (خ): [غير مدرج] وموضع الكلمة فى (ص) فيه خرم، من
أثر البلى.
(٣) فوقها فى (ز): [مدينة بخراسان]. يعنى بلدة ((الباوردى)) التى ينسب إليها.
وفى معجم البلدان لياقوت: (باورد، يفتح الواو وسكون الراء، وهى أبيورد: بلد بخراسان بين سرخس
ونسا) واقتصر فى (اللباب ١١٥/١) على أنها بلدة بنواحى خراسان يقال لها أبيورد.
(٤) صاحب المصابيح هو ((الإِمام البغوى)) ركن الدين أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء الشافعى،
محيى السُّنة. ت ٥١٦ هـ بمر و.
* المحاسن:
((فائدة: يقرب من هذا، ما ذكره ((الماوردى)) من احتجاج ((الشافعى)) بالمرسَل إذا لم
يوجد دلالةٌ سواه. وقد نقل ابنُ المنذر عن ((أحمد بن حنبل)) رضى الله عنه، أنه كان يحتج
بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه، إذا لم يكن فى البابِ غيرُه. سيأتى لذلك مزيدُ إيضاح
فی موضعه. انتهت)) ٩/و

١٨٣
النوع الثانى : معرفة الحسن من الحديث
ما أورده أبو داود والترمذى وأشباهُهما فى تصانيفهم. فهذا اصطلاح لا يُعرف. وليس
الحسنُ عند أهل الحديث عبارةً عن ذلك. وهذه الكتب تشتمل على حَسَنٍ وغيرِ حَسَنٍ،
كما سبق بيانُهٌ، والله أعلم.(١)
السادس: كتبُ المسانيدِ غير ملتحقةٍ بالكتبِ الخمسة ، التى هى: الصحيحان، وسُنن
أبى داودَ، وسُنن النسائى، وجامعُ الترمذى - وما جرى مجراها فى الاحتجاج بها والركون
إلى ما يورَد فيها مطلقًا: كمسنَدٍ أبى داودَ الطيالسى، ومسئَدٍ عبيدالله بن موسى، ومسند
أحمدَ بن حنبل، ومسندٍ إسحاقَ بن راهَوَيه، ومسندٍ عبد بن حميد، ومسند الدارمى(٢)،
(١) على هامش ص بخط الحافظ العراقى ما صورته: بلغ ناصر الدين محمد، ولد قاضى القضاة كمال
الدين ابن العديم، قراءة علىّ من أول الثانى من التعريفات إلى آخر الخامس، قراءة بحث ونظر. وعمه زين
الدين وعبد الرحمن، وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى، سماعا. كتبه عبد الرحيم بن الحسين.
(٢) على هامش (ص): بخط النسخة: [قال المؤلف: هو مسند عبد الله بن عبدالرحمن الدارمى، رحمه
اللّه]. أبو محمد السمر قندى الحافظ - ٢٥٥ هـ.
قال العراقى فى تقييده على ابن الصلاح: إن عده مسند الدارمى فى جملة هذه المسانيد، مما أُفرِد فيه حديث
كل صحابى وحده، وهم منه، فإنه مرتب على الأبواب كالكتب الخمسة، واشتهر تسميته بالمسند كما سمَّى
البخارى: المسند الجامع الصحيح، وإن كان مرتبًا على الأبواب لكون أحاديثه مسندة. إلا أن مسند الدارمى
كثير الأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة والمقطوعة، والله أعلم. وانظر معه (توضيح التنقيح: ٢٣٠/١)
* المحاسن:
((فائدة: لا يقال: الاصطلاحاتُ لا مشاحَّةَ فيها (١)، فقد قال ((البغوى)): "أردتُ
بالصحيح ما خرج فى كتاب الشيخين؛ وبالحسَنِ ما أورده أبو داودَ وأبو عيسى وغيرُهما؛
وما كان فيهما من غريبٍ وضعيفٍ أشرت إليه، وأعرضتُ عن ذكر ما كان منكرًا أو
موضوعًا" وقد بوَّب على الصحيح والحسَن والغريبِ وغيرهما؛ لأنا نقول: يقع
الاعتراضُ من وجه آخر، وهو أن فيها أحاديث صحيحةً ليست فى الصحيحين،
وباصطلاحِه يخرج عن ذلك لمرتبة الحسَنِ. ولم يقل بذلك أحدٌ غيره. انتهت)) ٩/و
(١) نقل العراقى الاعتراض بأن لا مشاحة فى اصطلاح البغوى، وقال: ((فالإِيراد باق فى مزجه صحيح
ما فى السنن، بما فيها من الحسن. وكأنه سكت عن بيان ذلك لاشتراكهما فى الاحتجاج به والله أعلم)) (التقييد
٥٦) ونقل السيوطى فيه: ((قال التاج التبريزى: لا أزال أتعجب من الشيخين: ابن الصلاح والنووى فى
اعتراضهما على البغوى مع أن المقرر أنه لا مشاحة فى الاصطلاح، وكذا مشى عليه علماء العجم، آخرهم شيخنا
العلامة الكافيجى فى مختصره)) تدريب الراوى ١٦٥/١.

١٨٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ومسندٍ أبي يعلى الموصلى، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار أبى بكر؛ وأشباهِها.
فهذه عادتهم فيها أن يُخرجوا فى مسندِ كلِّ صحابىٌّ ما رَوَوه من حديثه، غيرَ متقيدين بأن
يكون حديثًا محتجًّا به. فلهذا تأخرتْ مرتبتُها - وإن جَلَّت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبةٍ
الكُتُب الخمسة وما التحق بها من الكتبِ المصنفة على الأبواب *. والله أعلم.
السابع: قولهم: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، أو حسَنُ الإِسنادِ" دونَ قولهِم: "هذا
حديثٌ صحيحٌ، أو حديثٌ حسن" لأنه قد يقالُ: "هذا حديث صحيحُ الإِسناد" ولا يصحُ
* المحاسن :
((فائدة: المساندِ، يجوزُ لك أن تُتِبِتَ الياءَ فيها، والأوْلَى ألا تثبت. وقد صنفتُ على ذلك
مصنَّفًّا سميتُه (ذكر الأسانيدِ فى لفظ المسانيد) فلينظر ما فيه فإنه من المُهِمَّات. وعَدُّ
((الدارمى)) فى المسندات التى صُنَّفت على مسانِدِ الصحابةِ دون الأبوابِ، فيه نظرُ:
فالموجودُ للدارمى مصنَّف على الأبواب: الطهارة وغيرها. وقد جاء عن ((إسحاق بن
راهويه)) أنه قال: خَرَّجتُ عن كلِّ صحابِى أَمْثَلَ ما ورد عنه. ذكره ((أبو زرعةَ الرازى)).
و(مسند البزار) يبين فيه الكلامَ على الحديث. وجاء عن ((أحمد بن حنبل)) أنه قال: "هذا
الكتابُ جمعتُه وانتقيته من أكثر من سبعمائةٍ وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من
حديثٍ رسول اللّه رَّليل فارجعوا إليه، فإن كان فيه، وإلا فليس بحجة" قال ((أبو موسى
المدينى)): "ولم يُخرج أحمدُ إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طُعِنَ فى أمانته".
يدل على ذلك قولُ عبدِ اللّه ابنِه: "سألتُ أبى عن عبد العزيز بن أبانَ(١)، فقال: لم أخرج
عنه فى المسند شيئًا" قال ((أبو موسى)): وَمن الدليل على أن ما أودعه مسندَه احتاط
فيه إسنادًا ومتنًا ولم يورد فيه إلا ما صحَّ عنده، ضربُه على أحاديثِ رجالٍ ترك الرواية
عنهم؛ وروى عنهم فى غير المسند" وأما (مسند الدارمى) فقد أطلق عليه جماعةٌ من
الحفاظ اسم الصحيح. انتهت)) ٩/ظ
(١) عبدالعزيز بن أبان الأموى القرشى، أبو خالد الكوفى نزيل بغداد - ت- (العلل للإِمام أحمد ٢٢٨/١،
٣٦٢ - وعنه ابن حجر فى تهذيب التهذيب ٦ رقم ٦٣٤ - وضعفاء البخارى ٧٥ والنسائى ٧٢ والجرح والتعديل
٣٧٧/٢/٢ والضعفاء والمتروكون للدارقطنى ٣٤٨) وانظر تبصرة العراقى ١٠٧/١ ونخبة ابن حجر ٧٣ - ٧٩.
ל

١٨٥
النوع الثانى : معرفة الحسن من الحديث
الكونِه شاذًّا أو معَلَّلا. غير أن المصنَّفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصر على قوله: "إنه صحيحٌ
الإِسنادِ،"(١)، ولم يذكرْ له ◌ِلَّة ولم يَقْدَْ فيه، فالظاهرُ منه الحُكمُ له بأنه صحيحٌ فى نفسِه،
لأن عدَمِ العِلَّة والقادحِ هو الأصلُ والظاهرُ. والله أعلم.
الثامن: فى قولِ ((الترمذى)) وغيره: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح)» (٢) إشكالٌ: لأن
الحسن قاصرٌ عن الصحيح كما سبق إيضاحُه، ففى الجمع بينهما فى حديثٍ واحد، جمعٌ بين
نَفْىِ ذلك القصور وإثباته. وجوابُه أن ذلك راجع إلى الإِسناد: فإذا رُوِىَ الحديثُ الواحد
بإسنادين، أحدُهما إسنادٌ حَسَنُ والآخرُ إسنادٌ صحيح، استقام أن يقالَ فيه: إنه حديثٌ
حسن صحيح، أى أنه حسَنْ بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخَر. على أنه
غير مستنكَرِ أن يكون بعضُ من قال ذلك، أراد بالحسنِ معناه اللغوىَّ، وهو ما تميل إليه
النفسُ ولا يَأباه القلبُ، دون المعنى الاصطلاحى الذى نحن بصدَدِه، فاعلم ذلك؛ والله
*
أعلم".
(١) على هامش (غ) بخط الفاسى: [وجدت بخط شيخنا: سئل المصنف ابن الصلاح فى فتاويه فأجابٍ،
بأنه متى كان المتن غير صحيح فمحال أن يصح إسناده على الشرط المذكور، لأن شرطه ألا يكون شاذًا
ولا معللا، فلأجله لا يصح المتن. فإذا أطلق عليه أنه إسناد صحيح، فمعناه أن رجال إسناده عدول ثقات،
لا غير] - وانظر نخبة الفكر: ٩٣.
(٢) على هامش (غ) ووجدت بخطه أيده الله: [قال المؤلف: وجدت فى أصل الحافظ أبى حازم العبدوى
بكتاب الترمذى فى حديث معاذ: "فيم يختصم الملأ الأعلى؟" سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال:
هذا حديث حسن صحيح. والله أعلم].
وعلى هامش (ص): [قال المؤلف] فذكره. وحديث "فيم يختصم الملأ الأعلى" فى سنن الدارمى ١٢٦/٢ من
حديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمى، مرفوعًا. ورواه أحمد والطبرانى والبزار، من عدة طرق فى بعضها مقال
(مجمع الزوائد، ك التعبير، باب فيما رآه النبى وَلّ فى المنام: ١٧٦/٧-١٧٨).
* المحاسن :
((فائدة: لا يقال: ما ذكر أولا يردُّه قولُ ((الترمذى)) فى بعض الأحاديث: هذا
حديث حَسنٌ صحيح لا نعرفُه إلا من هذا الوجهِ.
" لأنا نقول: أراد ((الترمذى)» بذلك انفرادَ أحدِ رُواتِهِ، لا أن المتنَ مُنفرَدٌ به. ويدل لهذا
أنه يقول فى بعض الأحاديث: ((غريب من هذا الوجه، يستغرب من حديث فلان)) كقوله
فى حديثٍ خالٍ عن ابن سيرينَ عن أبى هريرة مرفوعًا: "من أشار إلى أخيه بحديدةٍ" :=

١٨٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
التاسع: من أهلِ الحديثِ من لا يُفرِدُ نوعَ الحَسَنِ ويجعله مندرِجًا فى أنواع
الصحيح، لاندراجِه فى أنواعِ ما يُحتَجُّ به. وهو الظاهُر من كلام ((الحاكم أبى عبد الله
=((هذا حديث حسنٌ [صحيح] غريب من هذا الوجهِ، يستغرب من حديث خالد))(١).
وأما ما ذكر - ابن الصلاح - أخيرًا ففيه نظر: لقولِ ((الترمذى)) ذلك فى أحاديث
مرؤَّيّةٍ فى صفةٍ جهنم، والحدود والقصاص، ونحو ذلك. وأيضًا فالأحاديثُ الموضوعةُ فيها،
لا يحل إطلاقُ الحسنِ عليها. والانفصالُ عنه أن يُقَالَ: ولو كان فى الأمور المذكورِة، كان
حسَنَّا باعتبارِ ما فيه من الوعيدِ والزجرِ بالأساليبِ البديعةِ. وأما الموضوعُ فلا يَرِدُ، لأن
الكلامَ فيما بين الصحةِ والحُسنِ، وهو غيرُ داخلٍ. وأجاب ((الشيخ أبو الفتح القشيرى)):
أن قصورَ الحسَنِ عن الصحيح، إنما يجىء إذا اقتصر على الحَسَنِ، أما إذا جمع بينهما
فلا قصورَ حينئذ. وبيانُ ذلك أن للرواة صفاتٍ تقتضى قبولَ روايتهم، وتلك الصفاتُ
متفاوتةٌ: كالتيقظ والحفظِ والإِتقانِ مثلا، ودونَها الصدقُ وعدُ التهمةِ بالكذب. فوجودُ
الدرجةِ الدنيا كالصدقِ مثلا، لا ينافيه وجودُ ما هو أعلى منه كالحفظِ والإِتقان؛ وكذلك
إذا وُجِدَت الدرجة العليا، لم ينافِ ذلك وجودَ الدنيا مع الصدقِ، فصحَّ أن يقال: حَسَنٌ
باعتبارِ الصفةِ الدنيا، صحيحٌ باعتبارِ الصفةِ العليا. ويلزمُ على هذا أن يكونَ كلَّ صحيح
حسَنَّاً، ويلتزمُه ويؤيده ورودُ قولِ المتقدمين: هذا حديثٌ حسن؛ فى الأحاديث الصحيحة.
انتهى كلامُ القشيرى.(٢) وقيل: الجمعُ بين الحُسْنِ والصحةِ رتبةٌ متوسطةٌ بين الحسنِ
المجرَّدِ والصحيحِ، فأعلاها ما تمَخَّض فيه وصفُ الصحة، وأدناها ما تمخَّض فيه وصفُ
الحسن، وأوسطُها ما جمع بينهما، وفيه نظر. انتهت)) ١٠/ظ.
(١) ك الفتن، باب ما جاء فى إشارة المسلم إلى أخيه (٧/٩ مع عارضة الأحوذي) من حديث خالد الحذاء
عن ابن سيرين عن أبى هريرة.
وانظر صحيح البخارى، ك الفتن، باب قول النبى وَ ل9: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)).
وصحيح مسلم: ك البر والصلة باب النهى عن الإِشارة بالسلاح إلى مسلم. وصححه الدار قطنى من حديث
· الأنصارى ويزيد بن هرون عن ابن عون عن ابن سيرين، وعياد وهشام ومحبوب بن الحسن عن خالد عن
ابن سيرين (العلل: ل ١٢٨/٣) خط.
(٢) بتصرف يسير، من (الاقتراح لأبى الفتح القشيرى ابن دقيق العيد: ١٧٥- ١٧٦).
وانظر تقييد العراقى (٦٠-٦١) والتبصرة (١٠٩/١-١١١).

١٨٧
النوع الثانى : معرفة الحسن من الحديث
الحافظ)) فى (تصرفاته) وإليه يومىُّ فى تسميته كتابَ الترمذى (بالجامع الصحيح) وأطلق
((الخطيبُ أبو بكر)) أيضًا عليه اسمَ الصحيح، وعلى كتابِ النسائى.
وذكر ((الحافظُ أبو طاهر السلفى)) الكتبَ الخمسةَ وقال: "اتفق على صِحَّتِها علماءُ
الشرق والغرب."(١). وهذا تساهلٌ، لأن فيها ما صرَّحوا بكونِه ضعيفًا أو منكرًا أو نحوَ
ذلك من أوصافِ الضعيف. وصرح ((أبو داودَ)) فيما قدَّمنا روايتَه عنه، بانقسام ما فى [٧ / و]
كتابه إلى صحيح وغيره، و ((الترمذى)) مُصَرِّحٌ فيما فى كتابِهِ، بالتمييز بين الصحيحِ
والحَسنِ. ثم إن مَنْ سَمَّى الحسنَ صحيحًا، لا ينكر أنه دونَ الصحيحِ المقَدَّم المبيَّن أولا،
فهذا إذًّا اختلافٌ فى العبارةِ دون المعنىّ؛ والله أعلم (٢).
(١) قابل على شرح السلفى لمقدمة معالم السنن: ٣٥٧/٤.
(٢) على هامش (ص) بخط الحافظ العراقى ما صورته: بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال
الدين ابن العديم. قراءة بحث علىَّ، وعمه زين الدين عبد الرحمن وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى
سماعًا. كتبه عبد الرحيم بن الحسين
وعلى هامش (غ) بخط ابن الفاسى: بلغ السماع قراءة عليه.
۔
* المحاسن :
((فائدة: لا يقال: الذى ذكره («السِّلَفى)) فى (شرحٍ مقدمة السنَّنِ للخطابِى) ما نصّه:
"وكتابُ أبى داودَ أحدُ الكتبِ الخمسة التى اتفق أهلُ الحلَّ والعقدِ من الفقهاءِ وحُفَّاظِ
الحديثِ الأعلام النبهاءِ على قبولها والحكم بصحة أصولها»(١). فهذه لا إيرادَ عليها،
ولا يخالف كلامَ غيره؛
لأنا نقول: قوله: "على قبولها والحكم بصحة أصولها" إما أن يريد به مجموعَ ما فيها،
أو البعض. ولا يصح إرادةُ المجموع لما تقدم، ولا البعضِ لأن ((البخارى ومسلم)» ليسا
كذلك، بل تلقتهما الأمةُ بالقبول كما تقدم - انتهت)). ١٠/ظ-١١/و.
(١) بعده فى شرح السلفى لمقدمة الخطابى لمعالم السنن: ((بعد الموطأ المتفق على صحته وعلى درجة مصنفه
ورتبته)). ذيل معالم السنن. ٣٥٧/٤
وانظر تقييد العراقى: ٦٠ - ٦٢.

النوع الثالث
معرفةُ الضعيفِ من الحديث
كلَّ حديثٍ لم تجتمع فيه صفاتُ الحديثِ الصحيح، ولا صفاتُ الحديثِ الحسن،
المذكوراتُ فيما تقدم، فهو حديثٌ ضعيف(١). وأطنب ((أبو حاتم بن حِبَّنَ البُسْتِى)) فى
تقسيمه، فَبَلَغ به خمسين قسماً إلا واحدًا. وما ذكرتُه ضابطً جامع لجميع ذلك.
وسبيل من أراد البَسْطَ: أن يَعَمدَ إلى صِفةٍ مُعَيَّنَةٍ منها فيجعلَ ما عُدِمَتْ فيه من غيرِ
أن يخلُفَها جابرٌ - على حسبِ ما تقرر فى نوعِ الحسنَ - قِسْمًا واحدًا، ثم ما عُدِمتْ فِيهَ
تلك الصفة مع صفةٍ أخرى مُعَيَّةٍ، قِسما ثانيًا. ثم ما عُدِمَتْ فيه مع صفتين معينتين، قسما
ثالثًا. وهكذا إلى أن يستوفىَ الصفاتِ المذكوراتِ جُمَعَ. ثم يعود ويعين من الابتداء صفةً
غيرَ التى عَّنها أولا، ويجعلَ ما عُدِمَتْ فيه وحدَها قسما، ثم القسمَ الآخرَ ما عُدِمَتْ فيه
مع عدم صفةٍ أخرى، ولتكن الصفةُ الأخرى غيرَ الصفةِ الأولى المبدوءِ بها، لكون ذلك
سَبَقَ فى أقسام عدم الصفةِ الأولى. وهكذا هَلَّمَّ جرًّا، إلى آخرِ الصفات.
ثم ما عُدِمَ فيه جميعُ الصفاتِ، هو القسم الأَخِرُ(٢) الأرذَلُ. وما كان من الصفات له
شروط، فاعملْ فى شروطِه نحوَ ذلك، فتتضاعف بذلك الأقسامُ".
(١) على هامش (غ) طرة بخط ابن الفاسى، بأوهى الأسانيد، مقيدة بمجال، عن أبى نعيم، كالتى نقلها
البلقينى فى المحاسن، عقب أصح الأسانيد، فى النوع الأول، عن الحاكم.
(٢) الضبط من متن (ص، غ) ضبط قلم.
وعلى هامش (غ) ضبط عبارة: [الأخر، على وزن الفخذ. قال فى لسان العرب: الأخِر، المؤخر المطروح].
* المحاسن:
((فائدة: مثالُ التعدد، أن يقولَ: المنقطعُ قِسم؛ المنقطع الشاذَّ قسم آخر، المنقطُع الشاذّ
المرَسلُ قسمٌ آخر، المنقطُع الشاذ المرسلُ المضطرِبُ قسمُ رابع؛ ثم كذلك إِلى آخرِ
الصفات. ثم تعود فنقول: الشاذَّ قسم خامس، الشاذَّ المرسَلُ قسم سادس؛ الشاذّ المرسَلُ
المضطرّبُ قسمٌ سابع؛ وهكذا إلى أنواع كثيرة. انتهت)) ١١/و، ظ.
- وانظر تبصرة العراقى: (١١٢/١ - ١١٥) والتقييد والإيضاح: (٦٣).
١٨٨

١٨٩
النوع الثالث : معرفة الضعيف من الحديث
٠١-
والذى له لقبُ خاصُّ معروفٌ من أقسام ذلك: الموضوعُ، والمقلوب، والشاذّ، والمعلّلُ،
والمضطرب، والمرسَلُ، والمنقَطِعِ، والمعضَل - فى أنواع - سيأتى عليها الشرحُ إن شاء الله
تعالى.
والملحوظُ فيما نورِدُه من الأنواع: عمومُ أنواع علوم الحديث، لا خصوصُ أنواعٍ
التقسيم الذى فرغنا الآن من أقسامِه. ونسأل الله تبارك وتعالى تعميم النفع به فى
الدارين، آمين.
:

النوع الرابع
معرفةُ الْمُسْنَد
ذكر ((أبو بكر الخطيبُ الحافظ)) رحمه الله، أن المسنَد عند أهلِ الحديثِ هو الذى
اتصل إسنادُه من راويه إلى منتهاه؛ وأكثرُ ما يستعملُ ذلك فيما جاء عن رسول اللّهِ وَله
دون ما جاء عن الصحابةِ وغيرهم *. وذكر ((أبو عمرَ ابنُ عبد البرِّ الحافظُ)) أن المسندَ
ما رُفِع إلى النبى وََّل خاصةً. وقد يكون متصلاً، مثل: مالك، عن نافع، عن ابن عمر،
عن رسول اللّه وَل﴾. وقد يكون منقطعًا، مثل: مالك، عن الزهرى، عن ابن عباس، عن
رسول اللّه ◌َله. فهذا مسنّدٌ، لأنه قد أسندَ إلى رسولِ الله وَّل، وهو منقطعٌ لأن
-
* المحاسن :
((فائدة وزيادة، لا يقال: الذى ذكره («الخطيبُ)) فى (كفايته) هو قوله: "ووصفُهم
للحديثِ بأنه مسنَد، يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثرَ
استعمالهم هذه العبارةَ فيما أُسنِدَ عن النبيِّ وَلّ خاصة (١)، ولم يذكر البقية؛
لأنا نقول: البقيةُ تخرجُ من عموم قولِهٍ: "وبينَ من أسند عنه" وذلك واضح. وفى
(أدب الراوية، للحفيدِ): أسندتُ الحديثَ أُسنِدُه، وعزَوته وعزَيته أعزوه وأعزيه، إذا
رفعته. والأصلُ فى الحرف راجع إلى المسنَدِ وهو الدهر. فيكون معنى إسنادِ الحديثِ:
اتصالُه فى الرواية اتصالَ أزمنةِ الدهِر بعضها ببعض. انتهى ذلك.)) ١١/ظ.
(١) قوبل على (الكفاية، للخطيب): ٢١.
وفى تبصرة العراقى: «وكذا قال ابن الصباغ فى العدة: "المسند ما اتصل إسناده" فعلى هذا يدخل فيه
المرفوع والموقوف. ومقتضى كلام الخطيب أنه يدخل فيه ما اتصل إسناده إلى قائله، من كان، فيدخل فيه
المقطوع وهو قول التابعى، وكذا من بعد التابعين. وكلام أهل الحديث يأباه)). ١٢٠/١
١٩٠

١٩١
النوع الرابع: معرفة المسند
((الزهرىَّ)) لم يسمعْ من (ابنِ عباس)) رضى الله عنهم (١).
وحَكى "أبو عمرَ" عن قومٍ، أن المسندَ لا يقعُ إلا على ما اتصلَ مرفوعًا إلى النّبِّى
الي (٢).
قال المملى أبقاه الله: وبهذا قطع ((الحاكُمُ أبو عبد الله الحافظُ)) رحمه الله. ولم يذْكر فى
كتابِهِ غيرَهُ(٣). فهذه أقوال ثلاثة مختلفة. والقولُ الأولُ أعدلُ وأوْلى (٤). والله أعلم.
(١) ابن عبد البر: التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد (٢١/١).
(٢) ابن عبد البر: التمهيد (٢٥/١).
(٣) الحاكم، فى معرفة علوم الحديث: ١٧.
(٤) هذه الجملة من (غ) وليست فى (ص ز).

النوع الخامس
معرفة المتصل
ويقال فيه أيضًا: الموصولُ. ومُطلَقُه يقع على المرفوعِ والموقوف(١)، وهو الذى اتصلَ
إسنادُه، فكان كل واحدٍ من رُواته قد سمعه ممن فوقه حتى ينتهىَ إلى منتهاه *.
مثالُ المتصلِ المرفوع من (الموطأ): "مالكٌ [٨/و] عن ابنِ شهاب، عن سالم بنِ
عبد الله، عن أبيه، عن رسولِ اللّهَ وَليّ)".
ومثال المتصلِ الموقوف: "مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر عن عمر (٢)، قوله" ...
والله أعلم(٣).
(١) بهامش (غ): [قال القاضى بدر الدين - ابن جماعة -: والمتصل يدخل فى الأقسام الثلاثة]
(٢) فى (غ): [عن ابن عمر، قوله] وما هنا من (ص، ز، ع)، ومثله فى التمهيد لابن عبد البر: (٢٥/١).
(٣) على هامش (ص) بخط الحافظ العراقى: بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين
ابن العديم قراءة بحث علىَّ، وعمه زين الدين عبد الرحمن وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى. كتب
عبد الرحيم بن الحسين.
* المحاسن:
((فائدة: يخرج بذلك المرسَلُ، والمنقطعُ، والمعضَلُ، والمعلَّق، ونحوها. انتهت)) ١٢/و
- وفى التبصرة: قلت: إنما يمتنع اسم المتصل فى المقطوع على إطلاقه. وأما مع التقييد فجائز واقع فى كلامهم،
كقولهم: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى مالك، أو إلى الزهرى؛ ونحو ذلك.)) ١٢٢/١
- وانظر تبصرة العراقى: ١٢٤/١
١٩٢

النوع السادس
معرفة المرفوع
وهو ما أضيفَ إلى رسول الله وَّر خاصةً، ولا يقعُ مُطلَّقُه على غيرِ ذلك نحو الموقوف
على الصحابة وغيرِهم. ويدخلُ فى المرفوع: المتصلُ، والمنقطعُ، والمرسَلُ، ونحوُها. فهو
والمسنَدُ عند قومٍ سواءٌ؛ والانقطاعُ والاتصالُ يدخلان عليهما جميعًا. وعند قوم، يفترقان
فى أن الانقطاعَ والاتصالَ يدخلان على المرفوع، ولا يقع المسندُ إلا على المتصلِ المضافِ
إلى رسولِ اللهِ وََّ. وقال ((الحافظُ أبو بكر بنُ ثابت))(١): "المرفوعُ ما أخبر فيه
الصحابىُّ عن قول الرسول وَلَّ أو فعله" فخصَّصه بالصحابةِ، فخرج عنه مُرسَلُ التابعىِّ
عن رسولِ اللهِ لَليه".
قال المملى أبقاه الله: ومن جعل من أهل الحديث المرفوعَ فى مقابلةِ المرسَل: فقد عنى
بالمرفوع: المتصلَ، والله أعلم.
(١) زاد فى (ز): [الخطيب] وقوبل على (الكفاية: ٢١).
* المحاسن:
((فائدة: يخرج بذلك ما لم يذكر فيه الصحابة، مرسَلًا كان أو غيرَه. انتهت)) ١٢/و
٠
١٩٣

النوع السابع
معرفة الموقوف
---
وهو ما يُروَى عن الصحابة رضى الله عنهم من أقوالهم وأفعالهم ونحوها، فيوقَفُ
عليهم ولا يُتَجاوَزُ به إلى رسول اللّه وَّةٍ.
ثم إن منه ما يتصلُ الاسنادُ فيه إلى الصحابيِّ فيكون من الموقوف الموصول، ومنه
ما لا يتصلُ إسنادُه فيكون من الموقوف غير الموصول، على حسَبِ ما عُرِفَ مِثْلُه فى
المرفوعِ إلى رسولِ اللهِ وَل﴾ [والله أعلم (١)].
وما ذكرناه من تخصيصه بالصحابيِّ، فذلك إذا ذُكِرِ الموقوفُ مطلقًا (٢). وقد يستعملُ.
مقيدًا فى غيرِ الصحابىِّ، فيقال: حديثُ كذا وكذا، وقفَه فلانٌ على ((عطاء)) أو على
((طاوُسَ)) أو نحو هذا؛ والله أعلم.
وموجودٌ فى اصطلاح الفقهاءِ الخراسانيينَ تعريفُ الموقوفِ باسمِ الأثر(٣). قال
((أبو القاسم الفُورانى))، منهم(٤)، فيما بلغنا عنه: الفقهاءُ يقولون: الخبرُ ما يُروَى عن
(١) من (ص، ز) وليست فى (غ، ع).
(٢) فى الطرة على هامش (غ): [قال القاضى بدر الدين بن جماعة: الموقوف وإن اتصل سنده، ليس بحجة
عند الشافعى، رضى الله عنه، وطائفة من العلماء؛ وهو حجة عند طائفة].
(٣) على هامش (غ): [قال أبو زكريا: وأهل الحديث يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف] قابل على
متن التقريب لأبى زكريا النووى بتدريب الراوى: ١٨٤/١.
(٤) من أعيان الفقهاء الخراسانيين الشافعية، الإِمام أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران،
صاحب (الإِبانة) فى فقه المذهب (ت ٤٦١ هـ).
- انظر تهذيب الأسماء للنووى ٢٨٠/٢/١ ترجمة ٤٨٢.
وضبطه بضم الفاء، نسبة إلى جده (اللباب: ٤٤٤/٢).
١٩٤

١٩٥
النوع السابع : معرفة الموقوف
النبيِّ وَّهِ، والأثَرُ ما يُروى عن الصحابة رضى الله عنهم (١) *.
---
(١) على هامش (غ) بخط الفاسى: بلغ السماع بقراءتى فى المجلس العاشر.
- وعلى هامش (ص) بخط الحافظ العراقى: بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين ابن
العديم، قراءة بحث علىَّ؛ وعمه زين الدين عبد الرحمن، وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى، سماعًا. كتب
عبد الرحيم بن الحسين (٦/و).
* نقل ((البلقيني)) هنا التفريعاتِ التى ذكرها ابنُ الصلاح فى النوع الثامن، وقال البلقيني ما نصه: "وذكر
ابنُ الصلاح هاهنا النوعَ الثامنَ المقطوعَ، ثم ذكر تفريعاتٍ تقديمُها أنَسبُ وهى .. » ١٢/و.
ثم أورد هذه التفريعاتِ التى هنا فى النوع السابع. وأضاف إليها ما رأى إضافتهَ من فوائد وزيادات نقلناها
فى موضعها، فى النوع الثامن، على ترتيبٍ متنِ ابن الصلاح، ويختلف بذلك توالى أرقام الصفحات فى نقولنا من
مخطوط (المحاسن) فى النوعين السابع والثامن.

النوع الثامن
معرفة المقطوع
وهو غيرُ المنقطع الذى يأتى ذكرهُ إن شاء الله تعالى. ويقال فى جمعهِ المقاطيعُ والمقاطِع*،
وهو ما جاء عن التابعين موقوفًا عليهم من أقوالهم وأفعالهِم. قال ((الخطيبُ أبو بكر
الحافظُ)) فى (جامعه): "من الحديث، المقطوعُ" وقال: "المقاطِعُ هى الموقوفاتُ على
التابعين،،( ** )
.
قلتُ: وقد وجدتُ التعبيرَ بالمقطوعِ عن المنقطع غيرِ الموصول، فى كلامِ "الإِمام
الشافعى، وأبى القاسم الطبرانى" وغيرِ هما (١)، والله أعلم.
تفريعات :
أحدُها: قولُ الصحابىِّ: "كنا نفعل كذا، أو: "كنا نقول كذا»؛ إن لم يُضِفْه إلى زمان
(١) أبو بكر الحميدى وأبو الحسن الدارقطنى. قاله (العراقى فى التبصرة ١٢٤/١).
المحاسن :
*
((فائدة: يجبُ عند البصريين - غير ((الجَرْميِّ)) - إثباتُ الياء [فى مثل المقاطيع] فى
الاختيارِ. والكوفيون والجرمىُّ يُجَوِّزون إسقاطَها اختيارًا، واختاره ((ابنُ مالك)) وقد
بسطناه فى (ذكرِ الأسانيد فى لفظ المسانيد). انتهت)) ١٣/ظ
** فائدة: قال ((الخطيبُ)) فى (جامعه): "وأما المقاطعُ، وهى الموقوفات على
التابعين، فيلزم كتبها والنظر فيها ليُتَخَيَّرَ من أقوالهم، ولا يُشَذّ عن مذاهبهم." وذكر
حديثًا من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه عن النبىِّ وَّ: "ما جاء عن الله فهو
فريضةٌ، وما جاء عنى فهو حَتْمُ كالفريضة، وما جاء عن أصحابى فهو سُنّةٌ، وما جاء عن
أتباعهم فهو أثَر، وما جاء عن من دونَهُم فهو بِدْعَةٌ". انتهت)) ١٣/ظ
:
٠
١٩٦

١٩٧
النوع الثامن : معرفة المقطوع
رسولِ الله وَ﴾، فهو من قبيلِ الموقوفِ. وإن أضافه إلى زمانٍ رسول اللّه وَل، فالذى
قَطَعَ به («أبو عبد الله بنُ البِّع الحافظُ (١)) وغيرُه من أهلِ الحديث وغيرهم، أن ذلك من
قبيلِ المرفوع.
وبلغنى عن ((أبى بكر البرقانى (٢)) أنه سأل ((أبا بكر الإِسماعيلى، الإِمامَ)) عن ذلك، .
فأنكر كونه من المرفوع. والأولُ هو الاعتمادُ، لأن ظاهرَ ذلك مُشعِرٌ بأن رسولَ اللهِوَل
اطلع على ذلك وقرَّرهم عليه، [٩/ و] وتقريرُه أحدُ وجوهِ السنَن المرفوعة، فإنها أنواع:
منها أقوالُهُ وَّةِ، ومنها تقريرُه، وسكوتُه عن الإِنكارِ بعد اطلاعهِ.
ومن هذا القبيلِ قولُ الصحابى: كنا لا نرى بأسًّا بكذا ورسولُ اللّهِوَّ فينا؛ أو:
كان يقال كذا وكذا على عهدِه؛ أو: كانوا يفعلون كذا وكذا فى حياتِهِ وَ﴿. فكلُّ ذلك
وشبهه مرفوع مُسنَدٌ، مُخْرَجُ فى كتبِ المسانيد (٣).
وذكر ((الحاكم أبو عبد الله)) فيما رويناه، عن ((المغيرةِ بنِ شعبة)) قال: ((كان أصحابُ
رسولِ اللهِ وَل يقرعون بابَه بالأظافير(٤))؛ أن هذا يتوهّه مَن ليس من أهلِ الصنعة
مُسنَدًا، يعنى مرفوعًا، لذكرِ رسولِ اللهِ وَّر فيه. وليس بمُسنَدٍ، بل هو موقوفٌ(٥).
(١) الحاكم، فى (معرفة علوم الحديث): ٢٢
بـ
(٢) بفتح الباء وكسرها، فى ضبط الأصلين (غ، ص) قلما. وهو فى (اللباب ١٤٠/١) بفتح الباء الموحدة
وسكون الراء وفتح القاف.
(٣) من (ع ومتن غ) وفى (ص، ز) وهامش (غ).
(٤) على هامش (غ، ص): [الأظافير: جمع أظفور، لغة فى الظفر).
وحديث المغيرة بن شعبة، الثقفى رضى الله عنه، أخرجه الحاكم بإسناده عنه فى (علوم الحديث ١٩) وذكر .
السيوطى فى (التدريب ١١٧/١) أن البيهقى أخرجه فى (المدخل).
وأسنده البخارى فى (الأدب المفرد ٣١٥) عن أنس، رضى الله عنه، قال: ((كانت أبواب النبى وَهو تقرع
بالأظافير)) وأخرجه البزار عن أنس بلفظ ((كان باب النبى رَّر يقرع بالأظافر)» (زوائد البزار: ٤٢١/٢) ك
الأدب باب قرع الباب. وفى سنده ضعيف (مجمع الزوائد ٤٣/١).
(٥) تمام عبارة الحاكم: بل هو موقوف على صحابى حكى عن أقرانه من الصحابة، وليس بسنده واحد
منهم)). معرفة: ١٩ وانظر النخبة: ١٦٦.

١٩٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
وذكر ((الخطيبُ)) أيضًا نحوَ ذلك فى (جامعه) *.
قال المُعلى أبقاه الله: بل هو مرفوعٌ كما سبق ذكرُهُ، وهو بأن يكونَ مرفوعًا أحْرَى
لكونِهِ أحْرَى باطلاعِهِ وَِّ عليه. و ((الحاكمُ)) معترفٌ بكونِ ذلك مِن قبيلِ المرفوع. وقد
كنا عَدَدْنا هذا فيما أخذناه عليه، ثم تأوَّلناه له على أنه أراد أنه ليس بمسندٍ لفظًا؛ بل هو
موقوف لفظًا. وكذلك سائرُ ما سبق، موقوفٌ لفظًا، وإنما جعلناه مرفوعًا من حيث المعنى،
والله أعلم.
الثانى: قولُ الصحابى: "أُمِرْنا بكذا، أو: نُهينا عن كذا" من نوعِ المرفوع والمسنَدِ
عند أصحابِ الحديث، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم. وخالف فى ذلك فريقٌ منهم ((أبو بكر
الإِسماعيلى» (١). والأولُ هو الصحيح، لأن مُطْلَقَ ذلك ينصرفُ بظاهرِه إلى من إليه الأمرُ
والنهىُ، وهو رسولُ اللّهِ وَلـ
وهكذا قولُ الصحابى: "من السُّنَّةِ كذا" فالأصحّ أنه مسنَدٌ مرفوع، لأن الظاهرَ أنه
لا يريد به إلا سُنةَ رسولِ اللهِ وَلَه وما يجبُ اتباعُه.(٢)
وكذلك قولُ ((أُنَسٍ)) رضى الله عنه: «أَمِرَ بِلالٌ أَن يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتِرَ الإِقامَةَ(٣)»
(٢،١) انظر تقييد العراقى ٦٧، وتبصرته ١٢٦/١ - ١٢٧ ونخبة الفكر: ١٧٠ - ١٧٢.
(٣) متفق عليه: البخارى فى كتاب الأذان - وانظر فتح البارى ٥٥/٢ - ومسلم فى كتاب الصلاة باب
الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة (٣٧٨).
* المحاسن :
((فائدة: ما ذكر عن ((الخطيبٍ)) أنه ذكر فى (جامعه) نحوَ ما ذكر ((الحاكم)) لم أقفْ
عليه فى (جامعِ الخطيب) فليُنظَرْ. نعم وجدتُ فى (جامعِ الخطيبِ) حديث القرعِ
بالأظافير من حديثِ ((أَنَسٍ)) ولم يتعرضْ لقولِه موقوفًا. انتهت)) ١٢/ظ.

١٩٩
النوع الثامن : معرفة المقطوع
وسأتُر ما جانَسَ ذلك. ولا فرق بين أن يقولَ ذلك فى زمانِ رسولِ الله ◌ِوََّ، وبعدَهِ وٍَّ" ،
والله أعلم(١):
(١) على هامش (ص): بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين بن العديم قراءة بحث على،
وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى سماحًا، كتب عبدالرحيم بن الحسين.
* المحاسن:
((زيادة: وأما مثلُ قولِه: "لا تلبسوا علينا سُنَّةَ نبيِّنا" كما رُوِىَ عن ((عمرو بن
العاص)) فى عِدَّةِ أَمِّ الوَلِدِ، وهو فى (سُنن أبى داود)(١) وقوله: "أصبتَ السُّنةَ، كما جاء
بإسنادٍ صحَّحه ((الدارقُطْنِىُّ)) فى (سُنَتِهِ)(٢) عن عُقبةَ بنِ عامرٍ عن عمر، فى المسحِ على
الخُفّين - وإن كان فيه عِلَّ نَبَّه عليها ((الدارقطنىُّ)) فى (عِلله)(٣) - وقولُه: "سُنة
أبي القاسم" كما فى حديث ابن عباس فى مُتْعَةِ الحَجِّ(٤)؛ فهذه الألفاظُ فى حُكْم قوله: "مِن
السُّنَّةِ" وبعضُها أقربُ من بعض. وأقربُها للرفع: سُنّةُ أبى القاسم، ويليها: لا تلبسوا علينا
سُنةَ نبينا، ويلى ذلك: أصبتَ السُّنةَ.
ونظير حديث: "أَمِرَ بِلالٌ" حديثُ عائشة رضى الله عنها: "فكنا نُؤْمَرُ بقضاءِ الصوم)، (٥)-
(١) ك الطلاق: ح ٢٣٠٨.
(٢) ك الطهارة، باب المسح على الخفين ١٩٦/١ ح ١١
(٣) فى (العلل): وسئل عن حديث عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب، أنه قال لعقبة، حين قال: لبست
الخف يوم الجمعة، فقال عمر: ((أصبت السنة)) فقال الدارقطنى: رواه موسى بن على بن رباح عن أبيه عن
عقبة بن عامر ... وتابعه مفضل بن فضالة وابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوى عن
على بن رباح، فقالوا فيه: ((أصبت السنة)) وخالفهم عمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب والليث بن سعد فقالوا
فيه: ((فقال عمر: أصبت)) ولم يقولوا: ((السنة)) كما قال من تقدمهم، وهو المحفوظ. والله أعلم.
ورواه جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبى حبيب عن على بن رَباح عن عقبة. وأسقط من
الإسناد عبد الله بن الحكم البلوى، وقال فيه: "أصبت السنة" كما قال ابن لهيعة والمفضل)) (العلل ٣٥/١)
٠ ٠, خط.
(٤) كتاب الحج من صحيح البخارى، باب التمتع والقران والإِفراد (مع فتح البارى ٢٧٨/٣) وصحيح
مسلم، باب جواز العمرة فى أشهر الحج (ح ١٢٤٠-١٢٤٢).
(٥) سنن الدارقطنى، ك الصيام (ح/٥). وسنن أبى داود، ك الصيام، ح (٢٣٣٤) وابن ماجه، صيام،
ح (٣٦٤٥).

٢٠٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الثالث: ما قيل من أن تفسيرَ الصحابىِّ حديثٌ مسنَدٌ، فإنما ذلك فى تفسير يتعلقُ
بسببِ نزولِ آيةٍ يُخبر به الصحابى، أو نحو ذلك. كقولِ ((جابر)) رضى الله عنه: "كانت
اليهودُ تقول: مَنْ أتى امرأتَه من دُبُرِها فى قُبُلِها، جاء الولدُ أحْوَّلَ" فأنزل الله عزَّ وجل:
﴿ نساؤكم حَرْتٌ لَكُم .. ﴾(١) الآية.
فأما سائرُ تفاسير الصحابةِ التى لا تشتمل على إضافةِ شىء إلى رسول اللّه ◌َله
فمعدودةٌ فى الموقوفَاتِ، والله أعلم.
وسيلة،
الرابع: من قبيل المرفوع، الأحاديثُ التى قيل فى أسانيدِها عند ذكر الصحابىِّ: يَرفُعُ
الحديثَ، أو: يبلغُ به، أو: يَنْمِيه، أو: روايَةً.
مثال ذلك: سفيان بن عيينة، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، روايةً:
"تقاتلون قومًا صِغَار الأعين ... )، (٢) الحديث. وبه عن أبى هريرةَ، يبلغُ به، قال: "الناسُ
(١) من الآية (٢٢٣) سورة البقرة. وحديث جابر، رضى الله عنه، أخرجه البخارى فى كتاب التفسير،
سورة البقرة (معه فتح البارى ١٣٣/٨) ومسلم فى كتاب النكاح (ح ١٤٣٥).
(٢) بهذا الإِسناد، عن أبى هريرة، رضى الله عنه، روايةً، فى صحيح البخارى كتاب الجهاد، باب قتال الذين
ينتعلون الشعر. معه فتح البارى ٦٦/٦.
= وأما حديثُ ((عمار)) فى صيام يوم الشك(١)، وحديثُ ((أبى هريرة)) فى الخارجِ من
المسجد بعد الأذان(٢)؛ ونسبةُ كل منهما إلى أنه عَصَى أبا القاسم، فالأقربُ أنه ليس
بمرفوعٍ، لجواز إحالة الآثمِ على ما ظهر من القواعد(٣) انتهت)) .١٣/ وظ
(١) صحيح مسلم، فى الحيض: وجوب قضاء الصوم على الحائض، دون الصلاة. ح (٣٣٥/١٩) وسنن
أبى داود: كطهارة، ح (٢٦٣).
(٢) مسلم، المساجد: باب النهى عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن (٦٥٥/٢٥٨).
(٣) انظر التمهيد لأبى عمر ابن عبد البر (١٧٥/١)
وتقييد العراقى: ٦٧، وتبصرته ١٢٨/١ - ١٣١