Indexed OCR Text

Pages 341-360

وسألَ بعضُ أهلِ الحديثِ أبا إسْحَاقَ إبراهِيمَ بنَ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيَّ المُقَدَّمَ في الفقهِ والأُصُولِ
عَنْ ذَلِكَ ، فقالَ: (( لاَ يَجوزُ لِمَنْ سَمِعَ عَلَى هذا الوصفِ أنْ يرويَ الحديثَ بما فيهِ مِنَ
الألفاظِ عَلَى التفصيلِ» .
وسألَ أبو بكرِ البَرْقَانِيُّ الحافِظُ الفقيهُ أبا بكرِ الإِسْماعِلِيَّ الحافِظَ الفَقيهَ عَمَّنْ قَرَّأَ
إِسْنَادَ حديثٍ عَلَى الشَّيْخِ، ثُمَّ قالَ: ((وذكرَ الحديثَ)) ، هلْ يَجوزُ أنْ يُحَدِّثَ بجميع
الحديثِ ؟ فقالَ : إذا عَرَفَ المحدِّثُ والقارئُ ذَلِكَ الحديثَ فأرْجُو أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ والبيانُ
أَوْلَى أَنْ يَقُولَ کما کَانَ (١) .
قلتُ : إذا جَوَّزْنَا ذَلِكَ، فالتحقيقُ فيهِ أَنَّهُ بطريقِ الإِجازَةِ فيما لَمْ يَذْكُرُهُ الشَّيْخُ ،
لكنّها إجازَةٌ أُكِيدَةٌ قَوِيَّةٌ مِنْ جهات عديدة ، فجازَ لهذا مَعَ كونِ أوْلِهِ سماعاً إدراجُ الباقي
عليهِ من غيرِ إفرادِ لهُ بلفظِ الإِجازَةِ (٢) ، والله أعلمُ .
الثّامِنَ عَشَرَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَغييرُ ((عَنِ النِيِّ)) إلى ((عَنْ رسولِ اللهِ ◌َِّ)) ،
وكذا بالعكسِ ، وإِنْ حازَتِ الروايةُ بالمعنى ، فإنَّ شَرْطَ ذَلِكَ ألاَّ يَخْتَلِفَ المعنى، والمعنى
في هذا مختلفٌ (٣). وثبتَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ رأَى أباهُ إذا كانَ في الكِتاب
((النبيُّ)) فقالَ المحدِّثُ: ((عَنْ رسولِ اللهِ ﴿لَ)، ضَرَبَ وَكَتَبَ: ((عَنْ رسولِ اللهِ﴿))(٤)
وقالَ الخطيبُ أبو بكرٍ : «هذا غيرُ لازمٍ، وإِنَّمَا اسْتَحَبَّ أحمدُ أتِّبَاعَ المحدِّثِ في لفظِهِ،
وإلاّ فمذهبُهُ الترخيصُّ فِي ذَلِكَ)) (٥)، ثُمَّ ذكرَ بإِسْنادِهِ عَنْ صالِحٍ بِنِ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ ،
قالَ: ((قلتُ لأبي: يكونُ في الحديثِ: قالَ رسولِ اللهِعَ ﴿ّ فيجعَلُ الإنسانُ: قالَ النيُّ
﴿ّ، قالَ: أرجو ألاّ يكونَ بهِ بأسٌ)) ((٦). وذكرَ الخطيبُ بسَنَدِهِ (٧) عَنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ
(١) الكفاية : (٤٤٥ ت، ٣١١ هـ ) .
(٢) قال البلقيني في المحاسن : ٣٥٥: ((وعلى تقدير الإجازة ، لا يكون أولى بالمنع من: مثله، ونحوه، إذا
كان الحديث بطوله معلوماً لهما كما ذكر ((الإسماعيلي))، بل يكون أولى بالجواز)).
(٣) راجع: نكت الزركشي ٣ / ٦٣٣، والتقييد والإيضاح: ٢٣٩.
(٤) أسنده الخطيب في الكفاية : ( ٣٦٠ ت، ٢٤٤ هـ ) .
(٥) الكفاية : ( ٣٦٠ ت ، ٢٤٤ هـ ) .
(٦) أسنده الخطيب في الكفاية: ( ٣٦٠ ت، ٢٤٤ هـ ) .
(٧) في (جـ ): ((سنده)) .
٣٤١

أَنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ وبِينَ يديهِ عَفَّنُ وبَهْزٌ، فحَعَلا يُغَيِرانِ: ((النِيَّ ◌ِ﴿َ)) مَنْ (( رسولِ اللهِ
﴿))، فقالَ لهما حَمَّدٌ: أمَّا أنْتُما فلا تَفْقَهان أبداً)) (١)، والله أعلمُ .
التاسعَ عَشَرَ : إذا كانَ سَمَاعُهُ عَلَى صفةٍ فيها بعضُ الوَهْنِ (٢) فَعَليهِ أنْ يَذْكُرَهد في
حَالَةِ الروايةِ ، فإنّ في إغفالِها نوعاً من التَّدْلِيسِ ، وفيما مَضَى لنا أمثِلَةٌ لذلكَ. ومِنْ أَمْثِلَتِهِ
ما إذا حَدَّثَّهُ المحدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ في حالةِ المذاكَرَةِ فَلْيَقُلْ: حَدَّثَنَا فُلانٌ مُذَاكَرَةً ، أو حَدَّثَنَاهُ
في الْمُذاكَرةِ ، فقدْ كانَ غيرُ واحدٍ مِنْ مُتَقدِّمي العلماءِ يَفْعَلُ ذَلِكَ . وكانَ جماعَةٌ مِنْ
حُفّاظِهِمْ يمنعونَ مِنْ أنْ يُحمَلَ عَنْهُمْ فِي الْمُذاكَرةِ شيءٌ، مِنْهُم: عبدُ الرحمانِ بنُ
مَهديٍّ (٣) وأبو زُرْعَةَ الرازِيُّ (٤) . رُوِيْناهُ عَنِ ابنِ المبارَكِ (٥) وغيرِهِ . وذلكَ لِمَا يَقَعُ فيها
مِنَ المساهَلَةِ مَعَ أنَّ الْحِفْظَ حَوَّانٌ ، ولذلكَ امْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أعلامِ الحفّاظِ مِنْ روايةِ ما
يَحْفَظونَهُ إِلاَّ مِنْ كُتُبِهِمْ، مِنْهُم: أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ﴿ه أجمعينَ (٦) ، والله أعلمُ .
العِشرونَ : إذا كانَ الحديثُ عَنْ رَحلينِ أحدُهُما مَجروحٌ ، مثلُ أنْ يكونَ عَنْ
ثابتٍ الْبُنَانِيِّ (٧) ، وأبانَ بنِ أبي عَّاشِ (٨) ، عَنْ أنسٍ فلا يُسْتَحْسَنُ إسْقَاطُ المجروحِ مِنَ
الإِسْنادِ والاقْتِصارُ عَلَى ذِكْرِ الثّقَةِ، خوفاً مِنْ أنْ يَكُونَ فيهِ عَنِ المجروحِ شيءٌ لَمْ يَذْكُرْهُ
(١) أخرجه الخطيب في الكفاية: (٣٦١ ت، ٢٤٤ - ٢٤٥ هـ)، وانظر: محاسن الاصطلاح ٣٥٦.
(٢) فال الزركشي في نكته ٣ / ٦٣٤: ((ظاهره الوجوب، وعبارة الخطيب: أستحب أن يقول: حدثناه
في المذاكرة». وانظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٣٧ .
(٣) انظر: بعض الآثار الواردة عنه في ذَلِكَ مسندة في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١١١٠)
و ( ١١١١ ).
(٤) انظر: ما أسنده الخطيب في الجامع (١١١٢) و (١١١٣).
(٥) انظر: بعض الآثار الواردة عنه في هذا الموضوع في الجامع ( ١١١٢ ).
(٦) لذلك قال الإمام علي بن المديني : (( ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حَتْبَلٍ ، وبلغني أنّهُ
لا يحدث إلا من كتاب ، ولنا فيه أسوة)). وانظر: مزيداً من ذَلِكَ في الجامع ٢ / ١٢ - ١٣.
(٧) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١ / ٤٠٢ ( ٧٩٧).
(٨) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١ / ٩٥ (١٣٨).
٣٤٢

الثِّقَةُ ، قالَ نحواً مِنْ ذَلِكَ أحمدُ بنُ حَتْبَلِ (١)، ثُمَّ الخطيبُ أبو بكرٍ (٢) . قالَ الخطيبُ:
(( وكانَ مسلمُ بنُ الحَّاجِ (٣) في مثلِ هذا رُبَّما أسْقَطَ المجروحَ مِنَ الإِسْنَادِ وَيَذْكُرُ الثّقَةَ ،
ثُمَّ يَقُولُ: (( وآخرُ )) كِنايَةٌ عَنِ المجروحِ)). قالَ: (( وهذا القولُ لا فائدةَ فيهِ)) (٤) .
قلتُ : وهكذا يَنْبَغِي إذا كانَ الحديثُ عَنْ رَجَلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَلاَّ يُسْقِطَ أحدَهُما منهُ ؛
◌ِتَطَرُّقِ مثلِ الاخْتِمالِ المذكورِ إليهِ ، وإنْ كانَ محذورُ الإِسْقَاطِ فيهِ أَقَلْ ، ثُمَّ لاَ يَمتنعُ ذَلِكَ
في الصورتينِ امْتِناعَ تحريمٍ؛ لأنّ الظاهِرَ اتِّفَاقُ الروايتينِ (٥) ، وما ذُكِرَ مِنَ الاخْتِمالِ نادِرٌ
بعيدٌ فإِنَّهُ مِنَ الإِدْراجِ الذي لا يجوزُ تَعَمُّدُهُ كما سَبَقَ في نوعِ المدرجِ ، والله أعلمُ .
الحادي والعِشْرونَ: إذا سَمِعَ بَعْضَ حديثٍ مِنْ شيخٍ ، وَبَعْضَهُ مِنْ شيخٍ آخرَ
فَخَلَطَهُ وَلَمْ يُمَيِّزْهُ وعَزَى الحديثَ جُملةً إليهما مُبَيِّناً أنَّ عَنْ أُحدِهِما بعضَهُ، وَعَنِ الآخَرِ
بَعْضَهُ فذلكَ جَائِزٌ كما فعلَ الزُّهْرِيُّ (٦) في حديِ الإِفْكِ حيثُ رواهُ عَنْ عُرْوَةَ ، وابنٍ
الْمُسَيِّبِ، وعلقمةَ بنِ وقّاصِ اللَّيْئِيِّ، وعُبَيْدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ، عَنْ عَائِشَةً
- رَضِيَ اللهُ عَنْها - وقالَ: ((وكُلُّهُمْ حَدَّثَن طائفةٌ مِنْ حديثِها قالوا: قالتْ : ...
الحديثَ (٧) . ثُمَّ إِنَّهُ ما مِنْ شيءٍ مِنْ ذَلِكَ الحديثِ إلاّ وهوَ في الحِكْمِ كأنّهُ رواهُ عَنْ أَحَدٍ
الرجلَينِ عَلَى الإبهامِ ، حتَّى إذا كانَ أحدُهُما مجروحاً لَمْ يَحُزْ الاخْتِحجاجُ بشيءٍ من ذَلِكَ
الحديثِ ، وغيرُ جَائِزٍ لأَحَدٍ بعدَ اخْتِلاطِ ذَلِكَ، أنْ يُسْقِطَ ذِكْرَ أحَدِ الراويَينِ (٨) ويَسرْويَ
(١) الكفاية : ( ٥٣٧ ت، ٥٣٧٨).
(٢) انظر: الكفاية (٥٣٧ - ٥٣٨ ت، ٣٧٧ - ٣٧٨ هـ ).
(٣) وكذلك صنع الإمام البخاري والنسائي، انظر: تهذيب الكمال ٢٥٥/٤-٢٥٦ ترجمة عبد الله بن لهيعة.
(٤) الكفاية : ( ٣٧٨ هـ، ٥٣٧ ت )، قلنا : وقد تعقبه الزركشي في نكته ٣ / ٦٣٤ فقالَ: «بل له فائدةٌ
وهو الإعلام بأنه رواه عن رجلين، وأن المذكور لم ينفرد، وفيه تتبع الطرق)). وانظر : محاسن
الاصطلاح : ٢٥٧ .
(٥) في (أ) و (ب) والشذا والتقييد: ((الراويين)).
(٦) قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٣٥: (( ما ذكره في حديث الإفك قد تقدم أن الزُّهْرِيّ قال فيه - بعد أن
ذكر ما ذكر: الذي حَدَّثَن عروة عن عائشة . وساقه من طريق عروة - ، وقد تقدم مافيه)).
(٧) صحيح البخاري ٣ / ٢١٩ و٤ / ٤٠ و٥ / ١١٠ و١٤٨ و٦ /٩٥ و٩٦ و٨ /١١٢ و١١٨ و
١٦٨ و ١٧٢ و٩ / ١٣٩ و ١٧٦ .
(٨) في (جـ ): ((الرِّوَايَتَيْنِ)).
٣٤٣

الحَدِيثَ عَنِ الآخَرِ وَحْدَهُ ، بلْ يَجِبُ ذِكْرُهُما جميعاً مَقْرُوناً بالإفصاح بأنّ بعضَهُ عَنْ
أحدِهِما ، وبعضَهُ عَنِ الآخَرِ ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ السَّابِعُ والِعِشْرُونَ
مَعْرِفَةُ آدَابِ الْمُحَدِّث
وَقَدْ مَضَى طَرَفٌ مِنْها اقْتَضَتْهُ الْأنْواعُ التي قَبْلَهُ .
عِلْمُ الحديثِ عِلْمٌ شَرِيفٌ ، يُناسِبُ مَكَارِمَ الأخْلاَقِ ومَحَاسِنَ الشِّيُمِ (١) ، ويُنافِرُ
مَسَاوِيَ (٢) الأخلاقِ ومَشَايِنَ الشِّهَمِ ، وهوَ مِنْ عُلُومِ الآخِرَةِ لا مِنْ عُلُومِ الدنيا (٣). فَمَنْ
أرادَ التَّصَدِّي لإِسْماعِ الحديثِ أو لإِفَادَةِ شيءٍ مِنْ عُلُومِهِ، فَلْيُقَدِّمْ تَصْحِيْحَ النِّيّةِ وَإِخْلاَصَها
ولْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الأغراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وأدناسِها، ولَيَحْذَرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَرُعُوناتِها .
وَقَدِ اخْتُلِفَ في السِّنِّ الذي إذا بلغَهُ اسْتُحِبَّ لهُ التَّصَدِّي لإِسْماعِ الحديثِ
والائْتِصَابِ لروايتِهِ .
والذي نَقُولُهُ إِنَّهُ متى احْتِيجَ إلى ما عِنْدَهُ (٤) ، اسْتُحِبَّ لهُ التَّصَدِّي لروايتِهِ ونَشْرِهِ في
أيّ سِنِّ كانَ. وَرُوِيْنا عَنِ القاضِي الفاضِلِ أبِي مُحَمَّدِ بنِ خَلاَِّ - رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ قالَ (٥):
((الذي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ طريقِ الأَثَّرِ والنَّظَرِ في الحدِّ الذي إذا بلَغَهُ الناقِلُ حَسُنَ بِهِ أنْ
يُحَدِّثَ ، هُوَ أنْ يَسْتَوفِيَ الخمسينَ ؛ لأَنَّها انْتِهاءُ الكُهُولَةِ وفيها مُحْتَمَعُ الأشُدِّ .
(١) قال الزركشي ٣ / ٦٣٦: ((هذه مقالة معنوية، إلا فالذي يقابل الشين الزين لا المحاسن، قال في
الصحاح : الشين خلاف الزين ، يقال : شانه يشينه ، والمشاين: المعايب والمقابح ... انتهى . وقد كرّر
الشيم ثلاث مرات ، مرتين باللفظ، ومرة بالمعنى ، وهو الأخلاق ، لكن قيل : الشيم : الطبائع)).
وانظر : الصحاح ٥ / ١٩٦٤، ٢١٤٧.
(٢) في (أ) و (ب): (( مساوي)) بلا همز، قال الزركشي في نكته ٦٣٧/٣: ((قال صاحب تثقيف اللسان:
ويقولون: ظهرت مساويه ، والصواب: مساوئه بالهمز . وقد استدرك أبو إسحاق الأجدابي عليه ، قال:
الأصل الهمز كما ذكرته، وترك الهمز جائز عَلَى لغة من يقول في الخاطئين: الخاطين، وهي لغة معروفة)).
(٣) قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٣٧: ((مراد أنَّهُ عبادة لذاته لا صناعة)).
(٤) في (جـ): (( إلى طلب ما عنده ... )).
(٥) المحدّث الفاصل: ٣٥٢، ونقله عنه القاضي في الإلماع: ٢٠٠، والخطيب في الجامع ٣٢٣/١ (٧١٦).
٣٤٤

قالَ سُحَيْمُ بنُ وُثَيْلٍ (١) :
أُخُو حَمْسِيْنَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي وَنَحَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُون (٢)
قالَ: (( وليسَ بِمُنْكَرٍ أنْ يُحَدِّثَ عِندَ اسْتِيْفَاءِ الأرْبَعِينَ؛ لأَنّها حَدُّ الاسْتواءِ ومُنْتَهى
الكَمالِ؛ ثُبِّئَ رسولُ اللهِ﴿ وهوَ ابنُ أربعينَ، وفي الأربعينَ تَتَنَاهَى عَزِيْمَةُ الإِنْسَانِ وقُوَّتُهُ
ويَتَوَفْرُ عَقْلُهُ وَيَجُودُ رْیُهُ )) (٣).
وأَنْكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ ذَلِكَ عَلَى ابنِ خَلاَّدٍ، وقالَ: ((كَمْ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ
ومَنْ بَعْدَهُمْ (٤) مِنَ المحدِّقِينَ مِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى هذا السِّنِّ (٥) وماتَ قَبَلَهُ، وقدْ نَشَرَ مِنَ
الحديثِ والعِلْمِ ما لاَ يُحْصَى. هذا عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ تُوفِّيَ وَلَمْ يُكْمِلِ الأَرْبَعِينَ ،
وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ لَمْ يَبْلُغِ الخَمْسِينَ . وكذلكَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ ، وهذا مالِكُ بنُ أنسٍ جَلَسَ
لنَّاسِ ابنَ نَّيِّفٍ وعِشْرِينَ ، وقيلَ: ابنُ سَبْعَ عَشْرَةَ ، والنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ وشُوخُهُ أحياءٌ .
وكذلكَ مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَدْ أُخِذَ عنهُ العِلْمَ فِي سِنِّ الحدَاثَةِ وَانْتَصَبَ
لِذَلِكَ)) (٦) ، والله أعلم .
(١) هو سحيم بن وثيل - بالمثلثة مصغّر - الرياحي ، شاعر مخضرم ، قال ابن دريد : عاش في الجاهلية أربعين
وفي الإسلام ستين . انظر: الإصابة ٢ /١١٠.
(٢) هو في الكامل ١ / ٣٠٤، والصحاح ٢ / ٥٧١، وأساس البلاغة: ٦١٩، واللسان ٣ / ٥١٣، وتلج
العروس ٩/ ٤٨٥. وقوله : ((أخو خمسين))، أي : أنا أخو خمسين سنة، واجتماع الأشد: عبارة عن
كمال القوى في البدن والعقل ، ومعنى : نجذني ، أي : جعلني ذا تجربة وخبرة ، يقال: رجل منخِّذ
- بضم الميم وفتح الجيم أو كسرها - الذي جَرَّب الأمور وعرفها وأحكمها، وهو المجرّب، قال اللحياني:
المنجذ هو الذي أصابته البلايا . والمداورة : المعالجة والمزاولة ، والشؤون : الأمور ، يعني : مداولة الأمور
ومعالجتها. انظر: اللسان ٣ / ٥١٣، وحاشية الإلماع: ٢٠٠ .
(٣) المحدّث الفاصل: ٣٥٢، ونقله عنه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٧١٦)،
والقاضي عياض في الإلماع : ٢٠٠ .
(٤) عبارة : ((ومن بعدهم)) سقطت من (م).
(٥) في الشذا : ((الشيء)) .
(٦) الإلماع : ٢٠ - ٢٠٤ .
٣٤٥

قلتُ : ما ذكرَهُ ابنُ خَلاَّدِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ، وهوَ مَحمولٌ عَلَى أَنَّهُ قالَهُ فِيْمَنْ يَتَصَدَّى
للتَّحْدِيثِ انْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيرِ بَراءَةٍ (١) في العِلْمِ تَعَجَّلَتْ لهُ قَبْلَ السِّنِّ الذي ذَكَرَهُ .
فهذا إنَّما يَنْبَغِي لهُ ذَلِكَ بعدَ اسْتِيْفاءِ السِّنِّ المذكُورِ فإنّهُ مِظَنَّةُ الاحتياجِ إِلى مَا عِنْدَهُ .
وأمَّا الذينَ ذَكَرَهُمْ عياضٌ مِمَّنْ حَدَّثَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فالظَّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ لبراعَةٍ مِنْهُم في
العِلْمِ تَقَدَّمَتْ، ظَهَرَ لَهُمْ مَعَها الاحْتِيَاجُ إِليهِمْ فَحَدَّتُوا قبلَ ذَلِكَ، أو لأَنَّهُم سُئِلُوا ذَلِكَ إِمَّا
بصريحِ السُّؤَالِ ، وإِمَّ بِقَرِيْئَةِ الحالِ .
وأمَّا السِّنُّ الذي إذا بلَغَهُ المحدِّثُ الْبَغَى (٢) لهُ الإِمْسَاكُ عَنِ النَّحْدِيْثِ فَهُوَ السِّنُّ
الذي يُخْشَى عليهِ فيهِ مِنَ الْهَرَمِ والْخَرَفِ، ويُخافُ عليهِ فيهِ أنْ يُخَلِّطَ (٣) ، ويروى ما
ليسَ مِنْ حديثِهِ وَالنَّاسُ في بُلُوغِ هذا السِّنُّ يَتَفاوتُونَ بحسبِ اخْتِلافٍ أَحْوَالِهِمْ، وهكذا
إذا عَمِيَ وخَافَ أَنْ يُدْخَلَ عليهِ ما ليسَ مِنْ حَدِيْثِهِ فَلْيُمْسِكْ عَنِ الروايةِ. وقالَ ابنُ خَلاَّد:
(( أعْجَبُ إليَّ أَنْ يُمْسِكَ في الثمانينَ؛ لأَنَّهُ حَدُّ الْهَرَمِ ؛ فإنْ كانَ عَقْلُهُ ثَابِتاً وَرَأَيُهُ مُجْتَمِعاً
يَعْرِفُ حديثَهُ وَيَقُومُ بِهِ وتَحرَّى أَنْ يُحَدِّثَ احْتِسَاباً رَجَوْتُ لهُ خَيْراً)) (٤) .
ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ مَنْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ ضَعُفَ حَالُهُ في الغالِبِ ، وخِيفَ عليهِ الاخْتِلالُ
والإِخْلالُ أوْ أنْ لاَ يُفْطَنَ لهُ إلاّ بعدَ أنْ يَخْلِطَ كما أُفِقَ لِغَيْرٍ واحِدٍ مِنَ الثّقَاتِ ، مِنْهُم:
عبدُ الرَّزْاقِ ، وسَعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ . وقدْ حدَّثَ خَلْقٌ بَعْدَ مُجاوزَةٍ هذا السِّنِّ فَسَاعَدَهُمُ
التَّوْفِيقُ وصَحِيَتْهُمْ السَّلَامَةُ ، مِنْهُم: أَنَسُ بنُ مَالِكٍ وسَهْلُ بنُ سَعْدٍ ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي
أَوْفَى مِنَ الصحابةِ ، ومالِكٌ ، واللَّيثُ، وابنُ عُبِينَةَ، وعليُّ ابنُ الجعْدِ (٥) ، في عددٍ جَمِّ
مِنَ المَتَقَدِّمِينَ والمتَأَخِّرِينَ . وفيهم (٦) غيرُ واحدٍ حَدَّثُوا بعدَ اسْتِيْفاءِ مئةٍ سَنَةٍ ، مِنْهُم :
(١) في (أ): ((من غير براعة له ... )).
(٢) في (أ) و (ب): (( ابتغى)) .
(٣) قال القاضي عياض في الإلماع: ٢٠٤: ((الحد في ترك الشَّيْخ التحديث التغير، وخوف الهرم)).
(٤) المحدّث الفاصل: ٣٥٤ رقم (٢٨٩).
(٥) في (جـ): ((الجعدي)).
(٦) في (جـ): ((ومنهم)) .
٣٤٦

الحسَنُ بنُ عَرَفَةَ، وأبو القاسمِ البَغَويُّ، وأبو إسحاقَ الْهُحَيْمِيُّ (١) ، والقاضي أبو الطَّيِّب
الطَّبَرِيُّ (٢) ﴿ه أجمعينَ ، والله أعلمُ .
ثُمَّ إِنَّهُ لا يَنْبَغِي للمُحَدِّثِ أنْ يُحَدِّثَ بِحَضْرَةٍ مَنْ هوَ أوَّلَى مِنْهُ (٣) بذلكَ. وكانَ(٤)
إبراهيمُ والشَّعْيُّ إذا اجْتَمعا لَمْ يَتَكُلِّمْ إبراهيمُ بشيءٍ (٥) . وزادَ بعضُهُمْ فَكَرِهَ الروايةَ ببلَدٍ
فيهِ مِنَ المحدِّثينَ مَنْ هَوَ أوْلَى منهُ لِسِنِّهِ أو لغيرِ ذَلِكَ . رُوِّيْنا عَنْ يحيى بنِ مَعينِ ، قالَ :
(( إذا حدَّثْتُ في بلدٍ فيهِ مثلُ أبي مُسْهِرٍ (٦) فيجبُ لِلِحَيْتِي أَنْ تُحْلَقَ)) (٧). وعنهُ أيضاً:
((إِنَّ الذي يُحَدِّثُ بِالبَلْدَة وفيها مَنْ هَوَ أَوْلَى بالتحديثِ مِنْهُ (٨) أحْمَقُ)) (٩).
ويَنْبَغِي للمحدِّثِ إذا التُّمِسَ منهُ ما يَعْلَمُهُ عندَ غيرِهِ فِي بَلَدِهِ أوْ غيرِهِ بإسنادٍ أعلى
مِنْ إسنادِهِ، أَوْ أَرْجَحَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أنْ يُعْلِمَ الطَّالِبَ بِهِ وَيُرْشِدَهُ إليهِ، فإنَّ الدينَ النصيحةُ.
ولاَ يَمْتَنِعُ (١٠) مِنْ تَحْدِيثِ أحَدٍ لِكَوْنِهِ غيرَ صحيحِ النّةِ فيهِ ؛ فإنَّهُ يُرجَى لهُ حُصُولُ النّيّةِ
مِنْ بَعْدُ . رُوِّيْنَا عَنْ مَعْمَرٍ (١١) قالَ كانَ يُقَالُ: ((إنَّ الرجلَ لَيَطْلُبُ العِلْمَ لغيرِ اللهِ فَيَأْبِى
(١) انظر قصته في: نكت الزركشي ٣ / ٦٤١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٣٠٩.
(٢) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٣٨ - ٦٤٢.
(٣) قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٤٢: (( سُئِل أين ابن المبارك وسفيان بن عيينة حاضر، فقال: نهينا أن
نتكلم عِنْدَ أكابرنا ، فقلت - القائل هو الزركشي -: إلاَّ بإذنه ، وقد بوّب ابن عبد البر باباً في فتوى
الصغير بَيْنَ يدي الكبير بإذنه )) .
(٤) في (أ) و(جـ): (( كان )) بلا واو.
(٥) انظر: الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٣٢٠ وفيه زيادة كلمة : (( لسنه)).
(٦) هو الإمام عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الدمشقى (ت ٢١٨ هـ )، انظر: طبقات ابن سعد
٤٧٣/٧، وتاريخ بغداد ١١ / ٧٢، والسير ١٠ / ٢٢٨.
(٧) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٧٠١ ) .
(٨) بعد هذا في (ع ) زيادة: ((فهو))، وهي لَمْ ترد في النسخ ولا (م).
(٩) أخرجه الخطيب في الجامع (٧٠٠ )، وفي التاريخ ١١ / ٧٤ .
(١٠) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٤٢ - ٦٤٥ .
(١١) بفتح الميم وإسكان العين، كَمَسْكَن، هو الإمام الحافظ أبو عروة مَعْمَرُ بن راشد الأزْدي البصري ثم
اليماني الصَّنعاني، ولد سنة (٩٥ هـ) بالبصرة، وسكن اليمن ومات فيها سنة (١٥٣ هـ). انظر: تهذيب
الأسماء واللغات ١٠٧/٢، والسير ٥/٧، والتاج ١٤٥/١٣.
٣٤٧

عليهِ العِلمُ حَتَّى يكونَ للهِ عَزَّ وجَلْ)) (١).
وليكُنْ حريصاً عَلَى نَشْرِهِ مُبْتَغِياً حَزِيْلَ أجْرِهِ . وقدْ كانَ في السَّلَفِ عَ مَنْ
يَتْأَلَّفُ (٢) الناسَ عَلَى حديثِهِ، مِنْهُم: عُرْوةُ بنُ الزبيرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - والله أعلمُ (٣).
وليقتَدِ بِمَالِكٍ رَّه فيما أخْبَرَناهُ أبو القاسِمِ الفَرَاوِيُّ بِنَيْسَابورَ، قالَ: أَخْبَرَنا (٤)
أبو المعالِي الفارِسِيُّ، قالَ: أخبرنا أبو بكرِ البَيْهَقِيُّ الحافِظُ ، قَالَ: أخبرنا أبو عبدِ الله
الحافِظُ ، قالَ : أخبرني إسماعيلُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ الفَضْلِ بنِ مُحَمَّدِ الشَّعْرَانِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنا
جَدِّي ، قالَ : حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ ، قالَ: (( كانَ مالكُ بنُ أنسٍ إذا أرادَ أنْ
يُحَدِّثَ تَوَضَّأَ (٥) ، وجَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِراشِهِ وسَرَّحَ لِحْتَهُ، وَتَمَكِّنَ فِي جُلُوسِهِ بِوَقَارِ
وهَيْبَةٍ، وحدَّثَ ))، فقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فقالَ: أُحِبُّ أنْ أُعَظِّمَ حديثَ رَسُولِ اللهِوَ ◌ّ(٦)
ء
ولاَ أُحَدِّثُ إلاَّ عَلَى طَهَارَةٍ مُتَمَكِّناً. وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُحَدِّثَ في الطريقِ ، أو هوَ قَائِمٌ ، أو
يَسْتَعْجِلَ. وقالَ: أُحِبُّ أَنْ أَتَفَهَّمَ ما أُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ﴿ٍ)).
ورُويَ أيضاً عنهُ أنَّهُ كانَ يَعْتَسِلُ لِذَلِكَ وَيَتَبَخَّرُ ، ويَتَطَّبُ ، فإِنْ رَفَعَ أحدٌ صَوْتَهُ في
مَجْلِسِهِ زَبْرَهُ (٧) ، وقالَ: قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوِاتَكُمْ
فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (٨)، فَمَنْ رَفَعَ صَوتَّهُ عِنْدَ حديثِ رسولِ اللهِلَ﴿َّ فِكَأَنَّمَا رَفَعَ صَوْتَهُ
فوقَ صَوتِ رسولِ اللهِ ﴿رَ(٩) .
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١١ / ٢٥٦ رقم (٢٠٤٧٥)، والخطيب في جامعه ( ٧٧٥ ).
(٢) روى الخطيب في جامعه ٣٤٠/١ (٧٧٨) عن الزُّهْرِيّ قال، قال: ((كان عروة يتألف الناس عَلَى حديثه)).
(٣) جملة: ((والله أعلم)) سقطت من (ع)، وهي من النسخ و ( م).
(٤) في (م) : (( حَدَّثَنَا)) .
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٤٥.
(٦) في (جـ ) بعد هذا زيادة: ((بذلك)).
(٧) في (م) : ((زجره))، والمعنى واحد، فالزبر: الانتهار، يقال: زَبَرَهُ عن الأمر زَبْراً انتهره، والزَّبر
أيضاً: الزَّجْرُ والمنع والنَّهْي، يقال: زَبَرَهُ عن الأمر زَبْراً: نهاه ومنعه. انظر: اللسان ٣١٥/٤، وتاج
العروس ١١ / ٣٩٩ .
(٨) الحجرات : ٢ .
(٩) أخرجه الخطيب في الجامع (٩٦١)، وانظر: تفسير الطبري ٧٤/٢٦، والدر المنثور ٥٤٧/٧ .
٣٤٨

ورُوّيْنَا أو بَلَغَنا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الفقيهِ (١) أنَّهُ قالَ: ((القارئُ
لِحَدِيثِ رسولِ اللهِوَ﴿ إذا قامَ لأَحَدٍ فإِنَّهُ تُكْتُبُ عليهِ خَطِيئَةٌ)). ويُسْتَحَبُّ لهُ مَعَ أهلٍ
مَجْلِسِهِ مَا وَرَدَ عْنْ حَيْبِ بنِ أبِي ثابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ السَُّّةِ إذا حَدَّثَ الرجلُ القومَ
أنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ حَمِيعاً)) (٢) ، والله أعلمُ .
ولاَ يَسْرُدُ الحديثَ سَرْدًاً يَمْنَعُ السامِعَ مِنْ إِدْراكِ بَعْضِهِ. ولَيَقْتَتِحْ مَجْلِسَهُ وَلْيخَتِمْهُ
بِذِكْرٍ ودُعاءٍ يَلِيقَ بالحالِ . ومِنْ أَبْلَغِ (٣) ما يَفْتُتِحُهُ بِهِ أنْ يَقُولَ : الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ
أكملُ الحمدِ عَلَى كُلّ حالٍ، والصلاةُ والسلامُ الأَتَمَّانِ عَلَى سَيِّدِ المرسلينَ، كُلِّمَا ذَكرَهُ(٤)
الذاكِرُونَ، وكُلِّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ (٥) الغافِلُونَ، اللَّهُمَّ صَلّ عليهِ وعلى آلِهِ وسَائِرِ الَّيِّينَ
وآلٍ كُلِّ ، وسائِرِ الصَّالِحِينَ، نِهِايَةَ ما يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُونَ.
ويُسْتَحَبُّ لِلْمُحَدِّثِ العارِفِ عَقْدُ مَجْلِسٍ لأملاءٍ (٦) الحديثِ، فإنَّهُ مِنْ أعلى
مَراتِبِ الرَّاوِينَ (٧) ، والسماعُ فيهِ مِنْ أحْسَنٍ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ وأَقْوَاهَا، ولْيَتَّخِذْ مُسْتَمْلِياً
◌ُبلِّغُ عنهُ إذا كُثُرَ الجمعُ ، فذلكَ دَأُبُ أكابِرِ المحدِّثِيْنَ المتَصَدِّيْنَ لِمِثْلِ ذَلِكَ. ومِمَّنْ رُوِيَ
عنهُ ذَلِكَ : مالِكٌ، وشُعْبَةُ ، ووكِيْعٌ ، وأبو عاصمٍ ، وَيَزِيدُ بنُ هارونَ في عددٍ كثيرٍ مِنَ
(١) هو الإمام أبو زيد المروزي، راوي صحيح البخاري، عن الفربري، توفي سنة (٣٧١ هـ) . انظر :
السير : ١٦ / ٣١٣ .
(٢) أخرجه الخطيب في الجامع ( ٩٨١ ).
(٣) قال الزركشي مُعَقِّباً عَلَى هذا الكلام: (( اعلم أن المأثور في التحميد والصلاة أفضل من هذا، وقد ورد
في التحميد سنن مشهورة فينبغي أنِّباعها، وكذلك تتبع السنة الصحيحة في الصلاة عَلَى النبيِ لَّ، وقد
نَّه عَلَى هذا النووي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -... )). نكت الزركشي ٣ / ٦٤٦، وانظر : روضة الطالبين
١١ / ٦٥ - ٦٦ .
(٤) في (جـ): ((ذكرك))، وفي ( م): ((ذكر)).
(٥) في (جـ): ((ذكرك)).
(٦) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٤٦ - ٦٤٩.
(٧) في (جـ): ((الراويين)).
٣٤٩

الأعلامِ السَّالِفِينَ (١). ولَيَكُنْ مُسْتَمْلِيهِ مُحَصِّلاً مُتَيَقّظً، كَيْلا يَقَعَ فِي مِثْلِ مَا رُوّينا
أنَّ يَزِيدَ بِنَ هارونَ (٢) سُئِلَ عَنْ حديثٍ ، فقالَ: ((حَدَّثَنَا بِهِ عِدَّةٌ ، فصاحَ بِهِ مُسْتَمْلِيهِ :
يا أبا خالدٍ! عِدَّهُ ابنُ مَنْ؟ فقالَ لهُ: عِدَّةُ ابنُ فَقَدْتُكَ!)) (٣).
وليَسْتُمْلٍ عَلَى موضِعٍ مُرْتَفَعٍ (٤) مِنْ كُرْسِيٍّ أو نَحْوِهِ ، فإِنْ لَمْ يجِدْ اسْتَمْلَى قَائِماً.
وعليهِ أنْ يَتْبَعَ لَفْظَ المحدِّثِ فَيُؤَدِّيَّهُ عَلَى وجْهِهِ (٥) مِنْ غيرِ خِلاَفٍ . والفائِدَةُ في اسْتِمْلاء
الْمُسْتَمْلِي، توصُّلُ مَنْ يَسْمَعُ لَفْظَ الْمُمْلِي عَلَى بُعْدٍ منهُ إلى تَفَهُّمِهِ وتَحَقُّقِهِ بـإِبْلاَغ
الْمُسْتَمْلِي . وأمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ إلَّ لَفْظَ الْمُسْتَمْلِي، فليسَ يستفيدُ بذلكَ جَوازُ روايتِهِ
لذلكَ عَنِ الممْلِي مُطْلَقاً مِنْ غيرِ بيانٍ للحالِ فيهِ ، وفي هذا كلامٌ قدْ تَقَدَّمَ في النوعِ الرابِعِ
والعِشْرِينَ .
ويُسْتَحبُّ افْتِتَاحُ المجلسِ بقراءةٍ قارئٍ لشيءٍ مِنَ القُرآنِ العظيمِ (٦)، فإذا فَرَغَ
اسْتَنْصَتَ الْمُسْتَمِلِي أهلَ المجلِسِ (٧) إنْ كانَ فِيهِ لَعْطٌ (٨) ثُمَّ يُبَسْمِلُ، وَيَحْمِدُ اللهَ تَبَارَكَ
(١) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٥٥ - ٥٦ .
(٢) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٤٩ .
(٣) أخرجه الخطيب في الجامع ٢ / ٦٧ (١٢٠١ )، وابن السمعاني في أدب الإملاء : ٩٠ .
(٤) قيّد ابن السمعاني ذَلِكَ بما إذا كثر عدد من يحضر السماع، وكانوا بحيث لا يرون وجه المستملي،
فيستحب أن يجلس عَلَى منبر أو غيره حتَّى ترى الجماعة وجهه ويبلغهم صوته . وانظر: أدب الإملاء:
٥٠ ، ونكت الزركشي ٣ / ٦٥٠.
(٥) قال الزركشي : ((عبارة الخطيب: ويستحب له ألا يخالف، وكذا قال ابن السمعاني في أدب الإملاء،
ثم صرّح بالوجوب فقال : ويستحب للمستملي ألا يخالف لفظ المملي في التبليغ عنه، بل يلزمه ذَلِكَ،
خاصة إذا كان الراوي من أهل الدراية والمعرفة بأحكام الرواية)). نكت الزركشي ٣ / ٦٥٠ ، وانظر :
الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٦٧ ، وأدب الإملاء : ١٠٥.
(٦) انظر: أدب الإملاء: ٩٨، ونكت الزركشي ٣ / ٦٥٠ - ٦٥١، وشرح التبصرة ٢ / ٣١٧.
(٧) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٥١.
(٨) جاء في حاشية نسخة ( جـ) مقالة نصها: ((لفظ: بالتسكين أفصح، وبالتحريك أشهر، وكل كلمة
عَلَى ثلاثة أحرف ، ووسطها حرف حلق ؛ فإنه يجوز فيه التسكين والفتح إلا في النحو ، العلم عَلَى علم
العربية ، فلا يجوز إلا بالتسكين))، وبنحوها في حاشية ( م).
والمراد باللفظ: الأصوات المبهمة المختلطة، والجَلَبة لا تُفْهم. انظر اللسان ٣٩١/٧، وتاج العروس ٧٤/٢٠.
٣٥٠

وتَعَالَى، ويُصَلِّي(١) عَلَى رسولِهِ (٢) وَيَتَحَرَّى الأَبْلَغَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يقبلُ عَلَى المحدِّثِ وَيَقُولُ:
مَنْ ذَكَرْتَ أو ما ذَكَرْتَ رَحِمَكَ (٣) الله أو غَفَرَ الله لك أو نحوَ ذَلِكَ. وَكُلِّما انتَهَى إلى
ذِكْرِ النَِّّ وَ﴿ِ صَلَّى عليهِ. وذَكَرَ الخطيبُ أنَّهُ يَرْفَعُ صَوتَهُ بذلكَ (٤)، وإذا انتَهَى إلى ذِكْرٍ
الصحابيّ قالَ: رَظُه. ويحسُنُ بالمحدِّثِ النِّاءُ عَلَى شيخِهِ في حالةِ الروايةِ عنهُ بما هو أهلٌ لهُ
فقدْ فَعَلَ ذَلِكَ غيرُ واحدٍ مِنَ السَّلَفِ والعلماءِ كما رُوِيَ عَنْ عطاءٍ بِنِ أبِي رَبَاحِ أنَّهُ كانَ
إذا حدَّثَ عنِ ابْنِ عَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قالَ : (( حَدَّثَنِي الْبَحْرُ)) (٥). وعنْ وكيعٍ
أَنَّهُ قالَ: ((حَدَّثَنَا سُفيانُ أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ)) (٦). وأهمُّ مِنْ ذَلِكَ الدعاءُ لَهُ عِنْدَ
ذِكْرِهِ ، فلا يَعْفَلَنَّ عنهُ .
ولا بأسَ بِذِكْرٍ مَنْ يَرْوِي عنهُ بما يُعْرَفُ بِهِ :
- مِنْ لَقَبِ: كَغُنْدَرِ لَقَبُ مُحَمَّدٍ بِنِ جَعْفَرِ - صاحِبِ شُعْبَةَ -، ولُوَيْنٌ (٧) لَقَبُ
مُحَمَّدٍ بِنِ سُليمانَ المِصِّيِّصِيِّ (٨) .
- أو نِسْبةٍ إلى أُمِّ عُرِفَ بها: كَيَعْلَى بِنِ مُنْيَةً (٩) الصحابيِّ، وهوَ ابنُ أُمَيَّةَ، ومُنْيَةُ:
◌ُّهُ ، وقيلَ: حَدَّتُهُ أُمُ أبيهِ .
(١) ينظر : الجامع ٢ / ٦٩، وأدب الإملاء: ٩٨.
(٢) في ( ع ): (( رسول الله)).
(٣) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٥٢ - ٦٥٣.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ١٠٣ ، وكذا قال السمعاني في أدب الإملاء : ٦٣.
(٥) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( ١٢٤٥ ).
(٦) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( ١٢٥٠ ).
(٧) لُوَيْن: بالتصغير. التقريب (٥٩٢٥). وانظر: سبب هذه التسمية في الجامع ٧٥/٢، والسير
٥٠١/١١، ونكت الزركشي ٣ / ٦٥٤.
(٨) بكسر الميم - وقيل : بفتحها - وكسر الصاد وتشديدها ، وياء ساكنة ، وبعدها صاد ثانية مهملة ،
وقيل: بتخفيف الصادين ، هذه النسبة إلى بلدة كبيرة عَلَى ساحل بحر الشام ، يقال لها : المصيصة . انظر :
الأنساب ٥/ ٢٠١، ووفيات الأعيان ١/ ١٢٧، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٢٨٠، والتاج ١٨/ ١٦١.
وقال الزركشي في نكته ٦٥٥/٣ : ((والمصيصي بالتشديد والتخفيف، فمن فتح الميم خفّف الصاد)).
(٩) بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة. التقريب (٧٨٣٩)، وانظر: نكت الزركشي ٦٥٥/٣.
٣٥١

- أو وَصْفٍ بِصَفَةٍ نَقْصٍ فِي جَسَدِهِ عُرِفَ بها : كَسُليمانَ الأعْمَشِ ، وعاصِمٍ
الأحْوَلِ ، إلّ ما يكرهُهُ مِنْ ذَلِكَ ، كما في إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ المعروفِ بابنٍ عُلَيَّةً وهيَ
◌ُّهُ ، وقيلَ : أُمُ أُمِّهِ .
رُوّيْنَا عَنْ يِحِى بِنِ مَعِيْنِ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: ((حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بِنُ عُلَيَّةَ، فَتَهاهُ أحمدُ بنُ
حَتْبَلٍ ، وقالَ : قُلْ: إسْماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كانَ يَكرهُ أنْ يُنْسِبَ إلى أُمِّهِ ،
فقالَ: قَدْ قَبِلْنا مِنْكَ يا مُعَلَّمَ الخَيْرِ)) (١).
وقَدِ اسْتُحِبَّ للمُمْلِي أنْ يَحْمَعَ في إمْلَائِهِ بينَ الروايةِ عَنْ جماعَةٍ مِنْ شُيُوخِهِ مُقَدِّماً
للأعْلَى إِسْناداً أو الأولى مِن وَجْهٍ آخَرَ . ويُمْلِي عَنْ كُلِّ شَيْخِ مِنْهُم حديثاً واحداً ويَختارُ
ما علا سَنَدُهُ وقَصُرَ مَنْثُهُ فإنَّهُ أحسَنُ وأَلْقُ، ويَنْتَقِي ما يمليهِ وَيَتَحَرَّى المستفادَ منهُ، وَيُنَبِّهُ
عَلَى ما فيهِ مِنْ فائِدَةٍ وعُلُوٌّ وفَضيلةٍ ، وَيَتَجَنَّبُ ما لاَ تَحْتَمِلُهُ عُقُولُ الحَاضِرِينَ، وما
يُخْشَى فِيهِ مِنْ دُخُولِ الوَهَمِ عليْهِمْ فِي فَهْمِهِ . وكانَ مِنْ عادةٍ غيرٍ واحدٍ مِنَ المذكُورِينَ
خَتْمُ الإِمْلاَءِ بشيءٍ مِنَ الحِكَايَاتِ والنَّوادِرِ والإنشاداتِ بأسَانِيدِها وذَلِكَ حسَنٌ . (٢)
وإذا قَصَّرَ المحدِّثُ عَنْ تَخْرِيجِ ما يُمْلِيهِ فاستعانَ ببعضِ حُفّاظٍ وَقْتِهِ فَخَرَّجَ لهُ فلا
بأسَ بذلكَ. قالَ الخطيبُ: ((كانَ جماعةٌ مِنْ شُيوخِنا يفعلونَ ذَلِكَ)) (٣). وإذا نَجزَ (٤)
الإِملاءُ فلا غِنَّى (٥) عَنْ مُقَابلِتِهِ وإِنْقَانِهِ وإِصْلاحٍ (٦) ما فَسَدَ منهُ بِزَيْغِ القَلَمِ وطُعْيانِهِ .
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( ١٢٣٧).
(٢) وقد عقد الخطيب في جامعه ١٢٩/٢ - ١٣١ باباً سماه ((ختم المجلس بالحكايات ومستحب النوادر
والإنشادات )) ساق فيه عدداً من الآثار، وانظر لزاماً: محاسن الاصطلاح: ٣٦٦، ونكت الزركشي
٠٦٥٧/٣
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٨٨ .
(٤) في نسخة (ب) حاشية نصها : ((قال المصنف - رَحمه الله تَعالى -: نجز - بكسر الجيم- بمعنى انقضى،
فأما بالفتح كما تقول العامة فمعناه حضر، وليس هذا موضعه))، وكذا في حاشية نسخة (جـ) و (م) .
وانظر : الصحاح ٣ / ٨٩٧، واللسان ٥ / ٤١٣ ونكت الزركشي ٣ / ٦٦٠، والتقييد: ٢٥٠.
(٥) في (أ) و (ع) والتقييد: ((غناء)).
(٦) في (م): (( إصلاح)) بلا واو .
٣٥٢

هذه عُيُونٌ مِنْ آدابِ المحدِّثِ اجْتَزَأنا بها مُعرضينَ عَنِ التَّطويلِ بما ليسَ مِنْ مهمَّاتِها
أو هوَ ظاهِرٌ ليسَ مِنْ مشْتَبهاتِها، والله الموفّقُ (١)، وهوَ أعلمُ .
النَّوْعُ الثَّامِنُ والِعِشْرُونَ
مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الحدِيْثِ (٢)
وَقَدِ انْدَرَجَ طَرَفٌ مِنهُ فِي ضِمْنٍ ما تَقَدَّمَ .
فأوَّلُ ما عليهِ : تحقيقُ الإِخْلاَصِ، والحَذَرُ مِنْ أنْ يَتَّخِذَهُ وُصْلَةً إلى شيءٍ مِنَ
الأغراضِ الدُّنيويَّةِ. رُوِّيْنَا عَنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ ﴿هَ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الحديثَ لغيرِ الله
مُكِرَ بِهِ))(٣)، وروّيْنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيَِّبه قالَ(٤): (( ما أعلمُ عَمَلاً هُوَ أفضلُ مِنْ طَلَبِ
الحديثِ لِمَنْ أرادَ اللهَ بِهِ)) (٥) . ورُوّيْنَا نَحْوَهُ عِنِ ابنِ المبارَكِ رَظُهُ ومِنْ أقربِ الوجوهِ في
إصلاحِ النّةِ فيهِ ما رُوِّيْنا عَنْ أبي عَمْرٍو إِسْمَاعِيلَ بنِ نُخَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أبا جَعَفَرِ أحمدَ بنِ
حَمْدانَ ، وكانا عَبْدَيْنِ صالِحَيْنِ ، فقالَ لهُ : ((بأيِّ نِيَّةٍ أَكْتُبُ الحديثَ ؟ فقالَ: أَسْتُمْ
تَرْوونَ (٦) أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فرسُول الله لَ ﴿ رأسُ
الصَّالِحِينَ)).
(١) بعد هذا في (ع): ((المعين))، ولم ترد في النسخ ولا (م).
(٢) انظر في ذلك :
الإلماع: ٤٥ وما بعدها، والإرشاد ٥٢١/١ ٥٢٨، والتقريب: ١٤٦ - ١٤٩، والاقتراح: ٢٨٠ -
٢٨٤، والمنهل الروي: ١٠٨، واختصار علوم الحديث: ١٥٧ - ١٥٨، والشذا الفياح: ٤٠٠/١ -
٤١٨، والمقنع ٤٠٧/١ - ٤١٨، وشرح التبصرة ٣٣٢/٢، ونزهة النظر: ٢٠٤، وفتح المغيث
٣١١/٢-٣٤٦، والتدريب ١٤٠/٢-١٥٨، وفتح الباقي ٢٢٣/٢، وقواعد التحديث: ٢٣٣-٢٣٦.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٥١/٦، وابن عبد البر في الجامع ١٩١/١، والخطيب في الجامع (١٩).
(٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١ / ٥٩، والخطيب في الجامع (١٤ )، وفي شرف
أصحاب الحديث : ٨١ بمعناه .
(٥) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٦١ - ٦٦٣ .
(٦) في الشذا والتقييد: ((ترون أنّ عِنْدَ)).
٣٥٣

وليسْأَلِ الله تَّبَارَكَ وَتَعَلَى التَّيْسِيْرَ والتَّبِيدَ والَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ، ولَيَأْخَذْ نَفْسَهُ
بالأخلاقِ الزَّكِيَّةِ والآدابِ الرْضِيّةِ (١). فَقَدْ رُوِّيْنَا عَنْ أبي عاصِمِ النَّبِيلِ قالَ: ((مَنْ طَلَبَ
هذا الحديثَ فقدْ طلبَ أعلى أمورِ الدِّينِ، فيجبُ أنْ يكونَ خَيْرُ النَّاسِ)) (٢) .
وفي السِّنِّ الذي يُسْتَحَبُّ فيهِ الابتداءُ بسماعِ الحديثِ وبِكِنْبتِهِ (٣) اخْتِلافٌ سَبَقَ
بيانُهُ في أوّلِ النَّوعِ الرَّابِعِ والعِشْرِينَ . وإذا أخذَ فيهِ فَلْيُشَمِّرْ عَنْ سَاقِ جُهْدِهِ واجْتِهاده ،
ويَبْدَأُ بِالسَّماءِ مِنْ أسْئَدِ شُيوخِ(٤) مِصْرِهِ ومِنَ الأوْلَى فَالأَوْلَى مِنْ حيثُ العِلْمُ أو الشُّهْرَةُ
أو الشَّرَفُ أَوْ غيرُ ذَلِكَ . وإذا فَرَغَ مِنْ سَماعِ العَوالِي والمهمَّاتِ التي ببلَدِهِ فَلْيَرْحَلْ إلى
غيره .
رُوَّيْنَا عَنْ يَحْتَى بِنِ مَعِيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: ((أربَعَةٌ لاَ تُؤْنِسْ مِنْهُمْ رُشْداً: حارسُ الدَّرْب،
ومُنادِي القاضي، وابنُ المحدِّثِ، ورجلٌ يَكْتُبُ في بلدِهِ ولا يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الحديثِ)) (٥).
١
وَرُوِّيْنَا عَنْ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ عَظُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: ((أَيَرْحَلُ الرجلُ فِي طَلَبِ العِلُوِّ ؟ فقالَ : بَلَى
والله شديداً، لقَدْ كانَ علقَمَةُ والأسْودُ يَبْلُغُهُما الحديثُ عَنْ عُمَرَ ◌َّه فلا يُقْنِعُهُمَا حَتَّى
يَخْرُجا إلى عُمَرَ فَيَسْمعانَهُ (٦) مِنْهُ)) ، والله أعلمُ .
وعنْ إبراهيمَ بنِ أُدْهَمَ عَُّ أَنَّهُ قالَ: ((إنَّ اللهَ تَعَالَى يَدْفَعُ البلاءَ عَنْ هذهِ الأُمَّةِ
برحلةِ أصْحابِ الحديثِ)) (٧).
ولا يَحْمِلَنَّهُ الحرصُ وَالشَّرَهُ عَلَى النَّسَاهُلِ فِي السماعِ والتَّحَمُّلِ والإِخلاَلِ بما
يُشْتَرَطُ عليهِ (٨) فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ .
(١) في (ع) والتقييد: ((المرضية)).
(٢) أخرجه الخطيب في الجامع (٦)
(٣) في ( جـ ) و ( م) والشذا : ((بكتبه)) .
(٤) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٦٣ - ٦٦٤ .
(٥) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٩، والخطيب في الجامع (١٦٨٥)، وفي الرحلة، له: ٤٧.
(٦) هكذا في جميع النسخ .
(٧) أسنده الخطيب في الرحلة : ٤٧، وفيه: ((يرفع)) مكان: ((يدفع)) .
(٨) انظر: الجامع ٢ / ٢٤٥ (٧٤٠).
٣٥٤

ولْيَسْتَعْمِلْ ما يَسْمَعُهُ مِنَ الأحَادِيثِ الوارِدَةِ بِالصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ وغيرِهِما مِنَ الأعمالِ
الصَّالِحَةِ فِذَلِكَ زَكَاةُ الحديثِ عَلَى ما رُوِّيْناهُ (١) عَنْ العَبْدِ الصالِحِ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ
الحافِي (٢) ﴿ه، ورُوّيْنا عنهُ أيضاً أنَّهُ قالَ: ((يا أصحابَ الحديثِ! أُدُوا زكاةَ هذا
الحديثِ ، اعْمَلُوا مِنْ كُلِّ مِثَتَي حديثٍ بِخَمْسةِ أحاديثَ)) (٣) . ورُوِّيْنا عَنْ عَمْرٍو بنِ
قَيْسِ الْمُلائِيِّ (٤) رَُ قالَ: إذا بَلَغَكَ شيءٌ مِنَ الخيرِ فاعْمَلْ بِهِ - ولوْ مَرَّةٌ - تَكُنْ مِنْ
أهلِهِ)) (٥) . ورُوِّيْنَا عَنْ وكِيعِ، قالَ: ((إذا أردتَ أنْ تَحفظَ الحديثَ فاعْمَلْ بهِ)) (٦).
وَلْيُعَظِّمْ شَيخَهُ وَمَنْ يَسْمَعُ (٧) مِنهُ، فَذَلِكَ مِنْ إِجْلالِ الحديثِ والعِلْمِ ، ولاَ يُثْقِلُ عليهِ ولاَ
يُطَوِّلُ بحيثُ يُضْجِرُهُ، فإِنَّهُ يُخْشَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أنْ يُحْرَمَ الانْتِفاعَ . وقَدْ رُوِّيْنا عَنٍ
الزُّهْرِيّ أَنَّهُ قالَ: ((إذا طالَ المَجْلِسُ، كانَ لِشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ)) (٨) .
ومَنْ ظَفِرَ مِنَ الطَّبةِ بِسَماعٍ شَيْخِ فَكَتَمَهُ غيرَهُ لِيَنْفردَ بِهِ عَنْهُمْ ، كانَ جَدِيْراً بأنْ لا
يَنْتَفِعَ بِهِ ، وَذَلِكَ مِنَ اللُّؤْمِ الذي يَقَعُ فيهِ جَهَلَةُ الطَّبَةِ الوُضَعَاءِ. ومِنْ أَوْلِ فَائِدَةٍ طَلَبٍ
الحديثِ الإِفادةُ. رُوِّيْنَا عَنْ مالِكٍ رَهُ أَنَّهُ قَالَ (٩): ((مِنْ بَرَكَةِ الحديثِ إفادَةُ بَعضِهِمْ
بَعْضاً)) (١٠) . ورُوِّيْنَا عَنْ إِسْحَاقَ بنِ إبراهِيمَ بنِ راهَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لبعضٍ مَنْ سَمِعَ منهُ في
(١) في (ع): ((روينا))، وما أثبتناه من النسخ و ( م ).
(٢) هو الإمام العالم، والعبد الصالح ، أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمان المروزي المشهور بـ ((بشر
الحافي))، كَانَ من كبار الصالحين والأتقياء والورعين، ولد سنة (١٥٠ هـ)، وقيل: (١٥٢ هـ)،
وتوفي سنة (٢٢٧ هـ). تاريخ بغداد ٦٩/٧، وسير أعلام النبلاء ٤٧١/١٠، وتهذيب التهذيب ٤٤٤/١.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ١٤٤ رقم (١٨١)، وأدب الإملاء : ١١٠.
(٤) بضم الميم وتخفيف اللام والمد. التقريب (٥١٠٠)، وانظر: الأنساب ٥ / ٣١٨.
(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥ / ١٠٢، والخطيب في الجامع (١٨٢).
(٦) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١٧٨٨) و (١٧٨٩ ).
(٧) في (جـ ): ((سَمِعَ)).
(٨) أسنده الخطيب في الجامع ( ١٣٨٥)، وانظر: أدب الإملاء : ٦٨ .
(٩) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٦٤ .
(١٠) انظر: الجامع للخطيب ٢ / ١٥٠.
٣٥٥

جماعَةٍ: ((الْسَخْ مِنْ كِتَابِهِم ما قدْ قَرَأْتُ، فقالَ: إِنَّهُمْ لا يُمَكّنُونَني، قالَ إذَنْ واللهِ
لاَ يُفْلِحُونَ (١)، قدْ رأينا أقْواماً مَنَعُوا هذا السَّماعَ فواللهِ ما أفْلَحُوا ولا أَنْحَحُوا)).
قُلْتُ: وقَدْ رأيْنا نحنُ أقواماً مَنَعُوا السَّمَاعَ فما أفْلَحُوا ولا أنْجَحُوا، ونَسْأَلُ الله
العافيةَ ، والله أعلمُ .
وَلاَ يَكُنْ مِمَّنْ يَمْتَعُهُ الحياءُ أو الكِبَرُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الطَّلَبِ. وقدْ رُوِّيْنا (٢) عَنْ
مُجَاهِدٍ وَ أَنَّهُ قَالَ: « لا يَتَعَلَّمْ مُسْتَجِيٍ (٣) ولا مُسْتَكْبِرٌ)) .
ورُوّيْنَا عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وابِهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُما قالا: ((مَنْ رَقْ
وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ)) (٤). ولا يأْنَفُ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ عَمَّنْ (٥) دُونَهُ (٦) ما يَسْتَفِيدُهُ منهُ. رُوِّيْنَا
عَنْ وكيعٍ بِنِ الجَرَّحِ عَلُهُ أَنَّهُ قالَ: (( لا يَنْبُلُ الرجُلُ مِنْ أصحابِ الحديثِ حَتَّى يَكْتُبَ
عَمَّنْ هَوَ فَوْقَهُ وعَمَّنْ هَوَ مِثْلُهُ، وعَمَّنْ هَوَ دُونَهُ)) (٧) ، وليسَ بِمُوَفِّقٍ مِنْ ضَّيَّعَ شيئاً مِنْ
وَقْهِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنَ الشّيُوخِ لِمُحَرَّدِ اسمِ الكَثْرَةِ وصِيْتِها . وليسَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبي
حاتِمِ الرَّازِيّ: ((إذا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ (٨)، وإذا حَدَّثْتَ فَفَتَشْ)) (٩) .
(١) في (أ): (( لا يفلحون أبداً)).
(١) صحيح البخاري ١ / ٤٤ عقيب (١٢٩) مجزوماً بهِ. قال الحافظ: (( وصله أبو نعيم في الحلية من
طريق علي بن المديني ، عن ابن عيينة ، عن منصور، عنه ، وهو إسناد صحيح على شرط البخاري ))
( الفتح عقيب ١٣٠ ) .
قلنا : وهو في سنن الدرامي (٥٥٧)، وحلية الأولياء ٣/ ٢٨٧، والفقيه والمتفقه ٢ / ١٤٤. والمدخل
للبيهقي ( ٤١٠ ).
(٣) في (م) : (( لا يَتَعَلِّمُ العِلْمَ مُسْتَحِيٍ ولا مُسْتَكْبِرٌ)) .
(٤) أسنده إليه الدارمي ١ / ١٣٧ رقم (٥٥٦)، والبيهقي في المدخل (٤٠٨). وتفسير قول بعضهم :
(( من رق وجهه عِنْدَ السؤال رق علمه عِنْدَ الرجال)، ومنه قول علي: (( قرنت الهيبة بالخيبة والحياء
بالحرمان)». نكت الزركشي ٣ / ٦٦٦ .
(٥) في (أ): ((عمن هو)).
(٦) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٦٦ - ٦٦٧ .
(٧) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١٦٥٥ ).
(٨) القَمْش: جمع الشيء من هاهنا وهاهنا، وكذلك التقميش. انظر: الصحاح ١٠١٦/٣، وتاج العروس
٠٣٤٠/١٧
(٩) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١٦٧٠ ).
٣٥٦

وَلْيَكْتُبْ وَلْيَسْمَعْ ما يَقَعُ إليهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عَلَى التمامِ ، ولاَ يَنْتَخِبْ ، فقدْ
قالَ ابنُ المبارَكِ ظُه: (( ما انْتَخَبْتُ عَلَى عالِمٍ قَطُّ إلاَّ نَدِمْتُ)) (١) .
ورُوّيْنَا عنهُ أَنّهُ قالَ: (( لا يُنْتَخَبُ عَلَى عالِمٍ إلاّ بِذَئْبٍ)). ورُوَّيْنَا أو بَلَغَنا عَنْ
يَحْثَى بِنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قالَ: ((سَيَنْدَمُ المنْتَخِبُ في الحديثِ حِينَ لا تَنْفَعُهُ النَّدامةُ)(٢).
فإنْ ضاقَتْ بهِ الحالُ عَنِ الاستيعابِ ، وأُخْرِجَ إلى الانتِقَاءِ والانْتِخابِ تَوَّلِّى ذَلِكَ
بنفسِهِ إنْ كانَ أهْلاً مُمَيِّزاً عارِفاً بما يَصْلُحُ للانْتِقاءِ والاخْتِيارِ . وإنْ كانَ قاصِراً عَنْ ذَلِكَ
اسْتَعانَ ببعْضِ الْحُفّاظِ لِيَنْتَخِبَ لهُ. وقدْ كانَ جماعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مُتَصَدِّيْنَ للانْتِقَاءِ عَلَى
الشّيُوخِ والطَّةِ تَسْمَعُ وتَكْتُبُ بالْتِخَائِهِمْ، مِنْهُم: إبراهيمُ بِنُ أَرُومَةَ (٣) الأصْبُهاِيُّ،
وأبو عبدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ المعروفُ بِعُبَيْدِ العِجْلِ (٤) ، وأبو الحسَنِ الدَّارقطْنُّ، وأبو
بكرِ الْجِعَابِيُّ (٥) في آخَرِينَ. وكانتْ العَادَةُ جَارِيَةٌ بِرَسْمِ الْحَافِظِ علامةٌ فِي أَصْلِ الشَّيْخِ
(١) أسنده الخطيب في الجامع ( ١٤٧١ ).
(٢) انظر: الجامع ٢ / ١٨٧.
(٣) في (أ) و (ب) و (م) و (ع) والتقييد والشذا الفياح ومطبوع الجامع ٢ / ١٥٧: ((أرمة)).
وكذا في (جـ) وكتب فوقها: ((أورمة))، ولكن في مصادر ترجمته: ((أورمة)). انظر: الجرح
والتعديل ٢ / ٨٨، وتاريخ بغداد ٦ / ٤٢، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٦٢٨، والسير ١٣ / ١٤٥، وذكر
من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي: ١٨٠، وطبقات الحفاظ: ٢٨١، وشذرات الذهب ١٥١/٢،
وانظر : تعليقنا عَلَى شرح التبصرة ٣٤٦/٢ .
(٤) كلمة ((العجل)) نعت لعبيد، وليس مضافاً إليه، فهو لقب له عَلَى النعت لا الإضافة كما ضبطه ابن
الصلاح في إملائه عَلَى مقدمته . انظر : النوع الثاني والخمسين : ٥٢٩ هامش (١) طبعة بنت الشاطئ،
وذكر من يعتمد قوله : ١٨٧ مع تعليق محققه .
(٥) في (م) و (ع) والتقييد: ((الجعاني)) بالنون، وهو خلاف لما جاء في النسخ الخطية والشذا، وما في
النسخ الخطية موافق لما جاء في مصادر ترجمته. انظر: تاريخ بغداد ٢٦/٣، وتذكرة الحفاظ ٩٢٥/٣،
والسير ١٦ / ٨٨، وميزان الاعتدال ٣ / ٦٧٠، وشذرات الذهب ١٧/٣، وتاج العروس ١٦٤/٢.
قال في الأنساب ٢ / ٩١ : ((بكسر الجيم وفتح العين المهملة، وفي آخرها الباء الموحدة))، فقطعت
جهيزة قول كل خطيب .
٣٥٧

عَلَى ما يَنْتَخِيُّهُ، فكانَ الثُّعَيْمِيُّ(١) أبو الحسَنِ يُعَلَّمُ بِصَادٍ مَمْدُودَةٍ، وأبو مُحَمَّدٍ الخلاَّلُ (٢)
بطاء ممدودة ، وأبو الفَضْلِ الفَلَكيُّ (٣) بصورةٍ همرتينٍ، وُلُّهُم يُعلّمُ بِحِبْرٍ في الحاشيةِ
اليُمنى من الورقةِ ، وَعَلَّمَ الدارقطُّ في الحاشيةِ اليُسرى بِخَطٍ عريضٍ بالحمرةِ . وكانَ أبو
القاسمِ اللالكائيُّ (٤) الحافظُ يُعلِّمُ بخطٍّ صغيرٍ بالحُمرةِ عَلَى أَوْلِ إسنادِ الحديثِ (٥) ولا
حَجْرَ في ذلكَ ولِكُلِ الخيارُ .
ثُمَّ لا يَنْبَغِي لطالبِ الحديثِ أن يقتصرَ عَلَى سَماعِ الحديثِ وكَتْبِهِ دونَ مَعْرِفَتِهِ
وَفَهْمِهِ ، فيكونَ قد أتعبَ نَفْسَهُ مِنْ غيرِ أن يظفرَ بطائلٍ ، وبغيرِ أنْ يحصلَ في عدادِ أهلِ
الحديثِ ، بل لَمْ يَرِدْ عَلَى أنْ صارَ مِنَ المتشبهينَ المنقوصينَ الْمُتَحَلِينَ بما هُمْ منهُ عاطِلونَ .
قُلْتُ : أَنْشَدَنِي أبو المُظَفِّرِ بنُ الحافظِ أبي سعْدِ السمعانيّ - رَحِمَهُ اللهُ - لَفْظً بمدينةٍ
مَّرْوَ ، قالَ: أَنْشَدَنا والدِي لَفْظاً أو قِراءَةٌ عليهِ ، قالَ: أَنْشَدَنا مُحَمَّدُ بنُ ناصرِ السَّلامِيُّ (٦)
مِنْ لفظِهِ ، قالَ : أَنْشَدَنا الأديبُ الفاضلُ فارسُ بنُ الحُسينِ لِنَفْسِهِ:
ذهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوايةْ
ياطَالبَ العِلْمِ الذي
يَةٍ بالروايةِ والدِّرايةْ
كُنْ فِي الرِّوايةِ ذَا العِنا
فالعِلمُ لَيسَ لَهُ نِهَايَهْ
وَاروِ القليلَ وراعِهِ
(١) بضم النون وفتح العين المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها ، هذه النسبة إلى نعيم، وهو اسم
لبعض أجداده . الأنساب ٥ / ٤٠٨، وترجمته في تاريخ بغداد ١١ / ٣٣١، والسير ١٧ / ٤٤٥.
(٢) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد اللام ألف، هذه النسبة إلى عمل الخل أو بيعه. الأنساب ٢ / ٤٨٢،
وترجمته في تاريخ بغداد ٧ / ٤٢٥ ، والسير ١٧ / ٥٩٣ .
(٣) بفتح الفاء واللام، وفي آخرها الكاف ، هذه النسبة إلى الفلك ومعرفته وحسابه، وترجمته في تذكرة
الحفاظ ٣ / ١١٢٥، والسير ١٧ / ٥٠٢ .
(٤) بفتح اللام ألف واللام والكاف بعدها الألف ، وفي آخرها الياء آخر الحروف ، هذه النسبة إلى بيع
اللوالك ، وهي التي تلبس في الأرجل. الأنساب ٥٨٤/٥، وترجمته في تاريخ بغداد ٧٠/١٤، والسير
٤١٩/١٧ .
(٥) انظر هذه العلامات في الجامع ١٥٨/٢ - ١٥٩.
(٦) بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى مدينة السلام بغداد . انظر :
الأنساب ٣٧٤/٣، ووفيات الأعيان ٢٩٤/٤، والسير ٢٦٥/٢٠.
٣٥٨

ولُيُقَدِّمِ (١) العنايَةَ بـ" الصَّحِيحَينِ"، ثُمَّ بـ" سُنَنِ أبي داودَ "، و" سُنَّنِ
النَّسائِيِّ " و " كتاب التِّرمذِيّ" ، ضَبْطَاً لِمُشْكِلِها وَفَهْمَاً لِخَفيِّ مَعانيها ، ولا يُخْدَعَنَّ
عنْ كتابٍ " السُنَّنِ الكَبيرِ " للبيهقيِّ فإنا لا نعلمُ مِثْلَهُ في بابه .
ثُمَّ بِسائرِ ما تَمَسُّ حاجةُ صاحِبِ الحديثِ إليهِ منْ كُتُبِ المساندِ (٢)، كـ" مُسْنَدٍ
أحمدَ " ، ومنْ كُتبِ الجوامِعِ المُصَنَّفةِ في الأحكامِ المشتمِلةِ عَلَى المسانيدِ وغيرها. و" مُوَطّأُ
مالكٍ " هوَ المُقَدَّمُ (٣) منها. ومِنْ كتبِ عِللِ الحديثِ ومِنْ أجودِها: كتابُ " العللِ " عَنْ
أحمدَ بنِ حَتْلٍ ، وكتابُ " العللِ " عنِ الدارَقُطْنِيِّ. ومنْ كُتُبِ معرفةِ الرجالِ وتواريخِ
الْمُحَدِّثِينَ ، ومِنْ أَفْضَلِها : " تاريخُ البخاريّ الكبيرِ "، و" كتابِ الجرحِ والتعديلِ " لابن
أبي حاتمٍ .
ومِنْ كُتُبِ الضَبْطِ لِمُشْكِلِ الأسماءِ ، ومنْ أكملِها " كتابُ الإكمالِ " لأبي نَصْرِ بنِ
مَاكُوْلًا .
وليكُنْ كُلّما مَرَّ بِهِ اسمٌ مُشْكِلٌ ، أو كلمةٌ منْ حديثٍ مشْكِلَةٌ بَحَثَ عنهاوأودعَها
قَلْبَهُ ، فإنهُ يحتمِعُ لهُ بذلكَ عِلْمٌ كثيرٌ فِي يُسْرِ . ولَيَكُنْ تَحفِظُهُ (٤) للحديثِ عَلَى التدريجِ ،
قَليلاً قليلاً معَ الأيامِ والليالي فذلكَ أحرى بأنْ يُمَتَّعَ بِمحفوظهِ .
وممنْ وَرَدَ ذلكَ عنهُ منْ حُفّاظِ الحديثِ المُنقدِّمِينَ: شُعبةُ ، وابنُ عُلَّةَ، ومَعْمَرٌ .
وَرُوّينا عنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهريّ يقولُ: ((منْ طَلَبَ العِلْمَ جُمْلَةً ، فاتهُ جُملةً ،
وإنَّما يُدْرَكُ العِلمُ حديثاً وحديثِينِ))(٥) .
(١) في (ع) والتقييد: ((ولتقدم)).
(٢) في (ب) و (جـ): ((المسانيد)).
(٣) في (جـ ): ((المتقدم)).
(٤) في (ب ): ((حفظه))، والمثبت من باقي النسخ، جاء في أساس البلاغة: ١٣٣: ((احتفظ بالشيء،
وتحفظ به : عُني بحفظه)) .
(٥) أخرجه الخطيب في الجامع (٤٥٠).
٣٥٩

وليكنِ الإتقانُ منْ شأنِهِ ، فقدْ قالَ عبدُ الرحمان بن مَهْدِيّ: ((الحِفْظُ:
الإتقانُ )) (١) .
ثُمَّ إِنَ الْمُذاكرةَ بما يتحفّظُهُ مِنْ أقوى أسبابِ الإمتاعِ بهِ . رُوِّينا عنْ عَلْقمةَ النَّخَعيِّ
قالَ: ((تَذَاكَروا الحديثَ، فإنّ حياتَهُ ذكرُهُ))(٢)، وعن إبراهيمَ النَّخَعيِّ قالَ: ((مَنْ
سَرَّهُ أن يَحْفَظَ الحديثَ فليُحدِّثْ بهِ ، وَلَوْ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ مَنْ لاَيَشْتِهِيهِ)) (٣).
ولَيَشْتَغِلْ بالتخريجِ والتأليفِ والتَّصنيفِ إذا استعدَّ لِذَلِكَ وتأهَّلَ لهُ، فإنهُ كما
قالَ الخطيبُ الحافظُ: يُثَبِّتُ الحِفْظَ، ويُذَكّي القلبَ، ويشْحَذُ الطَّعَ، ويجيدُ البيانَ،
ويكشِفُ الُلْتَبِسَ، ويُكسِبُ (٤) جميلَ الذكرِ، ويخلّدُهُ إلى آخرِ الدهرِ (٥) ، وقُلِّما يَمْهَرُ في
عِلْمِ الحديثِ وَيَقِفُ عَلَى غوامِضِهِ وَيَسْتَبِينُ الْخَفِيَّ مِنْ فوائِده إِلاَّ مَنْ فَعَلَ ذلكَ .
وَحَدَّثَ الصُّورِيُّ (٦) الحافِظُ مُحَمَّدُ بنُ عليٍّ قالَ : رأيتُ أبا مُحَمَّدٍ عبدَ الغنيِّ بنَ سعيدٍ
الحافظَ في المنامِ ، فقالَ: يا أبا عبدِ اللهِ! خَرِّجْ وصَنِّفْ قَبْلَ أنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. هذا أنا
تَرانِي قَدْ حِيْلَ بَيْنِي وَبِينَ ذَلِكَ (٧) .
ولِلْعلماءِ بالحديثِ في تَصْنِيفِهِ طَرِيقتانِ :
إحْداهُما: التَّصْنِيفُ عَلَى الأبوابِ ، وهو تَخريجُهُ عَلَى أحكامِ الفقهِ وغيرِها ،
وتَنْوِيّعُهُ أنواعاً ، وجمعُ مَا وَرَدَ فِي كُلِّ حُكْمٍ و كُلِّ نوعٍ في بابٍ فبابٍ .
(١) أخرجه الخطيب في الجامع (١٠٣٧).
(٢) أخرجه الرامهرمزي في الْمُحَدِّث الفاصل: ٥٤٦، وابن عبد البر في بيان جامع العلم ١٠١/١، والخطيب
في الجامع لأخلاق الراوي (١٨٢١).
(٣) أخرجه الخطيب في الجامع (١٨٢٢)، وابن عبد البر ١ / ١٠١ من جامع بيان العلم.
(٤) في (أ): (( يكتب)) .
(٥) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٢٨٠ .
(٦) توفي سنة (٤٤١ هـ). انظر: تاريخ بغداد ١٠٣/٣، والأنساب ٥٧٠/٣، والشير ١٢٧/١٧.
(٧) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١٨٦١ ).
٣٦٠