Indexed OCR Text
Pages 221-240
الخامِسَةُ: إذا اجْتُمعَ فِي شَخْصِ جَرْحٌ وَتَعْديلٌ ، فالجرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّ المعَدِّلَ يُخْبرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حالِهِ ، والجارِحُ يُخْبِرُ عَنْ باطِنٍ خَفِيَ عَلَى المعَدِّلِ (١) ، فإِنْ كَانَ عَدَدُ المعدِّلِيْنَ أَكْثَرَ فَقَدْ قِيْلَ : التَّعْدِيْلُ أَوْلَى (٢). والصحيحُ والذي عليهِ الجمْهُورُ: أنَّ الجرْحَ أَوْلَى، لِمَا ذَكَرْنَاهُ (٣) ، والله أعلمُ . السادِسَةُ : لاَ يُجْزِئُ التّعْدِيلُ عَلَى الإِبْهَامِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ المعَدَّلِ ، فإذا قَالَ : حَدَّثَنِي الثّقَةُ أَوْ نَحْوُ ذلكَ مُقْتُصِراً عليهِ لَمْ يُكْتَفَ بهِ فيما ذَكَرَهُ الخطيبُ الحافِظُ (٤)، والصَّيْرَفِيُّ الفَفِيْهُ وغيرُهُما (٥)، خِلافًاً لِمَنِ اكْتَفَى بذلِكَ ؛ وَذَلِكَ لاَنَّهُ قدْ يكونُ ثقَةً عِنْدَهُ ، وغيرُهُ قَدِ اطْلَعَ عَلَى جَرْجِهِ بما هُوَ جَارِحٌ عِنْدَهُ، أو بالإِجْمَاعِ، فُيُحْتَاجُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ = وغيرهم ، أنه لا يقبل في التزكية إلا اثنان ، سواء كانت التزكية للشهادة أو للرواية . وحكى السيف والآمدي وأبو عمرو بن الحاجب عن الأكثرين التفرقة بين الشهادة والرواية، ورجّحه أيضاً الإمام فخر الدين والآمدي أيضاً ، واختار القاضي أبو بكر - بعد حكايته عن الأكثرين اشتراط اثنين فيهما - أنه يُكتفى فيهما بواحد ، وأن هذا هو الذي يوجبه القياس وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف . الأمر الثاني : أنه يؤخذ من كلام المصنف من قوله: بواحد ، أنه يكفي كون المزكي امرأة أو عبداً». وانظر : محاسن الاصطلاح: ٢٢٣، ونكت الزركشي ٣ / ٣٥٥. (١) هذا الذي اختاره وصحّحه، صحّحه الرازي والآمدي، وبه جزم الماوردي والروياني وابن القشيري ، ونقل القاضي الإجماع عليه، وحكاه الخطيب والباجي عن الجمهور، ونسبه النووي إلى المحقّقين والجماهير. انظر: الكفاية : (١٧٧ ت، ١٠٧ هـ)، والمحصول ٢٠١/٢، وشرح صحيح مسلم ٢٣١/١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢٨/٢، وإحكام الأحكام ٧٩/٢ ، والبحر المحيط ٢٩٧/٤. (٢) وهذا المذهب خطّأه الخطيب في الكفاية: (١٧٧ ت، ١٠٧ هـ). وانظر: نكت الزركشي ٣٦١/٣. (٣) (( وقيل: يرجح بالأحفظ. ثم تقديم الجارح مشروط عند الفقهاء بأن يطلق المعدِّل، فإن قال المعدّل: ((عرفت السبب الذي ذكره الجارح، لكنه تاب وحسنت حالته )) فإنه يقدم المعدّل. ومحل هذا في الرواية في غير الكذب على النبي ◌ُّ فإنه لا تقبل روايته وإن تاب)). هكذا قال البلقيني: ٢٢٤. (٤) الكفاية : (٥٣١ ت، ٣٧٣ - ٣٧٤ هـ ) . (٥) كابن الصبّاغ والقفال الشاشي والروياني والماوردي وأبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي. نقله عنهم الزركشي في البحر المحيط ٤ / ٢٩١ . ٢٢١ حَتَّى يُعْرَفَ ، بَلْ إضْرَابُهُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ مُرِيْبٌ يُوقِعُ في القلوبِ فيهِ تَرَدُّداً؛ فإِنْ كَانَ القائِلُ لِذَلِكَ عَالِماً أحْرَأَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُوَافقُهُ في مَذْهِبِهِ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعضُ المحقّقِينَ (١). وذَكَرَ الخطيبُ الحافِظُ (٢) أنّ العَالِمَ إذا قالَ: ((كُلُّ مَنْ رَوَيْتُ عنهُ فهوَ ثِقَةٌ وإنْ لَمْ أُسَمِّهِ))، ثُمَّ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ (٣)، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُزَكِّيَاً لَهُ ، غيرَ أَنَّا لَاَ نَعْمِلُ بَتَزْكِيْتِهِ هذه ، وهذا عَلَى مَا قَدَّمناهُ ، والله أعلمُ . السابعَةُ: إذا رَوَى العَدْلُ عَنْ رَجُلٍ وسَمَّاهُ ، لَمْ تُجْعَلْ (٤) رِوايتُهُ عَنهُ تَعْدِيلاً مِنْهُ لهُ. عِندَ أكثَرِ العلمَاءِ مِنْ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمَّ (٥) . وقالَ بَعضُ أهلِ الحديثِ ، وبعضُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ: يُجْعَلُ (٦) ذَلِكَ تَعْدِيْلاً منهُ لهُ؛ لأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّعديلَ (٧). والصحيحُ هوُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ روايتُهُ عنهُ تعديلَهُ. وهَكَذَا نقولُ: إنَّ عَمَلَ العَالِمِ أَوْ فُنْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حديثٍ ، ليسَ حُكْماً منهُ بصِحَّةِ ذلكَ الحديثِ (٨) . (١) قال محقق شرح السيوطي: ٢٤٣: (( هكذا أبهمه ابن الصلاح. قال السخاوي: ((ولعله إمام الحرمين)). ( فتح المغيث ١ / ٢٨٩)، قلت : بل أغلب الظن أنه ابن الصبّاغ لما سيأتي من النقل عنه ، وهو أقدم وفاة من إمام الحرمين )) . (٢) الكفاية : ( ١٥٥ ت، ٩٢ هـ). (٣) في ( جـ ) : (( يسمِّ)). (٤) في (ع) والتقييد: ((يجعل)). (٥) وبه جزم الماوردي والروياني وأبو الحسن بن القطان ، ونقله القاضي في التقريب عن الجمهور، وقال : ((إنه الصحيح)). انظر: البحر المحيط ٤ / ٢٩٠، ونكت الزركشي ٣ / ٣٦٧ . (٦) في (أ): ((نجعل)). (٧) وهذا مذهب الحنفية وإحدى الروايتين عن أحمد ، وفي النقل عن الشافعي خلاف ، ونسبه الشيرازي إلى بعض أصحاب الشافعي ، وهو اختيار الآمدي ، ونقله الأسنوي عن ابن الحاجب . انظر الكفاية : (١٥٠ ت، ٨٩ هـ)، واللمع: ٤٧، والتبصرة في أصول الفقه: ٣٣٩، وإحكام الأحكام ٢ / ٨٠، ونهاية السول ٣ / ٤٨، ودراسات في الجرح والتعديل : ٢٠٩. (٨) تعقبه الحافظ ابن كثير، فقال: ((وفي هذا نظر، إذ لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرّض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه ، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه )). اختصار علوم الحديث ٢٩١/١ ، مع شرح أحمد شاكر وحاشية الشيخ ناصر . = ٢٢٢ وكذَلِكَ مُخالَفَتُهُ للحديثِ ليسَتْ قَدْحاً منهُ فِي صِحَّتِهِ ولاَ في راويِهِ ، والله أعلمُ . الثَّامِنَةُ : في روايةِ المجهُولِ ، وهوَ فِي غَرَضِنَا هَاهنا أقْسَامٌ : أحدُها : المجهُولُ العدالةِ مِنْ حيثُ الظَّاهِرُ والباطِنُ جميعاً، وروايتُهُ غيرُ مَقْبُولةٍ عِندَ الجماهِيْرِ عَلَى مَا نَّبَّهْنا عليهِ أوْلاً (١). الثّاني: الْجْهُولُ الذي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ الْبَاطِنَةُ ، وهوَ عَدْلٌ في الظَّاهِرِ وهوَ المسْتُورُ ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أئِمَّتِنا (٢): المستُورُ مَنْ يَكُونُ عَدْلاً في الظاهِرِ، ولاَ تُعْرَفُ عدَالَةُ باطِنِهِ . فهذا المجهُولُ يَحْتَجُّ بروايتِهِ بعضُ مَنْ رَدّ روايةَ الأوّلِ ، وهوَ قَولُ بعضِ الشَّافِعِيْنَ ، وبهِ قَطَعَ منهُمُ الإِمامُ سُلَيْمُ بِنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ، قالَ: (( لأنّ أمرَ الأخبارِ مَيْنِيٌّ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بالرَّاوي ؛ ولأنَّ روايةَ الأخبارِ تَكُونُ عندَ مَنْ يَتَعَذِّرُ عليهِ معرفَةُ العَدَالَةِ في الباطِنِ ، فَاقْتُصِرَ - وردّه تلميذه الزركشي في نكته ٣ / ٣٧٣، ومن ثم العراقي في التقييد: ١٤٤، فقال: ((وفي هذا النظر. نظر ؛ لأنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون ممت دليل آخر من قياس أو إجماع ، ولا يلزم المفتيّ أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها، ولعل له دليلاً آخر ، واستأنس بالحديث الوارد في الباب ، وربما كان المفتي ، أو الحاكم يرى العمل بالحديث الضعيف وتقديمه على القياس ، كما تقدم حكاية ذلك عن أبي داود )) . (١) ((لأن مجرد الرواية عنه لا تكون تعديلاً)). أفاده البقاعي. النكت الوفية: ٢١٥ / أ. وقال البلقيني: ٢٢٥: (( أبو حنيفة يقبل مثل هذا)). وقال الزركشي ٣٧٤/٣: ((وظاهره حكاية خلاف فيه ، وبه صرّح الخبازي من الحنفية ، وإنما قَبِلَ أبو حنيفة ذلك في عصر التابعين لغلبة العدالة عليهم)) . ونسبه ابن الموّاق إلى أكثر أهل الحديث كالبزّار والدارقطني، وقال الدارقطني: من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته . انظر: فتح المغيث ١ / ٣٥١ . وزاد ابن الملقن في المقنع ٢٥٦/١ أن قال: ((إن كان الراوي عنه لا يروي إلا عن عدل قُبِلَ، وإلّ فلا)). وانظر : شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٢ - ٤٣. (٢) قال الزركشي في نكته ٣ / ٣٧٤: ((وهذا الذي أبهم الظاهر أنه إمام الحرمين ، فإنه فسّر المستور بأنه الذي لم يظهر منه نقيض العدالة، ولم يتفق البحث في الباطن عن عدالته)). وانظر: البرهان ٣٩٦/١. لكن الحافظ العراقي جزم بأنه البغوي ، فقال : (( هو أبو محمد اليغوي صاحب التهذيب ، فهذا لفظه بحروفه)). التقييد والإيضاح: ١٤٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٤، وانظر قول البغوي في : التهذيب في فقه الشافعي له ٥ / ٢٦٣ . ٢٢٣ فيها (١) عَلَى مَعرِفَةِ ذلكَ في الظّاهِرِ، وتُفَارِقُ الشَّهَادَةَ ، فإِنَّها تكُونُ عِنْدَ الحِكْامِ، ولاَ يَتَعَذِّرُ عِلْيْهِمْ ذَلِكَ ، فاعْتُبِرَ (٢) فيها العدَالَةُ في الظّاهِرِ والباطِنِ» . قُلْتُ : ويُشْبِهُ أنْ يكونَ العمَلُ على هذا الرأيٍ في كثيرٍ مِنْ كُتُبِ الحديثِ المشهُورَةِ ، في غيرٍ واحِدٍ مِنَ الرَوَاةِ الذينَ تَقَادَمَ العَهْدُ بِهِمْ وَتَعَذَّرَتْ الْخِبْرَةُ الباطِنَةُ بِهِمْ (٣)، والله أعلمُ . الثَّالِثُ: المجهُولُ العَيْنِ، وقَدْ يَقْبَلُ روايةَ المجهُولِ العدالةِ مَنْ لاَ يَقْبَلُ روايَةَ المجهُولِ العيْنِ (٤). وَمَنْ رَوَى عِنْهُ عَدْلَانِ وعَّنَاهُ ، فقدِ ارتَفَعَتْ عنهُ هذهِ الجَهَالَةُ (٥). (١) في (م): (( منها)). (٢) في (ب ): (( فاعتبروا)). (٣) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٣٧٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٣ - ٤٥. وقال البقاعي في النكت الوفية: ٢١٥ / ب: (( لم يبيّن وجه الشبه، وليس ببيّن، ولعلّه بناءً على مثل قوله: ((إن البخاري ومسلماً رويا عن مجهول العين مصيراً منهما إلى أن الجهالة ترتفع برواية واحد)). والبيّن في كلام أهل الفن أنهم لا يحتجون إلا بمصرَّح بتوثيقه ، ولا فرق بين القديم والحديث ، وما ذكره الشيخ بعده من كلام الشافعي بيّن في ذلك)) . (٤) انظر نكت الزركشي ٣ / ٣٧٩ . (٥) ومن ثم اختلف العلماء في الاحتجاج برواية مجهول العين ، وهو من لم يروِ عنه إلا واحد ، على خمسة مذاهب : الأول : لا تقبل روايته ، وهو الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وغيرهم . الثاني: يقبل مطلقاً . وهو قول من لم يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام ، ونقله أبو إسحاق الشيرازي في اللمع : ٤٦ ، والبلقيني في المحاسن : ٢٢٥ عن أبي حنيفة وأصحابه. وقد أفاض النسفي في كشف الأسرار ٢ / ٣٠ في التعليل لهذا المذهب . ولكن من يدقق النظر في كتب أصول الحنفية يجد أن مذهبهم تقييد ذلك بالقرون الثلاثة الأولى الفاضلة ، وعليه فإن نسبة إطلاق القبول إليهم خطأ محض . الثالث : إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل ، واكتفينا في التعديل بواحد قُبِلَ وإلاّ فلا . الرابع : إن كان مشهوراً بغير العلم كالزهد والشجاعة قُبِل وإلا فلا . الخامس : إن زكّاه أحد أئمة الجرح والتعديل مع رواية ذلك المنفرد عنه قُبِل وإلا فلا . انظر في تفصيلات هذه المذاهب ونسبتها إلى القائلين بها: شرح التبصرة والتذكرة ٣٨/٢ - ٣٩. ٢٢٤ ذَكَرَ (١) أبو بكر الخطيبُ البغداديُّ في أجوبَةٍ مسائِلَ سُئِلَ عَنها (٢) أنَّ (٣) المجهُولَ ء عندَ أصحابِ الحديثِ هوَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ (٤) العلماءُ، ومَنْ لَمْ يُعْرَفْ حَدِيْثُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ رَاوٍ واحدٍ ، مِثْلُ: عَمْرِو ذِي مُرِّ (٥)، وجَبَّارِ الطَّائِيِّ، وسعيدِ بنِ ذِي خُدَّانَ (٦) ، لَمْ يَروِ عنْهُمْ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ السَِّيْعِيِّ (٧)، ومِثْلُ: الْهَزْهَازِ بنِ مَيْزَنِ (٨) لَ رَاوِيَ عنهُ غيرُ الشَّعْيِّ ، وَمِثْلُ : جُرَيٌّ (٩) بِنِ كُلَيْبٍ ، لَمْ يَرْوِ عنهُ إلاَّ قَادَةُ . (١) في ( ب) ونكت الزركشي: ((وذكر)). (٢) قال العراقي في التقييد: ١٤٧: ((إن المصنف عزا ما ذكره عن الخطيب إلى أجوبة سُئِلَ عنها، والخطيب ذكر ذلك بجملته مع زيادة فيه في كتاب " الكفاية" ، والمصنف كثير النقل منه فأبعد النجعة في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها)) . قلنا : انظر : الكفاية : ( ١٤٩ - ١٥٠ ت، ٨٨ - ٨٩ هـ). (٣) ليست في (أ) . (٤) في ( ع ) والتقييد: ((تعرفه)). (٥) في (ب): ((عمرو بن مُرّ))، وفي التاريخ الكبير ٦/ ٣٢٩، والطبقات لمسلم (١٣٧١): ((عمرو بن ذي مُرّ))، وما أثبتناه موافق لما في مصادر ترجمته . انظر: تهذيب الكمال ٥ / ٤٧٧، وفروعه. وكلا الاسمين وردا في الميزان ٣ / ٢٦٠ و٢٩٤. قال البقاعي في النكت الوفية : ٢٠٩ / أ: ((ذو مر: كأنه لقب له، وهو (( ذو )) الذي بمعنى : صاحب، ومُرّ: بضم الميم وتشديد الراء)). وانظر: الوحدان لمسلم (١٣)، والكامل ٦ / ٢٤٤، وقال في التقريب ( ٥١٤٢ ): ((مجهول)) . (٦) بضم الحاء المهملة، وتشديد الدال المهملة. انظر: الإكمال ٦١/٢، وتبصير المنتبه ٤١٦/١، وتاج العروس ٨ /١٣،. وقال في التقريب (٢٣٠٠): ((مجهول)). (٧) قال ابن المديني : (( لم يروِ عن هبيرة بن يريم، وهانئ بن هانئ إلا أبو إسحاق، وقد روى عن سبعين أو ثمانين لَمْ يروِ عنهم غيره)). تهذيب الكمال ٥ / ٤٣٣. وقال الجوزجاني: (( أما أبو إسحاق فروى عن قوم لا يعرفون، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلا ما حكى أبو إسحاق عنهم)). أحوال الرجال (١٠٥ ). وقال أبو داود: ((حدَّثَ أبو إسحاق عن مئة شيخ لا يحدّث عنهم غيره)). سؤالات الآجري له ١٧٥/٣. (٨) قال العراقي في التقييد: ١٤٦: ((إن الخطيب سَّى والد هزهاز: ميزن - بالياء المثناة - وتبعه المصنف ، والذي ذكره ابن أبي حاتم في كتاب " الجرح والتعديل": أنه مازن - بالألف - وفي بعض النسخ - بالياء - ، ولعل بعضهم أماله في اللفظ فكتب بالياء ، والله أعلم )). وانظر: الجرح والتعديل ٩ / ١٢٢، ونكت الزركشي ٣ / ٣٩٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ /٣٩، والنكت الوفية ٢١١ / أ . (٩) بضم أوله ، تصغير جرو. انظر: تقريب التهذيب (٩٢٠ )، والخلاصة : ٦٢ . ٢٢٥ قُلْتُ : قَدْ رَوَى عَنِ الْهَزْهَازِ: التّوْرِيُّ أيضاً (١). قالَ الخطيبُ: (( وَأَقَلُّ ما ترتَفِعُ (٢) بهِ الجهالةُ ، أَنْ يَروِيَ عَنِ الرجلِ اثْنَانِ مِنَ المشهورِينَ بالعِلْمِ إِلّ ◌َنَّهُ لاَ يَثْبُتُ لَهُ حُكُمُ العدالَةِ بروايَتِهما عَنْهُ)) (٣) ، وهذا مِمَّا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ ، والله أعلمُ . قُلْتُ (٤) : قَدْ خَرَّجَ البخارِيُّ فِي " صَحِيْحِهِ " حديثَ جماعةٍ ليسَ لَهُمْ غِيرُ راوٍ واحِدٍ ، منهُمْ: مِرْدَاسٌ (٥) الأسْلَمِيُّ لَمْ يَرْوٍ عنهُ غيرُ قَيْسِ بنِ أبي (١) قال الزركشي في نكته ٣ / ٣٨٩: ((هذا سهو، فإن الثوري لم يرو عن الشعبي، فكيف يروي عن شيخه؟! نبّه عليه الحافظ المزي . نعم ... روى عن الهزهاز: الجراح بن مليح ، ذكره ابن أبي حاتم، وهو أصغر من الثوري وتأخر بعده مدة ، فلعل الهزهاز تأخر بعد الشعبي)). وانظر : الجرح والتعديل ٥٣٦/٢، والمقنع ٢٥٩/١، والتقييد والإيضاح : ١٤٦. قلنا : رواية الثوري نصّ عليها البخاري في تاريخه الكبير ٨ / ٢٥١ وذكر دليله على ذلك ، وهو سنده الصحيح إلى سفيان . وجري روى عنه أيضاً : أبو إسحاق السبيعي وعاصم بن بهدلة . انظر: المؤتلف والمختلف ١ / ٤٨٧، وتوضيح المشتبه ٢ / ٣٠٢ . والذي يظهر أنهما اثنان اتفقا في الاسم واسم الأب، واختلفا في النسبة ، فقد نقل الحافظ المزي في تهذيب الكمال ٤٥٠/١ عن أبي داود تفريقه بينهما ، فقال: ((جري بن كليب صاحب قتادة سدوسي بصري لم يرو عنه غير قتادة ، وجري بن کلیب کوفی روى عنه أبو إسحاق » . وفرّق المزي بينهما فذكر في ترجمة السدوسي البصري من أشياخه : علي وبشير بن الخصاصية ، وروى عنه قتادة ، وذكر في ترجمة النهدي الكوفي أنه روى عن رجل من بني سليم ، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وابنه يونس . وسبقه إلى نحو ذلك الأمير ابن ماكولا في الإكمال ٢ / ٧٥ - ٧٦ إلا أنه زاد عاصم بن بهدلة ، ثم قال : (( لعله الأول أو غيره )). وتبع الذهيُّ المزيّ في ذلك. الكاشف ١ / ٢٩٢ (٧٧٥) و ( ٧٧٦). ويدل عليه أيضاً اختلاف بلدان الرواة فالبصري روى عنه قتادة ، وهو أيضاً بصري ، والكوفي روى عنه أبو إسحاق السبيعي وابنه يونس وعاصم بن أبي النجود ، وكلهم كوفي ، والله أعلم . (٢) في (م): ((يرتفع)). (٣) الكفاية : ( ١٥٠ ت، ٨٨ - ٨٩ هـ ) . قال الزركشي ٣ / ٣٩٠: ((هذا منازع فيه بما سبق من كلامهم، لا سيما إذا كان الراوي عنه من عادته لا يروي إلا عن عدل ، والظاهر أن رواية إمام ناقل للشريعة عن رجل في مقام الاحتجاج كافٍ في تعريفه وتعديله ، وقد سبق أن البزار وابن القطان على أن رواية الجلة عن الشخص تثبت له العدالة )). (٤) هذا اعتراض من ابن الصلاح وإيراد على كلام الخطيب . (٥) بكسر أوله وسكون الراء. انظر: تقريب التهذيب ( ٦٥٥٣)، وتاج العروس ١٦ / ١١٨. ٢٢٦ حازِمٍ (١) . وكَذَلِكَ خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيْثَ قَوْمٍ لاَ رَاوِيَ لَهُمْ غَيْرُ واحِدٍ ، منهُم : رَبَيْعَةُ (٢) ابنُ كَعْبِ الأَسْلمِيُّ ، لَمْ يَرْوٍ عنْهُ غَيْرُ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ (٣) ؛ وَذَلِكَ منهُما مصيرٌ إلى أنَّ الراويَ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَجْهُولاً مَرْدُودً، بروايةٍ واحِدٍ عنهُ (٤). والخِلاَفُ في (١) قال المزي في تهذيب الكمال ٦٧/٧ (٦٤٤٨): ((روى عنه زياد بن علاقة، وقيس بن أبي حازم)). وتبعه عليه الزركشي في نكته ٣٩١/٣، والبلقيني في محاسنه: ٢٢٨، وابن الملقن في المقنع ١/ ٢٦٠. وتعقبه الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح : ٣٥٢ بأن قال: ((الصواب ما قاله ابن الصلاح فإن الذي روى عنه زياد بن علاقة هو مرداس بن عروة صحابي آخر ، لا أعلم بين من صنّف في الصحابة في ذلك اختلافاً )) . قلنا : انظر: التاريخ الكبير ٧ / ٤٣٤ (١٩٠٢) و(١٩٠٣)، والجرح والتعديل ٨ /٣٥٠ (١٦٠٧) و (١٦٠٨)، والثقات ٣٩٨/٣، والاستيعاب ٤٣٨/٣، والإصابة ٣٩٩/٣ و٤٠١. وحديثه الوحيد عند البخاري ٨ / ١١٤ (٦٤٣٤) ولفظه: ((يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة))، قال أبو عبد الله البخاري : يقال : حفالة وحثالة ، ورواه في ٥ / ١٥٧ (٤١٥٦) موقوفاً على مرداس . وممن جزم بتفرد قيس بالرواية عن مرداس الأسلميِّ: الأزديُّ في المخزون : ٢٦٦ ، والدارقطنيُّ في الإلزامات : ٧٨، والحازمي في شروط الأئمة الخمسة : ٣٨، وغيرهم . (٢) في ( ع ): ((ربيع))، خطأ . (٣) بل روى عنه أيضاً: حنظلة بن علي الأسلمي ، وأبو عمران الجوني، ونعيم بن عبد الله الْمُحْمِر . انظر: تهذيب الكمال ٢ / ٤٧٣ (١٨٧١)، ونكت الزركشي ٣ / ٣٩١ - ٣٩٢، والشذا الفياح ١ / ٢٥٢، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤١ - ٤٢، والإصابة ٣ / ٤٠١ . وحديثه من رواية أبي سلمة عند مسلم ٢ / ٥٢ (٤٨٩)، وغيره. ورواية نعيم بن عبد الله المجمر عنه عند أحمد ٤ / ٥٩ . ورواية أبي عمران الجوني عنه عند أحمد أيضاً ٤ / ٥٨. (٤) قال الزركشي ٣٩٥/٣: ((وما قاله من بناء ذلك على هذا قد يمتنع، بل الظاهر أنه منهما مصير إلى أن الراوي معروف من غير هذه الرواية ، أو أنه احتفّت به قرائن اقتضت ذلك ، وهذا هو الأَلْيَقُ بالاحتياط منهما ، لا سيّما على طريق البخاري ، فإنه سلك الأحوط والتشديد، وفيما قاله المصنف منافاة لطريقته )) . وقال أبو العباس القرطبي: ((التحقيق: أنه متى عرفت عدالة الرجل قُبِلَ خبره ، سواء روى عنه واحد أم أكثر، وعلى هذا كان الحال في العصر الأول من الصحابة وتابعيهم، إلى أن تنطّع المحدّثون)). نقله ابن الملقن في المقنع ١ / ٢٦٣ . = ٢٢٧ ذلكَ مُتَّجَةٌ نحوَ انِّجَاهِ الخِلاَفِ المعرُوفِ في الاكتفاءِ بواحِدٍ فِي التَّعْدِيْلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَهُ (١)، والله أعلمُ . التّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ روايةِ الْمُبْتدِعِ الذي لاَ يُكَفِّرُ فِي بدعَتِهِ (٢)، فمِنْهُمْ مَنْ رَدْ رِوَايَتَهُ مُطْلَقاً؛ لأَنَّهُ فَاسِقٌ ببدْعَتِهِ وكما اسْتَوَى في الكُفْرِ الْمُتَأَوِّلُ = وقد اعترض الإمام النووي على ابن الصلاح في ردّه على الخطيب وتمثيله بمرداس وربيعة الأسلميين في كون الشيخين أخرجالرواة لم يرو عنهم إلا راو واحد، فقال: ((الصواب ما ذكره الخطيب، فهو لم يقله عن اجتهاد ، بل نقله عن أهل الحديث . وردّ الشيخ عليه بما ذكره عجب ، فإن مرداساً وربيعة صحابيان معروفان)). الإرشاد ١ / ٢٩٨ . وردّ الحافظ العراقي اعتراض النووي ، فقال: ((كلام المصنف في أن الصحبة هل ثبتت برواية واحد عنه أم لا بدّ من اثنين ؟ خلاف بين أهل العلم ، والحق أنه إن كان معروفاً بذكره في الغزوات أو فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك ؛ فإنه تثبت صحبته وإن لم يروِ عنه إلا واحد ، ولا شك أن مرداساً من أصحاب الشجرة ، وربيعة من أهل الصّفّةِ ، فلا يضرّهما انفراد راوٍ واحد عن كل منهما)). التقييد : ١٤٨. وانظر: الشذا الفياح ١ / ٢٥١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤١ - ٤٢ . وهذا ينقض كلام البيهقي في رسالته إلى أبي محمد الجويني - والد إمام الحرمين - إذ أورد كلاماً مناقضاً للواقع الذي بيّناه في حق صحابة رسول الله وَطَّ وأنهم يستثنون مِنْ مَنْ شرط تثنية الراوي حتى يخرجوا عن حد الجهالة ، فقال : ((الذي عندنا من مذهب الإمامين البخاري ومسلم أنهما شرطا أن يكون للصحابي الذي يروي عنه الحديث راويان فأكثر ليخرج بذلك عن حد الجهالة ، وهكذا من دونه ، ثم إن انفرد أحد الراويين عنه بحديث وانفرد الآخر بحديث آخر قبلاه ، وإنما يتوقفان في رواية صحابي أو تابعي لا يكون له إلا راوٍ واحد كصفوان بن عسال)). نقله الزركشي في نكته ٣ / ٣٨٤ - ٣٨٥، وليس في مطبوعة الرسالة ، وهذا الذي قاله البيهقي أخذه من شيخه الحاكم ، إذ قال في المدخل إلى الإكليل: ٢٩: ((القسم الأول من المتفق عليها : اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح ، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله 3/43 وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة ، وله راويان ثقتان ... الخ كلامه . وقد ردّه الحافظ ابن طاهر المقدسي في شروط الأئمة الستة : ١٨ و ٢٢ - ٢٣، وأجاد الحافظ الحازمي في الرد عليه ببحث نفيس . انظره في كتابة شروط الأئمة الخمسة : ٤٣ - ٥٠ . (١) تعقّبه الحافظ ابن كثير، فقال: ((توجيه جيد، لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذَلِكَ برواية الواحد فقط؛ لأن هذين صحابيان، وجهالة الصَّحَابِيّ لا تضر بخلاف غيره). اختصار علوم الْحَدِيْث ٢٩٨/١. (٢) ذَكَرَ المؤلف هنا الخلاف في قبول رِوَايَة المبتدع غَيْرِ الكافر ببدعته، وَلَمْ يتطرق إلى المبتدع الكافر ببدعته ، مَعَ وجود خلاف أيضاً في قبول روايته، فَقَدْ نقل غَيْر واحد كابن الملقن في المقنع ٢٦٥/١، والسيوطي في شرح ألفية العراقي: ٢٤٩ عن ابن الصَّلاَحِ أنَّهُ نقل الاتفاق عَلَى رد رِوَايَة الكافر ببدعته . وأشار إلى نحوه ابن كَثِيْر في مختصره ١ / ٢٩٩، لَكِنْ دُوْنَ نسبته إلى ابن الصَّلاَح . = ٢٢٨ وغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ، يَسْتَوي في الفِسْقِ الْمُتَأَوِّلُ وَغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ (١). ومِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ روايَةَ المبتَدِعِ إذا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ الكَذِبَ فِي نُصْرَةٍ مَذْهَبِهِ، أَوْ لِأَهْلِ مَذْهَبِهِ ، سَواءٌ كَانَ دَاعِيَةً إلى بَدْعَتِهِ (٢) أَوْ لَمْ يَكُنْ (٣) . = قال محقق السيوطي: ((هذا وهم، فابن الصلاح لم ينقل الاتفاق، وإنما نقله النووي ، ... ، ودعوى الاتفاق منقوضة بما نقله الخطيب عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين من قبول روايتهم )). قلنا : هذا كلام مُحَقِّقٌ ، فانظر: إرشاد طلاب الحقائق ١ / ٣٠٠ - ٣٠١، والتقريب : ٩٤ . ثم إن الخلاف فيه نقله الأصوليون : فذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى الرد مطلقاً ، ونقله الآمدي عن الأكثرين ، منهم : الغزالي ، والقلضي عبد الجبار من المعتزلة ، وبه جزم ابن الحاجب . وذهب الرازي إلى القبول، فقال: ((الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته ، وإلا فلا؛ لأن اعتقاد حرمة الكذب يمنعه منه )) . انظر: المحصول ٢ / ١٩٥، ومنتهى الوصول: ٧٧، وإحكام الأحكام ٢ / ٥١٤، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٥٠، والتقييد والإيضاح : ١٤٩. قلنا : ويجاب عن هذا بأن الخلاف إنما حكاه الأصوليون ، وهو بينهم فقط ، أما المحدّثون فلا نعلم بينهم خلافاً في رد روايته ، ولم نقف على نص صريح لأحدهم في قبولها . ومن ثم إن هناك خلافاً في الاعتداد بقول الأصولي في انعقاد الإجماع ، هل يقدح خلافه في انعقاد الإجماع أم لا ؟ انظر: البحر المحيط ٤ / ٤٦٦. وعلى هذا يحمل نقل النووي للاتفاق ، والله أعلم. (١) حكاه الخطيب البغدادي عن الإمام مالك، والقاضي عياض عن الباقلاني وطائفة من الأصوليين والفقهاء والمحدّثين من السلف والخلف ، وهو قول القاضي عبد الجبار الهمداني وأبي هاشم الجبائي من المعتزلة ، والأستاذ أبي منصور الماتريدي وأبي إسحاق الشيرازي والغزالي والآمدي وابن الحاجب ، ونقله غير واحد عن الأكثرين . انظر: الكفاية : ( ١٩٤ ت، ١٢٠ هـ)، واللمع: ٤٥، وإكمال المعلم ١ / ١٢٥، وإحكام الأحكام ٢ / ٦٦ و٧٥، والبحر المحيط ٤ / ٢٦٩، والإبهاج ٢ / ٣١٤. تنبيه : وقع في كلا نشرتي الكفاية قول الخطيب: ((وممن لا يروى عنه ذلك مالك بن أنس))، والظاهر من سياق الكلام وموازنته بما قبله وما بعده أن كلمة ( لا) مقحمة ، ويؤكد هذا نقل الزركشي في البحر ٢٧٠/٤ عن الخطيب . ثم نقل الحاكم في المدخل إلى الإكليل : ٤٢، وغيره عن مالك القول بهذا. (٢) في (جـ): ((بدعة)). (٣) قال الزركشي ٣ / ٣٩٦: (( ما رجّحه من التفصيل نقله غيره عن نص الشافعي)). قلنا: هو الخطيب، وانظر ما يأتي . ٢٢٩ وعَزَا بعضُهُمْ (١) هذا إلى الشَّافِعِيِّ لقولِهِ: ((أَقْبَلُ شَهَادَةَ أهلِ الأَهْوَاءِ ، إلّ الخطّابِيَّةَ (٢) مِنَ الرَّافِضَةِ؛ لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّوْرِ لِمُوافِقِيْهِم)) (٣) . وقَالَ قومٌ: ثُقْبَلُ روايَتُهُ إذا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ، ولاَ تُقْبَلُ إذا كَانَ داعيةً إلى بدعتِهِ . وهذا مَذهبُ الكثيرِ أوْ الأكثرِ مِنَ العُلَماءِ (٤) . (١) قال العراقي في التقييد: ١٤٩: ((أراد ببعضهم : الحافظ أبا بكر الخطيب، فإنه عزاه للشافعي في كتاب " الكافية" )). وانظر: الكفاية (١٩٤ ت، ١٢٠ هـ ). (٢) الخطّابّة - بتشديد الياء -: هم أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأسدي . انظر عنهم : الفرق بين الفرق: ١٨، والتعريفات: ٥٩، وتاج العروس ٢ / ٣٧٥. (٣) انظر: الأم ٢٠٦/٦ . ورواه عنه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه : ١٨٩، والبيهقي في مناقب الشافعي ٤٦٨/١، وفي السنن الكبرى ٢٠٨/١٠، والخطيب في الكفاية: (١٩٤-١٩٥ ت، ١٢٠ هـ). قال البلقيني في المحاسن : ٢٢٩ معلّقاً: (( لا يقال: الخطابية لا يجوّزون الكذب، ومن كذب عندهم خرج من مذهبهم ، فإذا سمع بعضهم بعضاً قال شيئاً عرف أنه تمن لا يجوّز الكذب ، فاعتمد قوله لذلك وشهد بشهادته ، فلا يكون شهد بالزور ، إنما شهد بما يعرف أنه حق . لأنا نقول : ما بنى عليه شهادته أصل باطل ، فوجب ردّ شهادته لاعتماده أصلاً باطلاً، وإن زعم هو أنه حق )) . وهذا المذهب حكاه الخطيب عن ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأبي يوسف القاضي ، ونسب الحاكم في المدخل إلى الإكليل: ٤٢ القول به إلى أكثر أهل الحديث، وقال الرازي: ((إنه الحق)) ، ونسبه إلى أبي الحسين البصري - صاحب " المعتمد في أصول الفقه " - من المعتزلة ، وبه قال البيضاوي ، ورجحه ابن دقيق العيد وأقره الذهبي. انظر: المحصول ٢ / ١٩٥، والاقتراح: ٣٣٣، والموقظة: ٨٥، ونهاية السول ٣ / ١٢٥، وظفر الأماني : ٤٦٣ . (٤) انظر في بيان معنى الداعية: البحر المحيط ٤ / ٢٧٢. قال الخطيب : ((وقال كثير من العلماء يقبل أخبار غير الدعاة من أهل الأهواء، فأما الدعاة فلا يحتجّ بأخبارهم » . وحكاه عن الإمام أحمد ، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه ، وبه جزم سليم الرازي ، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن مالك - وهو الصحيح من مذهبه - ، والمختار عند الحنفية ، وهو الذي نصّ عليه ابن حبان في مقدمة صحيحه . انظر : الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١ / ٨٩، والكفاية : (١٩٥ ت، ١٢١ هـ)، وإكمال المعلم ١ / ١٢٥، وكشف الأسرار ٢ / ٤٦، والبحر المحيط ٤ / ٢٧١، ٢٨٣ . = ٢٣٠ وحَكَى بعضُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ ◌َّهِ خِلاَفاً بينَ أصحابِهِ فِي قَبُولِ روايةِ المبتدِعِ إذا لَمْ يَدْعُ إلى بدعَتِهِ ، وقالَ : أمَّا إذا كانَ داعِيَةً فَلا خِلافَ بينَهُمْ فِي عَدَمٍ قَبُولِ روايتِهِ . وقالَ أبو حاتِمٍ بنِ حِبَّنَ الْبُسْتِيُّ - أحَدِ المصَنِّفِيْنَ مِنْ أئمَّةِ الحديْثِ -: ((الدَّاعِيَةُ إلى البِدَعِ لاَ يَجُوزُ الاحْتِحَاجُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً لاَ أَعْلَمُ بِينَهُمْ فِيهِ خِلاَفَاً )) (١). وهذَا المذْهَبُ الثالِثُ أَعْدَلُهَا وَأوْلاَهَا، والأَوْلُ بَعِيْدٌ مُّبَاعِدٌ للشَّائعِ عَنْ أئمَّةِ الحديثِ، فإنّ كُتُبَهُمْ طافِحَةٌ بالروايَةِ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ غَيْرِ الدُّعَاةِ (٢). وفي - وقال الخطيب محتجاً للمجوّزين: ((والذي يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم: ما اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ، ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل ، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب ، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال ، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة ، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم، ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم)). الكفاية: (٢٠١ ت، ١٢٥ هـ). (١) المجروحين ٣ / ٦٣ - ٦٤ . قال الزركشي في نكته ٣ / ٣٩٦: (( أنه اقتصر في النقل عن ابن حبان في ردّ الداعية، وسكت عن الجانب الآخر ، وقد نقل ابن حبان فيه الاتفاق على القبول )) . قلنا : ونص كلامه كما في ثقاته ١٤٠/٦ - ١٤١: (( ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز ، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره )) . قال العراقي في التقييد: ١٥٠: ((وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر، فإنه يُروَى عن مالك ردّ روايتهم مطلقاً)) . وقد تعقّب ابن حبانَ الحافظُ ابنُ حجر في النزهة : ١٣٧ - ١٣٨ ، فقال: (( أغرب ابن حبان فادّعى الاتّفاق على قبول غير الداعية من غير تفصيل . نعم ... الأكثر على قبول غير الداعية ، إلاّ إن روى ما يقوي بدعته فيردّ على المذهب المختار ، وبه صرّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي في كتابه " معرفة الرجال " (ص٣٢)، فقال في وصف الرواة: ((ومنهم زائغ عن الحق - أي : عن السنة - صادق اللهجة ، فليس فيه حيلة ، إلا أن يؤخذ من حديثه وألاّ يكون منكراً إذا لم یقوِّ به بدعته )) . (٢) ((بل والدعاة ، منهم : عمران بن حطان الخارجي ، مادح عبد الرحمان بن ملجم قاتل علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وهذا من أكبر الدعوة إلى البدعة ، خرّج عنه البخاري ، وزعم جماعة أنه من دعاة الشراة . ومنهم عبد الحميد بن عبد الرحمان أخرج له الشيخان ، وقال فيه أبو داود السجستاني: ((كان داعية إلى الإرجاء))، وغير ذلك. فالظاهر أنه لا فرق)). نكت الزركشي ٣ / ٤٠١ . = ٢٣١ " الصحيحين " كثيرٌ مِنْ أحَادِيْثِهِمْ فِي الشَّوَاهِدِ والأُصُولِ (١) ، والله أعلمُ . العَاشِرَةُ: الَّائِبُ مِنَ الكَذِبِ في حديثِ النَّاسِ وغيرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ، تُقْبَلُ روايتُهُ، إلّ التَّائِبَ مِنَ الكَذِبِ مُتَعَمِّداً في حديْثِ رَسُولِ اللهَ ﴿ِّ، فإنّهُ لاَ تُقْبَلُ روايَتُهُ أَبَداً، وإنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ غَيرٍ واحِدٍ مِنْ أَهلِ العِلْمِ ، مِنْهُمْ: أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٢) ، وأبو بكرِ الْحُمَيْدِيُّ - شَيْخُ البخارِيِّ (٣) - . وأطلَقَ الإِمامُ أبو بكرِ الصَّيْرَفِيُّ الشَّافِعِيُّ فيما وجدْتُ لهُ في " شرحِهِ لرسَالَةٍ الشافِعِيِّ " ، فقالَ: (( كلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهلِ النَّقْلِ بِكَذِبٍ (٤) وَجَدْنا عليهِ ، لَمْ نَعُدْ لقَبُولِهِ بتوبَةٍ تَظهَرُ ، ومَنْ ضَعَّفْنَا نَقْلَهُ لَمْ نَجْعَلْهُ قَوِيّاً بَعدَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا افترَقَتْ فيهِ الروايةُ والشَّهَادَةُ (٥). وذَكَرَ الإِمَامُ أبو المظَفِّرِ السَّمْعَائِيُّ المروزيُّ: ((أنّ (٦) مَنْ كَذَبَ في خَبَرٍ واحِدٍ ، وجَبَ إِسْقَاطُ ما تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ)) (٧)، وهذا يُضَاهِي مِنْ حَيْثُ المعْتَى مَا ذَكَرَهُ الصَّْرَفِيُّ (٨) ، والله أعلمُ . = وأجاب العراقي عن هذا فقال: ((قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج))، ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج. ولم يحتج مسلم بعبد الحميد الحماني ، إنما أخرج له في المقدمة، وقد وثّقه ابن معين)). التقييد : ١٥٠. (١) سرد أسماءهم السيوطي في تدريب الراوي ١ / ٣٢٨ - ٣٢٩ فبلغوا ثلاثة وثمانين راوياً. (٢) رواه عنه الخطيب في الكفاية : ( ١٩٠ ت، ١١٧ هـ). (٣) رواه الخطيب أيضاً في الكفاية: (١٩١ ت، ١١٨ هـ). (٤) قال العراقي في التقييد: ١٥١: ((ذكر المصنف أن أبا بكر الصيرفي أطلق الكذب ، أي: فلم يخصه بالكذب في الحديث. والظاهر: أن الصيرفي إنما أراد الكذب في الحديث ، بدليل قوله: (( من أهل النقلى ))، وقد قيده بـ ((المحدِّث)) فيما رأيته في كتابه المسمّى بـ " الدلائل والاعلام" ، فقال: وليس يطعن على المحدّث إلا أن يقول : تعمدت الكذب ، فهو كاذب في الأول ، ولا يقبل خبره بعد ذلك)) . (٥) انظرها في: إكمال المعلم ١ / ١٠٧، والفروق ١ / ٥، ومحاسن الاصطلاح: ٢٣١، والنكت الوفية: ٢٢٥ / أ، وتدريب الراوي ١ / ٣٣١ - ٣٣٤. (٦) بعد هذا في (ع) زيادة: ((كل))، ولم ترد في شيء من النسخ التي اعتمدناها في التحقيق. (٧) انظر: قواطع الأدلة ٣٢٤/١، وبه قال الماوردي والروياني من الشافعية. انظر: البحر المحيط ٢٨٤/٤. قال البلقيني في محاسنه : ٢٣٢ : (( ما نقل عن الصيرفي يقرب منه ما قاله ابن حزم: من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبداً، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبداً. وكذا قاله ابن حبان في آخرين)). (٨) قلنا : وهذا الذي اختاره ابن الصلاح ونقله عن الصيرفي وأبي المظفر السمعاني ، نقله أيضاً الحازمي عن سفيان الثوري وابن المبارك ورافع بن الأشرس وأبي نعيم الفضل بن دكين . انظر: شروط الأئمة الخمسة : ٥٤ . = ٢٣٢ الحاديَّةَ عَشْرَةَ: إذا رَوَى ثقةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيثاً ورُوْجِعَ (١) المروِيُّ عنهُ فَتَفَاهُ ، فالمختارُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ جازماً بنفْيهِ بأنْ قالَ: ما رَويْتُهُ، أو كَذَبَ عَلَيَّ ، أو نَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَارَضَ الجَزْمَانِ، والجاحِدُ هُوَ الأصْلُ، فَوَجَبَ رَدُّ حدِيْثِ فَرْعِهِ ذَلِكَ (٢)، ثُمَّ لاَ يَكُونُ = وقد ردّ الإمام النووي هذا القول، فقال في الإرشاد ١ / ٣٠٧: ((وكل هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا ، ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة )). ومثله قال في التقريب : ٩٥ . وقال في شرح صحيح مسلم ٥٧/١ : ((وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية ، والمختار القطع بصحة توبته في هذا ، وقبول رواياته بعدها )) . وأجاب الزركشي عن ردّ النووي ، فقال: ((هذا الذي ادّعاءُ الشيخ من أنه مخالف لمذهبنا ممنوع، فإن جمهور الأصحاب عليه ، منهم : الطبري ، وابن السمعاني - كما نقله ابن الصلاح - ، وقد حكاه عن الصيرفي : القاضي أبو الطيب ولم يخالفه ، ومنهم : القفال المروزي فيما حكاه صاحب " البحر " في باب الرجوع عن الشهادة ، فقال: ((قال القفال: إذا أقرّ المحدّث بالكذب لم يقبل حديثه أبداً)). وحكى ابن الرفعة في المطلب عند الكلام فيما إذا بان فسق الشاهد عن الماوردي : (( إن الراوي إذا كذب في حديث النبي ◌ُ ◌ّ ردت جميع أحاديثه السالفة، ووجب نقض ما حكم به منها، وإن لم ينقض الحكم بشهادة مَنْ حدث فسقه، بأن الحديث حجة لازمة لجميع المسلمين ، وفي جميع الأمصار ، فكان حكمه أغلظ )) ، ولم يتعقبه ابن الرفعة بنكير. وحكاه الخطيب في الكفاية عن الحميدي، وقال: ((إنه الحق)). وهو كما قال فإن الدليل يعضده، وهو قوله ﴿ّ: ((إنّ كَذِباً عَلَيَّ ليسَ ككَذِبٍ عَلى أحدٍ))؛ ولهذا حكى إمام الحرمين عن والده أن مَن تعمّد الكذب على النبي وَ ﴿ يكفر. وقد فرّق أصحابنا بين الرواية والشهادة في مواضع كثيرة ، فلا بدع أن هذا منها . نعم ... قال القاضي أبو بكر الشامي من أصحابنا - وهو في طبقة القاضي أبي الطيب - (( لا يقبل فيما رد ، ويقبل في غيره اعتباراً بالشهادة )). حكاه القاضي من الحنابلة عنه أنه أجابه بذاك لما سأله عن هذه المسألة . فحصل فيها وجهان لأصحابنا ، وأصحهما : لا تقبل . وأما قوله : إنه مخالف لمذهب غيرنا فممنوع ، فقد حكى الخطيب عند عبد الله بن أحمد الحلبي ، قال : (( سألت أحمد بن حنبل عن محدّث كذب في حديث واحد ثُم تاب ورجع؟ قال: توبته فيما بينه وبين الله عزوجل ، ولا يكتب عنه حديث أبداً)). نكت الزركشي ٤٠٥/٣-٤٠٨ . (١) في ( ب ): ((ورجع)). (٢) نبّه الزركشي هنا على أمرين : الأول : ما ذكره من أنه المذهب : (( المختار ))، ليس من تصرفه كما تعقبه به بعضهم ، فقد نقل الخطيب في الكفاية: ( ٢٢١ ت، ١٣٩ هـ)، وإمام الحرمين في البرهان ١/ ٤١٧، عن القاضي أبي بكر الباقلاني ، ونقل الأخير عن القاضي أيضا عزوه إلى الشافعى، ونسبه ابن السمعاني في القواطع إلى أصحاب الشافعي ، بل نقل الهندي الإجماع عليه ، وهذا من الهندي غلط ، فإن في المسألة قولين := ٢٣٣ ذَلِكَ جَرْحاً لهُ (١) يُوجِبُ ردّ باقِي حديثِهِ؛ لأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لشَيْخِهِ أيضاً في ذلكَ ، وليسَ قَبُولُ جَرْحٍ شَيْخِهِ لهُ بِأَوْلَى مِنْ قَبُولِ جَرْحِهِ لشَّيْخِهِ ، فَتَسَاقَطا . أمّا إذا قالَ المرويُّ عنهُ: لاَ أعرِفُهُ، أو لاَ أَذْكُرُهُ، أوْ نحوَ ذلكَ ، فذلكَ لاَ يُوجِبُ رَدْ روايَةِ الراوي عنهُ (٢) . ومَنْ رَوَى حَدِيثاً ثُمَّ نَسِيَّهُ لَمْ يَكُنْ ذلكَ مُسْقِطً للعَمَلِ بهِ عندَ جُمْهُورِ أهلٍ الحديثِ وجمهورِ الفقهاءِ والمتكلّمينَ ، خلافاً لقَومٍ مِنْ أصحَابٍ أَبِي حَنْفَةَ صَارُوا إلى إِسْقَاطِهِ بذلِكَ (٣)، وبَنَوَا عليهِ رَدَّهُمْ حديثَ سُليمانَ بنِ موسَى، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِلَّ: ((إذا تُكِحَتِ المرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلِّها فَنَكَاحُها باطِلٌ ... = أحدهما : التوقف ، وهو ظاهر كلام ابن الصبّاغ في العدة ، ونقله ابن القشيري عن اختيار القاضي أبي بكر ، واختاره إمام الحرمين ، والإمام الفخر الرازي . ثانيهما : أن تكذيب الأصل للفرع لا يسقط المروي ، وهذا ما اختاره أبو الحسن بن القطان ، وابن السمعاني ، وبه جزم الماوردي والروياني . الثاني : ما استدل به للرد بالتعارض ، قد يعارض بأن المثبت مقدم على النافي ، لكن لَمَّا كان النافي هنا نفي مل يتعلق به في أمر يقرب من المحصور بمقتضى الغالب ، اقتضى أن يرجح النافي . انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤١١ - ٤١٢، والبحر المحيط ٤ / ٣٢١ - ٣٢٢. (١) (( أي: بخلاف الشهادة على ما قاله الماوردي، فإن تكذيب الأصل جرح للفرع، والفرق غلظ باب الشهادة وضيقه)). قاله الزركشي ٣ / ٤١٢ . (٢) حكى ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول ١ / ٨٩ - ٩٠ ثلاثة مذاهب : الأول : يعمل به . الثاني : لا يعمل به . الثالث : التفصيل بين أن يكون ميل الشيخ إلى تغليب النسيان فيقبل ، أو يميل إلى تغليب جهله أصلاً فلا يقبل . (٣) وحكاه ابن الصباغ عن أصحاب أبي حنيفة. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٥٤. قلنا : بل هو مذهب أكثرهم ، منهم : الكرخي والدبوسي والبزدوي ، وصوّبه النسفي منهم ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، ونقل الرافعي عن القاضي ابن كج حكايته وجهاً لبعض الشافعية ، وعينه شارح اللمع بأنه القاضي أبو حامد المروذي . انظر: اللمع: ٤٨، وإحكام الأحكام ٢ / ٩٢ ، وكشف الأسرار للبخاري ٣ / ٦٠، وفواتح الرحموت ٢ / ١٧٠، ونهاية السول ٣ / ١٥٦، والبحر المحيط ٤ / ٣٢٥، وشرح السيوطي: ٢٥٢. ٢٣٤ الحديثَ)) (١)، مِنْ أجْلِ أنَّ ابنَ جُرَيْجِ، قالَ: ((لقِيْتُ الزهريَّ فسَألْتُهُ عَنْ هذا الحديثِ فَلَمْ يَعرِفْهُ)) (٢). وكذا حديثُ ربيعَةَ الرأي، عَنْ سُهَيْلِ بنِ (١) هذا حديث رواه: الشافعي في الأم ١٣/٥، والطيالسي (١٤٦٣)، وعبد الرزاق (١٠٤٧٢)، والحميدي (٢٢٨)، وابن أبي شيبة ١٢٨/٤، وأحمد ٤٧/٦ و١٦٥ و٢٦٠، والدارمي (٢١٩٠)، وأبو داود (٢٠٨٣) و (٢٠٨٤)، وابن ماجه (١٨٧٩)، والترمذي (١١٠٢)، وابن الجارود (٧٠٠)، والطحاوي في شرح المعاني ٧/٣، وابن حبان (٧٠٧٤)، والدارقطني ٢٢١/٣، والحاكم ١٦٨/٢، والبيهقي ١٠٥/٧، وابن حزم في المحلى ٤٥١/٩، والبغوي (٢٢٦٢)، كلهم من طريق ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، به . (٢) روى هذا اللفظ عن ابن جريج: أحمد ٦ / ٤٧، والبخاري في التاريخ الكبير ٤ / ٣٨، وفي الضعفاء الصغير (١٤٦)، والطحاوي في شرح المعاني ٣ / ٨، والعقيلي في ضعفائه الكبير ١٤٠/٢ (٦٣٢). وأورده الترمذي في جامعه ٢ / ٣٩٥ عقب (١١٠٢ م) بلفظ آخر، فقال: ((وقد تكلم بعض أصحاب الحديث في حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌ُ﴿ّ. قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره ، فضعّفوا هذا الحديث من أجل هذا)) . فبهذا أصبح عندنا لفظان للزهري في إجابة السائلين له عن هذا الحديث : الأول : عدم التذكر ، وهو قوله : (( فلم يعرفه )) . الثاني : إنكاره أصلاً، وهو قوله: (( فأنكره )) . أما اللفظ الثاني فقد اعترض بعض الناس على ابن الصلاح في تمثيله به ؛ لأن مقتضى هذا اللفظ الإنكار ، وهو خلاف ما نبحث فيه من عدم تذكر الشيخ للحديث لا إنكاره له ؟ وقد أجاب الحافظ العراقي : بـ(( أن الترمذي لم يروه ، وإنما ذكره بغير إسناد، والمعروف في الكتب المصنفة في العلل : ((فلم يعرفه))، كما ذكره المصنف)). التقييد والإيضاح: ١٥٢. وأما الثاني : فقد تفرد بذكر هذا اللفظ عن ابن جريج : إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن عُليّة ، قال ابن معين في تاريخه ٣ / ٨٦ (رواية الدوري): ((ليس يقول هذا إلا ابن عُلية، وابن عُلية عرض كتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد فأصلحها له )) . ونقل الترمذي ٢ / ٣٩٥ عن ابن معين قوله: ((وسماع إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج ليس بذاك، إنما صحّح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ما سمع من ابن جريج . وضعّف يحيى رواية إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن جريج)) . وروى الأثرم عن الإمام أحمد: ((قلت لأبي عبد الله: حديث الولي، الكلام الذي يزيد فيه إسماعيل؟ فَقَالَ: نعم ... لم أسمعه من أحد غيره، وَقَالَ أبو عَبْد الله: إسماعيل إنما سَمِعَ هَذَا بالبصرة، فكيف هَذَا؟ كالمنكر له إن شاء الله، قلت له: فذاك حديث ثبت عندك؟ فقال: ما أدري أخبرك. قال أبو بكر - يعني: الأثرم -: معنى هذا الكلام أن ابن جريج روى عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌ُ ﴿ قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل))، فرواه إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن جريج، فزاد فيه: ((قال ابن جريج: فسألت الزهري عنه فلم يعرفه، فكأنه أنكر هذه الزيادة .= ٢٣٥ أبي صالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: ((أنَّ النبيَّ (١)﴿ قَضَى بشَاهِدٍ وَيَمِيْنِ)) (٢) ، فإنّ ے عَبْدَ العزيزِ بِنَ محمدٍ الدَّرَاوَرْدِيْ قالَ: ((القِيْتُ سُهَيْلاً فسَأَلْتُّهُ عَنْهُ فَلَمْ يَعرِفْهُ)) (٣). = قيل لأبي عبد الله: كان إسماعيل حمل على ابن جريج ، فنفض يده وأنكر ذلك ، وقال: مَن قال هذا؟ كيف وهو قد سمع من ابن جريج ، فقدم مكة فأراد أن يصحح سماعه ، فقال: من أعلم مَن هاهنا بابن جريج؟ فقيل له : عبد المجيد بن أبي رواد، فعرضها عليه)). تاريخ دمشق ٣٧٣/٢٢. وروى ابن أبي حاتم في علله ٤٠٨/١، عن أبيه، عن أحمد إنكاره لوجود هذه الزيادة في حديث ابن جريج. وروى البيهقي في سننه الكبرى ٧ / ١٠٦ بسند صحيح ، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٧٤/٢٢ عن جعفر الطيالسي أنه قال: ((سمعت يحيى بن معين يوهن رواية ابن علية عن ابن جريج، أنه أنكر معرفة حديث سليمان بن موسى ، وقال : لم يذكره عن ابن جريج غير ابن علية ، وإنما سمع ابن علية من ابن جريج سماعاً ليس بذاك )) . وقد تابع ابن جريج في روايته لهذا الحديث ، عن الزهري : حجاج بن أرطاة ، ويزيد بن أبي حبيب ، وقرة ابن حيوئيل ، وأيوب بن موسى ، وابن عيينة ، وإبراهيم بن سعد ، كما ذكر ابن عدي في الكامل ٢٥٦/٤. ورواه عن ابن جريج يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن وهب ، ويحيى بن أيوب، وسفيان الثوري، وعيسى ابن يونس ، ومؤمل بن إسماعيل ، وحجاج بن محمد، وابن أبي روّاد ، وكلهم لم يذكروا ما ذكر ابن علية في حديث ابن جريج ، وقد ساق مروياتهم الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٦٩/٢٢ - ٣٧١ . ومن هذا ندرك أن عدم معرفة الزهري لهذا الحديث لم تثبت عنه ، ولهذا نبّه الحافظ العراقي على سبب تركه التمثيل بهذا المثال في ألفيته وشرحها ٢ / ٥٥، وانظر: التقييد والإيضاح : ١٥٣. (١) في (ب) و (جـ ): ((رسول الله)). (٢) رواه الشافعي في الأم ١٧٩/٢، وأبو داود (٣٦١٠) و (٣٦١١)، وابن ماجه (٢٣٦٨) ، وابن الجلرود (١٠٠٧)، وأبو يعلى ( ٦٦٨٣)، والطحاوي في شرح المعاني ٤ / ١٤٤، وابن حبان ( ٥٠٧٣ )، والدارقطني ٢١٣/٤، والبيهقي ١٦٨/١٠، والبغوي (٢٥٠٣). كلهم من طريق ربيعة ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، به مرفوعاً . (٣) الذي في سنن أبي داود عقب (٣٦١٠) عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي: ((قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة ، وهو عندي ثقة أني حدّثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلاً علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه ، فكان سهيل بعدُ يحدّثه عن ربيعة عنه ، عن أبيه )) . لكن اللفظ الذي ذكره ابن الصلاح هنا قريب جداً من لفظ سليمان بن بلال ، فروى أبو داود (٣٦١١) الحديث من طريق سليمان بن بلال ، عن ربيعة (( قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث ، فقال : ما أعرفه ، فقلت له : إن ربيعة أخبرني به عنك ، قال : فإن كان ربيعة أخبرك عني ، فحدّث به عن ربيعة عني )) . ولعل ابن الصلاح ذكر معنى مشترك بين لفظي سليمان والدراوردي، واقتصر على نسبته إلى الدراوردي. ٢٣٦ والصحيحُ ما عليهِ الجمهُورُ؛ لأنَّ المروِيّ عنهُ بصَدَدِ السَّهْوِ والنِّسْيَانِ (١) والرَّاوي عنهُ ثقةٌ جازٌِ فِلاَ يُرَدُ (٢) بالاحتمال روايتُهُ ، ولهذا كانَ سُهَيْلٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبَيْعَةُ عَنِّي عَنْ أَبِي ، ويسُوقُ الحديثَ . وَقَدْ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الأكَابِرِ أحاديْثَ نَسَوْها بعدَ ما حُدِّثُوا بها عَمَّنْ سَمِعَها منهُمْ ، فَكَانَ أحَدُهُمْ يَقُولُ : حدَّثَنِي فِلاَّنٌ عَنِّي عَنْ فلانِ بكذا وكذا . وجَمَعَ الحافِظُ الخطيبُ ذلكَ فِي كِتَابِ "أخْبَارِ مَنْ حَدَّثَ وَسِيَ" (٣). ولَأَجْلٍ أنّ الإنسانَ مُعَرَّضٌ لِلنِسْيَانِ ؛ كَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنَ العُلَماءِ الرَوَايَةَ عَنِ الأَحْيَاءِ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ◌َّهُ قَالَ لابنِ عَبدِ الحكمِ (٤): ((أَيَّاكَ والروايةَ عَنِ الأحياءِ))(٥)، والله أعلمُ . الثّانيةَ عَشْرَةَ: مَنْ أخَذَ عَلَى التَّحدِيثِ (٦) أجْراً، منعَ ذلِكَ مِنْ قُبُولِ رِوايِهِ عِنْدَ قومٍ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ ، رُوِّيْنَا عَنْ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ (٧) - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ المحدِّثِ يُحَدِّثُ بالأجْرِ؟ فقالَ: ((لاَ يُكْتُبُ عنهُ)) (٨) . (١) اعترض على ابن الصلاح بأن الراوي معرّض أيضاً لذلك ، فينبغي أن يتساقطا ، ويبقى النظر في أحدهما بمرجع خارجي . فأجاب العراقي : بـ(( أن الراوي مثبت جازم، والمروي عنه ليس بناف وقوعه ، بل غير ذاكر، فقدم المثبت عليه )). التقييد : ١٥٤. قلنا : وهذا الجواب هو فحوى كلام ابن الصلاح الآتي . (٢) في (أ): ((ترد)) . (٣) وذكره الذهبي في السير ٢٩٠/١٨ باسم: "مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ"، وقد لَخَّصه السيوطي وسّاه : " تذكرة المؤتسي فيمن حدَّث ونسي ". قال الزركشي في نكته ٤١٥/٣: ((وقبله الدارقطني وضع فيه جزءاً)). وسمّى ابن حجر كتاب الدارقطني " مَنْ حدَّث ونسي". نزهة النظر: ١٦٦ . (٤) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الحكم بن أعين المصري الفقيه، توفي سنة ( ٢٦٨ هـ). انظر: وفيات الأعيان ٤ / ١٩٣، والسير ١٢ / ٤٩٧، وميزان الاعتدال ٣ / ٦١١ . (٥) هو في المدخل للبيهقي كما ذكر غير واحد، ولم نعثر عليه في المطبوع فلعله مما نقص منه. وانظر: مناقب الشافعي له ٢ / ٣٨، والكفاية: (٢٢٢ ت، ١٣٩ هـ)، ونكت الزركشي ٣ / ٤١٦، والتقييد والإيضاح : ١٥٤ - ١٥٥ . (٦) في (جـ): ((الحديث)). (٧) في (أ) و (ب): ((إسحاق بن إبراهيم)) فقط، وكذا في (ع) والتقييد، والمثبت من (جـ) ومحاسن الاصطلاح والشذا الفياح . (٨) رواه الخطيب في الكفاية: (٢٤٠ ت، ١٥٣ - ١٥٤ هـ). ٢٣٧ وعَنْ أحمدَ بنِ حَنَبَلٍ (١)، وأبي حاتِمِ الرازِيّ (٢)، نحوُ ذلكَ. وتَرَخَّصَ أبو نُعَيْمٍ الفضلُ بنُ دُكَينِ (٣) وعليُّ بنُ عبدِ العزيزِ المكْيُّ (٤) وآخرونَ (٥) في أخْذِ العِوَضِ عَلَى التَّحْدِيثِ ، وذَلِكَ شَبِيَةٌ بِأَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيْمِ القرآنِ ونَحْوِهِ ، غَيْرَ أنَّ فِي هَذَا مِنْ حَيْثُ العُرْفُ خَرْماً للمرُوءِةِ، والظُّنُّ يُسَاءُ بفاعِلِهِ إلاّ أنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ يَنْفِي ذَلِكَ عنْهُ، كمثلٍ ما حَدَّثَنِيهُ الشيخُ أبو المظَفِّرِ عَنْ أبيهِ الحافِظِ أبي سَعْدِ السَّمْعانيّ أنَّ أبا الفَضْلِ محمدَ ابنَ ناصِرِ السَّلاَمِيَّ ذَكَرَ أنَّ أبا الحسَيْنِ بِنِ الَّقُورِ (٦) فَعَلَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الشيْخَ أبَا إِسْحاقَ الشِّيرازيَّ أفتاهُ بجوَازِ أخْذِ الأُخْرَةِ عَلَى النَّحْدِيْثِ ؛ لأنَّ أصحابَ الحديثِ كَانُوا يَمْتَعُونَهُ عَنِ الكَسْبِ لِعِيَالِهِ (٧)، واللهُ أعلمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لاَ تُقْبَلُ روَايَةُ مَنْ عُرِفَ بالتَّسَاهُلِ فِي سَمَاعِ الحديثِ أوْ إسْماعِهِ كَمَنْ لاَ يُبَالِي بِالنَّوْمِ فِي مْلِسِ السَّماءِ (٨) ، وكَمَنْ يُحَدِّثُ لاَ مِنْ أصلٍ مُقَابَلٍ صحيحٍ . (١) انظر: الكفاية : (٢٤٠ ت، ١٥٣ - ١٥٤ هـ ) . (٢) انظر: المصدر السابق ، مع نكت الزركشي ٣ / ٤١٧. (٣) رواه عنه الخطيب في الكفاية: (٢٤٣ ت، ١٥٥ هـ). (٤) انظر : المصدر السابق . (٥) منهم: مجاهد، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي. انظر: الكفاية: (٢٤٣-٢٤٤ ت، ١٥٥-١٥٦ هـ)، وانظر : بحثاً نفيساً في استدلال بعضهم على جواز هذا بفعل أبي بكر ، وردّ ابن الجوزي عليهم كما في نكت الزركشي ٣ / ٤١٨ . (٦) هو أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي البزار، مولده سنة (٣٨١ هـ)، ووفاته سنة (٤٧٠ هـ). انظر: تاريخ بغداد ٣٨١/٤، والمنتظم ٣١٤/٨، وسير أعلام النبلاء ٣٧٣/١٨. (٧) انظر: تاريخ بغداد ٤ / ٣٨١، والمنتظم ٨ / ٣١٤، وسير أعلام النبلاء ١٨ / ٣٧٤. (٨) قيّد الزركشي بالنوم الذي يطغى على العقل، أما النعاس الذي لا يختل معه فهم الكلام ، فلا بأس به لا سِيّما إذا صدر من فطن عالم بهذا الشأن. انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٢٣ . واستدل بما حكاه الحافظ ابن كثير عن شيخه الحافظ أبي الحجاج المزي ، أنه كان : يكتسب في مجلس السماع ، وينعس في بعض الأحيان ، ويردّ على القارئ ردّاً جيّداً بيّناً واضحاً ، بحيث يتعجب القارئ من نفسه، أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ والشيخ ناعس، وهو أنبه منه !! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. انظر : اختصار علوم الحديث ١ / ٣٤٠ - ٣٤١ . ٢٣٨ ومِنْ هَذَا القَبِيلِ مَنْ عُرِفَ بِقَبُولِ الْتَلْقِيْنِ (١) في الحديثِ (٢) ، ولاَ تُقْبَلُ روايةُ مَنْ كَثُرَتِ الشَّواذُ والمناكِيْرُ في حديثِهِ . جَاءَ عَنْ شُعْبَةَ: أَنَّهُ قالَ: ((لاَ يَجِيْئُكَ الحديثُ الشَّاذُّ إِلَّ مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِ)) (٣). ولاَ يُقْبَلُ روايةُ مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ في رواياتِهِ إذا لَمْ يُحَدِّثْ مِنْ أَصْلٍ صحيحٍ (٤)، وكُلُّ هذا يَخْرِمُ الثقةَ بالراوي وبضبْطِهِ . (١) التلقين - كما عرّفه الحافظ العراقي - : هو أن يُلَقِّنَ الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه . شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٥٩ . وانظر عن التلقين وأسبابه وحكمه: النفح الشذي ١ / ٣٢٣، وسير أعلام النبلاء ٢١٠/١٠، والنكت الوفية: ٢٣٢ / ب، وفتح المغيث ١/ ٣٨٥، وتدريب الراوي ٣٣٩/١، وتوضيح الأفكار ٢/ ٢٥٧، وتوجيه النظر ٢ / ٥٧٣، وأثر علل الحديث : ١٢٠. (٢) وسبقه إلى نحو هذا الحكم أبو محمد بن حزم في الإحكام ١ / ١٤٢، فقال: (( ومن صح أنه قبل التلقين -ولو مرة- سقط حديثه كله ؛ لأنه لم يتفقه في دين الله عزوجل ولا حفظ ما سمع)). وكذا الحافظ ابن القطان الفاسي ، فقد نقل الزركشي عنه ٣ / ٤٢٤ أنه قال: ((التلقين عيب يسقط الثقة لمن اتصف به ، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدّث تجربة لحفظه وضبطه وحذقه )) . وأسند الخطيب البغدادي في الكفاية : (٢٣٤ - ٢٣٥ ت، ١٤٩ هـ ) عن أبي الأسود أنه قال : إذا سرّك أن تكذب صاحبك فلقنه )) . وعن سلمة بن علقمة أنه قال : ((إذا سرّك أن تكذب أخاك فلقنه)). وقد نازعهم في إطلاق القول بردّ حديث المتلقن الحافظ العلامة ابن دقيق العيد في شرح الإلمام ، فيما نقله الزركشي في نكته ٣ / ٤٢٤، فقال: ((مطلق التلقين والإجابة ليس دليلاً على اختلاف حال الراوي، فقد يلقنه الناقل ما لا علم له به، فيجيبه بالصواب عنده، وربما يتحققه . وليس تقدم تلقينه بالدليل على مجازفته في جوابه . نعم ... التلقين الباطل إذا عرف بطلانه، فأجاب الملقّن بما عرف بطلانه كان دليلاً على مجازفته لا على تعمده الكذب ، فالكذب منه يقيناً يتوقف على أن يثبت أنه لُقّن الباطل الذي عرف بطلانه فأجاب به ، وأما الإجابة بما يلقن به من غير تحقيق إفادة ، فإنما يجعله قدحاً بطريق التهمة أو بقرينة شهرت بالمجازفة وعدم التثبت )). (٣) أسنده ابن عدي في الكامل ١ / ١٥١، والخطيب في الكفاية: (٢٢٤ ت، ١٤١ هـ ). (٤) وضّح الزركشي في نكته ٣ / ٤٢٥ - ٤٢٦ هنا أمرين : = ٢٣٩ : ووَرَدَ عَنِ ابْنِ المَبَارَكِ (١)، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ (٢)، والْحُمَيْدِيِّ (٣) ، وغَيْرِهِمْ أنّ مَنْ غَلِطَ في حديثٍ وبُيِّنَ لَهُ غَلَطُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ عنهُ وأصَرَّ على روايةِ ذلكَ الحديثِ سَقَطَتْ رواياتُهُ ، وَلَمْ يُكْتَبْ عنهُ (٤) . وفي هذا نَظَرٌ (٥)، وهو غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إذا ظَهَرَ أنّ ذلكَ منهُ عَلَى جِهَةِ (٦) العِنادِ أو نحوِ ذلكَ (٧) ، والله أعلمُ . - الأول : أنه لم يرتضِ إطلاق ابن الصلاح الحكم بالردّ ، فقال: (( ينبغي تقييده بما إذا لم تكن قرينة تزيل الريبة عن روايته وإلا فتقبل )). الثاني : أشار إلى أن ظاهر كلام ابن الصلاح أن المحدّث إذا حدّث من أصل صحيح فلا مبالاة بكثرة سهوه ، حيث الاعتماد عندها على أصله لا على حفظه ، وبنحوه ثاني الأمرين ، قال الشافعي في الرسالة : ٣٨٢ (١٠٤٤)، وأسنده الخطيب عنه في الكفاية: (٢٢٨ ت، ١٤٤ هـ)، وبه جزم العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٦٠ . (١) رواه عنه الخطيب في الكفاية: (٢٢٧ ت، ١٤٣ هـ). (٢) رواه عنه الخطيب: ( ٢٢٨ ت، ١٤٤ هـ ). (٣) أسنده الخطيب عنه في الكفاية: ( ٢٢٨ ت، ١٤٤ هـ ). (٤) كما روى الخطيب في الكفاية : ( ٢٣٧ ت، ١٥١ هـ ) عن أبي حاتم الرازي، قال: ((دخلت الكوفة فحضرني أصحاب الحديث ، وقد تعلقوا بورّاق سفيان بن وكيع ، فقالوا : أفسدت علينا شيخنا وابن شيخنا ، قال فبعثت إلى سفيان بتلك الأحاديث التي أدخلها عليه ورّقه يرجع عنها ، فلم يرجع عنها فتركته )) . (٥) قال محقق المقنع ١ / ٢٨١: ((يشير ابن الصلاح بهذا إلى أنه قد يوجد هذا الوصف في الثقات، يُبَيَّن خطؤهم فلا يرجعون لتيقنهم من صحة حفظهم ، كما وقع لمالك - رحمه الله - في روايته عن عُمَرَ بن عثمان، وغيره يقول: عَمْرو بن عثمان، فَبِيِّنَ له فلم يرجع ، كما تقدم في نوع المنكر)). (٦) في (جـ): ((على وجه)). (٧) قال العراقي: ١٥٦ - ١٥٧: (( ما ذكره المصنف بحثاً قد نص عليه أبو حاتم بن حبان، فقال: ((إن من بيّن له خطؤه وعَلِمَ ، فلم يرجع وتمادى في ذلك كان كذاباً بعلم صحيح)). فقيّد ابن حبان ذلك بكونه عَلِمَ خطأه ، وإنما يكون عنادا إذا علم الحق وخالفه . وقَيَّد أيضاً بعض المتأخرين ذلك : بأن يكون الذي بيّن له غلطه عالماً عند المبين له ، أما إذا كان ليس بهذا المثابة عنده ، فلا حرج إذن )) . ٢٤٠