Indexed OCR Text
Pages 181-200
= والراجح رواية الفريابي وقبيصة ؛ لأن العدد أولى أن يسلّم له بالصواب ؛ ولأن عبد الرزاق ضُعِّفَ
بالاختلاط ، ومن الراجح أن سماع ابن زنجويه كان بعده ، فلعلّ بعض الرواة حمل رواية الثوري على رواية
ابن أبي ليلى، ومن هنا قال ابن حجر: (( يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ
عبيد الله)). فتح الباري ٣ / ٣٧٠ .
ومن هذا يظهر أن هذه الزيادة في حديث سفيان الثوري عن عبيد الله غير محفوظة ، والصحيح أنه روى
الحديث كسائر أصحاب عبيد الله بن عمر من غير زيادة .
٢- كثير بن فرقد: عند الدارقطني ١٤٠/٢، والحاكم ٤١٠/١، والبيهقي ١٦٢/٤، وابن عبد البر ٣١٩/١٤.
٣- عبد الله بن عمر: عند عبد الرزاق (٥٧٦٥)، وأحمد ٢ / ١١٤، والدارقطني ٢ / ١٤٠. وكذا ابن
الجارود في المنتقى (٣٥٦)؛ لكن وقع فيه تحريف، فوقع فيه ((عبيد الله)) مصغراً.
٤- ابن أبي ليلى: عند الدارقطني ١٣٩/٢. ورواه عبد الرزاق (٥٧٦٣) عنه وعن الثوري مقرونين . ورواه
الطحاوي في شرح المعاني ٢ / ٤٤ من طريق يحيى بن عيسى الفاخوري عن ابن أبي ليلى ، وليس فيه
الزيادة .
٥- يونس بن يزيد : عند الطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٧)، وفي شرح المعاني ٢ / ٤٤، وابن عبد البر
١٤ / ٣١٩.
٦- المعلى بن إسماعيل: عند ابن حبان ( ٣٢٩٣)، والدارقطني ٢ / ١٤٠.
٧- عمر بن نافع: عند البخاري ٢ / ١٦١ (١٥٠٣)، وأبي داود (١٦١٢)، والنسائي ٥ / ٨٤ ،
والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٦)، وابن حبان (٣٣٠٣)، والدارقطني ١٣٩/٢، والبيهقي ١٦٢/٤،
والبغوي ( ١٥٩٤ ).
٨- أيوب بن أبي تميمة السختياني: عند ابن حبان (٢٤١١)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٧).
٩- الضحاك بن عثمان: عند مسلم ٣ / ٦٩ (٩٨٤ ) (١٦).
قال الدارقطني في السنن ٢ / ١٣٩: ((وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحي، عن عبيد الله بن
عمر، وقال فيه : (( من المسلمين)). وكذلك رواه مالك بن أنس والضحاك بن عثمان ، وعمر بن نافع
والمعلى بن إسماعيل وعبد الله بن عمر العمري وكثير بن فرقد ويونس بن يزيد ، وروى ابن شوذب عن
أيوب عن نافع كذلك)).
وبهذا تبين أن الإمام مالكاً لم ينفرد بهذه الزيادة ، وإن لم يكن مَنْ تابعه يبلغ مرتبةً في الحفظ والإتقان ، إلا
أن دعوى التفرد لا تصح في كل حال. وقد قال الإمام أحمد: ((كنت أتهيب حديث مالك (( من
المسلمين )) يعني : حتى وجدته من حديث العمريين ، قيل له: أمحفوظ هو عندك ((من المسلمين))؟ قال:
(( نعم)). شرح علل الترمذي ٢ / ٦٣٢ . والله أعلم.
١٨١
فأخذَ بها غيرُ واحِدٍ مِنَ الأئمَّةِ واحتجُّوا بها، منهم: الشافعيُّ وأحمدُ مِ ◌ّن،
والله أعلمُ .
ومِنْ أَمْثِلَةِ ذلكَ: حديثُ: ((جُعِلَتْ لَنا (١) الأرضُ مَسجدً وجُعِلَتْ تُرِبَتُها لنا
طَهُوراً)). فهذه الزيادةُ تفَرَّدَ بها أبو مالكٍ سعدُ بنُ طارقِ الأشجعيُّ (٢). وسائرُ الروايات
لَفِظُهَا: (( وجُعِلَّتْ لنا الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً)) (٣) . فهذا وما أشبهَهُ يُشْبهُ القسمَ الأَوْلَ
(١) في (ب ): ((لي)).
(٢) أخرجه: الطيالسي (٤١٨)، وابن أبي شيبة ٤٣٥/١١، وأحمد ٣٨٣/٥، ومسلم ٦٣/٢ (٥٢٢)
(٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٢٢)، وابن خزيمة (٢٦٣) و (٢٦٤)، وأبو عوانة ٣٠٣/١ ، وابن
حبان (١٦٩٧) و (٦٤٠٠)، والبيهقي ١ / ٢١٣ .
(٣) فهو مروي من حديث عدة من الصحابة منهم :
١- جابر بن عبد الله ، عند :
ابن أبي شيبة ١٥٧/١، وأحمد ٣/ ٣٠٤، والدارمي (١٣٩٦)، والبخاري ٩١/١ (٣٣٥) و١١٩/١
(٤٣٨)، ومسلم ٢ / ٦٣ (٥٢١)، والنسائي ١ / ٢٠٩ و٢ /٥٦، وفي الكبرى (٨١٥). من
طريق سيار أبي الحكم ، عن يزيد الفقير ، عن جابر .
٢- عبد الله بن عباس ، عند :
ابن أبي شيبة ١ / ١٥٧، وأحمد ١ / ٢٥٠ و٣٠١، وعبد بن حميد (٦٤٣).
٣- أبو موسى الأشعري ، عند :
أحمد ٤ / ٤١٦ .
٤ - أبو ذر الغفاري ، عند :
أحمد ٥ / ١٤٥ و ١٤٧، والدارمي (٢٤٧٠)، وأبي داود ( ٤٨٩).
٥- أبو هريرة ، عند :
أحمد ٢ / ٤١١، ومسلم ٢ / ٦٤ (٥٢٣)، والترمذي ( ١٥٥٣)، وابن ماجه (٥٦٧).
٦ - ابن عمر ، عند :
البزار (٣١١ )، والطبراني في الكبير (١٣٥٢٢).
وغيرهم . وانظر : شرح السيوطي ١٨٨ - ١٨٩، وأثر علل الحديث ١٦٤ - ٢٦٥ .
تنبيه: ((هذا التمثيل ليس بمستقيم أيضاً؛ لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش شـ
كما تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة . فإن أراد أن لفظة ((تربتها)) زائدة في هذا الحديث على
باقي الأحاديث في الجملة ، فإنه يُرَدُّ عليه: أنها في حديث علي ◌َّه أيضاً ... وإن أراد: أن أبا مالك
تفرَّد بها، وأن رفقته عن ربعي ﴿له لم يذكروها كما هو ظاهر كلامه، فليس بصحيح)). نكت ابن
حجر ٢ / ٧٠٠ - ٧٠١ .
١٨٢
مِنْ حيثُ إنَّ ما رواهُ الجماعةُ عامٌّ ، وما رواهُ المنفردُ بالزيادة مخصوصٌ ، وفي ذلكَ مغايرةٌ
في الصفةِ ونوعٌ مِنَ المخالفةِ يختَلِفُ بها الحكمُ . ويُشْبهُ أيضاً القسمَ الثاني مِنْ حيثُ إنّهُ لا
منافاةَ بينَهُما .
وأمَّا زيادةُ الوصلِ معَ الإرسالِ ، فإنّ بينَ الوصلِ والإرسالِ مِنَ المخالفةِ نحوَ ما
ذكرناهُ ، ويزدادُ ذلكَ بأنّ الإرسالَ نوعُ قَدْحٍ في الحديثِ ، فترجيحُهُ وتقديمُهُ مِنْ قَبِيلِ
تقديمِ الجرحِ على التعديلِ ، ويجابُ عنهُ: بأنَّ الجرحَ قُدِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ زيادةِ العِلْمِ،
والزيادةُ هاهنا معَ مَنْ وَصَلَ ، والله أعلمُ (١).
النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَر
مَعْرِفَةُ الأَفْرَاد (٢)
(١) ((ما قاله النسائي وغيره من أن من أرسل معه زيادة علم على من وصل؛ لأن الغالب في الألسنة الوصل ،
فإذا جاء الإرسال، عُلِم أن مع المرسل زيادة علم ، وقد رجحه ابن القطان وغيره . معارض بأن الإرسال
نقص في الحفظ ، وذلك لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان فتبين أن النظر الصحيح : أن زيادة
العلم إنما هي مع من أسند )). محاسن الاصطلاح : ١٩١ .
(٢) الأفراد - بفتح الهمزة - : جمع فرد .
قال الميانشي: ((الفرد: هو ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ)).
ما لا يسمع المحدّث جهله : ٢٩
وعرَّفه الدكتور المليباري ، فقال : ((يراد بالتفرد: أن يروي شخص من الرواة حديثاً دون أن يشاركه
الآخرون ، وهو ما يقول فيه المحدّثون النقّاد: ((حديث غريب))، أو: ((تفرَّد به فلان))، أو : ((هذا
حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه))، أو: (( لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان))، أو نحو
ذلك)) . الموازنة بين منهج المتقدمين والمتأخرين : ١٥ .
قلنا : وما ذكره الدكتور المليباري أعم من التعريف الأول وأدق ؛ لأنه يشمل الثقة وغيره ، وأما تعريف
الميانشي فهو أخص ، وهو المراد في البحث هنا ؛ لأن تفرد الضعيف لا يعتد به أساساً ما لم يتابع .
قال الزركشي ٢ / ١٩٨: (( وفيه صنّف الدارقطني كتاب الأفراد ، ويستعمله الطبراني في معجمه الأوسط
كثيراً، ويحتاج لاتساع الباع في الحفظ ، وكثيراً ما يدّعي الحافظ التفرّد بحسب علمه، ويطلع غيره على
المتابع )) . =
١٨٣
وقدْ سَبَقَ بيانُ المهمِّ مِنْ هذا النوعِ في الأنواعِ التي تليهِ قبلَهُ ، لكنْ أفردتُّهُ بترجمةٍ
كما أفردَهُ الحاكمُ أبو عبد الله (١) ، ولما بَقِيَ منهُ .
فنقولُ: الأفرادُ منقسمةٌ إلى ما هوَ فَرْدٌ مطلقاً، وإلى ما هوَ فَرْدٌ بالنِّسْبَةِ (٢) إلى
جهةٍ خاصَّةٍ (٣) .
أمَّا الأوَّلُ: فهوَ ما ينفردُ بهِ واحدٌ عَنْ كلِّ أحدٍ ، وقدْ سبقتْ (٤) أقسامُهُ وأحكامُهُ
قريباً .
= وقال ابن حجر ٢ / ٧٠٨: ((من مظان الأحاديث الأفراد مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد
ذلك وبيانه ، وتبعه أبو القاسم الطبراني في " المعجم الأوسط " ، ثم الدارقطني في كتاب " الأفراد" ، وهو
ينبئ عن اطلاع بالغ ويقع عليهم التعقيب فيه كثيراً بحسب اتساع الباع وضيّقه أو الاستحضار وعدمه ،
وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه فقد تتبع العلاّمة مغلطاي على الطبراني في جزء
مفرد )) .
وانظر في الأفراد :
معرفة علوم الحديث: ٩٦، وجامع الأصول ١٧٥/١، والإرشاد ٢٣٢/١-٢٣٣، والتقريب : ٧٣ -
٧٤، والمنهل الروي: ٥١، والخلاصة : ٤٨، واختصار علوم الحديث: ٦١، وشرح التبصرة والتذكرة
٣٥٧/١، ونزهة النظر: ٧٨، والمختصر: ١٢١، وفتح المغيث ٢٠٥/١، وألفية السيوطي: ٤٢ - ٤٣،
وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٩٠، وفتح الباقي ٢١٧/١، وتوضيح الأفكار ٧/٢، وظفر
الأماني : ٢٤٢، وقواعد التحديث : ١٢٨.
(١) معرفة علوم الحديث : ٩٦ .
(٢) في (أ): ((من النسبة)).
(٣) اعترض العلامة مغلطاي على ابن الصلاح ، بأنه ذكر أنه تابع للحاكم في تقسيمه ، والحاكم إنما قسمه إلى
ثلاثة أقسام ، فكان عليه أن يتابعه على هذا أيضاً .
وقد أجاب ابن حجر في نكته ٢ / ٧٠٣ - ٧٠٩ بجواب طويل ، فانظره فإنه مهمّ .
تنبيه : للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي تقسيم آخر للأفراد ، ذكره في مقدمة ترتيبه لأطراف
الغرائب والأفراد للدار قطني ٥٣/١، ومن أمعن فيها النظر وجدها راجعة في حقيقتها إلى ما ذكره
المصنّف .
(٤) في ( أ): ((سقت)) .
١٨٤
وأمَّا الثاني: وهوَ ما هُوَ فَرْدٌ بالنسبةِ، فمثلُ ما ينفردُ بهِ ثقةٌ عَنْ كلّ ثقةٍ (١).
وحكمُهُ قريبٌ مِنْ حكمِ القسمِ الأَوَّلِ، ومثلُ ما يقالُ فيهِ : ((هذا حديثٌ تفرَّدَ بهِ أهلُ
مكّةَ (٢)، أو تفرَّدَ بهِ أهلُّ الشامِ (٣)، أَوَ أهلُ الكوفةِ (٤)، أو أهلُ خُراسانَ (٥) عَنْ غِيرِهِم ،
أو لَمْ يروِهِ عَنْ فلانٍ غيرُ فلانٍ (٦) ، وإنْ كانَ مرويّاً مِنْ وجوهِ عنْ غيرِ فلانٍ ، أو تفرَّدَ بهِ
(١) مثاله: ما أخرجه البخاري ٢ / ٣٢ (١٠٠٢)، ومسلم ٢ / ١٣١ (٦٧٧) (٣٠١).
من طريق عاصم الأحول ، قال : سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة ، قال : نعم ، قلت : قبل
الركوع أو بعده ؟ قال : قبله )) .
قال الزركشي ٢ / ٢٠١ : ((فعاصم ثقة، وقد تفرد عن سائر الرواة عن أنس في موضع القنوت ، قال
الأثرم: قلت لأحمد: يقول أحد في حديث أنس إن النبي ◌ُّ قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟
فقال : ما علمت أحداً يقوله غيره )).
(٢) مثاله: ما رواه الحاكم في المعرفة: ٩٨ من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن رسول الله و﴿ خرج
من عندها فقالت : يا رسول الله خرجت ... الحديث .
قال الحاكم : (( هذا حدیث تفرد به أهل مكة ، وليس في رواته إلا مكي)).
(٣) مثاله : ما رواه الحاكم في المعرفة: ٩٨ من طريق ابن أنعم ، عن عبد الرحمان بن رافع ، عن ابن عمرو ،
عن النبي ◌َ أنه قال لأصحابه: (( ألا إنه ستفتح عليكم أرض العجم ... الحديث)).
قال الحاكم : (( تفرد بذكر تحريم الحمامات على النساء أهل الشام بهذا الإسناد)).
(٤) مثاله: ما رواه الحاكم في المعرفة : ٩٧ من طريق شريك عن أبي الحسناء ، عن الحكم بن عتيبة، عن
حنش ، قال : كان علي ◌ُّبه يضحي بكبشين ... الحديث .
قال الحاكم : ((تفرد به أهل الكوفة من أول الإسناد إلى آخره لم يشركهم فيه أحد)).
(٥) مثاله ما رواه الحاكم في المعرفة: ٩٨ - ٩٩ عن عبد الله بن بريدة، عن أبي بريدة، عن النبي ◌ُ ﴿ قال:
القضاء ثلاثة ... الحديث .
قال الحاكم : ((هذا حديث تفرد به الخراسانيون، فإن رواته عن آخرهم مراوزة)).
(٦) مثاله : ما رواه الترمذي (٣٤٨٦) من طريق حماد بن عيسى الجهني ، عن حنظلة بن أبي سفيان ، عن
سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن عمر ابن الخطاب، قال: كان رسول الله ێ# إذا رفع يديه في
الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه .
قال الترمذي : ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به )).
وقال البزار في مسنده (١٢٩): ((هذا الحديث إنما رواه عن حنظلة حماد بن عيسى ، وهو لين الحديث ،
وإنما ضعف حديثه بهذا الحديث ولم نجد بدا من إخراجه ، إذ كان لا يروى إلا بهذا الإسناد أو من وجه
آخر دونه )» .
١٨٥
البصريونَ عَنِ المدنِّينَ (١) ، الخُرَاسانُّونَ عَنِ المكِينَ)) (٢)، وما أشبهَ ذلكَ. ولسْنا نُطَوِّلُ
بأمثلةِ ذلكَ فإنّهُ مفهومٌ دونَها . وليسَ في شيءٍ مِنْ هذا ما يقتضي الحكمَ بضَعْفِ الحديثِ
إلاّ أنْ يُطلِقَ قائلٌ قولَهُ: ((تفرَّدَ بهِ أهلُ مكّةَ، أو تفرَّدَ بهِ البصريونَ عَنِ المدنِّينَ)) ، أو
نحوَ ذلكَ، على ما لَمْ يروِهِ إلاّ واحدٌ مِنْ أهلِ مكّةً أو واحدٌ مِنَ البصرِيِّينَ ونحوُهُ ،
ويُضيفُهُ إليهم كما يُضافُ فعلُ الواحدِ مِنَ القبيلةِ إليها مَحَازاً، وقد فَعَلَ الحاكمُ (٣) أبو
عبدِ اللهِ هذا فيما نحنُ فيهِ ، فيكونُ الحكمُ فيهِ على ما سَبَقَ في القسمِ الأوّلِ ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ الثَّمِنَ عَشَرَ
مَعْرِفَةُ الْحَدِيْثِ الْمُعَلَّل (٤)
ويُسَمِّيهِ أهلُ الحديثِ (٥): ((المعلولَ)) ، وذلكَ منهم ومِنَ الفقهاءِ في قولِهِم في بابِ
القياسِ : ((العلّةُ والمعلولُ)) ، مرذولٌ عندَ أهلِ العربيةِ واللُّغَةِ (٦).
(١) مثاله حديث عائشة مرفوعاً: ((كلوا البلح بالتمر ... )) المتقدم في نوع المنكر ، فإن أبا زكير بصري وقد
تفرد بهذا عن هشام بن عروة وهو مدني .
قال الحاكم : (( تفرد به أبو زكير عن هشام بن عروة، وهو من أفراد البصريين عن المدنيين)). معرفة
علوم الحديث : ١٠١ .
(٢) مثاله ما رواه الحاكم في المعرفة: ١٠١ من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعاً قال :
يقول الله عزوجل للدنيا : يا دنيا اخدمي من خدمني وأتعبي يا دنيا من خدمك)). قال الحاكم : ((هذا
حديث من أفراد الخراسانيين عن المكيين )) .
(٣) انظر : معرفة علوم الحديث : ٩٦ وما بعدها .
(٤) انظر في الحديث المعلل :
معرفة علوم الحديث: ١١٢، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ٢٣٤ - ٢٤٨، والتقريب : ٧٥ - ٧٧ ،
والمنهل الروي : ٥٢، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحديث: ٦٣، وشرح
التبصرة والتذكرة ١ / ٣٦٣، ونزهة النظر: ١٢٣، والمختصر: ١٣٤، وفتح المغيث ١ / ٢٠٩ ،
وألفية السيوطي : ٥٥ - ٦٦، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٩٢، وفتح الباقي ١ / ٢٢٤،
وتوضيح الأفكار ٢٥/٢، وظفر الأماني: ٣٦٣، وقواعد التحديث: ١٣١، وراجع كتاب: أثر علل
الحديث في اختلاف الفقهاء .
(٥) كالترمذي وابن عدي وأبي يعلى والدارقطني والحاكم والخليلي وغيرهم. انظر: فتح المغيث ١/ ٢١٠،
وتدريب الراوي ١ / ٢٥١ .
(٦) وقد تبعه النووي، فقال: ((إنه لحن))، واعتُرِض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة . =
١٨٦
:
اعْلَمْ أنّ معرفةَ علَلِ الحديثِ مِنْ أجلّ علومِ الحديثِ وأدقّها وأشرفِها، وإنَّما يَضْطَلِعُ (١)
بذلكَ أهلُ الحِفْظِ والخِيْرَةِ والفَهْمِ الثَّاقِبِ (٢) ، وهي عبارةٌ عَنْ أسبابِ خفيَّةٍ غامِضَةٍ (٣)
قادحَةٍ فیهِ .
فالحديثُ المعلِّلُ: هو الحديثُ الذي اطُلِعَ فيهِ على عِلَّةٍ تَقدَحُ في صحَّتِهِ مَعَ أنْ
ظاهِرَهُ السلامةُ منها (٤) .
ويتطرَّقُ ذلكَ إلى الإسنادِ الذي رجالُهُ ثقاتٌ ، الجامعِ شروطَ الصِّحَّةِ مِنْ حيثُ
الظاهِرُ . ويُسْتَعانُ على إدراكِها بتَفَرُّدِ الراوي، وبمخالفةٍ غيرِهِ لهُ، معَ قرائِنَ (٥) تنضَمُّ إلى
= قلنا : حكاية بعض أهل اللغة له غير مخرج له عن كونه ضعيفاً ، لا سيما وقد أنكره غير واحد من
اللغويين كابن سيده والحريري وغيرهم .
قال العراقي: والأجود أن يقال فيه: مُعَلّ - بلام واحدة - لا معلّل، ثم ذكر سبب ذلك. التقييد:
١١٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٦٤.
وانظر في مباحثات التسمية : نكت الزركشي ٢ / ٢٠٤، ومحاسن الاصطلاح ١٩٤، والنكت الوفية
١٥٩ / أ، وفتح المغيث ١ / ٢٢٤، وتدريب الراوي ١ / ١٣٤، وتوضيح الأفكار ٢ / ٢٥، وأثر علل
الْحَدِيْث : ١١، والحديث المعلل للدكتور خليل ملا خاطر : ١١ .
(١) جاءت في نسخة (أ) حاشية نصها: ((يضطلع: تضلع امتلأ رياً حتى بلغ الماء أضلاعه))، والمراد هنا:
الامتلاء من هذا العلم . وانظر : اللسان ٨ / ٢٢٩.
(٢) أسند الحاكم في المعرفة ١١٣ عن أبي زرعة الرازي ، أن رجلاً قال له : ما الحجة في تعليلكم الحديث ؟
قال : الحجة أن تسألنى عن حديث له علة فأذكر علته ، ثم تقصد ابن وارة - يعني : محمد بن مسلم بن
وارة - وتسأله عنه ، ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه ، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله ، ثم تميّز
كلام كلِّ منّا على ذلك الحديث ، فإن وجدت بيننا خلافاً في علته ، فاعلم أن كلاّ منّا تكلّم على مواده،
وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم ، قال : ففعل الرجل فاتفقت كلمتهم عليه ، فقال :
أشهد أن هذا العلم إلهام» .
(٣) ليست في ( م).
(٤) قال الحاكم: ١١٢-١١٣: (( وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح
ساقط واه ، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدّثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه ، فيصير
الحديث معلولاً، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير)). وانظر: نكت ابن حجر ٧١٠/٢ .
(٥) قال الزركشي ٢ / ٢٠٩: ((اعلم أن للمحدثين أغراضاً في صناعتهم احتاطوا فيها لا يلزم الفقهاء
اتباعهم على ذلك)) . =
١٨٧
ذلكَ تُنَّهُ العارِفَ بهذا الشأن على إرسال في الموصولِ ، أو وَقْفٍ في المرفوعِ، أو دُخُولِ
حديثٍ في حديثٍ ، أو وَهَمٍ واهِمٍ بغيرِ ذلكَ بحيثُ يَغْلِبُ على ظنِّهِ ذلكَ ، فَيَحْكُمُ بهِ أو
يتردّدُ فَيَتَوَقَّفُ فيهِ ، وكلُّ ذلكَ مانعٌ مِنَ الحكمِ بصحَّةٍ ما وُجِدَ ذلكَ فيهِ .
وكثيراً ما يُعَلّلُونَ الموصولَ بالمرسلِ ، مثلُ أنْ يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ موصول ،
ويجيءَ أيضاً بإسنادٍ منقطِعٍ أقوى مِنْ إسنادِ الموصولِ (١)، ولهذا اشتَمَلَتْ كُتُبُ عِلَل
الحديثِ على جَمْعِ (٢) طُرُقِهِ . قالَ الخطيبُ أبو بكر : ((السبيلُ إلى معرفةٍ عِلَّةِ الحديثِ:
أنْ يُحْمَعَ بِينَ طُرُقِهِ ، ويُنْظَرَ في اختلافِ رُوَاتِهِ، وَيُعْتَبَرَ بمكانِهِمْ (٣) مِنَ الحِفْظِ ،
ومنزلتِهِم في الإتقانِ والضبطِ» (٤)، ورُوِيَ عَنْ عليٍّ بنِ المدينيِّ قالَ: ((البابُ إذا لَمْ
تُحْمَعْ (٥) طرقُهُ لَمْ يُتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ)) (٦).
ثُمَّ قَدْ تقعُ العِلَّهُ في إسنادِ الحديثِ - وهو الأكثرُ -، وقدْ تقعُ في متنِهِ (٧)، ثُمَّ ما
يقعُ في الإسنادِ قَدْ يقدحُ في صحَّةِ الإِسنادِ والمتنِ جميعاً، كما في التعليلِ بالإرسالِ
والوقْفِ ، وقدْ يَقدحُ فِي صِحَّةِ الإسنادِ خاصَّةً من غيرٍ قَدْحٍ في صِحَّةِ المتنِ .
= قلنا : أشار الزركشي هنا إلى أن كثيراً من تعليلات المحدّثين لا تمشي على قواعد الفقهاء، وقد سبقه إلى
نحوه العلامة ابن دقيق العيد في الاقتراح: ١٥٤، فقال: ((كثير من العلل التي يعلل بها المحدّثون الحديث
لا تجري على أصول الفقهاء )).
(١) (( ليس هذا من قبيل المعلول على اصطلاحه - وإن كانت علة في الجملة - إذ المعلول على اصطلاحه
مقيد بالخفاء ، والإرسال أو الانقطاع ليست علتها خفية)). نكت ابن حجر ٢ / ٧٤٥ .
(٢) في (جـ) و (م): ((جميع)).
(٣) في (أ): (( مكانهم)).
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢ / ٢٩٥.
(٥) في (ب) و (جـ): ((يجمع)) .
(٦) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٢١٢ .
وفيه أيضاً : عن الإمام أحمد بن حنبل: (( الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسّر بعضه
بعضاً))، وقال ولد المصنف في طرح التثريب ٧ / ١٨١: ((والحديث إذا جمعت طرقه تبين المراد منه،
وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات )) .
(٧) إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصّه وقد تستلزم القدح في المتن .
وكذا القول في المتن ، فالأقسام على هذا ستة)). نكت ابن حجر ٧٤٦/٢. ومن ثم مثّل لكل قسم .
١٨٨
فَمِنْ أمثلةِ ما وقَعَتِ العِلَّةُ في إسنادِهِ مِنْ غيرٍ قَدْحٍ في المتنِ : ما رواهُ الثّقَةُ يَعْلَى بِنُ
عُبَيْدٍ (١)، عَنْ سُفيانَ الثوريّ ، عَنْ عمٍو بنِ دينارٍ ، عَنِ ابنِ عُمَرَ ، عَنِ النبيِّ: ﴿ قالَ:
(( الْبِيِّعَانِ بالخِيارِ ... الحديثَ)). فهذا إسنادٌ مَّصِلٌّ بنقلِ العدلِ عَنِ العدْلِ، وهوَ مُعلَّلٌ
غيرُ صحيحٍ ، والمتنُ على كلّ حالٍ صحيحٌ ، والعلَّهُ في قولِهِ: ((عَنْ عمرو بنِ دينارٍ )) إنّما
هوَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ عُمرَ، هكذا رواهُ الأئمَّةُ مِنْ أصحابِ سفيانَ عنهُ (٢)،
فوَهِمَ يَعلى بنُ عُبيدٍ (٣)، وعَدَلَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ إلى عَمْرِو بنِ دينارٍ، وكلاهُما ثِقَةٌ(٤).
(١) رواية يعلى بن عبيد أخرجها الطبراني في الكبير ١٢ / ٣٤٣ (١٣٦٢٩).
(٢) وقفنا على ثمانية من أصحاب سفيان الثوري ، رووه عنه على الصواب ، وهم :
أبو نعيم الفضل بن دكين ، عند أحمد ١٣٥/٢، والبيهقي ٥ / ٢٥٩، وابن عبد البر ٢٢/١٤.
عبد الرزاق الصنعاني ، كما في مصنفه ( ١٤٢٦٥) .
محمد بن يوسف الفريابي ، عند البخاري ٣ / ٨٤ .
قتيبة بن سعيد ، عند النسائي ٧ / ٢٥٠ .
ابن أبي عمر العدني ، عند البيهقي ٥ / ٢٦٩.
أبو حذيفة موسى بن مسعود الفهري ، عند الطحاوي في شرح المعاني ٤ / ١٢.
مؤمل بن إسماعيل ، عند الطحاوي في شرح المعاني ٤ / ١٢ .
مخلد بن يزيد الحراني ، عند النسائى ٧ / ٢٥٠ .
تنبيه : وقع في المطبوع من سنن النسائي ٧ / ٢٥٠ في هذه الرواية الأخيرة: ((عمرو بن دينار))، فكأن مخلداً
متابع ليعلى في روايته ، والصواب أنه تحريف في الطباعة وأنه : ((عبد الله)). انظر: تحفة الأشراف
٤٥٠/٥ (٧١٥٥)، والمسند الجامع ١ / ٤٤٠ (٧٧٣٠)، وشرح السيوطي ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) (( ما ذكره من توهيم يعلى سبقه إليه الدارقطني، وقال في علله الكبير : ((هذا الحديث يرويه الثوري
وشعبة ، واختلف عنهما فروى ابن أبي عبد الرحمان المقرئ ، عن أبيه ، عن شعبة ، عن عمرو بن دينار ،
عن ابن عمر ، وكذلك رواه يعلى بن عبيد، عن عمرو بن دينار ، وكلاهما وهم، والصحيح: عن
الثوري، وعن شعبة ، عن عبد الله بن دينار)). نكت الزركشي ٢١١/٢.
(٤) بعد هذا وردت في ( جـ ) زيادة نصها :
(( وعند هذا يظهر أن المعلل ليس من قبيل نوع الشاذ المقدم ذكره، فإن الشاذ يحكم بردّه بمجرد الشذوذ
من غير توقف على بيان وجه الصواب ، والعلة التي هي جهة الخطأ ، والمعلل يُبَيِّنَ فيه العلة التي هي جهة
الخطأ ويوضح فيه وجه الصواب في الحديث ، كما في المثال الذي أوردناه )) .
١٨٩
ومثالُ العَلَّةِ في المتنِ: ما انْفَرَدَ مسلمٌ (١) بإخراجِهِ في حديث أنسِ مِنَ اللَّفظِ
المصرَّحِ بنفي قراءَةٍ : (( بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)) فعلّلَ قومٌ (٢) روايةَ اللفظِ المذكورِ لَمَّا
رأوا الأكثرينَ إنَّما قالوا فيهِ: ((فكانوا يَسْتَفْتِحونَ القراءةَ بـ: ((الحمدُ لله ربِّ العلمينَ))
مِنْ غيرِ تعرُّضٍ لذكرِ البسمَلَةِ ، وَهُوَ الَّذِي أَّفَقَ البخاريُّ (٣) ومسلمٌ (٤) عَلَى إخراجِهِ في
الصحيحِ ، ورأوا أنَّ مَنْ رواهُ باللّفظِ المذكورِ، رواهُ بالمعنىِ الَّذِي وَقَعَ لهُ ، فَفَهِمَ مِنْ قولِهِ
: ((كانوا يَستفتحونَ بـ: ((الحمدُ للهِ)) (٥) ، أنَّهُم كانوا لا يُبَسْمِلُونَ، فَرَوَاهُ على ما
فَهِمَ ، وأخطأً ؛ لأنَّ معناهُ أنّ السورةَ التي كانوا يفتتحونَ بِها مِنَ السُّورِ هيَ الفاتحةُ،
وليسَ فيهِ تعرُّضٌ لذكرِ التسميةِ . وانضمَّ إلى ذلكَ أمورٌ (٦) ، منها: أنَّهُ ثَبَتَ عَنْ أنسِ
أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الافتتاحِ بالتسميةِ، فذَكَرَ أَنَّهُ لا يَحفظُ فيهِ شيئاً عَنْ رسولِ اللهِ ﴿.(٧)،
والله أعلمُ .
ثُمَّ اعلمْ أنَّهُ قدْ يُطلقُ اسمُ العِلْةِ علی غیرِ ما ذكرناهُ من باقي الأسبابِ القادحةِ في
الحديثِ الْمُخرِجةِ لهُ مِنْ حالِ الصِّحَّةِ إلى حالِ الضَّعْفِ ، المانعةِ مِنَ العملِ بهِ ، على ما
(١) ٢ / ١٢ (٣٩٩).
(٢) أراد به الدارقطني. انظر: سننه ١ / ٣١٦، ونكت ابن حجر ٢ / ٧٦٦ .
(٣) ١ / ١٨٩ (٧٤٣).
(٤) ٢ / ١٢ (٣٩٩). كلاهما ( البخاري ومسلم) من طريق شعبة عن قتادة عن أنس، به. لكن
سياقيهما يختلفان .
(٥) في (أ) و(جـ): (( بالحمد)).
(٦) للحافظ العراقي في التقييد والإيضاح : ١٢٢ وما بعدها تعليق طويل مفيد جداً، فانظره .
(٧) رواه الإمام أحمد في المسند ٣ / ١٦٦، وابن خزيمة (١٠١٠ ) إلا أنه اختصره وحذف منه موطن
الشاهد ، بدلالة رواية الدارقطني في السنن ١ / ٣١٦ . قال الدارقطني: ((هذا إسناد صحيح)). وقال
الهيثمي في المجمع ٢ / ١٠٨: ((رجاله ثقات)).
١٩٠
هو مُقتضى لفظِ العِلَّةِ في الأصل (١) ، ولذلكَ (٢) تجدُ (٣) في كتبِ عللِ الحديثِ الكثيرَ مِنَ
الجرحِ بالكذبِ ، والغفلَةِ ، وسوءِ الحفظِ ، ونحو ذلكَ مِنْ أنواعِ الجرحِ .
وسَّى الترمذيُّ النَّسْخَ عِلّةٌ مِنْ عِللِ الحديثِ (٤). ثُمَّ إِنَّ بعضَهُمْ (٥) أطلقَ اسمَ العِلَّةِ.
على ما ليسَ بقادِحٍ مِنْ وجوهِ الخلافِ ، نحوُ إرسالٍ مَنْ أرسلَ الحديثَ الذي أسندهُ الثقةُ
الضابطُ ، حَتَّى قالَ: ((مِنْ أقسامِ الصحيحِ ما هوَ صحيحٌ معلولٌ)) (٦)، كما قالَ
بعضُهُم: ((مِنَ الصحيحِ ما هوَ صحيحٌ شاذٍّ)) (٧) ، والله أعلمُ .
(١) (( مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما
حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أن اسم العلة إذا أطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث
معلولاً اصطلاحاً .
إذ المعلول ما علته قادحة خفية والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة. ولهذا قلل
الحاكم: (( وإنما يعلّ الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل)) ... )). نكت ابن حجر ٧٧١/٢ .
وقريب منه ما حققه علامة العراق الشيخ الدكتور هاشم جميل - حفظه الله - من : (( أن المحدّثين إذا
تكلّموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيداً لا منه لتعريف الحديث الصحيح ، فإنهم في هذه
الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص ، وهو: السبب الخفي القادح. وإذا تكلموا
في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها : السبب الذي يعل الحديث به ،
سواء كان خفياً أم ظاهراً، قادحاً أم غير قادح)) . أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء : ١٧ .
(٢) في (جـ): ((وكذلك)).
(٣) كذا في جميع النسخ و (م)، وفي (ع)، والتقييد: ((نجد)) - بموحدة فوقية - ووقع في الشذا كما
في ( ع )، وأشار المحقق إلى نسخة توافق المثبت .
(٤) انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب ١ / ٢٨ .
وهو مقتضى صنيع ابن أبي حاتم في علله ، انظر: رقم ( ١١٤) و (٢٤٦).
وعلّق الزركشي في نكته ٢ / ٢١٥ على هذا الموضع بقوله: ((لعلّ الترمذي يريد أنه علة في العمل
بالحديث ، لا أنه علة في صحته ، لاشتمال الصحيح على أحاديث منسوخة ، ولا ينبغي أن يجري مثل
ذلك في التخصيص)). وانظر: شرح التبصرة ٣٨٩/١، ونكت ابن حجر ٧٧١/٢ .
(٥) هو الخليلي في كتابه الإرشاد. وانظر: نكت الزركشي ٢ / ٢١٦، والتقييد: ١٢٤.
(٦) انظر: الإرشاد ١ / ١٥٧ و١٦٠.
(٧) انظر : المصدر السابق .
١٩١
النَّوْعُ النَّاسِعَ عَشَرَ
مَعْرِفَةُ الْمُضْطَرِبِ مِنَ الْحَدِيْثِ (١)
الْمُضْطَرِبُ (٢) مِنَ الحديثِ: هوَ الذي تَخْتَلِفُ الروايَةُ فِيهِ ، فَيَرْوِيْهِ بَعْضُهُم عَلَى
وَجْهٍ ، وبَعْضُهُم على وَجْهٍ آخرَ مَخَالِفٍ لَهُ (٣). وإِنَّمَا تُسَمِّيْهِ مُضْطَرِباً إذا تَسَاوَتِ
الروايتان (٤) ، أمَّا إذا تَرَجَّحَتْ إحْدَاهُما بحيثُ لاَ تُقَاوِمُها الأخرَى ، بأنْ يكونَ رَاوِيْها
أَحْفَظَ ، أوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً للمَروِيِّ عنهُ ، أو غيرَ ذلكَ مِنْ وجوهِ التَّرْجِيحاتِ المعتَمَدَةِ ،
فالحكمُ للراجحَةِ ، ولاَ يُطْلَقُ عليهِ حينَئِذٍ وَصْفُ المضْطَرِبِ، وَلاَ لَهُ حُكْمُهُ .
(١) انظر في المضطرب :
الإرشاد ٢٤٩/١-٢٥٣، والتقريب: ٧٧-٧٨، والاقتراح: ٢١٩، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة:
٧٦، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الحديث: ٧٢، والمقنع ٢٢١/١، وشرح التبصرة والتذكرة
٣٩٠/١، ونزهة النظر: ١٢٦، والمختصر: ١٠٤، وفتح المغيث ٢٢١/١، وألفية السيوطي: ٦٧ -٦٨،
وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٩٧، وفتح الباقي ٢٤٠/١، وتوضيح الأفكار ٣٤/٢، وظفر
الأماني : ٣٩٢، وقواعد التحديث : ١٣٢ .
(٢) اسم فاعل من اضْطَرَبَ ، مأخوذ لغةً من الاضطراب بمعنى: الحركة والاختلاف ، يقال: اضطرب الموج ،
أي : ضرب بعضه بعضاً ، فهو مضطرب .
وينبغي التنبيه على أن الشائع تسميته بـ( المضطرِب)) عَلَى وزن اسم الفاعل، وَهُوَ من باب الإسناد
المجازي ؛ لأن الاضطراب واقع فيه لا منه ، إذ أنه اسم مكان ، فيظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة فهو
على الحقيقة (مضطرَب)) -بفتح الراء- ، ولو سمي كذلك لكان أظهر في المعنى الاصطلاحي. انظر:
حاشية الأجهوري على شرح الزرقاني البيقونية: ٧٢ ، وشرح الديباج المذهَّب: ٤٨، ولمحات في أصول
الحديث : ٢٤٧، وأثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء : ١٩٧.
(٣) (( قد يخرج ما لو حصل الاضطراب من راوٍ واحدٍ. وقد يقال فيه : نبنيه على دخوله من باب أولى ، فإنه
أولى بالرد من الاختلاف بين راويين .
وينبغي أن يقال: ((على وجه يؤثر؛ ليخرج ما لو روي الحديث عن رجل مرة، وعن آخر أخرى ... )).
نكت الزركشي ٢ / ٢٢٤.
(٤) ((كان ينبغى أن يقول: وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف
تكافأت الروايات أم تفاوتت)). نكت الزركشي ٢ / ٢٢٦ .
١٩٢
ثُمَّ قَدْ يَقَعُ الاضطرابُ في مَثْنِ الحديثِ ، وقَدْ يقعُ في الإسنادِ ، وقدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ
رَاوٍ وَاحِدٍ ، وقدْ يَقَعُ بَيْنَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ (١) . والاضطرابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحديثِ ؛
لإشعارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ ، والله أعلمُ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: ما رُوِّيْنَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أُمَّةَ، عنْ أَبِي عَمْرِو بِنِ مَحَمَّدٍ بِنِ حُرَيْثٍ ،
عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﴿ِ فِي الْمُصَلِّي: ((إِذَا لَمْ يَجِدْ عَصًا
يَنْصِبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَخُطِّ خَطّاً)). فَرَوَاهُ بِشْرُ بِنُ الْمُفَضَّلِ (٢)، ورَوْحُ بنُ القَاسِمِ (٣)، عَنْ
إِسْماعيلَ هَكَذا . ورَوَاهُ سُفيانُ الثّوْرِيُ (٤) عنهُ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أبيهِ ،
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ. ورَوَاهُ حُمَيْدُ بنُ الأَسْوَدِ (٥) ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بنِ محمدِ بنٍ
حُرَيْثٍ بِنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ورَوَاهُ وُهَيْبٌ (٦) وعَبْدُ الوارِثِ (٧)، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ جَدِّهِ حُرَيْثٍ . وَقَالَ عبدُ الرَّزَاقِ (٨) ، عَنِ ابنِ
جُرَيْجٍ : سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حُرَيْثِ بنِ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً . وفيهِ مِنَ الاضطراب
أَكْثُرُ مَا ذَكَرْنَاهُ (٩) ، والله أعلم .
(١) للحافظ العلائي كلام جميل يشمل تعليل الحديث بالاضطراب وغيره . نقله الحافظ ابن حجر في نكته
٧٧٧/١٠ ، فراجعه تجد فائدة .
(٢) عند أبي داود ( ٦٨٩)، وابن خزيمة ( ٨١٢).
قلنا : وهو كذلك في رواية وهيب بن خالد عند عبد بن حميد ( ١٤٣٦).
(٣) طريق روح ذكرها المزي في تهذيب الكمال ٨ / ٤١٩.
(٤) عند أحمد ٢ / ٢٤٩ و٢٥٤ و٢٦٦، وابن خزيمة ( ٨١٢ ).
(٥) عند ابن ماجه ( ٩٤٣ ).
(٦) عند عبد بن حميد (١٤٣٦). ولكنَّ فيها خلافاً عما هنا أشرنا إليه قبل قليل .
(٧) ذكرها البيهقي في الكبرى ٢ / ٢٧١.
(٨) المصنف ( ٢٢٨٦ ).
(٩) كرواية سفيان بن عيينة عند أحمد ٢٤٩/٢ وغيره، ورواية معمر بن راشد عند أحمد ٢٤٩/٢ و٢٥٤
و ٢٦٦، وابن خزيمة (٨١٢). وكرواية دواد بن علبة التي ذكرها المزي في التهذيب ٨ /٤١٩.
وفيه أيضاً اختلاف على سفيان بن عيينة في إسناده ، واختلاف على عليّ بن المديني أيضاً . -
١٩٣
النَّوْعُ العِشْرُوْنَ (١)
مَعْرِفَةُ الْمُدْرَجِ (٢) فِي الْحَدِيْثِ
= إلّ أن الحافظ ابن حجر اعترض على كلام المصنف والحافظ العراقي، فقال: ((جميع من رواه عن
إسماعيل بن أمية ، عن هذا الرجل ؛ إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته ، وهل روايته عن أبيه أو
عن جده أو عن أبي هُرَيْرَة بلا واسطة ، وإذا تحقق الأمر فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حقيقة الاضطراب ؛ لأن
الاضطراب: هو الاختلاف الذي يؤثر قدحاً)). النكت ١ / ٧٧٢ - ٧٧٣.
وقال محقق شرح السيوطي: ٢٠٠ : ((الصواب عدم التمثيل بهذا الحديث ، فهو رغم ما فيه من
الاختلاف في سنده جهالة ، فإن حريثاً لا يعرف ، وعلى فرض التسليم بصحبته - فيكون عدلاً - فإن
الراوي عنه مجهول لم يرو عنه غير إسماعيل بن أمية ، ولا يعرف بشيء سوى هذا الحدیث، وحاله ما ترى.
وإنما قلت : إن الصواب عدم التمثيل به ؛ لأن اختلافهم كان في تسمية ذات واحدة ، فإن كان ثقة لم
يضرّه الاختلاف في اسمه ، وإن كان غير ثقة فقد ضعف لغير الاضطراب )).
تنبيه : يلاحظ أن المصنف لم يمثل لمضطرب المتن، وقد مثّل له غيره. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٣٩٤/١.
(١) قال الزركشي ٢ / ٢٤١: ((حقه أن يقول: ((تمام العشرين)) أو نحوه ؛ فإن العشرين اسم
للمجموع ، وليس هو المراد هنا ، وإنما المراد واحد منها وهو مكملها ، وقد وقع التعبير بالتكميل
في كلام الشافعي في الأم ، وقد رجع المصنف إلى الصواب فيما سيأتي ، إذ قال : النوع الموفّي
ثلاثين )) .
(٢) الْمُدْرَجُ لغةً - بضم الميم وفتح الراء -: اسم مفعول من (أدرج)، تقول: أدرجت الكتاب إذا
طويته ، وتقول : أدرجت الميت في القبر إذا أدخلته فيه ، وتقول: أُدرجت الشيء في الشيء : إذا
أدخلته فيه وضمنته إياه .
وفي اصطلاح المحدثين : هو ما كانت فيه زيادة ليست منه، أو بعبارة أوضح: هو الحديث
الذي يعرف أن في سنده أو متنه زيادة ليست منه ، وإنما هي من أحد الرواة من غير توضيح
لهذه الزيادة)). حاشية محيي الدين عبد الحميد على توضيح الأفكار ٥٠/٢، والتعليقات الأثرية
لعلي حسن على المنظومة البيقونية : ٣٧ . وانظر الاقتراح : ٢٢٣، والموقظة: ٥٣، وتاج
العروس ٥ / ٥٥٥ .
وانظر في المدرج :
معرفة علوم الحديث: ٣٩، والإرشاد ٢٥٤/١-٢٥٧، والتقريب: ٧٩ - ٨٠، والاقتراح:
٢٢٣، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٥٣، والموقظة: ٥٣، واختصار علوم الحديث:
٧٣، والمقنع ١ / ٢٢٧، ونزهة النظر: ١٢٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٣٩٥،
والمختصر: ١٤٥، وألفية السيوطي : ٧٣-٧٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٠١،
وفتح الباقي ٢٤٦/١، وتوضيح الأفكار ٥٠/٢، وظفر الأماني: ٢٤٨، وقواعد التحديث: ١٢٤.
١٩٤
وَهَوَ أَقْسَامٌ: مِنْها ما أُدْرِجَ في حديثِ رَسُوْلِ اللهِ ﴿ مِنْ كَلَامٍ بَعْضِ رواتِهِ بأنْ
يَذْكُرَ الصَّحَابِيُّ أو مَنْ بَعْدَهُ عَقِيْبَ ما يَرْوِيِهِ مِنَ الحديثِ كلاماً مِنْ عِندِ نفسِهِ ، فَيَرْوِيِهِ مَنْ
بَعدَهُ موصولاً بالحديثِ غيرَ فَاصِلٍ بينهُما بِذِكْرِ قائِهِ ، فيلتَبِسُ الأمرُ فيهِ على مَنْ لاَ يَعْلَمُ
حقيقةَ الحالِ، ويَتَوَهَّمُ أنَّ الجميعَ عن رَسُوْلِ اللهِ لَّ(١).
ومِنْ (٢) أمثلَتِهِ المشهورَةِ: مَا رُوِّيْنَاهُ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بنِ معاويةَ عَنِ
الحسَنِ بنِ الْحُرِّ ، عَنِ القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَةً (٣) عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ؛ أنّ
رَسُوْلَ اللهِ وَّ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ في الصلاة فقالَ: ((قُل: التَّحِيَّاتُ لله ... فَذَكَرَ التَّشَهُّدَ ،
ء
وفي آخِرِهِ: أَشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله فإذا قُلْتَ هذا فَقَدْ
قَضَيْتَ صَلاَتَكَ ، إنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ ، وإِنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فاقْعُدْ)) (٤).
هَكَذَا رَوَاهُ أبو خَيْئَمَةَ ، عَنِ الحسَنِ بنِ الْحُرِّ، فَأَدْرَجَ في الحديثِ قَوْلَهُ: ((فَإِذَا قلتَ
هَذَا ... إلى آخرِهِ))، وإِنَّمَا هَذَا مِنْ كَلاَمِ ابنِ مَسْعُودٍ لاَ مِنْ كَلاَمٍ رَسُوْلِ اللهِ ◌ّ (٥).
ومِنَ الدليلِ عليهِ أنّ التّقةَ الزَّاهِدَ (٦) عبدَ الرَّحْمَانِ بنَ ثابتِ ثوبَانَ، رواهُ عَنْ
(١) قَيّد المصنف الإدراج بكونه عقب الحديث، وما نظّره المصنف خلاف الواقع، نعم ... أكثر ما يدرج
يكون عقب المتن ، إلا أن الإدراج وقع في بدايات بعض الأحاديث وفي وسطها ، ثم إن الإدراج يقع أيضاً
في الإسناد كما يقع في المتن، وعلى هذا كله يدل صنيع الخطيب البغدادي في كتابه "الفصل للوصل المدرج
في النقل". وانظر: نكت الزركشي ٢٤١/٢، والتقييد والإيضاح: ١٢٧، ونكت ابن حجر ٨١١/٢ .
(٢) ((من )) ليست في ( أ ).
(٣) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الميم الثانية. شرح صحيح مسلم للنووي ١ / ٣٠٠، وكذا في
الخلاصة : ٣١٤ ، ولكنه قال بفتح الميم الثانية .
(٤) أخرجه من هذه الطريق: الطيالسي (٢٧٥)، وأحمد ١ / ٤٢٢، والدارمي (١٣٤٧)، وأبو داود
(٩٧٠)، وابن حبان (١٩٦١)، والدارقطني ١ / ٣٥٣ .
(٥) نص على هذا غير واحد من الحفاظ، منهم: الدارقطني في السنن ١ / ٣٥٣، وفي العلل (١٢٧٥)،
والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٩، والبيهقي في الكبرى ٢ / ١٧٤، والخطيب في الفصل: ١٠٤،
ونقل النووي في الخلاصة ٦١ / ب اتفاق الحفّاظ على إدراجها. وانظر: تعليقاتنا على شرح التبصرة
والتذكرة ١ / ٣٩٦ - ٤٠٠ .
(٦) قلنا : أما زهده فلا خلاف في أنه كان نهاية في الزهد والعبادة. وأما كونه (( ثقة )) فلعل اجتهاد المصنف
فيه كان كذلك ، وإلا ففيه خلاف في توثيقه ، ولم يوثقه إلا قلة ، وإليك أقوال العلماء كما أوردها المزي
في تهذيبه ٤ / ٣٨١ : =
١٩٥
راوِيْهِ (١) الحسَنِ بِنِ الْحُرِّ كَذَلِكَ (٢)، وأَّفَقَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ (٣) وابنُ عَجْلَانَ (٤)
وغَيْرُهُما (٥) في روايَتِهِم عَنِ الحسَنِ بنِ الحرِّ على تَرْكِ ذِكْرِ هذا الكَلامِ في آخِرِ الحديثِ
- قال الأثرم عن أحمد : أحاديثه مناكير . وقال الوراق عن أحمد : لم يكن بالقوي في الحديث . وقال ابن
الجنيد عن ابن معين: صالح ، وقال مرة : ضعيف ، وكذا روى عن ابن معين: معاوية بن صالح ،
وعثمان بن سعيد الدارمي ، وعبد الله بن شعيب الصابوني . وقال الدوري عن ابن معين : ليس به بأس .
وكذا قال ابن المدين والعجلي وأبو زرعة . وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين : لا شيء . وقال عثمان بن
سعيد الدارمي عن دحيم : ثقة يرمى بالقدر . وقال أبو حاتم : ثقة ، وقال مرة : يشوبه شيء من القدر ،
وتغير عقله في آخر حياته ، وهو مستقيم الحديث . وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وكان مجاب الدعوة ،
وليس به بأس ، وكان على المظالم ببغداد . وقال النسائي: ضعيف . وقال مرة : ليس بالقوي . وقال
أخرى: ليس بثقة . وقال صالح جزرة : شامي صدوق . وقال ابن خراش : في حديثه لين . وقال ابن
عدي: له أحاديث صالحة ، يحدث عنه عثمان الطرائفي بنسخة، ويحدث عنه يزيد بن مرشل بنسخة.
ويحدث عنه الفریابي بأحاديث وغيرهم. وقد كتبت حديثه عن ابن جوصا وأبي عروبة من جميعهما، ويبلغ
أحاديث صالحة ، وكان رجلاً صالحاً ، ويكتب حديثه على ضعفه ، وذكره ابن حبان في الثقات .
فهكذا ترى أن مَنْ وثّقه إمّا متراجع أو متردد فيه كأبي حاتم ، أو متساهل في شرط الثقة كابن حبان ، أو
لا يقاوم تضعيف بقية أئمة الشأن كدحيم ، ونزيد على هذا فنقول : إن فيه أقوالاً أخر لم ينقلها المزي ،
وقد حاول ابن حجر استيعاب الأقوال فيه ، فقال في التقريب (٣٨٢٠): ((صدوق يخطئ ورمي بالقدر
وتغير بأخرة )) .
(١) في (أ): (( رواية)) .
(٢) عند ابن حبان (١٩١٢)، والطبراني في الكبير (٩٩٢٤)، وفي مسند الشاميين (٦٤)، والدارقطني
٣٥٤/١، والحاكم في المعرفة: ٣٩ - ٤٠، والبيهقي ١٧٥/٢، والخطيب في الفصل: ١٠٨-١٠٩.
(٣) عند ابن أبي شيبة ١ / ٢٩١، وأحمد ١ / ٤٥٠، وابن حبان (١٩٦٣)، والطبراني (٩٩٢٦)،
والدارقطني ١ / ٣٥٢، والخطيب في الفصل : ١٠٩ - ١١٠.
(٤) عند الطيراني (٩٩٢٣)، والدارقطني ١ / ٣٥٢، والخطيب في الفصل: ١١٠.
(٥) کمحمد بن أبان کما ذکر روايته الدارقطني في سننه ١ / ٣٥٢ - ٣٥٣ .
قلنا : وقد رواه ابن حبان أيضاً (١٩٦٣) من طريق حسين الجعفي السابق ، وزاد في آخره : (( قال الحسن
ابن الحر : وزادني فيه محمد بن أبان بهذا الإسناد ، قال: فإذا قلت هذا أو فعلت هذا ، فإن شئت فقم)).
وهذا يدل على أن محمد بن أبان كان ممن يدرج هذه الزيادة في الحديث المرفوع ، إلا أن ابن حبان عقّب
على هذه الرواية بقوله : (( محمد بن أبان ضعيف، قد تبرأنا من عهدته في كتاب المجروحين)). ولم يشر
الدارقطني في علله إلى متابعة محمد بن أبان . ولعل هذا الخلاف في كون رواية ابن أبان متابعة لابن ثوبان
أو لأبي خيثمة هي التي جعلت ابن الصلاح يضرب عن التصريح باسمه ، واكتفى بالإشارة إلى وجودها
بقوله : ((وغيرهما)). والله أعلم .
١٩٦
مَعَ انِّفَاقِ كُلِّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وعَنْ غَيْرِهِ ، عَنِ ابنِ مسعودٍ على ذلكَ ،
وروَاهُ شَبَابَةُ ، عَنْ أَبِي خَيْئَمَةَ فَفَصَلَهُ أيضاً (١) .
ومِنْ أَقْسَامِ المدرَجِ: أنْ يكونَ مَتْنُ الحديثِ عِنْدَ الراوي لَهُ (٢) يإِسْنَاد إلاَّ طَرَفاً منهُ،
فإنَّهُ عِنْدَهُ بإسناد ثان ، فَيُدْرِجُهُ مَنْ رَوَاهُ عنهُ على الإسنادِ الأَوْلِ وَيَحْذِفُ الإِسْنَادَ الثّاني،
ويروِي جميعَهُ بِالإِسْنَادِ الأَوَّلِ .
مِثَالُهُ: (( حديثُ ابْنِ عُبِيَةَ (٣) وزائِدَةً بِنِ قُدَامَةَ (٤) عَنْ عَاصِمٍ بِنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ وائِلٍ بِنِ حُجْرٍ فِي صِفَةٍ صَلاَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﴿، وفي آخِرِهِ: (( أَنَّهُ جَاءَ في الشِّتَاءِ،
فَرَآهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ النَِّابِ)) ، والصَّوابُ: روايةُ مَنْ رَوَى عَنْ عاصِمٍ بنِ
كُلَيْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ صِفَةَ الصَّلاَةِ خَاصَّةً، وَفَصَلَ ذِكْرَ رَفْعَ الأيدي عنهُ، فرواهُ عَنْ عَاصِمٍ،
عَنْ عبدِ الجَّارِ بنِ وائلٍ ، عَنْ بعضِ أهلِهِ ، عَنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ (٥) .
ومِنْهَا: أنْ يُدْرِجَ في مَثْنٍ حديثٍ بَعْضَ مَثْنِ حديثٍ آخَرَ مُخَالِفٍ للأوَّلِ في الإِسْنَاد.
(١) أخرجها الدارقطني في السنن ٣٥٣/١، والبيهقي في الكبرى ٢ / ١٧٤، والخطيب في الفصل: ١٠٨.
(٢) ساقطة من (جـ ).
(٣) عند الشافعي في المسند (١٩٧ بتحقيقنا)، والحميدي (٨٨٥)، والنسائي ٢ / ٢٣٦، والدارقطني
٢٩٠/١، والخطيب في الفصل: ٢٧٩.
(٤) عند أحمد ٤ / ٣١١، والدارمي (١٣٦٤)، وابن الجارود (٢٠٨)، وابن حبان ( ١٨٥٧ )،
والطبراني في الكبير ٢٢ / (٨٢)، والخطيب في الفصل: ٢٧٩ .
(٥) وممن رواه على الصواب :
زهير بن معاوية: عند أحمد ٤ / ٣١٨، والطبراني ٢٢ / (٨٤)، والخطيب في الفصل: ٢٨٤.
شجاع بن الوليد : عند الخطيب في الفصل : ٢٨٤ .
قال موسى بن هارون الحمال : ((وذاك - يعني : رواية سفيان وزائدة - عندنا وهم وإنما أدرج عليه ،
وهو من رواية عاصم ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن بعض أهله ، عن وائل . هكذا رواه مبيناً زهير بن
معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد ، فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب ، وفصلاها من الحديث
وذكرا إسنادهما كما ذكرنا)). ثم قال: ((وهذه رواية مضبوطة اتفق عليه زهير وشجاع بن الوليد ،
وهما أثبت له رواية ممن روى (( رفع الأيدي من تحت الثياب ))، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن
وائل)). نكت الزركشي ٢٤٧/٢ -٢٤٨.
١٩٧
مِثَالُهُ: روايَةُ سَعِيْدِ بنِ أبي مَرْتَمَ (١) ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ: أنْ
رَسُوْلَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((لاَ تَبَاغَضُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، ولاَ تَنَافَسُوا ...
الحديثَ)). فَقَولُهُ: ((لا (٢) تَنَافَسُوا)) أدْرَجَهُ ابنُ أبي مَرِيمَ (٣) مِنْ مَتْنِ حديثٍ آخَرَ رَواهُ
مَالِكٌ (٤)، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ فيهِ: ((لاَ تَحَسَّسُوا، ولاَ
تَحَسَّسُوا، ولاَ تَنَافَسُوا، ولاَ تَحَاسَدُوا)) (٥)، والله أعلمُ .
(١) هو أبو محمد سعيد بن الحكم بن محمد الجمحي، مولاهم المصري، ثقة له غرائب، توفي سنة (٢٢٤ هـ).
الثقات ٢٦٦/٨، وتذكرة الحفاظ ١/ ٣٩٢، وتقريب التهذيب (٢٢٨٦).
(٢) في (جـ ): ((ولا )).
(٣) وروايته أخرجها: الخطيب في الفصل : ٤٤٣، وابن عبد البر في التمهيد ٦ / ١١٦.
(٤) في الموطأ (٢٦٤٠) رواية الليثي. ومن طريقه الخطيب في الفصل : ٤٤٣.
(٥) والحديثان هكذا على الصواب عند رواة الموطأ ، إذ رواه عن مالك :
عبد الله بن يوسف التنيسى ، عند البخاري ٨ / ٢٣ (٦٠٦٦) و٨ / ٢٥ (٦٠٧٦).
عبد الله بن مسلمة القعني. عند أبي داود ( ٤٩١٠) و (٤٩١٧)، وأبي نعيم في الحلية ٣ / ٣٧٤،
والخطيب في الفصل : ٤٤٣ - ٤٤٤ .
قتيبة بن سعيد . عند أبي أحمد الحاكم في عوالي مالك ( ٧٢ )، والخطيب في الفصل : ٤٤٤، والعلائي
في بغية الملتمس ( ١٥١ ).
يحيى بن يحى النيسابوري. عند مسلم ٨ / ٨ (٢٥٥٩) و٨ /١٠ (٢٥٦٣).
أبو مصعب الزهري . كما في روايته للموطأ ( ١٨٩٤ ) و ( ١٨٩٥).
إسماعيل بن أبي أويس. عند البخاري في الأدب المفرد ( ٣٩٨) و ( ١٢٨٧).
سويد بن سعيد . كما في موطئه ( ٦٨١) و ( ٦٨٢ ).
عبد الله بن وهب . عند الطحاوي في شرح المشكل (٤٥٤) و ( ٤٥٧).
عبد الرحمان بن القاسم . في روايته للموطأ ( ٤ ).
الفضل بن دكين . عند ابن عبد البر في التمهيد ٦ / ١١٦ .
محمد بن سليمان المصيصي لوين . عند أبي أحمد الحاكم في عوالي مالك ( ٧٦ ).
يحيى بن بكير . عند العلائي في بغية الملتمس (١٥١ ).
إسحاق بن عيسى الطباع . عند أحمد ٢ / ٤٦٥ .
روح بن عبادة. عند أحمد ٢ / ٥١٧ .
محمد بن الحسن الشيباني . كما في الموطأ ( ٨٩٦ ) بروايته .
قال حمزة بن محمد الكناني : (( لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث عن مالك: ((ولا تنافسوا)) غير سعيد
ابن أبي مريم)). التمهيد ٦ / ١١٦.
قال الخطيب : ((وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك عن ابن شهاب ، وإنما يرويها مالك في حديثه عن
أبي الزناد)). نكت الزركشي ٢ / ٢٤٩ .
١٩٨
ومِنْهَا : أنْ يَرْوِيَ الراوي حَدِيثاً عَنْ حَمَاعَةٍ بَيْنَهُمُ اخْتِلاَفٌ فِي إِسْنَاده، فَلاَ (١)
٠٠
يَذْكُرُ الاخْتِلاَفَ بَلْ يُدْرِجُ روَايَتَهُمْ عَلَى الأَنِّفَاقِ.
مِثَالُهُ: روَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ مَهْدِيٍّ (٢) ومُحَمَّدٍ بِنِ كَثِيرِ العَبْدِيّ (٣) ، عَنِ
الثّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورِ والأَعْمَشِ ووَاصِلِ الأَحْدَبِ ، عَنْ أبي وائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخِْيْلَ،
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قلتُ: ((يَا رَسُوْلَ اللهِ أيُّ الذِّئْبِ أَعْظَمُ؟ ... الحديثَ)).
وَوَاصِلٌ إِنْمَا رَوَاهُ ، عَنْ أبي وائِلٍ ، عَنْ عبدِ اللهِ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ عَمْرِو بنِ شُرَحْلَ
بينَهُما (٤) ، والله أعلمُ .
(١) في ( ب): ((ولا)).
(٢) عند أحمد ١ / ٤٣٤، والترمذي (٣١٨٢)، والخطيب في الفصل : ٤٨٥.
(٣) عند الخطيب في الفصل : ٤٨٥ .
(٤) وطريق واصل رواه عنه جماعة ، منهم :
· شعبة. عند الطيالسي (٢٦٤)، وأحمد ١ / ٤٣٤ و٤٦٤، والترمذي (٣١٨٣)، والنسائي ٩٠/٧ ،
والخطيب في الفصل : ٤٩٠ .
مالك بن مغول . عند النسائي في الكبرى ( ٧١٢٥ )، والخطيب في الفصل : ٤٩١ .
مهدي بن ميمون . عند أحمد ١ / ٤٦٢ ، والخطيب في الفصل : ٤٩٢.
•
· سعيد بن مسروق . عند الخطيب في الفصل : ٤٩٣ .
وقد فصل الإسنادين يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان كما أخرجها البخاري في صحيحه
١٣٧/٦ (٤٧٦١) و٨ /٢٠٤ (٦٨١١)، والدارقطني في علله ٥ / ٢٢٢، والخطيب في الفصل:
٤٩٣، عن مسدد وعمرو بن علي مفرقين كلاهما عن يحيى ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثني :
منصور وسليمان - يعني : الأعمش - عن أبي وائل ، عن أبي ميسرة ، عن عبد الله ... قال يحيى :
وحدثنا سفيان ، قال : حدثني واصل ، عن أبي وائل ، عن عبد الله .
لكن أخرج النسائي ٧ / ٨٩ هذا الحديث من طريق بندار ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن واصل
- وحده - ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله .
فزاد في السند عَمْراً. قال العراقي في شرح التبصرة ١ / ٤١١ : ((وكأنّ ابنَ مهدي لما حدَّثَ به عن
سفيان، عن منصور ، والأعمش ، وواصل ، بإسناد واحد ظنَّ الرواة عن ابن مهدي اتفاق طرقه ، فربما
اقتصر أحدهم على بعض شيوخ سفيان )) . =
١٩٩
واعْلَمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَعَمُّدُ شيءٍ مِنَ الإِدْرَاجِ المذكورِ . وهَذَا النَّوْعُ قَدْ صِّنَّفَ فيهِ
الخطيبُ أبو بَكَرِ كِتَابَهُ الموسُومَ بـ" الفَصْلِ للوَصْلِ الْمُدَرَجِ فِي النَّقْلِ " فَشَفَى وَكَفَى (١)،
والله أعلمُ .
النَّوْعُ الْحَادِي والعِشْرُوْنَ
مَعْرِفَةُ الْمَوْضُوْعِ(٢)
- وقال الدارقطني في العلل ٥ / ٢٢٣: ((قال لنا أبو بكر النيسابوري: هكذا رواه يحيى ولم يذكر في
حديث واصلٍ : عمرو بن شرحبيل . ورواه عبد الرحمان بن مهدي ومحمد بن كثير فجمعا بين واصل
ومنصور والأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله . فيشبه أن يكون الثوري جمع
بين الثلاثة لعبد الرحمان بن مهدي ولابن كثير فجعل إسنادهم واحداً ، ولم يذكر بينهم خلافاً، وحمل
حديث واصل على حديث الأعمش ومنصور . وفصّله يحيى بن سعيد فجعل حديث واصل ، عن أبي
وائل ، عن عبد الله. وهو الصواب ؛ لأن شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل ، عن أبي وائل ، عن
عبد الله. كما رواه يحيى عن الثوري ، عنه. والله أعلم .
قلنا : وخرّج بعض العلماء ذكر أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل على أنه من قبيل المزيد في متصل الإسلنيد ،
فقال البقاعي في النكت الوفية ١٧٦/ أ: ((شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك التي ﴿ّ ولم يره ،
وروى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الأكابر كابن مسعود . وروى أيضاً عن أبي ميسرة عمرو بن
شرحبيل الهمْدَاني الكوفي التابعي الكبير ، الراوي أيضاً عن الأكابر من الصحابة ، منهم : ابن مسعود .
فإدخال عمرو بين أبي وائل وبين ابن مسعود من المزيد في متصل الأسانيد ؛ لأن أبا وائل روى عنه وعن
ابن مسعود )). وبه جزم أيضاً السخاوي في فتح المغيث ١ / ٢٧١ .
(١) قال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٢١٢: ((ومع ذلك فقد ترك أشياء)). وذكر ابن كثير هذا الكتاب
باسم " فصل الوصل لما أُدرج في النقل" . انظر: الباعث الحثيث ١ / ٢٢٤، والكتاب مطبوع متداول
بأكثر من تحقيق .
(٢) قال البقاعي في النكت والوفية ١٧٦ / ب: ((الموضوع هو اسم مفعول من وَضَعَ الشيءَ يَضَعُهُ -الفتح-
وَضْعاً حطّه إشارة إلى أنّ رتبته أن يكون دائماً مُلقّى مطّرحاً لا يستحقِ الرفع )) .
قلنا : ويشبه أن يكون من باب استعمال الأضداد في المعاني المتناقضة؛ إذ ما ينسب إلى الني تَلا يسمّى
مرفوعاً، تعظيماً لقدره ومراعاة لجهة نسبته إلى المصطفى { ..
أما المكذوب : فسُمِّيَ موضوعاً إشارةً إلى عدم استحقاقه وأخذه بنظر الاعتبار ، بل منزلته أن يبقى غير
معبوء به . =
٢٠٠