Indexed OCR Text

Pages 381-400

وكَانَ للشَّافِعِيِّ لَهُ فِيهِ يَدْ طُولَى وَسَابِقَةٌ أُوْلَى. رُوِّيْنَا عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ مُسْلِمٍ بِنِ
وارَةٌ (١) - أحَدٍ أئِمَّةِ الحديثِ- أنْ أحمدَ بنَ حَنْبَلِ قالَ لهُ وقَدْ قَدِمَ مِنْ مِصْرَ (٢): (( كَتْتَ
كُتُبَ الشَّافِعِيِّ؟ فقالَ: لا. قالَ فَرَّطْتَ، ما عَلِمْنا المجْمَلَ مِنَ المفَسَّرِ ولا ناسِخَ حديثٍ
رَسُولِ اللهِ ﴿ مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى حَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ)).
وفيمَنْ عَانَاهُ مِنْ أهلِ الحديثِ مَنْ أدخَلَ فيهِ ما ليسَ منهُ لِخَفاءِ مَعْنَى النَّسْخِ
وشَرْطِهِ. وهوَ عبارةٌ عَنْ رَفْعِ الشَّارِعِ حُكْماً منهُ مُتَقَدِّماً بِحُكْمٍ مِنهُ مُتَأَخِّرٍ (٣) . وهذا
حَدٍّ وَقَعَ لنا سالِمٌ مِنِ اعْتِراضاتٍ وَرَدَتْ عَلَى غيرِهِ (٤) .
ثُمَّ إِنَّ ناسِخَ الحديثِ ومَنْسُوخِهِ يَنْقَسِمُ أقْسَاماً:
فمِنْها ما يُعْرَفُ بِتَصْرِيحِ رَسُولِ اللهِ مَّ بِهِ. كَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ (٥) الذي أخرجَهُ
مُسْلِمٌ في " صَحِيْحِهِ"؛ أنّ رسُوْلَ اللهِلَ﴿ّ قالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ،
فَرُورُوها )) (٦) في أشْبَاهِ لِذَلِكَ .
(١) ترجمته في تاريخ دمشق ٥٥ / ٣٨٨، والسير ١٣ / ٢٨.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩ / ٩٧ ، والحازمي في الاعتبار: ٣ .
(٣) قال العراقي في التقييد والإيضاح : ٢٨٧: ((هذا الذي حده به المصنف، تبع فيه القاضي أبا بكر
الباقلاني ، فإنه حده برفع الحكم واختاره الآمدي وابن الحاجب قال الحازمي : وقد أطبق المتأخرون عَلى
ما حده به القاضي أنه الخطاب الدال عَلَى ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم عَلَى وجه لولاه لكان
ثابتاً مع تراخيه عنه ، قال الحازمي : وهذا حدّ صحيح ... انتهى . وقد اعترض عليه بأن التعبير برفع
الحكم ليس بجيد ؛ لأن الحكم قديم لا يرتفع ، والجواب عنه أَنَّهُ إنما المراد برفع الحكم قطع تعلقه بالمكلف ،
واعترض صاحب المحصول أيضاً عَلَى هذا الحد بأوجه أخر في كثير منها نظر ليس هذا موضع إيرادها )).
وانظر : البحر المحيط ٤ / ٦٥، والاعتبار: ٥.
(٤) اعترض ابن الملقن عَلَى هذا التعريف بعدة اعتراضات، ينظر: المقنع ٤ / ٤٥١ - ٤٥٢ .
(٥) هو بريدة بن الحُصَيْب بمهملتين- مصغراً، أبو سَهْل الأسلمي صحابي أسلم قبل بدر. التقريب (٦٦٠).
(٦) صحيح مسلم ٣ / ٦٥ (٩٧٧) و٦/ ٨٢ (١٩٧٧) (٣٧) و٦ / ٩٨ (٩٧٧) (٦٣)، وانظر
تفصيل تخريجه في شرح التبصرة ٢ / ٤١٧ .
٣٨١

ومنها ما يُعْرَفُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، كما رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وغيرُهُ عنْ أُبِيِّ بِنِ كَعْبٍ
أَنَّهُ قالَ: ((كانَ الماءُ مِنَ الماءِ رُخْصَةً فِي أَوْلِ الإسلامِ ثُمَّ نُهِيَ عنها))، وكما خَرَّجَهُ
الَّسَائِيُّ (٢) عَنْ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: ((كانَ آخِرَ الأمْرِينِ مِنْ رسولِ اللهِوَ ﴿ْ تَرْكُ
الوضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ )) فِي أَشْبَاهِ لِذَلِكَ .
ومنها ما عُرِفَ بالتَّاريخِ، كحديثِ شَدَّادِ بنِ أوْسٍ وغيرِهِ، أنّ رسول اللهصلاث
قالَ: (( أَفْطَرَ الحاجمُ والمحْجُومُ)) (٣)، وحديثُ ابنِ عبَّاسِ: ((أنَّ النبيَّ ﴿ّ احْتَجَمَ وهوَ
صَائِمٌ)) (٤) ، بَيَّنَ (٥) الشَّافِعِيُّ أنّ الثّانيَ ناسِخٌ للأوْلِ مِنْ حيثُ إنّهُ رُوِيَ في حديثٍ شَدَّاد
أَنَّهُ كانَ مَعَ النِّ ◌َ زَمَانَ الفَتْحِ فَرَأَى رَجُلاً يَحْتَجِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فقالَ: ((أَفْطَرَ
الحاجمُ والمحْجُومُ)). ورُوِيَ في حديثِ ابنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ ﴿ احْتَجَمَ وهوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ؛
فبانَ بذلكَ أنَّ الأَوَّلَ كانَ زَمَنَ الفَتْحِ في سنةٍ ثَمانِ ، والثّاني في حِجَّةِ الوداعِ في
سَنَّةِ عَشْرِ .
(١) جامع الترمذي (١١٠)، وأخرجه الشافعي ٣٥/١ و٣٦، وأحمد ١١٥/٥ و١١٦، والدارمي (٧٦٥)
و (٧٦٦)، وابن ماجه (٦٠٩)، وابن خزيمة (٢٢٥) و (٢٢٦)، وابن الجارود (٩١)،
والطحاوي ٧/١، وابن حبان (١١٧٣) و (١١٧٩)، والطبراني في الكبير (٥٣٨)، والدار قطني
١٢٦/١، والبيهقي ١ / ١٦٥ .
(٢) سنن النسائي ١ / ١٠٨، وأخرجه أبو داود (١٩٢)، وابن خزيمة (٤٣).
(٣) أخرجه أحمد ١٢٣/٤ و١٢٤، والدارمي (١٧٣٧)، وأبو داود (٢٣٦٨) و (٢٣٦٩) ، وابن ماجه
(١٦٨١)، والنسائي في الكبرى (٣١٣٨) و (٣١٥٥).
(٤) أخرجه الشافعي ١ / ٢٥٥، والطيالسي (٢٧٠٠)، وعبد الرزاق (٧٥٤١)، والحميدي (٥٠١)،
وعلي بن الجعد (١٠٤)، وابن أبي شيبة ٣ / ٥١، وأحمد ١ / ٢١٥ و٢٢٢، وأبو داود (٢٣٧٣)،
والترمذي (٧٧٧)، وأبو يعلى (٢٤٧١)، والطحاوي ١٠١/٢، والطبراني (١٢١٣٧)، والدار قطني
٢ / ٢٣٩، والبيهقي ٤ / ٢٦٣. وانظر: التعليق على جامع الترمذي ٢ / ١٣٩.
(٥) في (ب): ((ثم بيّن))، وفي (م): ((فبّن)).
٣٨٢

ومنها ما يُعْرَفُ بالإجماعِ كَحديثِ : قَتْلِ شَارِبِ الخَمْرِ فِي المرَّةِ الرَّابِعةِ (١) فَإِنَّهُ
منسوخٌ عُرِفَ نَسْخُهُ بالْعِقادِ الإجماعِ عَلَى تَرْكِ العَمَلِ (٢) بهِ. والإجماعُ لا يَنْسَخُ ولا
يُنْسَخُ (٣) ولكنْ يَدِلُ عَلَى وجودِ ناسِخٍ غيرِهِ (٤) ، والله أعلمُ بِالصَّوَابِ (٥) .
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَّلاَثُونَ
مَعْرِفَةُ الْمُصَحَّفِ (٦) مِنْ أَسَانيْدِ الأَحَادِيْثِ ومُتُونِهَا
هذا فَنٌّ جليلٌ إِنَّمَا يَنْهَضُ بأعْبَائِهِ الْحُذَّاقُ مِنَ الحفّاظِ ، والدارقطُّ مِنْهُم ، ولهُ فيهِ
تَصْنَيْفٌ مُفِيْدٌ. ورُوَّيْنا عَنْ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ عَبه أنَّهُ قالَ: ((ومَنْ يَعْرَى مِنَ
الخطأِ والتَّصْحِيفِ !؟)).
(١) مخرج بتوسع في كتاب شرح التبصرة ٢ / ٤١٩.
(٢) في (ب): (( العلم)).
(٣) لَمْ ترد في (أ) و (ب).
(٤) راجع : محاسن الاصطلاح ٤٠٨ .
(٥) ((بالصواب)) لم ترد في ( ب ).
(٦) انظر في هذا :
معرفة علوم الحديث : ١٤٦ - ١٥٢، والإرشاد ٢ / ٥٦٦ - ٥٧٠ والتقريب : ١٥٨ - ١٥٩،
واختصار علوم الحديث : ١٧٠ - ١٧٤، والشذا الفياح ٤٦٧/٢ - ٤٧٠، والمقنع ٤٦٩/٢ - ٤٧٩،
وشرح التبصرة والتذكرة ٤٢٢/٢-٤٣١، ونزهة النظر: ٠١٢٧-١٢٨، وطبعة عتر: ٤٩، وفتح المغيث
٦٧/٣-٧٤، وتدريب الراوي ١٩٣/٢ - ١٩٥، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٥٦، وفتح
الباقي ٢ / ٢٩٥، ٣٠١، وتوضيح الأفكار ٢ / ٤١٩ - ٤٢٢، وظفر الأماني: ٢٨٢ - ٢٨٧.
ولا بدَّ من الإشارة إلى أن المتقدمين - ومنهم ابن الصلاح ، ومتابعوه - كانوا يطلقون المصحّف والمحرّف
جميعاً عَلَى شيء واحد، ولكن الحافظ ابن حجر جعلهما شيئين وخالف بينهما ، وقد جرى عَلَى
اصطلاحه السيوطي . قال ابن حجر في النزهة : ١٢٧: (( إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف
مع بقاء صورة الخط في السياق فإن كان ذَلِكَ بالنسبة إلى التَّقْط فالمصحف ، وإن كان بالنسبة إلى الشَّكْل
فالمحرّف)). انظر: تدريب الراوي ١٩٥/٢، وألفية السيوطي: ٢٠٣، وتوضيح الأفكار ٢ / ٤١٩ مع
حاشية محيي الدين عبد الحميد .
٣٨٣

فَمِثالُ التَّصْحيفِ في الإسنادِ : حديثُ شُعْبَةَ عَنِ العَوَّامِ بِنِ مُرَاجِمٍ (١) ، عَنْ أبي
عُثْمَانَ النَّهْدِيّ (٢) ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ﴿ *: «لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ
إلى أهلِهَا ... الحديثَ)) (٣). صَحَّفَ فيهِ يَحْتَى بِنُ مَعينٍ، فقالَ: ((ابنُ مُزَاحِمٍ)) - بالزاي
والحاء (٤) - فَرُدْ عليهِ، وإنَّما هُوَ: ((ابنُ مُرَاجِمٍ)) - بالراءِ المهملةِ والجيمِ - . ومنهُ ما
رُوّيْناهُ عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ ، قالَ: حَدَّثَّنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ ، قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مالكٍ بِنِ عُرْفُطَةَ ، عَنْ عبدٍ خَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنْ رَسُولَ اللهِوَ﴿ْ نَهَى عَنِ الدَُّّاءِ(٥)
وَالْمُزَفْتِ)) (٦). قالَ أحمدُ: ((صَحَّفَ شُعبةُ فيهِ، وإنَّما هُوَ خالدُ بنُ عَلْقمةَ)) (٧). وقَدْ
رواهُ زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ وغيرُهُ عَلَى ما قالَهُ أحمدُ .
وبَلَغَنا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أنَّ ابْنَ جريرِ الطَّبَرِيِّ قَالَ فيمِنْ رَوَى عَنِ النِّ ﴿وَ مِنْ بني
سُلَيْمٍ: (( ومِنْهُم ◌ُتْبَةُ بنُ الْبُذْرِ)) (٨) ، قالَهُ بالباءِ والذَّالِ المعجمةِ ورَوَى حديثاً (٩) ، وإنَّما
هُوَ ((ابنُ النُّدَّرِ)) بالنُّونِ والدَّالِ غيرِ المعجمةِ (١٠).
(١) انظر: الإكمال ٧ / ١٨٦.
(٢) بفتح النون وسكون الهاء . التقريب ( ٤٠١٧).
(٣) أخرجه الدارقطني في العلل ٦٤/٣-٦٥ س٢٨٧، وفي المؤتلف والمختلف ٢٠٧٨/٣-٢٠٧٩.
(٤) في (ب ): (( والحاء المهملة)).
(٥) الدباء: القرع، واحدها دُبَّاءة، كانوا ينتبذون فيها فُتُسرع الشدة في الشراب ، وتحريم الانتباذ في هذه
الظروف كان في صدر الإسلام ثُمَّ نسخ ، وهو المذهب ، وذهب مالك وأحمد إلى بقاء التحريم .
والمزفت : هو الإِناء الذي طلي بالزفت، وهو نوع من القار ثُمَّ انْتُبِذَ فيه. انظر: النهاية ٩٦/٢ و٣٠٤.
(٦) أخرجه أحمد في المسند ٦ / ٢٤٤، وفيه: (( قال أبو عبد الرحمان عبد الله بن أحمد: قال أبي: إنما هو
خالد بن علقمة الهمداني ، وهم شعبة )).
(٧) انظر: ما سبق، وانظر: علله ١ / ١٨٢.
(٨) في (ع ): ((الندر)) خطأ.
(٩) المؤتلف والمختلف ١ / ١٨٢.
(١٠) بالنون المضمومة، وفتح الدال المهملة المشددة. انظر: الإكمال ١/ ٢١٨، وتبصير المنتبه ٧٠/١،
وشرح التبصرة ٢ / ٤٢٦، والتقريب ( ٤٤٤٣).
٣٨٤

ومِثَالُ النَّصْحِيفِ في المتنِ : ما رواهُ ابنُ لَهِيْعَةَ عَنْ كِتَابٍ موسَى بِنِ عُقْبةَ إليهِ
بإسْنادِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ ثابتٍ: ((أنّ رسولَ اللهِ ﴿َ احْتَجَمَ في المسْجِدِ)) (١)، وإنَّما هوَ
بالرَّاءِ: ((احْتَجَرَ في المسجدِ بِخُصِّ أَوْ حَصِيْرِ، حُجْرَةً يُصَلِّي فيها). فَصَحَّفَهُ ابنُ لَهِيْعَةَ ؛
لِكونِهِ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ بِغَيْرِ سَماعٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابٍ " التمييز " (٢) لهُ. وَبَلَغَنا
عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ في حديثٍ أبي سُفيانَ، عَنْ حَابِرٍ قَالَ: ((رُمِيَ أَبِيٌّ (٣) يومَ الأَخْزابِ عَلَى
أَكْحَلِهِ (٤) فَكَوَاهُ رسولُ اللهِ﴿) (٥): أنّ غُنْدراً قالَ فيهِ: ((أبي))، وإنَّما هوَ
(أُبَيٌّ)) ، وهوَ (٦) ابنُ كَعْبٍ . وفي حديثٍ أَنَسٍ: (( ثُمَّ يُخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إلهَ
إلّ الله، وكانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخيرِ ما يَزِنُ ذَرَّةً ))، قالَ فيهِ شُعبةُ: ((ذُرَةً)) - بالضمِّ
والتخفيفِ (٧) -، ونُسبَ فيهِ إلى التَّصحيفِ. وفي حديثِ أبِي ذَرِّ: «تُعِينُ الصَّانِعَ))،
(١) أخرجه البخاري ٣٤/٨ (٦١١٣)، ومسلم ١٨٨/٢ (٧٨١). وأخرجه البخاري أيضاً ١٨٦/١
(٧٣١)، و ١١٧/٩ (٧٢٩٠)، ومسلم ١٨٨/٢ بلفظ: ((أَّخذَ حُجْرةً)).
(٢) التمييز: ١٨٧، وقال: ((هذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعاً،
وابن لهيعة المصحف في متنه المغفل في إسناده)). وانظر: الأباطيل للجورقاني ٢ / ٩ .
(٣) قال النووي: ((بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، هكذا صوابه ، وكذا هو في الروايات والنسخ،
وهو أبي بن كعب ، وصحفه بعضهم ، فقال : بفتح الهمزة وكسر الباء وتخفيف الياء ، وهو غلط فاحش
؛ لأن أبا جابر استشهد يوم أحد قَبْلَ الأحزاب بأكثر من سنة )). شرح صحيح مسلم ٥ / ٥٧ .
(٤) الأكحل : هو عِرْق في اليد في وسط الذراع. انظر: اللسان ١١ / ٥٨٦.
(٥) أخرجه أحمد ٣ / ٣٠٣ و٣٠٤ و٣١٥ و٣٧١، وعبد بن حميد (١٠١٨)، ومسلم ٢٢/٧
(٢٢٠٧)، وأبو دواد (٣٨٦٤)، وابن ماجه (٣٤٩٣)، وأبو يعلى (٢٢٨٧) و (٢٢٨٨)، وأبو
عوانة في الإتحاف ٣ / ١٧٢، والطحاوي في شرح المعاني ٤ / ٣٢١، والحاكم ٤ / ٢١٤ و٤١٧ ،
والبيهقي ٩ / ٣٤٢ .
(٦) في (م) والشذا: (( وإنما هو أبيّ بن كعب))، وفي (ع) والتقييد: (( وإنما هو أُبَيّ وهو أُبَيّ بن كعب)).
(٧) أخرجه أحمد ١١٦/٣ و١٧٣ و٢٧٦، وعبد بن حميد (١١٧٣)، وأخرجه البخاري ١/ ١٧ (٤٤)
و ٩ / ١٤٩ (٧٤١٠)، ومسلم ١ / ١٢٥ (١٩٣) (٣٢٥)، وابن ماجه (٤٣١٢)، والترمذي
( ٢٥٩٣ ) .
٣٨٥

قالَ فيهِ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ - بالضَّادِ المعجمةِ - وَهُوَ تصحيفٌ ، والصوابُ ما رواهُ الزُّهْريُّ
(( الصَّانِعَ)) - بالصادِ المهملة (١) -: ضدُّ الأَخْرَقِ(٢). وبَلَغَنَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أنْ
يَحْتَى بِنَ سَلامٍ (٣) -هوَ المَفَسِّرُ - حدَّثَ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ عَنْ قَنَادَةَ في قَولِهِ تَعَالَى:
﴿سَأُرِيْكُمْ دَارَ الْفَاسِقِيْنَ﴾ (٤)، قالَ: ((مِصْرُ)) واسْتَعْظَمَ أبو زُرْعةَ هذا واسْتَقْبَحهُ
وذَكَرَ أَنَّهُ في تفسيرِ سَعيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ((مَصِيْرُهُمْ)) (٥).
وبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بِنَ المَى أبا مُوسَى العَنَزِيِّ (٦) حَدَّثَ بحديثٍ
النبيِّ ◌َ﴿: ((لا يأتِي أحدُكُمْ يَومَ القِيامةِ بَبَقَرَة لها خُوارٌ)) (٧)، فقالَ فيهِ: (( أو شَاة
(١) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٤٢٣/٢: (( وكقول هشام بن عروة في حديث أبي ذر:
(( تعين ضايعاً)) بالضاد المعجمة ، والياء آخر الحروف ، والصواب بالمهملة والنون))، ومثله في تدريب
الراوي ٢ / ٠١١٤
وهذا جزء من حديث أخرجه البخاري ١٨٨/٣ (٢٥١٨)، ومسلم ٦٢/١ (٨٤) من طريق هشام بن
عروة ، عن أبيه، عن أبي مُرَاوح ، عن أبي ذرٌ ، قال: قلتُ: يا رسول الله ... وفيهما: (( تعين صانعاً)) ،
وعند مسلم أيضاً بلفظ: (( فتعين الصانع))، هكذا في الأصول المطبوعة لـ" الصحيحين": ((صانعاً))
- بالصاد المهملة والنون - ومثل ذَلِكَ في مسند الحميدي (١٣١)، ومسند الإمام أَحْمَد ١٥٠/٥
و ١٧١/٥، وفي فتح الباري ١٤٨/٥: ((ضائعاً))، وفي عمدة القاري ٧٩/١٣: ((ضايعاً)). وانظر
تفصيل ذَلِكَ في: شرح مسلم للنووي ٢٧١/١، وفتح الباري ١٤٩/٥، وعمدة القاري ٨٠/١٣ .
(٢) الأخرق : هو الذي ليس بصانع ولا يحسن العمل ، يقال: رجل أخرق: لا صنعة له، والجمع: خُرْق
- بضم ثُمَّ سكون - وامرأةٌ خرقاء كذلك. انظر: فتح الباري ٥ / ١٤٩ .
(٣) هو أبو زكريا، يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري، نزيل المغرب بإفريقية، توفي سنة (٢٠٠ هـ).
انظر: الجرح والتعديل ١٥٥/٩، والكامل ١٢٣/٩، وميزان الاعتدال ٣٨٠/٤، والسير ٣٩٦/٩.
(٤) الأعراف : ١٤٥ .
(٥) في (ب ): ((مصر))، وهذا القول ذكرته كتب التفسير عن مجاهد، والذي ذكروه عن قتادة أنه قال:
((منازلهم))، وقال أيضاً: ((الشام))، وقال أيضاً: ((مصر)). انظر: تفسير الطبري ٩ / ٤١،
وتفسير البغوي ٢ / ٢٣٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٨٩، والدر المنثور ٥٦٢/٣، والقصة في الضعفاء لأبي
زرعة ٢ / ٠٣٤٠
(٦) بفتح النون والزاي. التقريب (٦٢٦٤)، والأنساب ٤ / ٢٢١ .
(٧) خار يَخُورُ خُوَاراً - بالضم - صاح، والخُوَار: هو صياح البقر في الأصل، ثُمَّ توسعوا فيه فأطلقوه عَلَى
صياح جميع البهائم . انظر: التاج ١١ / ٢٣١ .
٣٨٦

تَنْعَرُ)) (١) - بالنُّون - وإنَّما هوَ: ((تَيْعَرُ)) (٢) - بالياءِ المثناةِ مِنْ تحتُ - . وأَنَّهُ قالَ لهمْ
يوماً: (( نَحْنُ قَوْمٌ لنا شرَفٌ، نحنُ مِنْ عَنَزَةَ (٣)، قَدْ صَلّى النِيُّ ﴿ إِلينا)) ، يُرِيدُ ما
رُوِيَ « أنّ النبيَّ ◌ِ ﴿ِ صَلَّى إلى عَنَزَةَ)) (٤) ، تَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلّى إلى قَبِيلَتِهِمْ، وإنَّما العَنَزَةُ هاهنا
حَرْبَةٌ نُصِبَتْ بَيْثَ يَدَيْهِ فَصَلّى إليها (٥) .
وأظْرَفُ(٦) مِنْ هذا ما رُوِّيْناهُ عَنِ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ عَنْ أعرابيِّ زَعَمَ أَنَّهُ﴿ كَانَ
إذا صَلّى نُصِبَتْ بَيْنَ يَدِيهِ شاةٌ ، أي: صَحُّفَها عَثْرَةٌ - بإِسْكانِ النُّونِ (٧) -. وعَنٍ
الدَّارَقُطْنِيِّ أيضاً: أنّ أبا بكرِ الصُّولِيَّ (٨) أمْلَى في الجامِعِ حديثَ أبي أُيُوبَ: (( مَنْ صَامَ
(١) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٩٥ (٦٣١).
وهذا الجزء أخرجه الحميدي (٨٤٠)، وأحمد ٥ / ٤٢٣، والدارمي (١٦٧٦) و (٢٤٩٦)، والبخاري
١٦٢/٨ (٦٦٣٧)، ومسلم ١٢/٦ (١٨٣٢) (٢٧)، ونَعَر يَنْعَرُ، كـ: ((منع وضرب)): صاحَ
وصَوَّتَ بَخَيْشُومِهِ. تاج العروس ١٤ / ٢٥٧.
(٢) تَعَرَ، كـ: ((منع))، أي: صاحَ يَتْعَرُ تَعْراً. انظر: التاج ١٠ / ٢٨٦.
(٣) بفتح العين المهملة والنون. انظر: الأنساب ٤ / ٢٢١، وتاج العروس ١٥ / ٢٤٨.
(٤) هذه إشارة إلى حديث ورد عن جماعة من الصحابة. انظر مثلاً: مسند أحمد ٣٠٨/٤، وصحيح
البخاري ٢٥/٢ (٩٧٣)، وصحيح مسلم ٥٥/٢ (٥٠١) (٢٤٦)، وابن ماجه (١٣٠٤).
(٥) انظر: الصحاح ٣ / ٨٨٧، والتاج ١٥ / ٢٤٧.
(٦) في ب ( وأطرف ) بالطاء المهملة .
(٧) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث : ١٤٨ - ١٤٩ .
(٨) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول، أبو بكر المعروف بالصوليّ ، كان أحد
العلماء بفنون الآداب ، حسن المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء ، ومآثر الأشراف ، وطبقات الشعراء ،
توفي سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة . انظر: تاريخ بغداد ٣ / ٤٢٧، ومعجم الأدباء ١٩ / ١٠٩ ،
والسير ١٥ / ٣٠١ .
والصولي : بضم الصاد المهملة ، وفي آخرها اللام ، هذه النسبة إلى صول ، وهو اسم لبعض أجداده .
الأنساب ٣ / ٥٧٢ .
٣٨٧

رَمَضانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالِ)(١)، فقالَ فيهِ: (( شَيْئاً)) بالشِّيْنِ والياءِ (٢). وأنّ أبا بكرٍ
الإِسْماعِيليَّ(٣) الإِمامَ كانَ فيما بَلَغَهُمْ عنهُ يَقُولُ في حديثِ عَائِشَةَ عَنِ النِيِّ ﴾ في
الكُهَّانِ: ((قَرَّ الزُّجاجَةِ)) بالزاي، وإنَّما هُوَ (٤) ((قَرَّ الدَّجاجةِ)) (٥) بالدالِ . وفي حديثٍ
يُروَى عنْ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ قَالَ: «لَعَنَ رسولُ اللهِ ﴿ِ الذينَ يُشَقّقُونَ الْخُطَبَ
تَشْفِيْقَ الشِّعْرِ)) (١). ذَكَرَ الدَّارَ قُطْنِيُّ عَنْ وَكَيِعِ أَنَّهُ قَالَهُ مَرَّةٌ بالحاءِ المهملَةِ (٧)، وأبو نُعَيمٍ
شاهِدٌ ، فَرَدّهُ عليهِ بالخاءِ المعجمةِ المضمومةِ. وقرأْتُ بِخَطّ مُصَنِّفٍ أنّ ابنَ شاهِينَ قالَ في
جامعِ المنصورِ في الحديثِ: ((إنّ النبيَّ ◌ِ﴿َ نَّهَى عَنْ تَشْقِيقِ الْحَطَبِ)) فقالَ بعضُ الملاّحينَ:
يا قومُ ، فكيفَ نعملُ والحَاجَةُ ماسَّةٌ ؟
(١) حديث أبي أيوب: أخرجه الطيالسي (٥٩٤)، وعبد الرزاق (٧٩١٨)، والحميدي (٣٨١) و
(٣٨٢)، وابن أبي شيبة ٣ / ٩٧، وأحمد ٥ / ٤١٧ و٤١٩، وعبد بن حميد (٢٢٨)، والدارمي
(١٧٦١). ومسلم ٣ / ١٦٩ (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣). وابن ماجه (١٧١٦ )، والترمذي
(٧٥٩)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٣٣٧) و (٢٣٣٨)، وابن حبان (٣٦٣٤)، والبيهقي
٣٩٢/٤، والبغوي ( ١٧٨٠ ) .
(٢) تاريخ بغداد ٣ / ٤٣١.
(٣) إنّ حمل ذلك التصحيف على الإسماعيلي وحده فيه نظر، فقد اختلف فيه رواة الصحيح . انظر : تفصيل
ذلك في شرح النووي ٥ / ٨٤ ، وفتح الباري ١٠ / ٢٢٠ .
(٤) لَمْ ترد في ( ب ) و ( م ) .
(٥) قرَّ الدجاجة، أي: صوتها إذا قطعته، يقال: قرَّتِ الدجاجةُ تقُرُّ قَرًّاً وقَريراً إذا قطعت صوتها . انظر :
جامع الأصول ٥ / ٦٤ ، وتاج العروس ١٣ / ٣٩١ .
(٦) الجامع ١ / ٢٩٢ رقم (٦١٩)، يعني: ((الخُطب))، والحديث في مسند الإمام أحمد ٤ / ٩٨ قال:
حدثنا وكيع ، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن عمرو بن يحيى، عن معاوية، قال: (( لعن رسول الله
* الذين يُشَقّقُونَ الكلام تشقيق الشِّعْرِ)) وهو كذلك في مجمع الزوائد ٨ / ١١٦.
وأخرجه الطبراني في الكبير ٣١١/١٩ حديث (٨٤٨) من طريق أبي نعيم، عن سفيان، ولفظه: ((لعن
رسول الله {﴿ الذين يشَقّقُون الْخُطَب تَشْقِيقَ الشِّعْر))، وهو كذلك في المجمع ٢ / ١٩١، والحديث
ضعيف لتفرد جابر الجعفي به .
(٧) أي : الحطب - بالحاء المهملة المفتوحة بدل الخاء المعجمة المضمومة - .
٣٨٨

قُلْتُ : فَقَدِ انْقَسَمَ النَّصْحِيفُ إلى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُما في المتْنِ ، والثاني في الإسنادِ .
ويَنْقَسِمُ قِسْمَةً أُخْرَى إلى قِسْمَينِ :
أحدُهُما : تَصْحِيفُ الْبَصَرِ ، كما سَبَقَ عَنِ ابنٍ لَهِيْعَةَ وذلكَ هوَ الأكثرُ .
والثاني: تَصْحِيفُ السَّمْعِ ، نحوُ حديثٍ لـ« عاصِمِ الأحْوَلِ)) رواهُ بعضُهُمْ فقالَ:
((عَنْ واصِلٍ الأَحْدَبِ)) فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ تَصْحِيفِ السَّمْعِ لا مِنْ تَصْحِيفِ
البَصَرِ ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ - والله أعلمُ - إلى أنَّ ذَلِكَ مِمَّا لا يشتبهُ مِنْ حيثُ الكِتَابَةُ وإنَّما
أَخْطَأَ فيهِ سَمْعُ مَنْ رواهُ .
ويَنْفَسِمُ قِسْمَةٌ ثاِثَةٌ :
- إلى تصحيفِ اللّفظِ وهو الأكثرُ .
- وإلى تصحيفٍ يتعلّقُ بالمعنى دُونَ اللفْظِ ، كمثلٍ ما سَبَقَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُتَّى في
الصلاة إلى عَنَزَةَ . وتسميةُ بعضِ ما ذَكَرْناهُ تَصْحِيفاً مَجازٌ ، والله أعلم .
وكثيرٌ مِنَ التَّصْحِيفِ المنقولِ عَنِ الأكَابِرِ الجِلَّةِ لهم فيهِ أعْذارٌ لَمْ يَنْقُلها ناقِلُوهُ (١)،
ونسألُ اللهَ التَّوفيقَ والعِصْمَةَ ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَّلاَثُونَ
مَعْرِفَةٌ مُخْتَلِفِ الْحَدِيْثِ (٢)
(١) في ( م): ((ناقلوها)).
(٢) انظر فيه :
معرفة علوم الحديث : ١٢٢ - ١٢٨، وإرشاد طلاب الحقائق ٢ / ٥٧١ - ٥٧٥ والتقريب : ١٥٩ -
١٦١، واختصار علوم الحديث: ١٧٤ - ١٧٥، والشذا الفياح ٤٧١/٢ - ٤٧٦، والمقنع ٤٨٠/٢ -
٤٨٢، وفتح المغيث ٧٥/٣ - ٧٨، وتدريب الراوي ١٩٦/٢ - ٢٠٢، وتوضيح الأفكار ٤٢٣/٢ -
٤٢٦. ولا بدَّ من الإشارة إلى أن المراد بـ ((مختلف الْحَدِيْث)) يختلف في الاصطلاح باختلاف ضبط
كلمة: ((مختلف)) فَمِنَ المحدِّثين مَنْ ضبطها - بكسر اللام - عَلَى وزن اسم الفاعل. ويكون المراد
بـ ((مختلف الْحَدِيْث)) عَلَى هَذَا: ((الْحَدِيْثِ الَّذِي عارضه - ظاهراً - مثله)) . =
٣٨٩

وإِنَّمَا يَكْمُلُ لِلْقِيامِ بِهِ الأَئِمَّةُ الجامِعونَ بَيْنَ صِناعَتَي : الحديثِ والفِقْهِ ، الغَوَّاصُونَ
عَلَى المعاني الدقيقةِ (١) .
اعْلَمْ أنَّ ما يُذْكَرُ في هذا البابِ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَينِ :
أحدُهُما أنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الحديثينِ ولا يتعذّرُ إبداءُ وَجْهٍ يَنْفِي تَنَافِيَهُما ، فيتَعَيَّنُ
حِيْئِذٍ المصيرُ إلى ذَلِكَ والقولُ بهما معاً .
ومِثَالُهُ حديثُ: ((لا عَدْوَى ولا طِيَّرَةً)) (٢) معَ حديثٍ: (( لا يُورِدُ مُعْرِضٌ (٣)
عَلَى مُصِحّ)) (٤)، وحديثُ: ((فِرَّ مِنَ المحذومِ (٥) فِرَارَكَ مِنَ الأسَدِ)(٦). وَجْهُ الجمْعِ (٧)
بينَهُما أنَّ هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بِطَبْعِها ولكِنَّ اللّهَ تباركَ وتَعَلَى جَعَلَ مُخَالَطَةَ المريضِ بها
للصَّحيحِ سَبّباً لإِعدائِهِ مَرَضَهُ (٨). ثُمَّ قَدْ يَتَخَلِّفُ ذَلِكَ عَنْ سَبَيْهِ كما في سَائِرِ الأسْبابِ .
= ومنهم من ضبطها - بفتح اللام - عَلَى أَنَّه مصدر ميمي، بمعنى: أنَّه الْحَدِيْث الَّذِي وقع فِيْهِ الاختلاف،
ويكون المراد حينئذٍ بـ ((مختلف الحديث))، (( أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً)) ، أي أن
التعريف عَلَى الضبط الأول يُراد به الحديث نفسه في حين يُراد بالتعريف على الضبط الثاني التضاد
والاختلاف نفسه، ويلاحظ تقييد التعارض -في التعريف- بكونه ظاهراً؛ وذلك لأنّ التعارض:
((الحقيقي)) في الثابت من سنن النبي ﴿ّ محالٌ. انظر: مختلف الحديث بين المحدِّثين والأصولين والفقهاء:
٢٥ - ٢٦ .
(١) انظر: محاسن الاصطلاح ٤١٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٣٣.
(٢) أخرجه البخاري ٧ / ١٧٩ (٥٧٧٢)، ومسلم ٧ / ٣١ (٢٢٢٠) (١٠٢). والطّيرة - بكسر
الطاء وفتح الياء وقد تسكن - هي التشاؤم بالشيء، وكان ذلك يَصُدُّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع
وأبطله ونهى عنه ، وأخبر أنه ليس له تأثير في جَلْب نَفْع أو دَفْع ضرّ. انظر: النهاية ٣ / ١٥٢.
(٣) الممرض - بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر الراء بعدها ضاد معجمة -: هو اسم فاعل . والمصح
- بضم الميم وكسر الصاد المهملة وتشديد الحاء - . انظر: عمدة القاري ٢٨٨/٢١.
(٤) أخرجه البخاري ٧ / ١٧٩ (٥٧٧١)، ومسلم ٧ / ٣١ (٢٢٢١) من حديث أبي هريرة .
(٥) الْحُذام : مرض وخيم ربما انتهى إلى تقطّع أطراف اليد وسقوطها عن تقرح ، ويفسد مزاج الأعضاء
وهيأتها . متن اللغة ١ / ٤٩٦ .
(٦) أخرجه البخاري ٧ / ١٦٤ ( ٥٧٠٧).
(٧) للعلماء مسالك متعددة في الجمع بين هذه الأحاديث . انظر: فتح الباري ١٠ / ١٦٠.
(٨) في الشذا: ((مرضاً)) .
٣٩٠

فَفِي الحديثِ الأَوَّلِ نَفَى رَ﴿ّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ الجَاهِلِيُّ (١) مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُعْدِي بِطَيْعِهِ
ولهذا قالَ: ((فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ )). وفي الثاني أعلَمَ بأنّ اللّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَباً
لِذَلِكَ، وحَذّرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَعْلِبُ وجُودُهُ عِنْدَ وجُودِهِ بِفِعْلِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعَالَى ،
ولهذا في الحديثِ أمثالٌ كثيرةٌ (٢). وكتابُ " مُختِلِفِ الحديثِ " لابنِ قُتِبَةَ فِي هَذَا المعنى،
إِنْ لَمْ يكنْ قَدْ أحسَنَ فِيهِ مِنْ وجْهٍ ، فَقَدْ أَسَاءَ في أشْيَاءَ منهُ قَصُرَ باعُهُ فِيْهَا، وَأَى بِمَا
غيرُهُ أَوْلَى وأقْوَى. وَقَدْ رُوِّيْنا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ بِنِ خُزَيمَةَ الإِمامِ أَنَّهُ قالَ: ((لا
أعرِفُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النِّ (٣) ◌ِ﴿ حديثانِ -ياسْنَادَينٍ صحيحينٍ - مُتَضَادِيْنِ، فَمَنْ كانَ
عِنْدَهُ فَلَيَأْتِي بِهِ لِأُؤَلْفَ بَيْنَهُمَا)) (٤).
القِسْمُ الثَّانِي : أنْ يَتَضَادًا بحيثُ لا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أحَدُهُما : أنْ يَظْهَرَ كَونُ أحَدِهِما ناسِخاً والآخَرُ مَنْسُوخاً ، فَيُعْمَلُ بِالنَّاسِخِ وَيُشْرَكُ
المنسُوعُ .
والثّاني: أنْ لا تَقُومَ دلالةٌ عَلَى أنَّ الناسِخَ أَيُّهُما والمنسُوخَ أَيُّهُمَا، فَيُفزَعَ حِيْنَئذٍ إلى
التَّرْجِيحِ ويُعْمَلَ بِالأَرْجَحِ مِنْهُما والأثْبَتِ ، كالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّواةِ ، أَوْ بِصِفاتِهِمْ في
خمسينَ وَجْهاً مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحاتِ وأكثرَ (٥) ، ولِتَفصِيلها موضِعٌ غيرُ (٦) ذا ، والله
سُبْحانَهُ أعلمُ .
(١) في (م): (( الجاهل)).
(٢) راجع : محاسن الاصطلاح ٤١٥ .
(٣) في (م) و (جـ): ((عن رسول الله)).
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٣٣.
(٥) ذكرها الحازمي في كتابه الاعتبار : ٧ - ١٥، وسردها العراقي في شرح التبصرة ٢ / ٤٣٥ - ٤٣٨،
وانظر : الكفاية ( ٦٠٩ - ٦١٠ ت، ٤٣٤ - ٤٣٦ هـ ) .
(٦) وقد ذكر الحافظ العراقي ما يزيد على المئة ، فلتراجع في التقييد: ٢٨٦، وانظر : شرح التبصرة
٤٣٥/٢ .
٣٩١

النَّوْعُ السَّابِعُ والثّلاَثُونَ
مَعْرِفَةُ الْمَزِيْدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيْدِ (١)
مِثَالُهُ: ما رُوِيَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، قالَ: حَدَّثَنَا (٢) سُفْيانُ ، عَنْ
عبدِ الرَّحمانِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ (٣) بنُ عُبَيْدِ اللهِ، قالَ سَمِعْتُ أبا
إِدْرِيْسَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ وإِلَّةَ بِنَ الأَسْفَعِ، يقولُ: سَمِعْتُ أبا مَرْئِدٍ (٤) الغَنَوِيّ (٥)، يقولُ
سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﴿، يقولُ: ((لاَ تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ ولا تُصَلُوا إليها) فَذِكْرُ سُفيانَ
في هذا الإسنادِ زيادةٌ وَوَهَمّ (٦) ، وهكذا ذِكْرُ أبي إدْرِيسَ : أَمَّا الوَهَمُ فِي ذِكْرٍ سُفْيَانَ
فَمِمَّنْ دُونَ ابنِ المبارَكِ (٧)؛ لأنّ جماعةً ثِقَاتٍ(٨) رَوَوَّهُ عَنِ ابنِ المباركِ عَنِ ابنِ جابرٍ نفسِهِ،
(٥) انظر في هذا النوع :
الإرشاد ٥٧٦/٢-٥٨٠، والتقريب: ١٦١-١٦٢، واختصار علوم الحديث : ١٧٦-١٧٧، والشذا
الفياح ٢ / ٤٧٧ - ٤٧٨، والمقنع ٢ / ٤٨٣ - ٤٨٦، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ /٤٤٠، وفتح
المغيث ٣ / ٧٩ - ٨٢، وتدريب الراوي ٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي :
١٧٠، وفتح الباقي ٢ / ٣٠٦ - ٣١٠، وتوضيح الأفكار ٢ / ٦٤ - ٦٧ .
قال ابن كثير: هو أن يزيد راوٍ في الإسناد رجلاً لَمْ يذكُرُهُ غيرُهُ . وقال ابن حجر: هو ما كانت المخالفة
فيه بزيادة راوٍ في أثناء الإسناد ، ومن لَمْ يزدها أتقن ممن زادها . قال: وشرطه أن يقع التصريح بالسماع
في موضع الزيادة ، وإلاّ فمتى كان معنعناً - مثلاً - ترجحت الزيادة . انظر: اختصار علوم الحديث
٤٨٥/٢، ونزهة النظر : ١٢٦ .
(٢) في (م): ((أُخبرنا)).
(٣) في (جـ): ((بشر)) بالشين المعجمة، وهو خطأ، صوابه ما أثبت ، وهو الموافق لمصادر ترجمته، فهو
بضم الباء وبالسين المهملة . انظر: الإكمال ٢٦٨/١، وتهذيب الكمال ٣٤١/١ .
(٤) بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة . التقريب ( ٥٦٦٦ ).
(٥) بفتح الغين المعجمة والنون ، وكسر الواو. الأنساب ٤ / ٢٨٨ .
(٦) يُقال: وَهِمَ يَوْهَمُ وَهَماً - بالتحريك - إذا غِطَ. انظر: النهاية ٥ / ٢٣٤ ..
(٧) بعد هذا في ( ع): (( لا من ابن المبارك))، ولم ترد في شيء من النسخ الخطية ولا ( م).
(٨) الطرق والروايات مفصلة في شرح التبصرة ٢ / ٤٤٤ - ٤٤٦.
٣٩٢

ومِنْهُم مَنْ صَرَّحَ فيهِ بلفظِ الإِخْبَارِ بَيْنَهُما . وأمَّا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ فيهِ فابنُ المباركَ مَنْسُوبٌ
فيهِ إلى الوَهَمِ ؛ وذلكَ لأنّ جماعةٌ مِنَ الثقاتِ رَوَوْهُ عَنِ ابنِ جابرٍ فلمْ يَذكروا أبا إذْرِيسَ
بَيْنَ بُسْرٍ وواثِلَةَ. وفيهم مَنْ صَرَّحَ فيهِ بسماعٍ بُسْرٍ مِنْ واثلةَ. قَالَ أبو حاتِمِ الرازيُّ:
((يُرَوْنَ أنَّ ابنَ المباركِ وَهِمَ في هذا (١) ، قالَ: وكثيراً ما يُحَدِّثُ بُسْرٌ عَنْ أبي إديسَ فَغَلِطَ
ابنُ المباركِ وظَنَّ أنَّ هذا مِمَّ رُوِيَ عَنْ أبي إدرِيسَ عَنْ واثِلَةَ ، وَقَدْ سَمِعَ هذا بُسْرٌ مِنْ
واثِلَةَ نفسهِ)) (٢).
قلتُ: قَدْ أَلْفَ الخطيبُ الحافظُ في هذا النوعِ كِتَاباً سَمَّاهُ كتابَ " تَمْيِيزِ المزيدِ في
مُتَّصِلِ الأسَانِيدِ " . وفي كثيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ نَظَرٌ؛ لأنّ الإِسْنَادَ الخَالِيَ عَنِ الرَّاوِي الزائِدِ ، إِنْ
كانَ بلفظَةِ ((عَنْ) فِي ذَلِكَ فِينْبَغِي أنْ يُحْكَمَ بإِرْسالِهِ، وَيُحْعَلَ مُعَلَّلاً بالإِسْنادِ الَّذِي ذُكِرَ
فيهِ الزائِدُ ؛ لما (٣) عُرِفَ في نوعِ المعلِّلِ، وكما يأتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللهَ تَعَالَى في النوع
الذي يليهِ . وإنْ كانَ فيهِ تَصريحٌ بالسماعِ أو بالإخبارِ كما في المثالِ الذي أوْرِدناهُ ،
فجائِرٌ أنْ يَكُونَ قد سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رجلٍ عنهُ ، ثُمَّ سَمِعَهُ منهُ نَفسُهُ ، فيكونُ بُسْرٌ في هذا
الحديثِ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ أبي إدريسَ عَنْ واثِلةَ، ثُمَّ لَقِيَ واثلةَ فسَمِعَهُ منهُ كما جاءَ مِثْلُهُ
مُصَرَّحاً بهِ في غيرِ هذا ، اللَّهُمَّ إلاّ أنْ تُوجدَ قرينةٌ تدلُ عَلَى كونِهِ وَهَماً، كَنَحْوِ ما ذكرَهُ
أبو حاتِمٍ في المثالِ المذكورِ . وأيضاً فالظّاهِرُ مِمَّنْ وقَعَ لهُ مِثْلُ ذَلِكَ أنْ يَذْكُرَ السَّماعَيْنِ ،
فإذا لَمْ يَجِئْ عنهُ ذِكْرُ ذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزيادةِ المذكورةِ (٤) ، والله أعلمُ .
(١) العلل لابنه ١ / ٨٠ (٢١٣).
(٢) نقله ابن أبي حاتم في علله ١ / ٨٠ عن أبيه. وانظر: العلل أيضاً ١ / ٣٤٩.
(٣) في (م) : (( كما)).
(٤) راجع : محاسن الاصطلاح : ٤١٨.
٣٩٣

النَّوْعُ الثَّامِنُ والَثِّلاَثُونَ
مَعْرِفَةُ الْمَرَاسِيْلِ الْخَفِيِّ إِرْسَالُهَا (١)
هذا نوعٌ مُهِمٌّ عظيمُ الفائدةِ يُدْرَكُ بالانِّسَاعِ في الروايةِ والجمْعِ لِطُرُقِ الأحاديثِ مَعَ
المعرفَةِ التامَّةِ ، ولِلْخَطيبِ الحافِظِ فيهِ كِتَابُ " التَّفْصِيلِ لِمُبْهَمِ المراسِيلِ "(٢) . والمذكورُ في
هذا الباب منهُ ما عُرِفَ فيهِ الإِرْسالُ بمعرفَةٍ عَدَمِ السَّماعِ مِنَ الراوي فيهِ أوْ عَدَمُ اللقَاءِ ،
كما جاءَ في الحديثِ المرْوِيِّ عَنِ العَوَّامِ بنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي أَوْفَى ، قالَ :
((كانَ النِيُّ ◌َ﴿ّ إذا قالَ بِلالٌ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ نَهَضَ وكَبَّرَ))(٣). رُوِيَ فيهِ عَنْ أحمدَ بنِ
حَتْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: ((العَوَّامِ لَمْ يَلْقَ ابنَ أَبِي أَوْفَى)) (٤). ومنهُ ما كانَ الْحُكْمُ بِإِرْسَالِهِ مُحالاً
عَلَى مَجِيئِهِ مِنْ وجْهٍ آخَرَ بزِيادَةٍ شَخْصٍ واحِدٍ أوْ أَكثَرَ في الموضِعِ المدَّعَى فيهِ الإِرْسالُ ،
كالحديثِ الذي سَبَقَ ذِكْرُهُ في النوعِ العاشِرِ عَنْ عبدِ الرَّزَاقِ ، عَنِ الثّورِيّ، عنْ أبي
إِسْحَاقَ ، فإِنَّهُ حُكِمَ فيهِ بالانْقِطاعِ والإِرْسَالِ بَيْنَ عبدِ الرَّزَّاقِ والثّورِيِّ؛ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ
عبدِ الرَّزَاقِ ، قالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بنُ أَبِي شَيْئَةَ الْحَنَدِيُ (٥) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
وحُكِمَ أيضاً فيهِ بالإِرْسَالِ بَيْنَ الثّوْرِيّ وأبي إِسْحَاقَ؛ لأَنّهُ رُوِيَ عَنِ الثّوْرِيِّ، عَنْ شَرِيكٍ،
(٣) انظر في هذا النوع :
الكفاية في علم الرواية: (٥٤٦ ت - ٣٨٤ هـ)، والإرشاد ٥٨١/٢ - ٥٨٣، التقريب: ١٦٢،
واختصار علوم الحديث: ١٧٧ - ١٧٨، والشذا الفياح ٤٧٩/٢ - ٤٨٢، والمقنع ٢ / ٤٨٧-٤٨٩،
ونزهة النظر ١٠٩-١١٢، وطبعة عتر : ٤٣ - ٤٤، وفتح المغيث ٣ / ٧٩ - ٨٢، وتدريب الراوي
٢ / ٢٠٥ - ٠٢٠٦
(٢) انظر : شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٤٤.
(٣) أخرجه البزار ١ / ٢٥٢ (كشف)، والبيهقى ٢ / ٢٢، وقال عقيبه: ((وهذا لا يرويه إلا الحجاج بن
فروخ، وكان يحيى بن معين يضعفه)). انظر: مجمع الزوائد ٢ / ١٠٣ .
(٤) جامع التحصيل : ٢٤٩ ( ٥٩٦ ).
(٥) بفتح الجيم والنون . التقريب ( ٧١٥٧).
٣٩٤

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (١) ، وهذا وما سَبَقَ في النوعِ الذي قبلَهُ يَتَعَرَّضانِ؛ لأنْ يُعْتَرِضَ بِكُلٌ
واحِدٍ منهُما عَلَى الآخَرِ ، عَلَى ما تَقَدَّمَتْ الإِشَارَةُ إليهِ ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلاَثُونَ
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ﴿ أَجْمَعِيْنَ (٢)
هذا عِلْمٌ كبيرٌ قَدْ أَلْفَ الناسُ فيهِ كُتُباً كَثِيرَةً (٣) ، ومِنْ أَجَلِّها (٤) وأَكْثَرِها فوائِدَ
كتابُ " الاسْتِيعَابِ " لابنِ عبدِ البِرِّ لولا ما شَانَهُ بهِ مِنْ إيرادِهِ كَثِيراً مِمَّا
شَجَرَ بَيْنَ الصحابةِ وحكاياتِهِ عَنِ الأخبارِيِّيْنَ لا المحدِّثينَ. وغالبٌ عَلَى الأخبارِيِّينَ الإِكْثَارُ
والتخليطُ فيما يَرْوُونَهُ .
(١) بعدها في (م) وحاشية الشذا الفياح: ((وما رواه بكر بن بكار وغيره عن المسعودي، عن عبد الكريم
ابن مالك الجزري، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن علي: ((أمرني رسول الله ﴿ أن أتصدق بلحوم
البدن وجلالها وجلودها )) ، فهذا قد حكم فيه بالإرسال بين عبد الكريم الجزري وابن أبي ليلى ، وبأن
بينهما مجاهداً ؛ ولأن ابن عيينة وإسرائيل بن يونس وغيرهما رووه عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن ابن
أبي ليلى)). وهذا النص الطويل لا نظنه لابن الصلاح بل هو لأحد المحشين، وإلا كيف نفسر عدم
وجوده في نسخنا الخطية والتقييد ولا في من اختصر الكتاب أو شرحه، ولم نجد أحداً نسب ذَلِكَ لابن
الصلاح .
(٢) انظر في ذلك :
معرفة علوم الحديث : ٢٢ - ٢٥، والكفاية : (٩٣ - ١٠٢ ت، ٤٦ - ٥٢ هـ)، والإرشاد ٥٨٤/٢
- ٦٠٥، والتقريب: ١٦٢ - ١٦٥، واختصار علوم الحديث: ١٧٩-١٩١، والشذا الفياح ٤٨٣/٢
- ٥١٨، والمقنع ٤٩٠/٢ - ٥٠٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٥/٣ - ٥٦، وفتح المغيث ٨٣/٣ -
١٣٨، وتدريب الراوي ٢ / ٢٠٦ - ٢٣٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٧١، وفتح الباقي
٢/٣ - ٤٤، وتوضيح الأفكار ٤٢٦/٢ - ٤٧١، وظفر الأماني ٤٩٦ - ٥١٣ .
(٣) انظر: الإصابة ١ / ٢ - ٣، وشرح التبصرة ٥/٣، والرسالة المستطرفة: ١٢٦.
(٤) في (ب) و (جـ) و (م) والشذا الفياح: ((أحلاها))، وما أثبتناه من (أ) و ( ع) والتقييد.
٣٩٥

وأنا أُوْرِدُ نُكَناً نافِعَةٌ - إنْ شَاءَ الله تَعَالَى - قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمُصَنِّفي كُتُبِ الصَّحابةِ
أنْ يُتَوِّجُوها بها مُقَدِّمينَ لها في فواتِحِها :
إحْداها : اختلَفَ أهلُ العِلْمِ في أنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ (١)؟ فالمعروفُ مِنْ طريقةِ أهلِ
الحديثِ أنّ كُلِّ مُسْلِمٍ رأى رسُولَ اللهِلَ﴿ه فَهُوَ مِنَ الصحابةِ. قالَ الْبُخَارِيُّ في
" صحيحهِ ": ((مَنْ صَحِبَ النِيَّلِ﴿ أَوْ رَأَهُ مِنَ المسْلِمِيْنَ فَهُوَ مِنَ أَصْحَابِهِ)) (٢) . وبَلَغَن!
عَنْ أَبِي الْمُظَفِّرِ السَّمْعَانِيِّ الْمَرُوزِيّ أنَّهُ قَالَ: ((أصْحابُ الحديثِ يُطْلِقُونَ اسمَ الصَّحابةٍ
عَلَى كُلِّ مَنْ رَوَى عنهُ حديثاً أو كَلِمَةٌ، ويَتَوَسَّعُونَ حَتَّى يَعِدُّونَ مَنْ
رَآهُ رُؤْيَةٌ، مِنَ الصحابةِ؛ وهذا لِشَرَفِ مَنْزِلَةِ النِّ ◌ِ﴿، أعطَوا كُلِّ مَنْ رَأَهُ حُكْمَ
الصُّحْبَةِ )). وذَكَرَ أنّ اسمَ الصحابِيِّ مِنْ حيثُ اللغَةُ والظَّاهِرُ: يقعُ عَلَى مَنْ طَالَتْ
صُحْبَتُهُ لِلنَبِّ ﴿ وَكَثُرَتْ مُجَالَسَتُهُ لَهُ عَلَى طريقِ الَّبَعِ لهُ والأخْذِ عنهُ. قالَ: ((وهذا
طريقُ الأُصُولِّيْنَ)) (٣).
قلتُ: وَقَدْ رُوِّيْنَا عَنْ سَعِيْدِ بنِ المسَيِّبِ أَنَّهُ كانَ: ((لاَ يَعُدَّ الصَّحابِيَّ إِلاَّ مَنْ أَقامَ
مَعَ رسولَ اللهِ ﴿ّ سَنَةً وسَنَتَيْنٍ وَغَزَا معهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ)) (٤)، وكأنّ المرادَ بهذا - إنْ
صَحَّ عنهُ - راجعٌ إلى المحْكِيِّ عَنِ الأُصُولِّيْنَ ، ولَكِنْ في عبارتِهِ ضيقٌ يُوجِبُ أنْ لا يُعَدَّ مِنَ
(١) في (م) : ((من هو ؟)).
(٢) صحيح البُخَارِيّ ٢/٥ قبيل (٣٦٤٩)، وأورده الخطيب مسنداً في الكفاية: (٩٩ ت - ٥١ هـ).
(٣) انظر مثلاً: مختصر ابن الحاجب ٦٧/٢، والمستصفى ١٦٥/١، وإحكام الأحكام ٢٧٥/١، وفواتح
الرحموت ٢ / ١٥٨، وظفر الأماني: ٣٠٤ قال ابن الملقن في المقنع ٢ / ٤٩١: ((لكن رجح ابن
الحاجب الأصولي الأول، وعبر بقوله: ((من رآه رسول الله وَّ بدل من رأي ، وما رجحه موافق
للمعروف عِنْدَ المحدّثين ، ويدخل في تفسيره ابن أم مكتوم الأعمى وغيره بخلاف الأول . انظر : منتهى
الوصول لابن الحاجب : ٨١ .
(٤) أسنده إليه الخطيب في الكفاية: ( ٩٩ ت، ٥٠ هـ ) من طريق ابن سعد عن الواقدي محمد بن عمر ، عن
طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب ، عن أبيه ، قال : كان سعيد يقول : فذكره .
وهذا سند ضعيف جداً لشدة ضعف الواقدي. قال العراقي في شرح التبصرة ٣ / ١٢ - ١٣ :
(( ولا يصح هذا عن ابن المسيب ، ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي: ضعيف في الحديث)).
٣٩٦

الصحابةِ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البَحَلِيُّ ، ومَنْ شَارِكَهُ فِي فَقْدِ ظَاهِرٍ ما اشْتَرَطَهُ فيهم مِمَّنْ لا
تَعْرِفُ خلافاً في عَدِّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ (١) . وَرُوِّيْنَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُؤْسَى السَّبَلَانِيِّ (٢)
- وأثْنَى عليهِ خَيْراً - قالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بنَ مالكٍ فقلْتُ: هَلْ بَقِيَ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ
﴿ أَحَدٌ غيرُكَ؟ قالَ: بَقِيَ ناسٌ مِنَ الأَعْرابِ قَدْ رَأَوْهُ، فأمَّا مَنْ صَحِبَهُ فلا (٣). إسْنادُهُ
جِيِّدٌ ، حدَّثَ بِهِ مُسْلِمٌ بِحَضْرَةٍ أَبِي زُرْعَةَ .
ثُمَّ إنّ كَوْنَ الواحِدِ مِنْهُمْ صَحابيّاً تَارَةً يُعْرَفُ بالثَّواثُرِ (٤) ، وتارَةً بالاسْتِغَاضَةِ
القاصِرَةِ عَنِ التواتُرِ ، وتارَةٌ بأنْ يُرْوَى عَنْ آحادِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ صَحابِيٌّ ، وتارَةٌ بِقَوْلِهِ
وَإِخْبَارِهِ عَنْ نَفسِهِ بَعْدَ تُبُوتِ عَدَالَتِهِ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ (٥) ، والله أعلمُ .
الثّانِيَةُ: لِلصَّحَابَةِ بِأُسْرِهِمْ خَصِيْصَةٌ، وهيَ أَنَّهُ لا يُسْألُ عَنْ عَدَالَةِ أحَدٍ مِنْهُم، بلْ
ذَلِكَ أمرٌ مفروٌ منهُ لِكَوْنِهِمْ عَلَى الإِطْلاقِ مُعَدَّلِيْنَ بِنُصُوصِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ وإِجْمَاعِ مَنْ
يُعْتَدُّ بِهِ في الإجماعِ مِنَ الأمَّةِ .
قالَ الله تباركَ وتَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٦) الآيةَ. قِيلَ
أَّفَقَ المفسرونَ عَلَى أَنَّهُ وارِدٌ في أصْحابِ رسولِ اللهِوَلِ(٧)، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُوْنُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٨)، وهذا خِطابٌ مَعَ الموجُودِينَ
(١) راجع : محاسن الاصطلاح ٤٢٤ .
(٢) كذا في (أ) و (جـ) و (ع) و (م) والشذا، وفي التقييد: ((السيلاني)) بالياء المثناة من تحت ، ومثله في
شرح التبصرة ١٢/٣، والجرح والتعديل ١٦٩/٨. وفي (ب): ((السلاني)). راجع: التقييد والإيضاح:
٣٩٩، والأنساب ٣٩٢/٣، وتهذيب الكمال ٢٩١/١، واللباب ١٧٠/٢، والباعث الحثيث ٤٩٤/٢.
(٣) أسنده ابن عساكر في تاريخ دمشق ٩ / ٣٧٩ ، وهو في تهذيب الكمال للمزي ٣ / ٢٧٦.
(٤) راجع محاسن الاصطلاح ٤٢٧، والتقييد والإيضاح ٢٩٩ .
(٥) انظر: الكفاية (١٠٠ ت، ٥٢ هـ ).
(٦) آل عمران : ١١٠.
(٧) لَمْ نرَ أحداً نقل الاتفاق في ذلك ، وانظر: تفسير الطبري ٢٩/٤، وتفسير البغوي ٤٩١/١، وزاد المسير
١ / ٤٣٩، وتفسير ابن كثير ١ / ٥٣٠، والدر المنثور ٢ / ٢٩٤.
(٨) البقرة : ١٤٣ .
٣٩٧

حِيْتَئذٍ (١). وقالَ سُبْحانَهُ وتَعَالَى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله والَّذِيْنَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
الكُفَّارِ﴾ (٢) الآيةَ.
وفي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشاهِدةِ بذلكَ كثرةٌ، منها حديثُ أَبِي سَعِيْدٍ الْمَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ،
أنّ رَسُولَ اللهِفَ ﴿لَ قَالَ: (( لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوَالّذي نَفْسِي بيدِهِ، لوْ أنّ أحَدَكُمْ أَنْفَقَ
مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً ما أدْرَكَ مُدَّ (٣) أحَدِهِمْ ولا نَصِيْفَهُ)) (٤). ثُمَّ إِنَّ الأُمَّةَ مُحْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ
جَمِيْعِ الصَّحَابَةِ (٥) ، ومَنْ لاَبَسَ الفِتَنَ مِنْهُم فكذلكَ بإجْماعِ العلماءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بهم في
الإجماعِ، إحْساناً للظّرِّ بهم ونَظَراً إلى ما تمهَّدَ لهم مِنَ المآثِرِ، وكأَنَّ اللّهَ سُبْحانَهُ وتعالى
أتاحَ (٦) الإجماعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيْعَةِ (٧) ، والله أعلمُ ..
الثّالِثَةُ: أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللهِ﴿ أَبو هُرَيْرَةَ (٨) . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ
سَعِيدٍ بنِ أبي (٩) الحسَنِ ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ ، وذَلِكَ مِنَ الظاهِرِ الذي لا يَخْفَى عَلَى
(١) انظر : تفسير البغوي ١ / ١٧٤.
(٢) الفتح : ٢٩ .
(٣) الْمُدُّ - بضم الميم - مكيال معروف، وإنما قَدَّره به ؛ لأنه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة . وحكى
الخطّابِي أَنَّهُ روي بفتح الميم قال: والمراد به : الفضل والطول . والنصيف بوزن رغيف، هو النصف كما
يقال : عشر عشير ، وقيل: النصيف هنا مكيال يكال به، وهو دون المد. انظر: النهاية ٤ / ٣٠٨،
وفتح الباري ٧ / ٣٤، وعمدة القاري ١٦ / ١٨٨ .
(٤) أخرجه الطيالسي (٢١٨٣)، وعلي بن الجعد (٧٦٠) و (٣٥٥٣)، وابن أبي شيبة ١٢ / ١٧٤،
وأحمد ٣ / ١١ و٥٤، وفي الفضائل (٥) و(٦) و (٧)، وعبد بن حميد (٩١٨)، والبخاري ١٠/٥،
ومسلم ٧ / ١٨٨، وأبو داود ( ٤٦٥٨)، وابن أبي عاصم ( ٩٨٨) إلى (٩٩١)، والترمذي
(٣٨٦١)، والبزار ( ٢٧٦٨)، وأبو يعلى (١٠٨٧) و ( ١١٩٨)، وابن حبان (٦٩٩٤ )،
والخطيب البغدادي ٧ / ١٤٤، والبغوي (٣٥٩) من حديث أبي سعيد الخدري .
(٥) لذا قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ١ / ١١: ((والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو
المعتبر )) .
(٦) تاح له الشيء، وأتيح له الشيء، أي: قُدّرَ لهُ، وأتاح له الشىء، أي قدره له. الصحاح ٣٥٦/١.
(٧) راجع التقييد: ٣٠١.
(٨) راجع: محاسن الاصطلاح ٤٢٩، وشرح التبصرة ٣ / ٢١ .
(٩) سقطت من (م).
٣٩٨

حَدِيْثِيٍّ ، وهوَ أوَّلُ صَاحِبٍ حديثٍ (١) . بَلَغَنَا عَنْ أبي بكرِ بنِ أبي داودَ السِّجسْتَانِيِّ قَالَ :
(( رأيْتُ أبا هُرَيْرَةَ في النومِ وأنا بِسَحستانَ أُصَنِّفُ حديثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ (٢): إِنِّي
لِأُحِبُّكَ ، فقالَ : أنا أَوْلُ صَاحِبِ حديثٍ كانَ في الدُّنْيا)).
وَعَنْ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ أيضاً عُه قالَ: «سِتَّةٌ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ◌َ﴿ أكثروا الروايةَ
عنهُ وَعُمِّرُوا : أبو هريرةَ ، وابنُ عُمَرَ ، وعائشةُ ، وجابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ، وابنُ عَبَّاسٍ ،
وأنَسٌ ، وأبو هُرَيْرَةَ أكْثَرُهُمْ حديثاً وحَمَلَ عنهُ الثّقاتُ)) .
ثُمَّ إِنَّ أكثَرَ الصحابةِ فُتْيا تُرْوَى ابنُ عباسٍ ، بَلَغَنَا عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلِ قالَ: ((ليسَ
أحَدٌ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﴿ يُرْوَى عنهُ في الفتوى أكثرَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)) .
وَرُوِّيْنَا عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أيضاً أَّهُ قِيلَ لهُ: (( مَنِ العَبادِلَةُ؟ ))، فقالَ: ((عبدُ الله
ابنُ عَبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيِ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو)). قيلَ لهُ:
((فابنُ مَسعودٍ؟ ))، قالَ: (( لا، ليسَ عبدُ الله بنُ مسعودٍ مِنَ العبادلةِ)(٣). قالَ الحافِظُ
أحمدُ البَيْهَقِيُّ فيما رُوّيْناهُ عنهُ وقرأْتُهُ بِخَطّهِ: (( وهذا لأنَّ ابنَ مسعودٍ تَقَدَّمَ مَوْتُّهُ، وهؤلاءٍ
عاشُوا حَتَّى احتِيْجَ إلى عِلْمِهِمْ، فإذا اجْتَمَعُوا عَلَى شيءٍ قيلَ: هذا قَوْلُ العبادِلَةِ، أوْ:
هذا فِعْلُهُمْ)) (٤) .
قُلْتُ: ويَلْتَحِقُ بابنِ مَسعودٍ فِي ذَلِكَ سائِرُ العبادِلَةِ الْمُسَمَّيْنَ بعبدِ اللهِ مِنَ الصحابةِ ،
وهُمْ نَحْوُ مِئَتَيْنِ وعِشْرِينَ نَفْساً (٥) ، واللهُ أعلمُ .
وَرُوِّيْنا عَنْ عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ المدينيِّ قالَ: ((لَمْ يَكُنْ مِنْ أصحابِ النِيِّ:﴿ أَحَدٌ
لهُ أصْحَابٌ يَقُومُونَ بِقَوْلِهِ في الفِقْهِ إِلاَّ ثَلاثَةٌ: عبدُ الله بنُ مسعودٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ،
(١) قال الشافعي رحمه الله: (( أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره)). الرسالة: ٢٨١، وانظر :
تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ٢٧٠ .
(٢) في (أ): (( فقلت له)) .
(٣) نقله النووي في تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٢٦٧.
(٤) نقله النووي في تهذيب الأسماء واللغات ١ / ٢٦٧ .
(٥) راجع: محاسن الاصطلاح ٤٣٠، والتقييد والإيضاح ٣٠٣، وفي الإصابة أسماء كثيرة ممن اسمه عبد الله.
انظر : ٢ / ٢٧٣ - ٣٨٧ منه .
٣٩٩

وابنُ عِبَّاسِ ﴿ه، كانَ لِكُلِّ رجلٍ مِنْهُم أصحابٌ يَقُومُونَ بقَولِهِ وَيُفْتَونَ النَّاسَ)) (١)،
وَرُوِّيْنَا عَنْ مَسْروقٍ قَالَ: ((وَجَدْتُ عِلْمَ أَصْحَابِ النِّ لَ﴿ّ انتهى إلى سِنَّةٍ: عُمَرَ، وعَلِيِّ،
وأُبيِّ ، وزيدٍ ، وأبي الدَّرْداءِ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ. ثُمَّ انتهى عِلْمُ هَؤلاءِ السَّةِ إلى اثْنَيْنِ :
عليٍّ، وعبدِ اللهِ)) (٢). رُوِّيْنَا نَحْوَهُ عَنْ مُطَرِّفٍ (٣) عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقِ، لكنْ ذَكَرَ
أبا موسَى بدَلَ أبي الدَّرْدَاءِ (٤). ورُوّيْنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: ((كانَ العِلْمُ يُؤْخَذُ عَنْ سِيَّةٍ مِنْ
أصحابِ رسولِ اللهِ ﴿، وكانَ عُمَرُ، وعبدُ اللهِ، وزيدٌ، يُشْبِهُ عِلْمُ بعضِهِمْ بَعضاً،
وكانَ يَقْتَبِسُ بَعضُهُمْ مِنْ بَعضٍ ، وكانَ عليٍّ ، والأشْعَرِيُّ، وأُبَيٌّ ، يُشْبِهُ عِلْمُ بعضِهِمْ
بَعضاً، وكانَ يَقْتُبِسُ بَعضُهُمْ مِنْ بَعضٍ)) (٥) . ورُوَّيْنا عَنِ الحافِظِ أحمدَ البَيْهَقِيِّ أنْ
الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ الصَّحابَةَ في " رسالتِهِ " القديمةِ وَأَثْنَى عليهِمْ بما هُمْ أهلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((وهُمْ
فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ ، واجْتِهادٍ ، وَوَرَعِ ، وعَقْلٍ ، وأمْرٍ اسْتُدْرِكَ بهِ عِلْمٌ واسْتُنْبِطَ بهِ،
وآراؤُهُمْ لنا أحمدُ وأَوْلَى بنا مِنْ آَرَائِنَا عِنْدَنا لأَنْفُسِنا) ، والله أعلمُ .
الرَّابِعَةُ: رُوّيْنَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عِدَّةِ (٦) مَنْ رَوَى عَنِ النِّ ◌ِ﴿ْ،
فقالَ: (( ومَنْ يَضْبِطُ هذا؟ شَهِدَ مَعَ النبيِّ لَ ﴿ّ حَجَّةَ الوداعِ أربعونَ ألِفاً، وشَهِدَ معهُ
تَّبُوكَ سَبعون ألفاً (٧). ورُوّيْنا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ أيضاً أنَّهُ قيلَ لهُ : ((أَلَيْسَ يُقَالَ: حديثُ النسيِّ
◌ِ* أربعةُ آلاَفِ حديثٍ؟))، قالَ: «ومَنْ قالَ ذا؟ قَلْقَلَ اللّهَ أَنْيَابَهُ! هذا قولُ الزَّنَادِقَةِ،
ومَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رسولِ اللهِ وَ﴿، قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ عَنْ مِئَةٍ أَلْفٍ وأربَعَةَ عَشَرَ ألفاً
(١) العلل لابن المديني: ٤٥، ورواه عنه البيهقي في المدخل (١٥٥)، والخطيب في الجامع ٢٨٨/٢ (١٨٨٤).
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته ٢ / ٣٥١ ، وابن المديني في العلل: ٤٤، ويعقوب بن سفيان في المعرفة
والتاريخ ١ / ٤٨١ .
(٣) بضم الميم، وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة كَمُحَدِّث. انظر: الإكمال ٧ / ٢٠٠، وتاج
العروس ٢٤ / ٨٥ .
(٤) طبقات ابن سعد ٢ / ٣٥١.
(٥) أخرجه أبو خيثمة في العلم (٩٤)، والبيهقي في المدخل (١١٩ ).
(٦) راجع: التقييد والإيضاح : ٣٠٥.
(٧) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١٨٩٣).
٤٠٠