Indexed OCR Text

Pages 321-340

يَسْقُطُ فِي السَّمَاعِ عَلَى وجهِ السَّهْرِ وغيرِهِ مِنْ كَلِماتٍ أَوْ أَكْثَرَ، مَرْوِيّاً بالإجازةِ وإِنْ لَمْ
يُذْكَرْ لَفْظُها. فإنْ كانَ الذي في النُّسْخَةِ سَمَاعُ شَيْخِ شَيْخِهِ ، أو هِيَ مَسْمُوعَةٌ عَلَى شَيْخِ
شَيْخِهِ ، أَوْ مَرْوِيَّةٌ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ حِيْنَئذٍ في روايتِهِ منها أنْ تَكُونَ (١) لهُ إجازةٌ
شامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ، ولِشَيْخِهِ إجازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ، وهذا تَيْسِيْرٌ (٢) حَسَنٌ هَدَانا الله لهُ
-ولهُ الحمدُ- والحاجَةُ إليهِ مَاسَّةٌ فِي زَمَاننا جدّاً، والله أعلمُ.
الثّالِثُ: إذا وجَدَ الحافظُ في كتابهِ خلافَ ما يَحْفَظُهُ (٣) نَظَرَ : فإنْ كانَ إِنَّما
حَفِظَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهِ فَلْيَرْجِعْ إلى ما في كِتَابِهِ ، وإنْ كانَ حَفِظَهُ مِنْ فَمِ المحدِّثِ فَلْيَعْتَمِدْ
حِفْظَهُ دُونَ مَا فِي كِتَابِهِ إذا لَمْ يَتَشَكّْكْ، وحَسَنٌ أنْ يَذْكُرَ الأمرينِ في روايِهِ ، فَيَقُولَ :
حِفْظِي كذا ، وفي كِتَابِي كذا، هَكَذَا فَعَلَ شُعْبَةُ (٤) وغيرُهُ، وهَكَذا إذا خالَفَهُ فيما
يَحفظُهُ بعضُ الحفّاظِ ، فَلْيَقُلْ: حِفْظِي كذا وكذا ، وقالَ فيهِ فُلاَنٌ أو قالَ فيهِ غيري كذا
وكذا ، أوْ شِبْهَ هذا مِنَ الكَلامِ . كَذَلِكَ فَعَلَ سُفيانُ الثَّوْرِيُّ وغيرُهُ (٥) ، والله أعلمُ .
الرَّابِعُ: إذا وَجَدَ سَماعَهُ فِي كِتَابِهِ وهوَ غيرُ ذاكرٍ (٦) لسماعِهِ ذلكَ ، فَعَنْ أَبِي حَنِيْفَةً
وبَعضِ أصحابِ الشَّافِعِيِّ (٧): أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ (٨) لَهُ روايتُهُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأكْثَرِ
أصْحابِهِ، وأبي يُوسُفَ ، ومُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لهُ روايتُهُ (٩) .
(١) في ( ب) و ( جـ): ((يكون)).
(٢) في الشذا : ((تبيين)).
(٣) راجع نكت الزركشي ٣ / ٦٠٢ .
(٤) انظر الرواية عن شعبة في الكفاية : (٣٣٣ - ٣٣٤ ت، ٢٢٤ هـ ) .
(٥) انظر: الكفاية (٣٣٤ ت، ٢٢٥ هـ ).
(٦) راجع: نكت الزركشي ٣ / ٦٠٣ - ٦٠٦ .
(٧) مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعى حكاه القاضي عياض في الإلماع : ١٣٩.
(٨) في (ع) والتقييد: (( لا تجوز))، وما أثبتناه من (أ) و (ب) و (جـ) و (م) والشذا .
(٩) حكاه القاضِي عِيَاض في الإلماع: ١٣٩، ونسبه الْخَطِيب في الكفاية: (٥٣٩ ت، ٣٨٠ هـ) إلى عامة
أصحاب الْحَدِيْث والفقهاء من أصحاب مالك والشّافعي وجمهور المتكلمين .
٣٢١

قُلْتُ : هذا الخِلاَفُ يَنْبَغِي أنْ يُبْنَى عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ قَرِيباً فِي جَوازِ اعْتِمادِ
الراوي عَلَى كتابِهِ في ضَبْطِ ما سَمِعَهُ ، فَإِنَّ ضَبْطَ أصْلِ السَّماعِ كَضَبْطِ المسمُوعِ ، فَكَما
كانَ الصحيحُ وما عليهِ أكثَرُ أهلِ الحديثِ : تَجْوِيْزَ الاعْتِمادِ عَلَى الكتابِ الْمَصُونِ في
ضَّبِّطِ المسمُوعِ حَتَّى يَجوزَ لهُ أنْ يَرويَ ما فيهِ، وإنْ كانَ لا يَذْكُرُ أحاديثَهُ حَدِيثاً حَدِيثاً.
كَذَلِكَ لِيَكُنْ هذا إذا وُجدَ شَرْطُهُ ، وهوَ : أنْ يَكُونَ السَّماعُ بَخَطّهِ أوْ بِخَطٍّ مِنْ
يَثِقُ بِهِ (١) والكِتابُ مَصُونٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلامَةُ ذَلِكَ مِنْ تَطَرُّقِ التّزْوِيِ والتَّغْيِيِ
إليهِ عَلَى نحوِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ .
وهذا إذا لَمْ يَتَشَكِّكَ فِيهِ وَسَكَنَتْ نفسُهُ إِلَى صِحَّتِهِ ، فإنْ تَشَكِّكَ فِيهِ لَمْ يَجُزِ
الاعْتِمادُ عليهِ (٢) ، واللهُ أعلمُ .
الخامِسُ: إذا أرادَ رِوايَةَ ما سَمِعَهُ عَلَى معناهُ دونَ لَفْظِهِ (٣) ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ عالِماً
عارفاً بالألْفَاظِ ومَقَاصِدِها ، حَبيراً بِما يُحِيْلُ مَعَانِيها ، بَصِيْراً بِمَقَادِيرِ الَّفَاوِتِ بَيْنَهَا ، فلاَ
خِلَفَ (٤) أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وعليهِ أنْ لاَ يَرْوِيَ ما سَمِعَهُ إلاَّ عَلَى اللفظِ الذي سَمِعَهُ
مِنْ غيرِ تَغْيِيرٍ .
فأمَّا إذا كَانَ عَالِماً عَارِفاً بِذَلِكَ فَهَذا مِمَّا اخْتَلَفَ فيهِ السَّلَفُ وأَصْحَابُ الحديثِ
وأَرْبَابُ الفِقْهِ والأصُولِ ، فَجَوَّزَهُ أكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يُحَوِّزْهُ (٥) بعضُ المحدِّئِينَ، وطَائِفَةٌ مِنَ
الفُقَهَاءِ والأصُولِّيْنَ مِنَ الشَّافِعَّينَ وَغَيْرِهِمْ. ومَنَعَهُ بَعضُهُمْ في حديثٍ رَسُولِ اللهِ وَّ
وأجَازَهُ في غيرِهِ .
(١) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٠٦ - ٦٠٧ .
(٢) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٠٧ - ٦٠٨ .
(٣) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٠٨ - ٦١١ .
(٤) وممن نقل مثل هذا الخطيب في الكفاية: (٣٠٠ت، ١٩٨هـ)، والقاضي عياض في الإلماع: ١٧٤.
(٥) عبارة: ((أكثرهم، ولم يجوزه)) سقطت من (م).
٣٢٢

والأصَحُّ جَوَازُ ذلكَ في الجميعِ إذا كانَ عالِماً بِمَا وَصَفْنَاهُ ، قَاطِعاً بأنَّهُ أَدِى مَعْنَى
اللَّفْظِ الذي بَلَغَهُ؛ لأنَّ ذلكَ هُوَ الذي تَشْهَدُ (١) بِهِ أحْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الأَوْلِينَ
وكَثِيراً مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنَى واحِدًاً في أمْرٍ واحِدٍ بِألْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ (٢)، وما ذلكَ إلاَّ لأَنَّ
مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى المعنى دُونَ اللَّفْظِ .
ثُمَّ إِنّ هذا الاخْتِلاَفَ لاَ نَرَاهُ جارِياً (٣)، ولاَ أَجْرَاهُ النَّاسُ - فيما نَعْلَمُ - فِيْما
تَضَمََّتُهُ بُطُونُ الكُتُبِ ، فليسَ لأحدٍ أنْ يُغَيَِّ لفظَ شيءٍ مِنْ كِتَابٍ مُصَنِّفٍ وَيُثْبِتَ بَدَلَهُ فِيهٍ
لَفْظاً آخَرَ بِمَعْنَاهُ، فإنَّ الروايةَ بِالْمَعْنَى رَخَّصَ فيها مَنْ رَخَّصَ لِمَا كَانَ عليْهِمْ فِي ضَبْطِ
الأَلْفَاظِ والجمُودِ عليها مِنَ الْحَرَجِ والنَّصَبِ ، وذَلِكَ غيرُ مَوْجُودٍ فيما اشْتَمَلَتْ عليهِ بُطُونٌ
الأَوْرَاقِ والكُتُبِ؛ ولاَنَّهُ إِنْ مَلَكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ فليسَ يَمْلِكَ تَغْيِيرٍ تَصْنِيفِ غيرِهِ ، والله أعلمُ.
السَّادِسُ: يَنْبَغِي لِمَنْ رَوَى (٤) حَدِيْثَاً بالمعْنَى أَنْ يُتْبِعَهُ بأَنْ يَقُولَ : أوْ كَما قالَ ،
أوْ نَحْوِ هذا، وما أشْبَهَ ذلكَ مِنَ الألْفَاظِ .
رُوِيَ ذَلِكَ مِنَ (٥) الصَّحابةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وأبي الدَّرْداءِ وأَنَسٍ ﴾(٦). قالَ
الخطيبُ: ((والصحابَةُ أربابُ اللّسَانِ وَأَعْلَمُ الخَلْقِّ بِمَعَانِي الكَلامِ، ولَمْ يَكُونُوا يَقُولونَ
ذَلِكَ إِلَّ تَخَوُّفاً مِنَ الزَّلَلِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بما في الروايةِ عَلَى المعنى مِنَ الخَطَرِ)) (٧) .
قُلْتُ: وإذا اشْتَبَهَ عَلَى القارئِ فيما يَقْرَؤُهُ لَفْظَةٌ فَقَرَأَها عَلَى وجهٍ يَشُكُّ فِيهِ ، ثُمَّ
قالَ: أوْ كما قالَ؛ فهذا حَسَنٌ ، وهوَ الصَّوَابُ فِي مِثْلِهِ؛ لأنْ قولَهُ: ((أوْ كما قالَ))،
يَتَضَمَّنُ إجازَةً مِنَ الراوي وإِذْناً في روايةِ صَوابِهَا عنهُ إذا بانَ . ثُمَّ لاَ يُشْتَرَطُ إِفْرَادُ ذَلِكَ
بَلَفِظِ الإِجازةِ لِمَا بَيَّنَاهُ قريباً ، والله أعلمُ .
(١) في (أ) و ( ب): ((يشهد)).
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٢٦٤ - ٢٦٦.
(٣) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦١١ - ٦١٢ .
(٤) في ( ع ) والتقييد: ((يروي)).
(٥) في (أ): ((عن)) .
(٦) الروايات عنهم خرجناها في التقريب للنووي .
(٧) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢ / ٣٤، قال البلقيني في المحاسن ٣٣٣: ((ليس في النقل عن
هؤلاء ، أنهم جَوَّزوا نقل الحديث بالمعنى كما فهمه بعض من لا يصح فهمه)) .
٣٢٣

السَّابِعُ: هَلْ يَجُوزُ اخْتِصَارُ الحديثِ الواحدِ (١) وروايةُ بعضِهِ دُونَ بعضِ ؟
اخْتُلَفَ أهلُ العِلْمِ فِيهِ :
- فَمِنْهُمْ: مَنْ مَنَعَ مِنْ (٢) ذَلِكَ مُطْلَقاً بِنَاءً عَلَى القَوْلِ بالمنْعِ مِنَ النَّفْلِ بالمعنى
مُطْلَقاً ، ومِنْهُم مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِهِ النَّقْلَ بالمعنى إذا لَمْ يَكُنْ قَدْ رواهُ عَلَى النَّمامِ مَرَّةً
أُخْرَى وَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ غيرَهُ قَدْ رواهُ عَلَى النَّمامِ .
- وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ وَأَطْلَقَ ولَمْ يُفَصِّلْ. وَقَدْ رُوِّيْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قالَ :
انْقُصْ مِنَ الحديثِ ما شِئْتَ ولاَ تَزِدْ فيهِ (٣) .
والصحيحُ التَّفْصِيلُ ، وأَّهُ يجوزُ ذَلِكَ مِنَ العَالِمِ العَارِفِ ، إذا كانَ ما تركَهُ
مُتَمَيِّزاً عَمَّا نَقَلَهُ ، غيرَ مُتَعَلِّقِ بهِ بحيثُ لاَ يَخْتَلُ البَيَانُ ولاَ تَخْتَلِفُ الدلاَلَهُ فيما نَقَلَهُ بَتَرْك ما
تَرَكَهُ (٤) ، فهذا يَنْبَغِي أنْ يُحَوَّزَ وإِنْ لَمْ يَجُزِ النَّقْلُ بالمعنى؛ لأنّ الَّذِي نَقَلَهُ والذي تَرَكَهُ
- والحالَةُ هذهِ - بِمَنْزِلَةِ خَبَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ فِي أَمْرَيْنِ لاَ تَعَلُّقَ لأَحَدِهِما بالآخَرِ (٥) .
ثُمَّ هذا إذا كانَ رفِيعَ المْزِلَةِ بحيثُ لاَ يَتطرَّقُ إليهِ في ذلكَ تُهْمَةُ نَقْلِهِ أوْلاً تَماماً (٦)
ثُمَّ نَقْلِهِ ناقِصاً، أوْ نَقْلِهِ أوْلاً نَاقِصاً ثُمَّ نَفْلِهِ تامّاً. فأمَّا إذا لَمْ يَكُنْ كذلكَ ، فَقَدْ ذَكَرَ
الخطيبُ الحافِظُ أنّ مَنْ رَوى حديثاً عَلَى التمامِ، وخافَ إنْ رواهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى
النُّقْصانِ أنْ يُنَّهَمَ بأَنَّهُ زادَ في أَوْلِ مرَّةٍ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ ، أو أنَّهُ نَسِيَ في الثاني باقِيَ
الحديثِ لِقِلَّةٍ ضَبْطِهِ وكَثْرَةٍ غَطِهِ ، فَوَاحِبٌ عليهِ أنْ يَنْفِيَ هذهِ الظَّّةَ عَنْ نَفْسِهِ (٧).
(١) راجع : نكت الزركشي ٣ / ٦١٢.
(٢) سقطت من ( م ) .
(٣) أسنده الخطيب في الكفاية: (٢٨٩ ت، ١٨٩ هـ).
(٤) انظر: محاسن الاصطلاح : ٣٣٤ .
(٥) انظر : المصدر السابق .
(٦) في (م) : (( تامًاً)) .
(٧) الكفاية : ( ٢٩٣ ت، ١٩٣ هـ) .
٣٢٤

وذَكَرَ الإِمامُ أبو الفتْحِ سُلَيْمُ (١) بِنُ أُيُوبَ الرَّازِيُّ الفقيهُ: ((أنَّ مَنْ رَوَى بعضَ
الخبرِ ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَتْقُلَ تَمَامَهُ وكَانَ مِمَّنْ يُنَّهَمُ بِأَنَّهُ زادَ في حديثِهِ، كانَ ذلكَ عُذْراً لهُ
في تَرْكِ الزيادةِ وكِثْمانِها)» (٢) .
قُلْتُ : مَنْ كَانَ هذا حالَهُ فليسَ لهُ مِنَ الانْتِدَاءِ أنْ يَرْوِيَ الحديثَ غيرَ تامٍّ ، إذا كانَ
قَدْ تَعَيَّنَ عليهِ أداءُ تَمَامِهِ؛ لأَنَّهُ إذا رواهُ أوْلاً نَاقِصاً أَخْرَجَ باقِيَهُ عَنْ (٣) حَيِّزِ الاحْتِجاجِ بِهِ،
ودارَ بَيْنَ أَلاَّ يَرْوِيَهُ (٤) أَصْلاً فَيُضَيِّعَهُ رَأْساً ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْوَيَهُ مُتَّهَماً فيهِ ، فَيُضَيِّعَ ثَمَرَتَهُ ؛
لِسُقُوطِ الْحُجَّةِ فيهِ ، والعِلْمُ عندَ اللهِ تَعَالَى .
وأمَّا تَقْطِيعُ الْمُصَنِّفِ مَتْنَ الحديثِ الواحِدِ (٥) وتَفْرِيْقُهُ فِي الأَبْوابِ ، فَهُوَ إلى الجوازِ
أَقْرَبُ، ومِنَ المنْعِ أَبْعَدُ . وَقَدْ فَعَلَهُ مالِكٌ ، والبخَارِيُّ وغيرُ واحِدٍ مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ ولاَ
يَخْلُو مِنْ كَرَاهِيَةٍ (٦) ، والله أعلمُ .
الثّامِنْ: يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَلاَّ يَرْوِيَ حَدِيْثَهُ بِقِرَاءَةِ لَحَّانٍ (٧) أوْ مُصَحِّفٍ . رُوِّيْنَا عَنِ
النَّصْرِ بِنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ: ((جَاءِتْ هذهِ الأحاديثُ عَنِ الأصْلِ مُعربةً)) . وأخْبَرَنا أبو بكرِ
(١) بالتصغير، انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢ / ٣٩٧، وطبقات الشافعية لابن هداية : ١٤٧.
(٢) البحر المحيط ٤ / ٣٦٢ .
(٣) في (ب) و (م): ((من)).
(٤) في (ع) بعد هذا: ((إذا))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا في الشذا ولا التقييد.
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦١٧ - ٦٢٠ .
(٦) خالفه النووي في التقريب : ١٣٥ فقال: ((وما أظنه يوافق عليه))، وقد عقد الخطيب في الكفاية:
(٢٩٤-٢٩٥ ت، ١٩٣-١٩٤ هـ) باباً سّاه: ((ما جاء في تقطيع المتن الواحد وتفريقه في الأبواب)).
نقل فيه آثاراً عن الأئمة في جواز ذلك .
(٧) قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٢٠: (( وتعبيره باللّحّان بصيغ: ((فَعَّال)) يقتضي تصويره بالكثير، وهو
كذلك؛ إذ لَمْ يسلم من اللحن أحد )) .
وقال ابن فارس : «اللَّحْنُ - بسكون الحاء - إمالة الكلام عن جهته الصحيحة في العربية، يقال: لَحَنَ
لَحْناً ... )). مقاييس اللغة ٥ /٢٣٩.
وفي الصحاح ٦ / ٢١٩٣: ((اللّحْنُ: الخطأ في الإعراب، يقال: فلان لَحَّانٌ وَلَحَّانَةٌ، أي: كثير
الخطأ )).
٣٢٥

ابنُ أبي المعالِيِ الفَرَاويُّ قِراءةٌ عليهِ، قالَ: أَخْبَرَنا الإِمامُ أَبُو(١) جَدِّي أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ
ابنُ الفَضْلِ الفَرَاوِيُّ ، قَالَ أَخْبَرَنا أبو الحسَيْنِ (٢) عبدُ الغَافِرِ بنُ مُحَمَّدٍ الفارسِيُّ، قالَ:
أُخْبَرَنَا الإِمامُ أبو سُلَيْمانَ حَمْدُ (٣) بنُ مُحَمَّدٍ الْخَطّائِيُّ (٤)، قالَ حَدَّثَني مُحَمَّدُ بنُ مُعاذٍ ،
قالَ: أَخْبَرَنا بعضُ أصحابِنَا ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْحِيِّ(٥). قالَ: سَمِعْتُ الأصْمَعِيَّ يَقُولُ:
((إِنْ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ (٦) عَلَى طالبِ العِلْمِ إذا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَ أَنْ يَدْخُلَ في جُمْلَةٍ (٧)
قولِ النِّ ◌َ﴿َ: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (٨)؛ لأَنَّهُ عَ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ،
فَمَهْمَا رَوَيْتَ عنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ ، كَذَبْتَ عليهِ (٩) .
قلتُ : فحقٌّ عَلَى طالبِ الحديثِ أنْ يَتعلَّمَ منَ النحوِ واللّغةِ ما يتخلِّصُ بهِ منْ شَيْنٍ
اللَّحْنِ والتحريفِ ومَعَرَّتِهما .
(١) (( أبو))، ساقطة من (أ) و (ع). وانظر: السير ٤٩٤/٤.
(٢) في (ع) و (م): ((الحسن)) خطأ، وانظر: ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٨ / ١٩.
(٣) بفتح الحاء وسكون الميم عَلَى صورة المصدر، وفي نسخة ( ب): ((أحمد))، قال ابن خلكان: ((وقد
سمع في اسم أبي سليمان حَمْدٍ المذكور أحمد أيضاً - بإثبات الهمزة - والصحيح الأول ... )). وفيات
الأعيان ٢ / ٢١٥، وانظر : سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٦ ، والرسالة المستطرفة : ٤٤ .
(٤) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة. انظر: الأنساب ٢ / ٥٣٥.
(٥) هذه النسبة إلى سنج - بكسر السين المهملة وسكون النون ، وفي آخرها جيم ، وهي قرية كبيرة من قرى
مرو. الأنساب ٣ / ٣٤٢ .
(٦) قال الصنعاني: (( وإنما قال الأصمعي: ((أخاف))، ولم يجزم؛ لأن من لَمْ يعلم بالعربية وإن لحن لَمْ
يكن متعمداً الكذب)). توضيح الأفكار ٢ / ٣٩٤.
(٧) جاء في حاشية (ب) عبارة نصها: ((قال المصنف: ((قوله: في جملة، أي: في عموم)). وكذا في
حاشية ( م) عن نسخة (غ ) .
(٨) حديث صحيح متواتر، خَرَّ جناه بتوسع في التعليق عَلَى شرح التبصرة ١ / ١٧٥.
(٩) أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء (٢٢٣)، والخطابي في غريب الحديث ١ / ٦٣، والقاضي عياض
في الإلماع : ١٨٣ - ١٨٤ .
٣٢٦

رُوّيْنَا (١) عِنْ شُعبةَ قالَ: ((مَنْ طلبَ الحديثَ وَلَمْ يُبْصِرِ العربيّةَ فَمَثَلُهُ مَثَلُ (٢) رَجلِ
عليهِ بُرْتُسٌ (٣) ليسَ لهُ رأسٌ )) ، أو كما قالَ .
وعنْ حَمَّدِ بنِ سَلَمَةً، قالَ: ((مَثَلُ (٤) الذي يطلُبُ الحديثَ ولاَ يَعْرِفُ النَّحْوَ،
مَثَلُ الحمارِ عليهِ مِخْلاَةٌ (٥) لاَ شعيرَ فيها)) (٦).
وأمَّا التصحيفُ فسبيلُ السلامةِ منهُ ، الأخْذُ مِنْ أفواهِ أهلِ العِلْمِ والضَّبْطِ (٧)، فإِنَّ
مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ وكانَ أخْذُهُ وتعلُّمُهُ مِنْ بُطُونِ الكُتُبِ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ التَّحريفُ ، وَلَمْ يُفْلِتْ
مِنَ التَّبديلِ والتَّصحيفِ ، والله أعلمُ .
التاسِعُ : إذا وقعَ في روايتِهِ لَحْنٌ أو تحريفٌ ، فقدِ اخْتلفُوا؛ فمنهم مَنْ كانَ يَرَى
أَنَّهُ يرويِهِ عَلَى الخطأ كما سَمِعَهُ ، وذهبَ إلى ذَلِكَ مِنَ التَّابعينَ مُحَمَّدُ بنُ سيرينَ ، وأبو
مَعْمَرٍ عبدُ اللهِ بنُ سَخْبَرَةَ (٨) . وهذا غُلُوٌّ في مذهبِ اتِّباعِ اللَّفْظِ والمنعِ مِنَ الروايةِ بالمعنى .
ومنهمْ مَنْ رَأَى تَغييرَهُ وإصلاحَهُ وروايتَهُ عَلَى الصوابِ ، رُوِّيْنَا ذَلِكَ عَنِ الأوزاعيِّ (٩)،
وابنِ المباركِ (١٠) وغيرِهِما (١١)، وهوَ مذهبُ الْمُحَصِّلِينَ (١٢) والعلماءِ منَ المحدِّثينَ،
(١) رواه عنه الخطيب في الجامع ٢ / ٣٦ رقم ( ١٠٧٣ ).
(٢) في ( ب): (( كمثل)) .
(٣) البُرْنُس: كل ثوب رأسه منه ملتزق به . اللسان ٦ / ٢٦
(٤) سقطت من (أ).
(٥) المخلاة: ما يجعل فيه الحشيش ونحوه. الصحاح ٦ / ٢٣٣٢.
(٦) أخرجه الخطيب في الجامع ٢ / ٣٦ رقم (١٠٧٤ ).
(٧) في (م ) والتقييد: (( أو الضبط)).
(٨) بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة. التقريب (٣٣٤١)، والخلاصة: ١٩٩، وانظر :
الروايات عنهم في الكفاية : ( ٢٨٥ ت، ١٨٦ هـ ).
(٩) انظر: الكفاية (٢٩٦ ت، ١٩٥ هـ)، والجامع ٢ / ٢٣.
(١٠) انظر: الكفاية ( ٢٩٧ ت، ١٩٦ هـ)
(١١) وإليه ذهب الأعمش، والشعبي، وحماد بن سلمة، ويحيى بن معين، وأحمد بن صالح ، والحسن ين
مُحَمَّد الزعفراني ، وعلي بن المديني ، وغيرهم. انظر: الكفاية (٢٩٥ - ٣٠٠ ت، ١٩٤ - ١٩٧ هـ).
(١٢) في (ب): ((المخلصين)).
٣٢٧

والقولُ بهِ في اللَّحْنِ الذي لا يختلِفُ بهِ المعنى وأمثالِهِ، لازمٌ عَلَى مذهبٍ تجويزِ روايةٍ
الحديثِ بالمعنى (١) . وقدْ سَبَقَ أنَّهُ قولُ الأكثرينَ (٢) .
وأمَّا إصْلاحُ ذَلِكَ وتغييرُهُ (٣) في كتابهِ وأَصْلِهِ ، فالصوابُ تَرْكُهُ، وتقريرُ ما وقَعَ
فِي الأَصْلِ عَلَى ما هوَ عليهِ معَ التَّضْبِيبِ عليهِ ، وبيانِ الصوابِ خارجاً في الحاشيةِ ، فإِنَّ
ذَلِكَ أجمعُ للمصلحةِ وأَنْفَى للمَفْسَدةِ .
وقدْ رُوّيْنا أنّ بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئِيَ في المنامٍ ، وكأنَّهُ قَدْ مَرَّ منْ شَفَتِهِ أو
لسانِهِ شيءٌ ، فقيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فقالَ: ((لفظةٌ مِنْ حديثِ رسولِ الله -صَلّى اللهُ تَعَالَى
عليهِ وعلى آلِهِ وسَلَّمَ - غَرْتُها برأيِي فَفُعِلَ بي هذا)) (٤).
وكثيراً ما نَرَى ما يتوهَّمُهُ كثيرٌ منْ أهلِ العِلْمِ خطأ - ورُبَّما غيَّرُوهُ - صَوَاباً ذا
وجهٍ صحيحٍ ، وإِنْ خَفِيَ واسْتُغْرِبَ لاَ سِيَّما فيما يَعُدُّونَهُ خطأً مِنْ جِهَةِ العربيّةِ ؛ وذلكَ
لِكَثْرَةِ لُغَاتِ العربِ وتَشَعُبها .
ورُوّيْنا عنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالَ: ((كانَ إذا مَرَّ بأبِي لَحْنٌ فاحشرٌ غَّرَهُ ،
وإذا كانَ لَحْناً سَهْلاً تَرَكَهُ، وقالَ: كذا قالَ الشَّيْخُ!)) (٥).
وأخْبَرَنِي بعضُ أشْيَاخِنَا عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنِ القاضِي الحافِظِ عياضٍ بِمَا مَعْنَاهُ
واخْتِصَارُهُ (٦): أنَّ الذي اسْتَمَرَّ عليهِ (٧) عَمَلُ أَكْثَرِ الأشْيَاخِ، أنْ يَنْقُلُوا الروايَةَ كما
وَصَلَتْ إليهِمْ، وَلاَ يُغَيِّرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ، حَتَّى في أحرفٍ مِنَ القُرْآنِ اسْتَمَرَّتٍ (٨) الرواية
فيها في الكُتُبِ عَلَى خِلافِ التلاوةِ الْمُحْمِعِ عليها ومنْ غيرِ أنْ يجِيءَ ذَلِكَ في الشَّواذٌ .
(١) راجع: محاسن الاصطلاح : ٣٣٨.
(٢) المصدر السابق .
(٣) راجع : نكت الزركشي ٣ / ٦٢٣.
(٤) انظر: المقنع ١ / ٣٧٩ .
(٥) أخرجه الخطيب بسنده إلى الإِمام أحمد. الكفاية : (٢٨٦ - ٢٨٧ ت، ١٨٧ هـ ).
(٦) في ( ب ): ((واختاره)).
(٧) في (م): ((عليه استمر)).
(٨) في (جـ): ((واستمرت))، وفي الشذا: ((واشتهرت )).
٣٢٨

ومِنْ ذَلِكَ ما وَقَعَ في " الصحيحينِ " و" الموطّأٍ " وغيرِهَا، لكِنَّ أهلَ المعرفةِ مِنهُمْ
يُنَبِّهُونَ عَلَى خَطَئِها عِندَ السَّمَاعِ (١) والقِرَاءَةِ، وفي حواشي الكُتُبِ ، مَعَ تَقْرِيرِهِمْ ما في
الأُصُولِ عَلَى مَا بَلَغَهُمْ .
ومِنْهُمْ مَنْ جَسَرَ عَلَى تغييرِ الكُتُبِ وإِصْلاَحِها ، مِنْهُمْ: أبو الوليدِ هِشَامُ بنُ أحمدَ
الكِنَانِيُّ الوَقْشِيُّ (٢)؛ فإنَّهُ لِكَثْرَة مُطالَعَتِهِ وافْتِنَانِهِ وتُقُوبٍ فَهْمِهِ وحِدَّةِ ذهْنِهِ حَسَرَ عَلَى
الإصلاحِ كثيراً، وغَلِطَ في أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ . وكذلكَ غيرُهُ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ .
والأَوْلَى سَدُّ بابِ التَّغْييرِ والإِصْلاحِ؛ لِئَلاَ يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لاَ يُحْسِنُ ، وهوَ
أسْلمُ (٣) مَعَ الثَّبِينِ فيذكُرُ ذَلِكَ عندَ السماعِ كما وقعَ ، ثُمَّ يذكُرُ وجهَ صوابِهِ : إِمَّا مِنْ
جِهَةِ العربيّةِ، وإِمَّا مِنْ جِهَةِ الروايةِ، وإِنْ شَاءَ قَرَأَهُ أَوْلاً عَلَى الصَّوَابِ ثُمَّ قالَ: ((وَقَحَ
عندَ شَيْخِنا ، أو في روايتنا، أو مِنْ طريقٍ فُلانِ كذا وكذا)). وهذا أَوْلَى مِنَ الأَوْلِ كَيْلاَ
يُتَقَوَّلَ عَلَى رسولِ اللهِلَّ مَا لَمْ يَقُلْ.
وأصْلَحُ ما يُعْتَمَدُ عليهِ في (٤) الإِصْلاحِ أنْ يَكُونَ ما يُصْلَحُ بِهِ الفَاسِدُ قَدْ
وَرَدَ في (٥) أحاديثَ أُخَرَ ، فإنَّ ذاكِرَهُ آمِنٌ مِنْ أنْ يَكُونَ مُتَقَوِّلاً عَلَى رسولِ اللهِلَّ مَا لَمْ
يَقُلْ (٦) ، والله أعلمُ .
العاشِرُ : إذا كانَ الإِصْلاحُ بزِيادَةِ شيءٍ قَدْ سَقَطَ فإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُغَايرةٌ فِي
المعنى فالأَمْرُ فيهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وذلكَ كَنحوٍ مَا رُوِيَ عَنْ مالكٍ ◌َُ أنّهُ قِيلَ لهُ: ((أرأيْتَ
حديثَ النِّ وَ﴿ يُزَادُ فيهِ الواوُ والألِفُ، والمعنى واحدٌ ؟))، فقالَ: ((أرجو أنْ يَكُونَ
خَفِيْفاً )) (٧).
(١) في (ع) والتقييد: ((عِنْدَ الرواية والسماع و ... )).
(٢) نسبة إلى وقشَ - بالفتح وتشديد القاف - مدينة بالأندلس. انظر: السير ١٣٥/١٩، ومراصد الاطلاع
٣ / ١٤٤٢ .
(٣) في (م): (( والطريق الأول أسلم)).
(٤) في (م): ((من )).
(٥) في (م): ((من)) .
(٦) الإلماع : ١٨٥ - ١٨٧ .
(٧) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٨٠/١-٨١ بإسناده إلى الإمام مالك، والخطيب في
الكفاية: (٣٦٨ت، ٢٥٠هـ)، وفي كفاية الخطيب: (٢٨٨-٢٨٩ت، ١٨٨-١٨٩هـ) روايات أُخْرَى عن
مالك ، ليس فيها موضع الشاهد، والسائل هو - أشهب - كما في جامع بيان العلم ، والكفاية .
٣٢٩

وإنْ كانَ الإِصْلاحُ بالزِّيَادَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى معنّى مُغايرٍ لِمَا (١) وقَعَ فِي الأَصْلِ تأكّدَ
فيهِ الحِكْمُ بأنَّهُ يَذكُرُ ما فِي الأَصْلِ مَقْروناً بالتنبيهِ عَلَى ما سَقَطَ ليسْلَمَ مِنْ مَعَرَّةِ (٢) الخطأِ ،
ومِنْ أَنْ يَقولَ عَلَى شيخِهِ مَا لَمْ يَقُلْ .
حَدَّثَ أبو نُعَيمِ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ عَنْ شَيْخِ لهُ بحديثٍ قالَ فيهِ: ((عَنْ بُحَيْنَةَ))،
فقالَ أبو نُعَيمٍ: إِنَّمَا هُوَ ((ابنُ بُحَيْنَةَ))، ولكنَّهُ قَالَ: ((بُحَيْنَةَ)) (٣) .
وإذا كانَ مَنْ دُونَ موضِعِ الكلامِ الساقِطِ معلوماً أنَّهُ قَدْ أُتِيَ بهِ وإنَّما أسْقَطَهُ مَنْ
بعدَهُ ففيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وهوَ أنْ يُلحَقَ الساقِطُ في موضِعِهِ مِنَ الكِتَابِ مَعَ كَلِمَةِ (( يعني)»
كما فَعَلَ الخطيبُ الحَافِظُ (٤)؛ إذْ رَوَى عَنْ أَبِي عُمَرَ (٥) بنِ مَهدِيٌّ ، عَنِ القاضري
الْمَحَامِلِيِّ بإِسْنَادِهِ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرَّحمانِ - يَعْنِي (٦) - عنْ عائشةً
أَنَّها قالتْ: ((كانَ رسولُ اللهِوَ﴿ّ يُدْنِي إِلَيّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ)) (٧) .
قالَ الخطيبُ (٨): (( كانَ في أصْلِ ابنِ مَهديِّ: ((عَنْ عَمْرَةَ أَنَّها قالتْ: كانَ
رسُولُ اللهِ وَ﴿ يُدْنِي إِلَيَّ رأسَهُ))، فَأَلْحَقْنا فيهِ ذِكْرَ عائِشةَ إذْ لَمْ يَكُنْ منهُ بُدٌّ ، وَعَلِمْنا أنّ
الْمَحَامِلِيَّ كذلكَ رواهُ، وإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ كتابٍ شيخِنا أبي عُمَرَ (٩)، وقُلْنا فيهِ: ((يعني(١٠):
(١) في ( ب): (( كما)).
(٢) في (ب ): ((معرفة))، ومن معاني المعرّة، الجناية والمسبّة، والإِثم، والأمر القبيح والمكروه. انظر: تاج
العروس ١٣ / ٥ - ٢٠.
(٣) أخرجه الخطيب في الكفاية : (٣٦٩ ت، ٢٥١ هـ).
(٤) الكفاية : (٣٧١ - ٣٧٢ ت، ٢٥٢ - ٢٥٣ هـ ) .
(٥) في (أ): ((عَمْرو)) .
(٦) في (أ) والتقييد: ((تعني))، والضمير فيه لأبي عمر بن مهدي .
(٧) أخرجه مالك في الموطأ (٨٦٦ ) عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عمرة عن عائشة ، به.
ومن طريق ما لك أخرجه أحمد ٦ / ١٠٤ و١٨١ و ٢٨٢، ومسلم ١ / ١٦٧، وأبو داود ( ٢٤٦٧)،
والبيهقي ٤ / ٣١٥، وابن عبد البر في التمهيد ٨ / ٣١٧.
(٨) الكفاية : ( ٣٧١ ت، ٢٥٣ هـ ) .
(٩) في ( ب ): ((عمرو)) .
(١٠) في (ب ) والتقييد: ((تعني)).
٣٣٠

عَنْ عائشةَ - رضِيَ اللهُ عَنْهَا - )) ؛ لأجْلِ أنَّ ابنَ مَهْدِيٌّ لَمْ يَقُلْ لنا ذَلِكَ، وهكذا رأيْتُ
غيرَ واحدٍ مِنْ شُيُوخِنا يَفْعَلُ في مِثْلِ هذا. ثُمَّ ذَكَرَ بإسْنَادِهِ عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ ﴿ه قالَ :
((سَمِعْتُ وَكِيعاً يُقُولُ : أنا أَسْتَعِينُ في الحديثِ بـ ((يَعْني)) (١).
قلتُ : وهذا إذا كانَ شَيخُهُ قَدْ رواهُ لهُ عَلَى الخطأِ . فأمَّا إذا وجَدَ ذَلِكَ في كتابِهِ
وغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الكِتَابِ لاَ مِنْ شَيخِهِ فَتَّحِهُ هاهنا إصلاحُ ذَلِكَ في کِتابِهِ وفي
روايتهِ عندَ تَحْدثِهِ بهِ معهُ ذَكَرَ أبو دَاوُدَ (٢) أنَّهُ قَالَ لِأحمدَ بنِ حنبلٍ: (( وجدْتُ فِي كِتلبٍ:
حَجَّاجٌ ، عَنْ جُرَيْجٍ ، عَنْ أبي الزُّبِيرِ، يَجوزُ لي أنْ أُصْلِحَهُ: ابنُ جُرَيْجٍ؟ فقالَ : أرجو
أنْ يَكونَ هذا لاَ بِأُسَ بِهِ ، والله أعلمُ)) (٣) .
وهذا مِنْ قبيلٍ ما إذا دَرَسَ (٤) مِنْ كِتَابِهِ بعضُ الإِسْنادِ أو المتنِ فإِنَّهُ يجوزُ لهُ
اسْتِدْراكُهُ مِنْ كِتَابٍ غيرِهِ إذا عَرَفَ صِحَّتَهُ وسكَنَتْ نفسُهُ إلى أنَّ ذَلِكَ هوَ الساقِطُ مِنْ
كِتَابِهِ ، وإنْ كانَ في المحدِّثينَ مِنْ لَاَ يستجيزُ ذَلِكَ. ومِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُعَيْمُ بنُ حَمَّادِ فيما
رَوِيّ عَنْ يحيى بنِ مَعِينٍ عنهُ (٥) . قالَ الخطيبُ الحافِظُ: ((ولوْ بَيَّنَ ذَلِكَ في حالِ الروايةِ
كَانَ أَوْلَى)) (٦) .
وهكذا الحكمُ في اسْتِئْبَاتٍ (٧) الحافِظِ ما شَكَّ مِنْ كِتَابٍ غيرِهِ أو مِنْ حِفْظِهِ،
وذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ غيرٍ واحدٍ من أهلِ الحديثِ ، منهُمْ: عاصِمٌ (٨)، وأبو عَوانَةَ (٩)،
(١) الكفاية : (٣٧١ - ٣٧٢ ت، ٢٥٣ هـ ) .
(٢) الكفاية : (٣٦٩ - ٣٧٠ ت، ٢٥١ هـ ) .
(٣) جملة: ((والله أعلم)) سقطت من (ع)، هي من جميع النسخ و (م).
(٤) درس هنا بمعنى: بلي وانمحى. انظر: اللسان ٦ / ٧٩، والمعجم الوسيط ١ / ٢٧٩.
(٥) روايته في الكفاية : ( ٣٧٣ ت، ٢٥٤ هـ ) .
(٦) الكفاية : ( ٣٧٣ ت ، ٢٥٤ هـ ) .
(٧) فعله أبو داود في سننه عقب حديث الحكم بن حزن الكلفي (١٠٩٦)، فقال: (( نَبَتِي في شيء منه
بعض أصحابنا ))، قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٢٤ : ((هذا مما تفترق فيه الرواية والشهادة)).
(٨) الكفاية : (٣٢٤ ت، ٢١٦ هـ).
(٩) المصدر السابق .
٣٣١

وأحمدُ بنُ حنبلٍ (١) . وكانَ بعضُهُمْ (٢) يُبَيِّنُ مَا تَتَهُ فِيهِ غيرُهُ ، فيقولُ: ((حدَّثْنَا فُلاَنٌ
وَبَّتَنِي فُلانٌ )) كما رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بنِ هارونَ (٣) أَنَّهُ قالَ: ((أخبرنا عاصِمٌ ونَبَّتَنِي شُعْبَةُ
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ سَرْحِسَ)) (٤) .
وهكذا الأمرُ فيما إذا وَجَدَ في أصْلِ كِتابِهِ كَلِمَةً مِنْ غريبِ العربيّةِ (٥) أوْ غيرِها غيرَ
مُقَيَّدَة وأَشْكَلَتْ عليهِ، فجائِرٌ أنْ يَسْأَلَ عنها أهلَ العِلْمِ بها ويَرْويها عَلَى ما يُخْبِرُونَهُ بهِ .
رُوِيَ مثلُ ذَلِكَ عنْ إسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ (٦)، وأحمدَ بنِ حَتْبَلٍ (٧) وغيرِهِما (٨) ﴿،
والله أعلمُ .
الحادي عَشَرَ : إذا كانَ الحديثُ عندَ (٩) الراوي عنِ اثْنَينِ (١٠) أو أكثَرَ ، وَبَيْنَ
روايَتِهما تَفاوتٌ في اللفظِ، والمعنى واحدٌ، كانَ لهُ أنْ يَجْمَعَ بينَهُما في الإِسْنادِ، ثُمَّ
يَسُوقَ الحديثَ عَلَى لَفْظِ أحدِهِما خاصَّةً ، ويقُولَ : أخبرنا فُلانٌ وفلاَنٌ ، واللّفْظُ لفُلاَن ،
أو وهذا لَفْظُ فُلاَنْ قالَ أو قالا : أخبرنا فُلانٌ ، أو ما أشبهَ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ .
(١) الكفاية : (٣٢٥ ت، ٢١٧ هـ ) .
(٢) قال الخطيب في الكفاية: (٣٢٥ ، ٢١٧ هـ): ((وكان بعض السلف يبين ما ثبّته فيه غيره، فيقول:
حدّثني فلان ، وثَّتني فلان)) .
(٣) الكفاية: (٣٢٦ ت، ٢١٨ هـ) .
(٤) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة. التقريب (٣٣٤٥)، والخلاصة : ١٩٩ .
(٥) في (أ): ((غريب الحديث والعربية)).
(٦) انظر: الكفاية (٣٧٤ - ٣٧٥ ت، ٢٥٥ هـ ) .
(٧) انظر : ما أورده الخطيب عنه بسنده في الكفاية : ( ٣٧٥ ت، ٢٥٦ هـ) .
(٨) مِنْهُم: الأوزاعي، وابن المبارك، وعفان بن مُسْلِم وسفيان بن عيينة، انظر: الكفاية: (٣٤٧-٣٧٦ ت،
٢٥٥ - ٢٥٦ هـ ) .
(٩) في (م): ((عن)) .
(١٠) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٢٤ - ٦٢٥ .
٣٣٢

ولِمُسْلِمٍ (١) صاحبِ "الصحيح" معَ هذا في ذَلِكَ عبارةٌ أُخْرَى حَسَنةٌ ، مثلُ قولِهِ :
(( حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ بِنُ أَبِي شَيْبَةً، وأبو سَعيدٍ الأَشَجِّ؛ كِلاهُما عَنْ أبي خالدٍ، قالَ أبو بكرِ:
حَدَّثَنَا أبو خالِدٍ الأَحْمَرُ ، عَنِ الأعمشِ وساقَ الحديثَ)). فإِعادتُّهُ ثانياً ذكْرَ أحدِهِما
خاصَّةً إشْعارٌ (٢) بأنَّ اللَّفْظَ المذكورَ لهُ .
وأمَّا إذا لَمْ يَخُصَّ لَفْظَ أحدِهِما بالذِّكْرِ، بِلْ أَخَذَ مِنْ لَفْظِ هذا ومِنْ لَفْظِ ذاكَ (٣)،
وقالَ: (( أخبرنا فُلاَنٌ وفُلاَنٌ -وتَقَارَبًا في اللفْظِ- قالا: أخبرنا فُلانٌ))، فهذا غيرُ مُمْتَنِعٍ
عَلَى مذهبٍ تَجويزِ الروايةِ بالمعنى .
وقولُ أبي داودَ صاحِبِ " السُّنَنِ " : ((حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وأبو تَوْبَةَ - المعنى -
قالا (٤): حَدَّثَنَا أبو الأخْوصِ)) (٥) معَ أشْباهِ (٦) لهذا في كِتابِهِ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنْ
قَبِيلِ الأَوْلِ ، فيكونَ اللفْظُ لِمُسَدَّدٍ ويُوافِقُهُ أبو تَوبَةَ في المعنى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلٍ
الثاني، فلا يكونُ قدْ أورَدَ لَفْظَ أحَدِهِما خاصَّةً ، بلْ رواهُ بالمعنى عَنْ كِلَيْهما ، وهذا
الاحْتِمالُ يَقْرُبُ (٧) في قولِهِ: (( حَدَّثَنا مسلمُ بنُ إبراهِيمَ، ومُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ - المعنى
واحدٌ - قالا : حَدَّثَنَا أبانُ )).
(١) صحيح مسلم ٢ / ١٣٣ ط إستانبول، و١ / ٤٦٥ (٦٧٣)، ط مُحَمَّد فؤاد عبد الباقي.
(٢) في ( ب ): ((إشعارا)).
(٣) في ( ب) و (جـ): (( ذَلِكَ)).
(٤) في ( ع ) : ((قال)) .
(٥) سنن أبي داود ( ٣٧٥).
(٦) انظر: لهذه الأشباه على سبيل المثال (٦٠٣) و (١٠٩٤).
(٧) عقّب عليه الزركشي ٣ / ٦٢٦ بقوله: ((هذا الاحتمال الثاني ، عجيب إذ يلزم منه ألا يكون رواه بلفظ
لواحد من شيخيه، وهو بعيد، ولذلك قال: ((أنا فلان وفلان))، وتقاربا في اللفظ، فليس هو منحصراً
في أن روايته عن كل منهما بالمعنى وأن المأتي به لفظ ثالث غير لفظيهما ، والأحوال كلها آيلة في الغالب
إلى أَنَّهُ لا بدَّ أن يسوق الحديث عَلَى لفظ روي له برواية واحد ، والباقي بمعناه )).
٣٣٣

وأمَّا إذا جَمَعَ بَيْنَ جماعةِ رواةٍ قدِ أَّفَقُوا (١) في المعْنَى، وليسَ ما أَوْرَدَهُ لَفْظَ كُلّ
واحدٍ منهم، وسَكَتَ عَنِ البيانِ لذلكَ، فهذا مِمَّا عِيْبَ بهِ البخاريُّ أوْ غيرُهُ (٢)، ولاَ
بأسَ بِهِ عَلَى مُقْتُضَى مذهبٍ تَحْوِيزِ الروايةِ بالمعنى .
وإذا سَمِعَ كِتَاباً مُصَنَّفاً (٣) مِنْ جماعَةٍ ، ثُمَّ قَابَلَ نُسْخَتَهُ بأصْلٍ بَعْضِهِمْ دُونَ بعضٍ ،
وأرادَ أنْ يَذْكُرَ جَمِيعَهُمْ في الإسنادِ ويقولَ: (( واللفظُ لِفُلانِ )) كما سَبَقَ ، فهذا يَحْتَمِلُ
أنْ يجوزَ كالأوَّلِ؛ لأنَّ ما أوْرَدَهُ قَدْ سَمِعَهُ بِنَصِّهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ بِلَفْظِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أنْ لا
يجوزَ ؛ لأَنَّهُ لاَ عِلْمَ عندَهُ بِكَيْفِيَّةِ روايةِ الآخرينَ حَتَّى يُخْبِرَ عنها ، بخلاف ما سَبَقَ فَإِنَّهُ
الطّلَعَ عَلَى روايةٍ غيرِ مَنْ نَسَبَ اللَّفْظِ إليهِ ، وعَلَى مُوافَقَتِها (٤) مِنْ حيثُ المعنى فأَخْبَرَ
بذلكَ (٥) ، والله أعلمُ .
الثاني عَشَرَ : ليسَ لهُ أنْ يَزِيدَ فِي نَسَبَ مَنْ فوقَ شيخِهِ مِنْ رِجَالِ الإِسْنَادِ عَلَى ما
ذكَرَهُ شيخُهُ مُدْرَجاً (٦) عليهِ مِنْ (٧) غيرٍ فَصْلِ مُمَيَّزٍ، فإِنْ أَتَّى بِفَصْلٍ (٨) جَازَ، مثلُ أنْ
يَقُولَ: ((هُوَ ابنُ فُلانِ الفُلانِيُّ)) أو ((يَعْنِي: ابنَ فُلاَنٍ))، ونحوَ ذلكَ. وذَكَرَ الحـافِظُ
الإِمامُ أبو بكرِ البَرْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي كِتَابٍ " اللُّقَّطِ " (٩) لهُ بإسناده عنْ عليٍّ بنِ
المدينِيِّ ، قالَ: إذا حَدَّثَكَ الرجلُ فقالَ: حَدَّثَنَا فُلانٌ ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ فأحَبَيْتَ أنْ تَنْسُبَهُ فقُلْ:
(( حَدَّثَنَا فُلانٌ أنْ فُلانَ بنَ فُلانِ حدَّثَّهُ)) (١٠) ، والله أعلمُ .
(١) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٢٦.
(٢) في الشذا : ((وغيره )) بالواو .
(٣) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٢٧ - ٦٢٨ .
(٤) في (ع) و (م) والتقييد: ((موافقتهما)) بالتثنية .
(٥) راجع : المحاسن : ٣٤٥ ففيها تفصيل .
(٦) راجع محاسن الاصطلاح هامش (١).
(٧) في (ع): ((عَلَى)) .
(٨) في ( ب): ((بلفظ)).
(٩) في (أ) و (ب): ((اللفظ)) بالفاء، وفي (جـ) و (ع) و (م) والتقييد والشذا الفياح ونكت
الزركشي: ((اللقط)) بالقاف، وراجع شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٢٨٥ هامش (٤).
(١٠) أسنده الخطيب في الكفاية : (٣٢٣ ت، ٢١٥ هـ).
٣٣٤

وأمَّا إذا كانَ شيخُهُ قَدْ ذَكَرَ نَسَبَ شيخِهِ أوْ صِفَتَهُ في أَوْلِ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عندَ
أوَّل حديثٍ منهُ ، واقْتُصَرَ فيما بَعْدَهُ مِنَ الأحاديثِ عَلَى ذِكْرِ اسمِ الشَّيْخِ أَوْ بَعضِ نَسَبِهِ .
مِثْلُهُ: أنْ أروِيَ جُزْءاً عَنِ الفَرَاوِيِّ وَأَقُولَ (١) في أوَّلِهِ: (( أخبرنا أبو بكرٍ منصُورُ بنُ
عبدِ المنعِمِ بنِ عبدِ اللهِ الفَرَاوِيُّ ، قالَ: أَخْبَرَنا (٢) فُلانٌ)). وأقُولَ في باقِي أحاديثِهِ:
((أخبرنا (٣) منصورٌ، أخبرنا منصورٌ) فهلْ يجوزُ لِمَنْ سَمِعَ ذلكَ الجزءَ مِنِّي أنْ يَرْوِيَ عَنِّي
الأحاديثَ التي بعدَ الحديثِ الأَوْلِ مُتَفَرِّقَةً ، ويقُولَ في كُلِّ واحِدٍ منها: ((أخبرنا فُلانٌ قالَ:
أخبرنا أبو بكرٍ منصورُ بنُ عبدِ المنعِمِ بنِ عبدِ اللهِ الفَراوِيُّ ، قالَ : أخبرنا فُلانٌ)) ، وإنْ لَمْ
أَذْكُرْ (٤) لَهُ ذَلِكَ في كُلّ واحدٍ منها اعْتِماداً عَلَى ذِكْرِي لَهُ أوْلاً . فهذا قدْ حَكَى الخطيبُ
الحافِظُ عَنْ أَكْثَرِ أهلِ العِلْمِ أنَّهُمْ أجازُوهُ. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الأَوْلَى أنْ يَقولَ: (( يعني :
ابنَ فُلانٍ)) (٥). ورَوَى بإسْنَادِهِ عَنْ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ مَّهُ أَنَّهُ كانَ إذا جاءَ اسمُ الرجُلِ (٦)
غيرَ مَنْسُوبٍ قالَ : (( يَعْنِي: ابنَ فُلانٍ)) (٧) .
ورَوَى عَنِ البَرْقَانِيِّ بإسْنَادِهِ عَنْ عليٍّ بنِ المدينيِّ ما قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عنهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ
هكذا رأى أبا بكرِ أحمدَ بنَ عليّ الأصبهانِيَّ نَزِيْلَ نَيْسابورَ يَفْعَلُ - وكانَ أحَدَ الْحُفْاظَ
الْمُحَوِّدِيْنَ ومِنْ أهلِ الوَرَعِ والدِّيْنِ - وأنّهُ سَأَلَّهُ عَنْ أحاديثَ كَثِيْرَةِ رَوَاها لهُ قالَ فيها :
( أخبرنا أبو عَمْرٍو بنُ حَمْدَانَ أَنَّ أبا يَعْلَى أحمدَ بنَ عليّ بنِ الْمُثَنَى الموصِلِيَّ أَخْبَرَهُمْ،
وأخبرنا أبو بكرِ بنُ الْمُقْرِئِ أنَّ إِسْحَاقَ بنَ أحمدَ بنِ نافِعٍ ؛ حَدَّثَّهُمْ، وأخبرنا أبو أحمدَ
(١) في (ع): ((فأقول)).
(٢) في ( م) : (( أنبأنا)) .
(٣) في (م): ((أنبأنا))، وكذا ما بعدها. وكأنه سهو من المحققة الفاضلة إذا لَمْ تميز بَيْنَ: ((أخبرنا))
و ((أنبأنا)) في أن الأولى تختصر والثانية لا تختصر .
(٤) في ( جـ ): (( يذكر)).
(٥) الكفاية : ( ٣٢٣ ت، ٢١٥ هـ ) .
(٦) كلمة : ((الرجل)) لَمْ ترد في (ب) ..
(٧) أخرجه الخطيب في الكفاية : (٣٢٣ ت، ٢١٥ هـ).
٣٣٥

الحافِظُ أنَّ أبا يوسُفَ مُحَمَّدَ بِنَ سُفْيَانَ الصَّفَّارَ أخبرهُمْ)) ، فذَكَرَ لهُ أَنَّهَا أحاديثُ سَمِعَهَا
قراءةً عَلَى شُيُوخِهِ فِي جُمْلَةٍ نُسَخِ نَسَبُوا الذينَ حَدَّثُوهُمْ بها في أوْلِها ، واقْتَصَرُوا فِي بقَّتِها
عَلَى ذِكْرِ أسْمائِهِمْ (١) .
قالَ: وكانَ غيرُهُ يَقُولُ في مِثْلِ هذا: ((أخبرنا فُلانٌ ، قالَ : أخبرنا فُلانٌ ، هوَ ابنُ
فُلانِ)) (٢)، ثُمَّ يَسُوقُ نَسَبَّهُ إِلى مُنْتَهَاهُ. قالَ (٣) : (( وهذا الذي أُسْتَحِبُّهُ؛ لأنَّ قَوْماً مِنَ
الرواةِ كأنُوا يَقُولُونَ فيما أُجِيْزَ لهمْ: (أخبرنا فُلانٌ أنّ فُلاناً حَدَّثَهُمْ)) (٤).
قُلتُ : جميعُ هذه الوجوهِ جائزٌ ، وأَوْلاَها أنْ يَقُولَ : (( هوَ ابنُ فُلانٍ أو يعني : ابنَ
فُلانٍ)) ، ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: ((إنّ فُلاَنَ بِنَ فُلانٍ))، ثُمَّ أَنْ يَذْكُرَ المذكُورَ في أَوَّلِ الجزْءِ بِعَيْنِهِ
مِنْ غَيرٍ فَصْلٍ ، والله أعلمُ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : جَرَتِ العادةُ بحذْفٍ ((قالَ)) (٥) ونَحْوِهِ فيما بَيْنَ رجالِ الإِسْنادِ
خَطّاً (٦) ، ولا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ حالَةَ القراءةِ لَفظاً. ومِمَّا قَدْ يُعْفَلُ عنهُ مِنْ ذَلِكَ ما إذا كان
في أثناءِ الإِسْنادِ: ((قُرِئَ عَلَى فُلانِ: أأُخْبَرَكَ فُلانٌ؟ )) فَيَنبَغِي للقَارِئِ أنْ يَقُولَ فيهِ:
((قيلَ لهُ: أخبركَ فُلانٌ)). وَوَقَعَ في بعضِ ذَلِكَ: ((قُرِئَ عَلَى فُلانِ: حَدَّثَنَا فلانٌ)) ،
فهذا يُذْكَرُ فيهِ: ((قالَ )، فَيُقَالُ: ((قُرِئَ عَلَى فُلانِ، قالَ: حَدَّثْنَا(٧) فلانٌ))، وقدْ
جاءَ هذا مُصَرَّحاً بِهِ خَطّاً هكذا في بعضِ ما رُوِّيْنَاهُ (٨).
(١) الكفاية : (٣٢٣ ت، ٢١٦ هـ) .
(٢) الكفاية : (٣٢٣ ت، ٢١٦ هـ ) .
(٣) الضمير في ( قال ) للخطيب البغدادي .
(٤) الكفاية : ( ٣٢٣ ت، ٢١٥ - ٢١٦ هـ ) .
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٦٢٨ .
(٦) في (أ): (( خطأ)) بالهمزة .
(٧) في (م): ((أخبرنا)).
(٨) في (أ): ((روينا)).
٣٣٦

وإذا تَكَرَّرَتْ كَلِمَةُ : ((قالَ)) كما في قولِهِ في كِتاب البخاريِّ: ((حَدَّثَنَا صالِحُ بنُ
حَيَّانَ ، قالَ: قالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ)) (١) ، حذفُوا إِحْدَاهُما (٢) في الخطّ وعلى القارِئِ أنْ
يَلْفِظَ هِمَا جميعاً، والله أعلمُ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : النُّسَخُ المشْهُورَةُ المِشْتَمِلَةُ عَلَى أحاديثَ بإسْنادٍ واحِدٍ، كُنُسْخَةٍ :
هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ))، روايةِ عبدِ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عنهُ، ونحوِها مِنَ
التُّسَخِ والأحْزَاءِ . مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّدُ ذِكْرَ الإِسْنَادِ فِي أَوْلِ كُلّ حديثٍ منها ، ويُوجَدُ هذا في
كثيرٍ مِنَ الأُصُولِ القَدِيْمَةِ ، وذلكَ أَخْوَطُ . ومِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِذِكْرِ الإِسْنَادِ فِي أَوْلِها عندَ
أوَّلَ حديثٍ منها ، أو في أوّلِ كُلِّ مَخْلِسٍ مِنْ مَحالِسِ سَماعِها ، ويُدْرِجُ الْبَاقِيَ عليهِ،
ويقولُ فِي كُلّ حديثٍ بَعْدَهُ ((وبِالإِسْنادِ)) أو ((وبهِ))، وذلكَ هوَ الأَغْلَبُ الأَكْثَرُ، وإذا
أرادَ مَنْ كَانَ سَمَاعُهُ عَلَى هذا الوجْهِ تَفَرِيقَ تِلْكَ الأحاديثِ وروايةَ كُلِّ حديثٍ منها
بالإِسناد المذكور في أوْلِها، جازَ لهُ ذلكَ عندَ الأكْثَرِينَ، مِنْهُمْ: وكِيعُ بنُ الجرَّاحِ (٣)،
ويحيى بنُ مَعِيْنٍ (٤) ، وأبو بَكْرِ الإِسْمَاعِيْلِيُّ (٥). وهذا؛ لأنّ الجميعَ مَعطوفٌ عَلَى الأَوَّلِ ،
فالإِسْنادُ المذكورُ أوّلاً في حُكْمِ المذكورِ في كُلِّ حديثٍ ، وهوَ بِمَثَابةِ تقطِيعِ المتنِ الواحِدِ
في أبواب بإسنادِهِ المذكورِ في أَوْلِهِ ، والله أعلمُ .
وَمِنَ المحدِّيَّيْنَ مَنْ أَبِى إِفْرَادَ شَيءٍ مِنْ تِلْكَ الأحاديثِ الْمُدْرَجَةِ بالإِسْنَادِ المذكورِ أوْلاً
ورَأَهُ تَدلِيْساً. وسَأَلَ بعضُ أهلِ الحديثِ الأُسْتَاذَ أبا إسْحاقَ الإِسْفرابِيَّ الفقيهَ الأصُولِيَّ
عَنْ ذَلِكَ؟ فقالَ: ((لا يَجُوزُ) (٦).
7
(١) صحيح الْبُخَارِيّ ١ / ٣٥ (٩٧).
(٢) في (ع): ((إحديهما)).
(٣) الكفاية: (٣٢٢ ت، ٢١٤ - ٢١٥ هـ ).
(٤) المصدر السابق .
(٥) الكفاية: (٣٢٢ ت، ٢١٥ هـ) .
(٦) قال السخاوي في فتح المغيث ٢ / ٢٥٢: ((ومنع منه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في الأسئلة التي
سأله عنها الحافظ أبو سعد بن عليك ، وقال : إنه لا يجوز أن يذكر الإسناد في كل حديث منها لمن سماعه
عَلَى هذا الوصف )).
٣٣٧

وعلى هَذَا مَنْ كانَ سماعُهُ عَلَى هَذَا الوجْهِ فَطَرِيْقُهُ أنْ يُبَيِّنَ وَيَحْكِيَ ذَلِكَ كَمَا
جَرَى، كَمَا فَعَلَهُ مُسْلِمٌ في "صحيحِهِ" (١) في ((صحيفةِ هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِّهٍ)) ، نحوُ قَولِهِ :
(( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ رافِعٍ، قالَ: حَدَّثَّنَا عبدُ الرَّزْاقِ ، قالَ: أخبرنا مَعْمَرٌ ، عنْ هَمَّامٍ بنٍ
مُثَبِّهٍ، قالَ: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هُرَيرةً وذَكَرَ أحادِيْثَ، مِنْها: ((وقالَ رَسولُ اللهِلَ﴿ُ: إنّ
أدْنَى مَقْعَدِ أحدِكُمْ في الجنَّةِ أنْ يَقُولَ لهُ: تَمَنَّ ... الحديثَ)). وهكذا فَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ
المؤلّفِينَ (٢) ، والله أعلمُ .
الخامِسَ عَشَرَ : إذا قَدَّمَ ذِكْرَ المتنِ عَلَى الإسنادِ أو ذِكْرَ المتنِ وبعضِ الإسنادِ ثُمَّ
ذَكَرَ الإِسْنَادَ عَقِيْبَهُ (٣) عَلَى الإِّصَالِ، مِثلُ أنْ يَقولَ: ((قالَ رسولُ اللهِوَّ كذا وكذا))،
أو يقولَ: ((رَوَى عُمَرُ بنُ دِينارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ﴿ كذا وكذا))، ثُمَّ يقولَ:
(( أخبرنا بهِ فُلانٌ، قالَ: أخبرنا فلانٌ ))، ويَسُوقَ الإِسنادَ حَتَّى يَتَّصِلَ بما قَدَّمَهُ، فهذا
يَلْتَحِقُ بما إذا قَدَّمَ (٤) الإِسْنَادَ في كونِهِ يَصِيْرُ بِهِ مُسْنِدً للحديثِ لا مُرْسِلاً لَهُ ، فَلَوْ أرادَ مَنْ
سَمِعَهُ منهُ هكذا أنْ يُقَدِّمَ الإِسْنَادَ وَيُؤَخِّرَ المتنَ وَيُلَفِقَهُ كذلكَ فقدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضٍ مَنْ تَقَدَّمَ
مِنَ المحدِّئِينَ أنَّهُ جَوَّرَ ذَلِكَ .
قُلتُ : يَنْبَغِي أَنْ يَكونَ فِيهِ خِلافٌ نحوُ الخِلافِ في تَقْدِيْمٍ (٥) بعضِ مَتْنِ الحديثِ
عَلَى بعضٍ . وقدْ حَكَى الخطيبُ المنعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى القولِ بأنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى المعنَى
لا تَجوزُ، والجوازَ عَلَى القول بأنّ الروايةَ عَلَى المعنى تجوزُ ، ولا فَرْقَ بينَهُما فِي ذَلِكَ ،
والله أعلمُ .
وأمَّا ما يَفْعُلُهُ بعضُهُمْ مِنْ إعادَةِ ذِكْرِ الإِسْنادِ في آخِرِ الكِتابِ أو الجزْءِ بعدَ ذِكْرِهِ
أوّلاً ، فهذا لا يَرْفَعُ الخِلاَفَ الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي إِفْرَادِ كُلِّ حديثٍ بذلكَ الإِسْنادِ عندَ
(١) صحيح مسلم ١ / ١١٤ عقيب ( ١٨٢ ).
(٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٢٩ - ٦٣٠، ومحاسن الاصطلاح : ٣٤٩.
(٣) في الشذا: ((عقبه)).
(٤) في بعض النسخ ضبط مبنياً للمجهول .
(٥) راجع : نكت الزركشي ٣ / ٦٣٠ - ٦٣١.
٣٣٨

روايَتِها؛ لِكَونِهِ لاَ يَقَعُ مُتَّصِلاً بِكُلّ واحدٍ منها ، ولَكِنَّهُ يُفِيْدُ (١) تأكِيْداً واحْتِياطاً ويَتَضَمَّنُ
إجازَةٌ بالِغَةً مِنْ أعلى أنواعِ الإجازاتِ ، والله أعلمُ .
السَّادِسَ عَشَرَ: إذا رَوَى الْمُحَدِّثُ الحديثَ بإسْنَادِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بإِسْنادٍ آخَرَ ، وقالَ
عندَ انِتِهَائِهِ : ((مِثْلَهُ)) فأرادَ الراوي عنهُ أنْ يَقْتُصِرَ عَلَى الإِسْنادِ الثاني ويَسُوقَ لَفْظَ
الحديثِ المذكورِ عَقِيبَ الإِسْنادِ الأوّلِ ، فالأظْهَرُ المنْعُ مِنْ ذَلِكَ (٢).
ورَوّينا عَنْ أبي بكر الخطيبِ الحافِظِ - رَحِمَهُ اللهُ - قَالَ: ((كانَ شُعْبَةُ لاَ يُجيزُ
ذَلِكَ . وقالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ: يجوزُ ذَلِكَ إذا عُرِفَ (٣) أنّ المحدِّثَ ضَابِطٌ مُتَحَفّظٌ يذهبُ
إلى تَمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ . فإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وكانَ غيرُ
واحدٍ مِنْ أهلِ العِلْمِ إذا (٤) رَوَى مِثلَ هذا يُورِدُ الإسْنَادَ وَيَقُولُ: «مِثْلُ حديثٍ قَبْلَهُ،
مَثْهُ كذا وكذا ))، ثُمَّ يَسُوقُهُ. وكذلكَ إذا كانَ المحدِّثُ قَدْ قالَ نحوَهُ، قالَ: ((وهذا هوَ
الذي أختارُهُ )) (٥).
أخبرنا أبو أحمدَ عبدُ الوهابِ (٦) بنُ أبي منصورٍ عليٍّ بنٍ عليٍّ البغداديّ شیخُ
الشُّيُوخِ بها بقراءَتي عليهِ بها ، قالَ : أخبرنا والدِي - رَحِمَهُ اللهُ - ، قالَ: أخبرنا أبو
مُحَمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الصَّرِيْفِينِيُّ (٧)، قالَ: أخبرنا أبو القاسِمِ بنُ حَبَابَةَ (٨) ، قالَ:
حَدَّثَنا أبو القاسِمِ عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ البغويُّ، قالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ،
(١) في (جـ ): ((يقيد)).
(٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٣١، ومحاسن الاصطلاح ٣٥٢.
(٣) في نسخة (أ) حاشية نصها: ((كذا ضبط في الأصل الذي فيه السماع على الخطيب))، يعني: بضم
العين ، ومثلها في الشذا الفياح .
(٤) في (ع ): ((إذا إذا)).
(٥) الكفاية : (٣١٩ ت، ٢١٢ هـ) .
(٦) في (ب): ((أحمد بن عبد الوهاب))، وهو خطأ، والصواب ما أُثْبت كما في باقي النسخ ومصادر
ترجمته . انظر : السير ٢١ / ٥٠٢ .
(٧) بفتح الصاد المهملة وكسر الراء وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين والفاء بَيْنَ الياءين ، وفي آخرها
النون ، هذه النسبة إلى صريفين. انظر: الأنساب ٥٤٥/٣، وترجمته في السير ٣٣٠/١٨.
(٨) بفتح الحاء، واسمه عبيد الله. تاج العروس ٢ / ٢٢٧.
٣٣٩

قالَ: حَدَّثَّنا وكيعٌ قالَ: قالَ شُعْبَةُ: ((فُلانٌ عنْ فُلانِ، مِثْلَهُ لا يُجْزِئُ، قالَ وكيعٌ :
وقالَ سُفيانُ الثّوْرِيُّ : يُحْزِئُ)» (١) .
وأمَّا إذا قالَ: نحوَهُ، فهوَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ بعضِهِمْ كما إذا قالَ : مِثْلَهُ. تُبِّعْنَا يإِسْناد
عَنْ وكيعٍ، قَالَ: قَالَ سُفْيانُ: ((إذا قالَ: نحْوَهُ، فهوَ حديثٌ. وقالَ شُعْبَةُ: ((نَحْوَهُ))
شَكّ(٢) . وعَنْ يحيى بنِ مَعينٍ أَنَّهُ أجازَ ما قَدَّمنا ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ: ((مِثْلَهُ)) ، ولَمْ يُحِزْهُ في
قَوْلِهِ: ((نحوَّهُ))(٣). قالَ الخطيبُ: ((وهذا القولُ عَلَى مذهبٍ مَنْ لَمْ يُحِزْ الروايةَ عَلَى
المعنى فأمَّا عَلَى مذهبٍ مَنْ أجازَها فلا فَرْقَ بَيْنَ: مِثْلَهُ و نَحْوَهُ)) (٤) . والله أعلمُ .
قلتُ : هذا لهُ تَعُلُّقٌّ بما رُوِّيْناهُ (٥) عَنْ مسعودٍ بنٍ عليٍّ السِّجْزِيّ (٦) أَنَّهُ سَمِعَ
الحاكِمَ أبا عبدِ الله الحافِظَ يَقُولُ: ((إنّ مِمَّا يَلْزُمُ الَحَدِيْثِيَّ مِنَ الضَّبْطِ والإِثْقَانِ أنْ يُفَرِّقَ
بَيْنَ أنْ يَقُولَ: مِثْلَهُ، أو يَقُولَ: نَحْوَهُ، فلا يَحِلُ لهُ أنْ يَقُولَ: مِثْلَهُ إلَّ بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ
أَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ (٧) واحدٍ ، ويَحِلُّ لهُ أنْ يَقُولَ: نَحْوَهُ إذا كانَ عَلَى مِثْلِ مَعَانِيهِ))،
والله أعلمُ .
السَّابِعَ عَشَرَ : إذا ذَكَرَ الشَّيْخُ إسنادَ الحديثِ ، ولَمْ يَذْكُرْ مِنْ مَنْنِهِ إلاّ طَرَفَاً ثُمَّ
قالَ: ((وذكرَ الحديْثَ)) أو قالَ: ((وذكرَ الحَديثَ بطولِهِ)) فأرادَ الراوي عنهُ أن يرويَ عنهُ
الحديثَ بكمالِهِ وبطُولِهِ فهذا أولى بالمنعِ مما سبقَ ذِكْرُهُ في قولِهِ: ((مِثْلَهُ)) أو(نَحْوَهُ)).
فطريقُهُ أنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ بأَنْ يَقْتَصَّ ما ذكرَهُ الشَّيْخُ عَلَى وجهِهِ، وَيَقولَ (٨): ((قال: وذكرَ
الحديثَ بطُولِهِ)). ثُمَّ يَقُولَ: ((والحديثُ بطُولِهِ هوَ كذا وكذا))، ويسوقَهُ إلى آخرِهِ.
(١) أخرج الخطيب معناه في الكفاية: (٣١٩ ت، ٢١٣ هـ).
(٢) أسنده الخطيب في الكفاية : (٣٢٠ ت، ٢١٣ هـ ) .
(٣) أسنده الخطيب في الكفاية: (٣٢٠ - ٣٢١ ت، ٢١٣ - ٢١٤ هـ).
(٤) الكفاية : ( ٣٢١ ت، ٢١٤ هـ) .
(٥) في (ب) و (ج): ((روينا)).
(٦) سؤالات مسعود : ١٢٣ .
(٧) في ( أ): ((معنى)).
(٨) في (ع) والتقييد: ((فيقول)).
٣٤٠