Indexed OCR Text

Pages 121-140

هذا القبيلِ قولُ الصحابيِّ: ((كُنَّا لا نرى بأساً بكذا ورسولُ اللهِلَ﴿ فِيْنَا، أو كانَ يقالُ :
كذا وكذا على عهدِهِ، أو كأنُّوا يفعلونَ: كذا وكذا في حياتِهِ ﴿)). فكلُ ذلكَ
وشبهُهُ مرفوعٌ مُسْنَدٌ مُخَرَّجٌ في كتبِ المساندِ (١) .
وذكرَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ فيما رُوِيْناهُ عَنِ المغيرةِ بنِ شُعْبَةً قَالَ : ((كانَ أصحابُ
رسولِ اللهِ وَ﴿ يَقْرَعُونَ بابَهُ بالأظافيرِ)) (٢): أنَّ هذا يتوهَّمُهُ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ الصَّنْعَةِ
(١) في (ب) و (جـ) و (م): ((المسانيد))، وفي (أ): ((المسانيد)) وكتب فوقها: ((المساند)).
(٢) رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١٩، ومن طريقه البيهقى في المدخل: ٣٨١ (٦٥٩) من طريق
محمد بن أحمد الزيبقى البصري ، عن زكريا بن يحيى المنقري ، عن الأصمعي ، عن كيسان مولى هشام بن
حسان ، عن محمد بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن المغيرة ، به .
قلنا : الزيبقي لم نقف على حاله ، لكن ذكره ابن ماكولا في الإكمال ٢٢٨/٤ من غير أن يذكر فيه
جرحاً أو تعديلاً .
والمنقري: ذكره ابن حبان في ثقاته ٨ / ٢٥٥، وكذا الخطيب في تاريخه ٤٥٩/٨ من غير أن يذكر فيه
جرحاً أو تعديلاً .
وكيسان - مولى هشام بن حسان -: ذكره البخاري في التاريخ الكبير ٢٣٥/٧ ، وابن أبي حاتم
١٦٦/٦، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وذكره ابن حبان في الثقات ٧ / ٣٥٨.
ومحمد بن حسان ، قال الحاكم فيه : حسن الحديث . هكذا نقل السخاوي في فتح المغيث ١ / ١٣٨ .
ونقل الزركشي عنه ١ / ٤٢٦ أنه قال: ((غريب الحديث)). ونقل البيهقى عنه أنه قال: ((عزيز
الحديث)) . المدخل ( ٦٥٩ ).
وقد روي من حديث أنس ، أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٨٠)، والخطيب في الجامع ١٦١/١
(٢٢٣)، من طريق مالك بن إسماعيل، عن المطلب بن زياد ، عن أبي بكر بن عبد الله الأصبهاني ، عن
محمد بن مالك بن المنتصر ، عن أنس ، به .
قلنا : المطلب بن زياد الكوفي : وثقه ابن معين وأحمد ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به ، وقال ابن سعد :
ضعيف . ميزان الاعتدال ٤ / ١٢٨، وقال ابن حجر : صدوق ربما وهم . التقريب ( ٦٧٠٩ ).
وأبو بكر بن عبد الله الثقفي الأصبهاني : قال الذهبي فيه : أصبهاني غير معروف ، روى عنه المطلب بن
زياد فقط. ميزان الاعتدال ٤ / ٥٠٦ . وقال ابن حجر: مجهول ، من السابعة ، ووهم مَن زعم أنه
يعقوب القمي . التقريب ( ٧٩٧٥ ) .
ومحمد بن مالك بن المنتصر : قال الذهبي : لا يعرف . ميزان الاعتدال ٢٣/٤. وقال ابن حجر: مجهول.
التقريب (٦٢٦٠ ). وذكره ابن حبان في ثقاته ٥ / ٣٧١ ، كما هي عادته في توثيق المجاهيل، ولكنه
شكك في سماعه من أنس ، فقال معرفاً به : يروي عن أنس بن مالك إن كان سمع منه .
ورواه الخطيب في جامعه ١٦٢/١ (٢٢٤) من طريق حميد بن الربيع ، عن المطلب بن زياد ، عن عمر بن
سوید ، عن أنس بن مالك ، به .=
١٢١

.
مُسْتَدَاً - يعني: مرفوعاً - لِذِكْرِ رسولِ اللهِ وَّ فِيهِ وليسَ بِمُسْتَدٍ بِلْ هوَ موقوفٌ (١).
وذكرَ الخطيبُ أيضاً نحوَ ذلكَ في جامعِهِ (٢) .
قلتُ: بلْ هوَ مرفوعٌ كما سبقَ ذِكْرُهُ ، وهوَ بأنْ يكونَ مرفوعاً أحرَى ؛ لكونِهِ
أَحَرَى باطّلاعِهِ ﴿ِ عليهِ (٣)، والحاكمُ مُعْتَرِفٌ بكونِ ذلكَ مِنْ قبيل المرفوعِ، وقدْ كنّا
عَدَدْنا هذا فيما أخذناهُ عليهِ . ثُمَّ تأوَّلناهُ لهُ على أنّهُ أرادَ أنَّهُ ليسَ بِمُسْندٍ لفظاً ، بلْ هوَ
موقوفٌ لفظاً ، وكذلكَ سائرُ ما سبقَ موقوفٌ لفظاً ، وإنَّما جعلناهُ مرفوعاً مِنْ حيثُ
المعنى، والله أعلمُ .
الثاني: قولُ الصحابيِّ: ((أُمِرْنا بكذا (٤) أو نُهيْنا عَنْ كذا)) مِنْ نوعِ المرفوعِ
والمسنَدِ عندَ أصحابِ الحديثِ وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ (٥) ، وخالفَ في ذلكَ فريقٌ منهم
= قلنا : حميد هذا : هو الخزاز اللخمي ، كوفي يكنى أبا الحسن ، وثّقه أحمد وعثمان بن أبي شيبة ، وكان
الدارقطني حسن الرأي فيه ، وقال البرقاني : عامة شيوخنا يقولون : ذاهب الحديث . وكذّبه ابن معين.
وقال النسائي: ليس بشيء. وقال ابن عدي: يسرق الحديث ويرفع الموقوف. ميزان الاعتدال ٦١١/١ .
وقال ابن أبي حاتم : سمعت منه ببغداد ، وتكلم الناس فيه فتركت التحديث عنه . الجرح والتعديل
٢٢٢/٢. وقال مسلمة بن قاسم: ضعيف. لسان الميزان ٢ / ٣٦٣.
وتابع حميداً في روايته عن المطلب : ضرار بن صرد أبو نعيم ، عند البزار كما في مجمع الزوائد ٨ / ٤٣،
والخطيب في الجامع ٢٩١/٢ (١٨٩٠). قال ابن معين فيه: كذّاب. وقال البخاري: متروك. وقال
النسائي : ليس بثقة . وقال الدارقطني: ضعيف . وقال أبو حاتم: صدوق لا يحتج به . ميزان الاعتدال
٣٢٧/٢. وقال الهيثمي في المجمع ٨ / ٤٣ : رواه البزار وفيه ضرار بن صرد ، وهو ضعيف .
(١) قال الزركشي ١ / ٤٢٥: ((تبع الحاكم في ذلك أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ، وحكاه المصنف
عن الخطيب أيضاً )).
(٢) قال البلقيني في محاسنه : ١٢٧: (( ما ذكر عن الخطيب أنه ذكر في " جامعه " نحو ما ذكر الحاكم لم
أقف عليه في " جامع الخطيب " فلينظر . نعم وجدت في " جامع الخطيب" حديث القرع بالأظافير من
حديث (( أنس )) ولم يتعرض لقوله موقوفاً)).
قلنا : بل هو في جامع الخطيب ١ / ٢٩١ عقب (١٨٩٠). وانظر: نكت الزركشي ١ / ٤٢٥ ،
ونكت ابن حجر ٢ / ٥١٨ .
(٣) سقطت من ( جـ ).
(٤) انظر : نكت الزركشي ١ / ٤٢٦ .
(٥) نسب إليهم الخطيب في الكفاية : (٥٩٢ ت-٤٢١ هـ)، والنووي في المجموع ٥٩/١ ، والآمدي في
الإحكام ٢ / ٨٧، والأسنوي في نهاية السول ٣ / ١٨٧، وابن السبكي في الإبهاج ٢ / ٣٢٩.
١٢٢

أبو بكرِ الإسماعيليُّ (١) ، والأوّلُ هوَ (٢) الصحيحُ؛ لأنَّ مطلقَ ذلكَ ينصرفُ بظاهره إلى
مَنْ إليهِ الأمرُ والنَّهْيُ ، وَهُوَ رسولُ اللهِوَ﴿ِ، وهكذا قَوْل الصحابيِّ ((مِنَ السُّنَّةِ كَذَا))(٣)،
فالأصحُّ أنَّهُ مُسنَدٌ مرفوعٌ؛ لأنّ الظاهرَ أَّهُ لا يريدُ بهِ إلاَّ سُنَّةَ رسولِ اللهِلَّ وما يجبُ
أتِّبَاعُهُ(٤). وكذلكَ قول أنسٍ ◌َُ: ((أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ ويُوتِرَ الإِقامةَ))(٥)، وسائرُ
ما جانسَ ذلكَ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يقولَ ذلكَ في زمانِ رسولِ اللهِ ﴿، وبعدَهُ (٦) ◌َ(٧)،
(١) وكذلك أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو الحسن الكرخي والرازي من الحنفية، وابن حزم والغزالي
وجماعة من الأصوليين، وأكثر مالكية بغداد، وحكاه إمام الحرمين عن المحققين، وذكر الزركشي أنه قول
إمام الحرمين، بل حكى ابن فورك وسليم الرازي وابن القطان والصيدلاني: أنه الجديد من مذهب الشافعي
وكذا نسبه المازري إلى أحد قولي الشافعي. انظر: البرهان ٦٤٩/١، والمنخول: ٢٧٨ ، والتبصرة في
أصول الفقه: ٣٣١، وإحكام الأحكام ٨٧/٢، والإبهاج ٣٢٨/٢، والبحر المحيط ٣٧٥/٤ ، وشرح
التبصرة والتذكرة ٢٣٥/١، ونكت ابن حجر ٥٢٣/٢، وشرح السيوطي: ١٤٩، وهو الخلاف نفسه
الذي يأتي في قول الصحابي: ((من السنة كذا ... )). وانظر: نكت ابن حجر ٥٢٠/٢.
(٢) ليست في (أ) .
(٣) انظر: نكت الزركشي ١ / ٤٢٨، ونكت ابن حجر ٢ /٥٢٣.
(٤) قال الحاكم: ((وقد أجمعوا على أن قول الصحابي: سنة: حديث مسند)). المستدرك ٣٥٨/١.
وقال البيهقي: (( لا خلاف بين أهل النقل أن الصحابي ضه إذا قال: أُمِرنا، أو نُهينا، أو من السنة كذا،
أنه يكون حديثاً مسنداً )). نكت ابن حجر ٢ / ٥٢٢.
٠
(٥) أخرجه الطيالسي (٢٠٩٥)، وعبد الرزاق (١٧٩٤)، وابن أبي شيبة ١ / ٢٠٥، وأحمد ٣ / ١٠٣
و ١٨٩، والدارمي (١١٩٦) و (١١٩٧)، والبخاري ١ / ١٥٧ (٦٠٣)، و١ / ١٥٨ (٦٠٦)،
ومسلم ٢ / ٢ (٣٧٨)، وأبو داود (٥٠٨)، وابن ماجه (٧٢٩) والترمذي ( ١٩٣ )، والنسائي
٢ / ٣، وأبو يعلى (٢٧٩٢)، وابن خزيمة (٣٦٦)، وأبو عوانة ١ / ٣٢٧، والطحاوي في شرح
المعاني ١ / ١٣٢، وابن حبان (١٦٧٥)، والدارقطني ١ / ٢٣٩، والحاكم ١ / ١٩٨، والبيهقي
٣٩٠/١، والبغوي ( ٤٠٣) من طرق عن أبي قلابة ، عن أنس .
(٦) في ( ع): ((أو بعده)).
(٧) قال الزركشي ١ / ٤٣١: ((قلت: يقتضيه تساوي الأمرين، وهذا صحيح بالنسبة إلى أصل الاحتجاج
إلاّ أنهما يتفاوتان في القوة، فإنه يحتمل أن يكون الآمر والناهي من أدرك الخلفاء ؛ لكن احتمال إرادته
النبي ﴿ أظهر ، قلت : والخلاف في هذا قريب منه في الذي قبله .
فائدة : ويلتحق بقول الصحابي ((من السنة كذا)): ((لا تلبسوا علينا سنة نبينا)). كما رواه أبو داود
عن عمرو بن العاص في عدة أم الولد. وقوله : ((أصبت السنة))، كما رواه الدارقطني عن عمر في المسح
على الخفين، وكذا قوله: ((سنة أبي القاسم ﴿)) في حديث ابن عباس في متعة الحاج . وأقربها للرفع:
(( سنة أبي القاسم))، ثمّ: ((ولا تلبسوا))، ثم: ((أصبت السنة)). وأما حديث أبي هريرة في الخارج من
المسجد بعد الأذان: (( أما هذا فقد عصى أبا القاسم))، وقوله: (( من لم يجب الدعوة فقد عصى الله=
١٢٣

والله أعلمُ (١) .
الثالثُ: ما قِيلَ مِنْ أَنَّ تفسيرَ الصحابيِّ (٢) حديثٌ مسندٌ فإنَّما ذلكَ في تفسير
ء
يتعلَّقُ بسببِ نزولِ آيةٍ يُخبرُ بهِ الصحابيُّ أو نحوِ ذلكَ (٣) كقولِ جابرٍ ◌َُله: ((كانتْ
اليهودُ تقولُ: مَنْ أتى امرأتَهُ مِنْ دُبُرِها في قُبُلِها جاءَ الولدُ أحولَ ؛ فأنزلَ الله عزَّ وجلٌ
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٤) ... الآيةَ﴾ (٥) فأمَّا سائرُ تفاسيرِ الصحابةِ الَّتِي لا تشتملُ
=ورسوله))، فحكى المنذري عن بعضهم أنه موقوف ، وذكر ابن عبد البر أنه مسند عندهم ، قال ولا
يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان مرفوعان) ويلتحق به قول عمار في صوم يوم الشك)). وانظر:
محاسن الاصطلاح : ١٢٨.
(١) عبارة: ((والله أعلم)) ليست في (ع)، وهي من جميع النسخ المعتمدة.
(٢) قال الزركشي ٤٣٤/١: ((ما اختاره في تفسير الصحابي سبقه إليه الخطيب وكذلك الأستاذ أبو منصور
البغدادي ، قال : إذا أخبر الصحابي عن سبب وقع في عهد النبي ◌ُ ◌ّ أو أخبر عن نزول آية فيه فذلك
مسند ، لكن قال الحاكم في المستدرك : تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند البخاري
ومسلم حديث مسند )) .
والتحقيق أن يقال : إن كان ذلك التفسير مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو في حكم المرفوع، وإن كان يمكن
أن يدخله الاجتهاد فلا يحكم عليه بالرفع . ومما أهمله المصنف ويليق ذكره هنا تأويل الصحابي الخبر على
أحد محتمليه ، وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع : إذا احتمل اللفظ أمرين احتمالاً واحداً فصرفه إلى
أحدهما - كما روي عن عمر أنه حمل قوله : ((الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)) على القبض في
المجلس - فقد قيل: يقبل ؛ لأنه أعرف بمعنى الخطاب . وفيه نظر عندي)). انتهى . وقال شيخه القاضي
أبو الطيب : يجب قبوله على المذهب كتفسير ابن عمر التفرق بالأبدان دون الأقوال )).
قلنا : فصَّل ابن حجر في نكته ٢ / ٥٣٠ هذا الأمر تفصيلاً أوسع على نحو ما قال الزركشي .
(٣) أطلق كثير ممن صنّف في علوم الحديث عن الحاكم القول بأنه يرى تفسير الصحابي مرفوعاً، وهذه
الدعوى يسعفها كلامه في المستدرك ١ / ٢٧ و ١٢٣ و ٥٤٢ وغيرها .
لكن الذي ينبغي التنبيه عليه أن الحاكم ليس من مذهبه الإطلاق الذي حكى عنه ، وإنما خصّه بأسباب
النزول - كَمَا اختاره ابن الصَّلَاحِ هنا - فَقَالَ في مَعْرِفَة علوم الحَدِيْث : ٢٠ بعد أن روى حديثاً في
التفسير عن أبي هريرة : (( فأما ما نقول في تفسير الصحابي: مسند ، فإنما نقوله في غير هذا النوع))، ثم
ساق حديثاً عن جابر في سبب نزول آية ، فقال : ((هذا الحديث وأشبهه مسندة عن آخرها وليست
بموقوفة ، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا ،
فإنه حديث مسند)). وانظر: تدريب الراوي ١ / ١٩٠، وشرح السيوطي : ١٥٤.
(٤) البقرة : ٢٢٣ .
(٥) أخرجه الحميدي (١٢٦٣)، وابن أبي شيبة ٤ / ٢٢٩، والدارمي (٢٢٢٠)، والبخاري ٦ / ٣٦
(٤٥٢٨)، ومسلم ٤ / ١٥٦ (١٤٣٥)، وأبو داود ( ٢١٦٣)، وابن ماجه (١٩٢٥)،
والترمذي ( ٢٩٧٨)، والنسائي في تفسيره ( ٥٨) و (٥٩)، وأبو يعلى (٢٠٢٤ )، والطحاوي
٤٠/٣، وفي شرح المشكل (٦١١٩)، وابن حبان (٤١٦٦). كلهم من طرق عن جابر ، به .
١٢٤

عَلَى إضافةِ شيءٍ (١) إلى رسولِ اللهِ ﴿ فمعدودةٌ في (٢) الموقوفات (٣) ، والله أعلمُ.
الرابعُ : مِنْ قبيلِ المرفوعِ ، الأحاديثُ التي قِيْلَ في أسانيدِها عِندَ ذِكْرِ الصحابيِّ:
(( يَرْفُعُ الحديثَ ، أو يَبْلُغُ بِهِ ، أو يَنْمِيْهِ (٤) ، أو رِوَايَةً )) ، مثالُ ذلكَ: (( سُفيانُ بنُ عُيِينةَ،
عَنْ أبي الزِّنادِ ، عنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ ، رِوَايَةً: « تُقَاتِلُونَ قَوْماً صِغَارَ الأعْيُنِ ...
الحديثَ))(٥). وبهِ ((عنْ أبي هريرةَ يَبْلُغُ بِهِ، قالَ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ ... الحديثَ)(٦)،
فكلُّ ذلكَ وأمثالُهُ كِنايةٌ عنْ رفعِ الصحابيِّ الحديثَ إلى رسولِ اللهِ ﴿، وحكمُ ذلكَ عندَ
أهلِ العلمِ (٧) حُكْمُ المرفوعِ صريحاً .
قلتُ : وإذا قالَ الراوي عَنِ التابِعِيِّ: ((يَرْ فُعُ الحديثَ أو يَبْلُغُ بهِ)) ، فذلكَ أيضاً
مرفوعٌ ، ولكنَّهُ مرفوعٌ مرسَلٌ (٨) ، والله أعلمُ .
(١) أي: لا حكماً ولا قولاً . أفاده البقاعي في نكته ١٠٦ أ.
(٢) في (جـ): ((من)) .
(٣) في ( ب): ((الموقوف)).
(٤) قال السخاوي في فتح المغيث ١ / ١٢٠: ((الاصطلاح في هذه اللفظة موافق للغة، قال أهلها: نميت
الحديث إلى غيري مياً: إذا أسندته ورفعته)). وانظر: القاموس المحيط ٤ / ٣٩٧.
(٥) أخرجه الحميدي (١١٠١)، وابن أبي شيبة ٥ / ٩٢، وأحمد ٢ / ٥٣٠، والبخاري ٤ / ٥٢
(٢٩٢٨) و٤ / ٢٣٨ (٣٥٨٧)، ومسلم ٨ / ١٨٤ (٢٩١٢)، وابن ماجه (٤٠٩٧ )،
والبيهقي ٩ / ١٧٥، والبغوي ( ٤٢٤٢).
(٦) أخرجه الحميدي (١٠٤٤) و (١٠٤٥)، وأحمد ٢ / ٢٤٢ و ٢٥٧ و٤١٨، والبخاري ٤ / ٢١٧
(٣٤٩٥)، ومسلم ٦ / ٢ (١٨١٨).
قال النووي في الإرشاد ١ / ١٦٤: ((فكل هذا وشبهه كناية عن رفع الحديث إلى رسول الله (18)
وحكمه عند أهل العلم حكم المرفوع صريحاً )).
(٧) عبارة : (( حكم ذلك عند أهل العلم)) ساقطة من ( جـ ).
(٨) فيما مضى من كلام ابن الصلاح ، حاصله أنه ذكر فيما يتعلق بالصحابي أربع مسائل :
الأولى : قولهُ : كنا نفعل كذا ، أو كانوا يفعلون كذا ونحوها .
الثانية : قوله : أُمِرنا بكذا ونحوه .
الثالثة : قوله : مِنَ السُّنَّةِ كذا .
الرابعة : يرفعه ويبلغ به ونحوها .
ولَمَّا انتقل إلى ما يتعلق بالتابعى لم يذكر إلا حكم المسألة الرابعة فحسب ، فأحببنا أن ننبّه على حكم ما
سكت عنه :
فأما المسألة الأولى: إذا قال التابعي : كنا نفعل؛ فليس بمرفوع قطعاً. ثمّ هَلْ لَهُ حكم المَوْقُوْف ؟ إن لم
يضفه إلى زمن الصحابة فليس بمرفوع بل هو مقطوع ، وإن أضافه ففيه الاحتمالان . =
١٢٥

النَّوعُ النَّاسِعُ
مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ (١)
وصورتُهُ (٢) التي لا خلافَ فيها حديثُ التابعيِّ الكبيرِ (٣) الذي لَقِيَ جماعةً مِنَ
الصحابةِ وجالسَهُمْ، كـ: عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيٌّ بنِ الْخِيَارِ (٤) ، ثُمَّ سعيدِ بنِ
= وأما قوله : كانوا يفعلون كذا ، فلا يدل على فعل الأمة جميعها بل البعض ، حتى يصرح بنقله عن أهل
الإجماع ، فيكون بمثابة نقل الإجماع ، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف .
وأما المسألة الثانية : إذا قال التابعي : أمرنا بكذا ، أو نهينا عن كذا ، فحزم ابن الصباغ : أنه مرسل ، أما
الغزالي فذكر احتمالين : كونه موقوفاً ، أو مرفوعاً مرسلاً ، من غير ترجيح .
وأما المسألة الثالثة : إذا قال التابعي : من السنة كذا ، فهل هو موقوف أو مرسل مرفوع ؟
فِيهِ الوَجْهَانِ كلاهما لأصحاب الشَّافِعِيّ، وحكى الداوودي أن الشَّافِعِيّ كَانَ يرى ذَلِكَ مرفوعاً سَوَاء
صدر من الصَّحَابِيّ أو التَّابِعِيّ، ثُمَّ رجع عَنْهُ ، وَلَمْ يوافق الداوودي عَلَى حكاية رجوع الشافعي ؛ فإنه قد
احتج به في مواطن من الجديد . وانظر: نكت الزركشي ١ / ٤٣٦، والتقييد والإيضاح : ٦٧ .
(١) انظر في المُرسَل :
معرفة علوم الحديث : ٢٥، والكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١ / ١٩، وجامع الأصول
١١٥/١، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٦٧ - ١٧٩، والمجموع شرح المهذب ١ / ٦٠، والاقتراح:
١٩٢، والتقريب: ٥٤ - ٥٧، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥، والموقظة: ٣٨، وجامع
التحصيل: ٢٣ وما بعدها، واختصار علوم الحديث : ٤٧، والبحر المحيط ٤٠٣/٤، والمقنع ١٢٩/١،
وشرح التبصرة والتذكرة ٢٥٦/١، ونزهة النظر: ١٠٩، والمختصر: ١٢٨، وفتح المغيث ١٢٨/١،
وألفية السيوطي: ٢٥ - ٢٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٥٩، وفتح الباقي ١ / ١٤٤،
وتوضيح الأفكار ١ / ٢٨٣، وظفر الأماني: ٣٤٣، وقواعد التحديث : ١٣٣.
(٢) للعلماء في تعريف المرسل وبيان صوره مناقشات، انظرها في: نكت الزركشي ١ / ٤٣٩، ومحاسن
الاصطلاح: ١٣٠، والتقييد والإيضاح: ٧٠، وشرح التبصرة والتذكرة ٣٥٦/١، ونكت ابن حجر
٥٤٠/٢، والبحر الذي زخر : ١١٣ أ.
(٣) قال ابن حجر ٢ / ٥٤٣: ((ولم أر تقييده بالكبير صريحاً عن أحد ، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم)).
انظر: التمهيد ١ / ٢٠ - ٢١، وفتح المغيث ١ / ١٢٩.
(٤) نقل الزركشي ١ / ٤٤١ عن بعضهم اعتراضهم على ابن الصلاح في تمثيله بابن الخيار ؛ لأن جماعة ممن
صنّف في الصحابة ذكره فيهم ، کابن منده وابن حبان وأبي عمر .
قلنا : ابن حبان ذكره في ثقاته ٣ / ٢٤٨ ضمن طبقات الصحابة ؛ ولكنه أعاد ذكره في ٥ / ٦٤ في
طبقات التابعين إشارة إلى وجود الخلاف الحاصل فيه .=
١٢٦

المسَيِّب (١) وأمثالهما إذا قالَ: ((قالَ رسولُ الله ﴿)). والمشهورُ التَّسويةُ بينَ التابعينَ
أجمعينَ في ذلكَ (٢) ﴿ه، ولهُ صورٌ اختُلِفَ فِيْهَا أهِيَ مِنَ المرسَلِ أمْ لا؟
إحداها (٣): إذا انقطعَ الإِسنادُ قبلَ الوصولِ إلى التَّابِعِيِّ (٤) فكانَ فيهِ روايةُ راوٍ لَمْ
يسمَعْ مِنَ المذكورِ فوقَهُ ، فالذي قَطَعَ بِهِ الحاكمُ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ (٥) وغيرُهُ مِنْ أهلِ
الحديثِ أنَّ ذلكَ لا يُسمَّى مُرسَلاً، وأنّ الإِرسالَ مخصوصٌ بالتابعينَ ، بلْ إنْ كانَ (٦) مَنْ
سَقَطَ ذِكْرُهُ قبلَ الوصولِ إلى التابعيِّ (٧) شخصاً واحداً سُمِّيَ مُنقَطِعاً فحسْبُ ، وإنْ كانَ
أكثرَ مِنْ واحدٍ سُمِّيَ مُعضَلاً، ويُسمَّى أيضاً منقطعاً، وسيأتي مثالُ ذلكَ إنْ شاءَ الله تعالى.
= وكذلك ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٤٣٦/٢ (هامش الإصابة). والذهبي في تجريد أسماء الصحابة
١ / ٣٦٣ (٣٨٦٥) ورمز له (ب د ع). وقال ابن حجر في التقريب (٤٣٢٠): ((قتل أبوه ببدر،
وكان هو في الفتح مميزاً ، فعدّ في الصحابة لذلك ، وعدّه العجلي وغيره في ثقات كبار التابعين)).
ويمكن الإجابة: بأن المصنفين في الصحابة إنما ذكروا ذلك فيه وفي أقرانه باعتبار وجوده في زمن النسي 8# لم
يريدوا أنه صحابي؛ لأن حد الصَّحَابِيّ لا ينطبق عَلَيْهِ، ولهذا ذكره خلق في جملة التابعين كالحاكم وكذا
المصنف .
قلنا : هكذا أجاب الزركشي عن الاعتراض ، ولكن الحقيقة أن حد الصحابي - عند المحدّثين - ينطبق
عليه ، على ما ذكر ابن حجر من أنه كان مميزاً يوم الفتح ، وقد عدّوا في الصحابة من حاله أشبه بحال ابن
الخيار ، كالحسين بن على وغيرهم ، بل من هو أصغر منه بكثير كمحمود بن لبيد ومحمود بن الربيع
الأنصاريين ، ومحمد بن أبي بكر الصديق. وإثبات الصحبة له لا يعني بالضرورة كون حديثه مسنداً متّصلاً،
نعم لم توجد له رواية مسندة عن رسول الله8# ولكن ما الذي يمنع من الحكم بصحبته ؟ .
والخِيّار : بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الياء .
انظر: تقريب التهذيب ( ٤٣٢٠)، والتاج ١١ / ٢٤٤ .
(١) بكسر الياء وفتحها، جاء في القاموس وشرحه تاج العروس ٣ / ٩٠: ((هو كمحدِّث: والد الإمام
التابعي الجليل سعيد، له صحبة ، روى عنه ابنه ، ويفتح، ويحكون عنه أنه كان يقول: سيَّب اللهُ مَنْ
سَّبَ أبي ، والكسر حكاه عياض وابن المديني ... )).
(٢) انظر: جامع التحصيل : ٢٣ - ٣٢، ونكت ابن حجر ٢ / ٥٤٢ - ٥٥٨ .
(٣) في ( ب ): ((احدها)).
(٤) قال العراقي في التقييد: ٧١ : ((قوله: ((قبل الوصول إلى التابعي)) ليس بجيد، بل الصواب: قبل
الوصول إلى الصحابي ، فإنه لو سقط التابعي أيضاً كان منقطعاً لا مرسلاً عند هؤلاء، ولكن هكذا وقع
في عبارة الحاكم فتبعه المصنّف )).
(٥) انظر : معرفة علوم الحديث ٢٦.
(٦) في (ع ) هنا زيادة: ((أكثر))، ولم ترد في شيء من النسخ الخطية أو ( م) أو التقييد.
(٧) في ( ب ): ((التابع)).
١٢٧

والمعروفُ في الفقهِ وأصولِهِ أنَّ كُلّ ذلكَ (١) يُسمَّى مُرْسلاً (٢) وإليهِ ذهبَ مِنْ أهلِ
الحديثِ أبو بكر الخطيبُ وقَطَعَ بهِ ، وقالَ: ((إلاَّ أنّ أكثرَ ما يوصفُ بالإرسالِ مِنْ حيثُ
الاستعمالُ ما رواهُ التابعيُّ عَنْ النِّ ◌َ﴿ٌ، و(٣) أمَّا ما رواهُ تابعُ التابعِيِّ (٤) عَنِ النِيِّ ◌ِّ
فَيُسَمُّونَهُ المعْضَلَ (٥) ، والله أعلمُ .
الثانيةُ: قولُ الزُّهريِّ، وأبي حازمٍ ، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريّ ، وأشباهِهِم مِنْ
أصاغِرِ التابعينَ: ((قالَ رسولُ اللهِلَ﴿ل))، حكى ابنُ عبدِ البِرِّ (٦): أنَّ قوماً لا يُسَمُّونَهُ
مُرْسَلاً بلْ منقطِعاً؛ لكونهم لَمْ يَلْقُوا مِنْ الصحابةِ إلّ الواحِدَ والاثنينِ(٧)، وأكثرُ روايتِهِم
عَنِ التابعينَ .
قلتُ : وهذا المذهبُ (٨) فَرْعٌ لِمَذْهَبٍ مَنْ لا يُسَمِّي المنقطعَ قَبْلَ الوصولِ إلى
التابعيِّ مُرسلاً (٩) ، والمشهورُ التسويةُ بينَ التابعينَ في اسمِ الإرسالِ كما
(١) في (ب ): ((كل شيء من ذلك)).
(٢) قال البلقيني: ((فائدة: قول ابن الحاجب وغيره من الأصوليين: ((المرسل قول غير الصحابي، قال
رسول الله ﴿)). لا يعم صورة سقوط الرجل قبل التابعي ، ولا سقوطه مع التابعي إذا ذكر الصحابي ،
فيظهر بذاك توقف في نسبة ذلك إلى المعروف في أصول الفقه)). المحاسن : ١٣٣.
(٣) ليست في (أ).
(٤) سقطت من (م)، وفي (ع): ((تابعي التابعي))، وأشار إلى أن في نسخة: ((تابع التابعي)).
(٥) الكفاية ( ٥٨ ت، ٢١ هـ)، وعاد فأكده في (٥٤٦ ت، ٣٨٤ هـ ).
(٦) التمهيد ١ / ٢١ .
(٧) جاء في حاشية (م): من أمالي ابن الصلاح: ((قال المملي له: قولي الواحد والاثنين كالمثال في قلة ذلك،
وإلا فالزهري قد قيل إنه رأي عشرة من الصحابة وسمع منهم : أنساً ، وسهل بن سعيد ، والسائب بن
يزيد، ومحمود بن الربيع، وسُنَيْناً أبا جميلة ... وغيرهم، ومع ذلك فأكثر روايته عن التابعين، والله أعلم)).
قلنا : كذا نقل هذه الحاشية البلقيني في المحاسن : ١٣٣، والزركشي في نكته ١ / ٤٥١، وطوَّل التعليق
عليها ، وانظر: التقييد والإيضاح ٧٢ ، ونكت ابن حجر ٢ / ٥٥٩ .
(٨) في (أ): ((مذهب)).
(٩) قال البلقيني: ١٣٥: (( فيه نظر: فهذا المذهب أصل يتفرع عليه أنه لا يسمى المنقطع قبل الوصول إلى
التابعي مرسلاً )) .
قال ابن حجر ٥٦٠/١ جامعاً بين القولين: ((يظهر لي أن ابن الصلاح لما رأى كثرة القائلين من المحدّثين
بأن المنقطع لا يسمى مرسلاً ؛ لأن المرسل يختص عندهم بما ظن منه سقوط الصحابي فقط ، جعل قول من
قال منهم : إن رواية التابعي الصغير إنما تسمى منقطعة لا مرسلة مفرعاً عنه ؛ لأنه مما يظن أنه سقط منه
الصحابي والتابعي أيضاً )).
١٢٨

تقدَّمَ (١) والله أعلمُ .
الثالثةُ: إذا قيلَ في الإسناد: ((فلانٌ عَنْ رجلٍ أو عَنْ شيخٍ عَنْ فلانٍ)) أو نحوُ ذلكَ؛
$
فالذي ذكرَهُ الحاكمُ في " معرفةٍ علومِ الحديثِ "(٢) أنَّهُ لا يُسَمَّى مُرسلاً بلْ منقطِعاً،
وهوَ فِي بَعْضِ المصنَّفاتِ المعتبرَةِ في أصولِ الفقهِ (٣) معدودٌ مِنْ أنواعِ
(١) قال الزركشي ١ / ٤٥٩: ((هو خلاف نص الشافعي في الرسالة أنه لا يقبل إلا مرسل كبار التابعين
دون صغارهم )) .
قلنا : أبعد الزركشي النجعة في تعقبه هذا ، إذ كلام الشافعي في القبول وعدمه ، وكلام ابن الصلاح هنا
في التسوية بينهم في التسمية ، والله أعلم .
(٢) ص ٢٨، وتابعه على هذا تلميذه البيهقي في سننه الكبرى ٣ / ٣٣٣ و٤ / ٥٤ و٧ /١٣٤ . قال ابن
الملقن في المقنع ١ / ١٣٣: ((وتبع الحاكم ابن القطان، فقال: إنه منقطع)). وانظر: بيان الوهم
والإيهام ٥ / ٢٠٨ (٢٤٢١) .
وما نقله عن الحاكم لم ينقله على وجهه ، إذ شرط الحاكم لتسميته منقطعاً عدم التصريح باسمه في طريق
أخرى .
فأهمل ابن الصلاح هذا القيد ، وحمّل الحاكم تبعة ذلك ، وهو عدم تسميته مرسلاً ، ثم لو سلّمنا جدلاً بأن
الحاكم لا يسميه مرسلاً بل منقطعاً، فلا تمنع تسميته بالمنقطع من تسميته مرسلاً ، فإن الحاكم صرّح في
بدء النوع التاسع (٢٧) بالتغاير بينهما فقال: (( معرفة المنقطع من الحديث وهو غير المرسل)).
(٣) أراد به كتاب البرهان لإمام الحرمين، إذ قال فيه ١ / ٦٣٣: (( وقول الراوي : أخبرني رجل أو عدل
موثوق به ، من المرسل أيضاً )) .
وتبعه الفخر الرازي في المحصول فقال ٢ / ٢٢٩: ((إن الراوي إذا سمّى الأصل باسم لا يعرف به فهو
كالمرسل)». فقال الأبياري في شرح البرهان: ((هذا مردود بلا خلاف، ولا يأتي فيه الخلاف في قبول
المرسل إلا أن يكون قائله لا يروي إلا عن عدل ، فلا فرق حينئذٍ بين أن يقول : حدّثني رجل ، وحدّثني
عدل موثوق به )) .
قال الزركشي ١ / ٤٦١ معقباً على الأبياري : (( ونفيه الخلاف فيه مردود ، وقد ذكر أبو علي الغساني
- من أئمة الحديث - أنه نوع من المرسل ، وهو قضية صنيع أبي داود في المراسيل)).
قلنا : أبو داود يورد أحاديث في كتابه " المراسيل " عن مبهمين وهذا يقتضي أنه يسمي ما كان على هذه
الشاكلة مرسلاً ، بل البيهقي زاد في سنته بأن جعل ما يرويه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلاً !!
قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١٩٠/١ - ١٩١ معقباً على البيهقي: ((قدّمنا في باب تفريق الوضوء
أن مثل هذا ليس بمرسل ، بل هو متصل ؛ لأنّ الصَّحَابَة كلهم عدول فَلا تضرهم الجهالة . =
١٢٩

المرسَلِ (١) ، والله أعلمُ.
ثُمَّ اعْلَمْ (٢) أنَّ حُكمَ المرسَلِ حُكْمُ الحديثِ الضعيفِ ، إلاّ أنْ يصحَّ مَخْرَجُهُ بمجيئِهِ
مِنْ وجهٍ آخَرَ - كما سَبقَ بيانُهُ في نوعِ الحسَنِ (٣)، ولهذا احتجَّ الشافعيُُّه بمراسلات
سعيدِ بنِ المسيِّبِ - رضي الله عنهما - فإنَّها وُجدَتْ مسانيدَ مِنْ وجوهِ أُخرَ ولا يختصُّ
ذلكَ عِندَهُ بإرسالِ ابن المسيِّبِ كما سَبَقَ ، ومَنْ أنكرَ هذا زاعماً أنَّ الاعتمادَ حينئذٍ يقعُ
على المسندِ دونَ المرسلِ ، فيقعُ لغواً لا حاجةَ إليهِ، فجوابُهُ: أَنَّهُ بالمسندِ يتبيَّنُ (٤) صِحَّةُ
الإسناد الذي فيهِ الإرسالُ حَتَّى يُحكَمَ لهُ مَعَ إرسالِهِ بأَنَّهُ إسنادٌ صحيحٌ تقومُ بهِ الحجَّةُ
على ما مهَّدنا سبيلَهُ في النوعِ الثاني (٥) . وإنَّما يُنْكِرُ هذا مَنْ لا مذَاقَ لهُ في هذا الشأن .
وما ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الاحتجاجِ بالمرسلِ والحكْمِ بضَعْفِهِ هوَ المذهبُ الذي استقرَّ
عليهِ آراءُ جماهيرِ حُفّاظِ الحديثِ ونُقَّادِ الأَثَرِ (٦) ، وقدْ تداولوهُ في تصانِيفِهِمْ. وفي صدرِ
= فإن قلت : لم نجعله مرسلاً بل بمعنى المرسل في كون التابعي لم يسمّ الصحابة لا غير .
قلنا : فحينئذ لا مانع من الاحتجاج به على أن قول البيهقي بعد ذلك : (( إلا أنه مرسل جيد)) تصريح
بأنه مرسل عنده ، وكذا قوله : ((لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة)) يفهم منه أن هذا منقطع عنده
، بل قد صرّح بذلك في كتاب " المعرفة " فقال : (( وأما حديث داود الأودي عن حميد عن رجل من
أصحاب النبي ﴿ فإنه منقطع)) ... إلى آخر كلامه .
قال ابن حجر في نكته ٢ / ٥٦٤ : (( وقد بالغ صاحب الدر النقي في الإنكار على البيهقي بسبب ذلك ،
وهو إنكار متجه)). وقال العراقي في التقييد: ٧٤ معقباً على صنيع البيهقي: (( وهذا ليس منه بجيد ،
اللهم إلا إن كان يسميه مرسلاً ، ويجعله حجة كمراسيل الصحابة فهو قريب)).
قلنا : هو في كلا الحالين مخالف لما اصطلح عليه أهل الحديث .
(١) يتحصل - مما ذكره المصنّف هنا - مذهبان كلاهما خلاف ما حكي عن الأكثرين ، وأهمل مذهباً ثالثاً ،
وهو أنه متّصل في إسناده مجهول ، حكاه الرشيد العطار في غرر الفوائد المجموعة: ١٣٠ عن الأكثرين ،
واختاره العلائي في جامع التحصيل : ٩٦ .
قلنا : انظر : نكت الزركشي ٤٥٩/١، ومحاسن الاصطلاح: ١٣٦، والتقييد والإيضاح: ٧٣، ونكت
ابن حجر ٢ / ٥٦١ .
(٢) ((ثم اعلم)): لم ترد في (أ) و ( جـ ).
(٣) انظر: نكت الزركشي ١ / ٤٦٣، ونكت ابن حجر ٢ / ٥٦٥ - ٥٦٧.
(٤) في (ع ) فقط: ((تتبين)).
(٥) انظر : نكت الزركشي ١ / ٤٨٨ .
(٦) اعترض بعض العلماء منهم: العلامة مغلطاي على هذه الدعوى ، وادعى أن الجمهور على خلافه ، وقد
نقل اعتراضه وأجاب عنه الزركشي في نكته ٤٩١/١، وابن حجر ٥٦٧/٢ .
١٣٠

"(صحيحِ مسلمٍ" : ((المرسلُ في أصلِ قولِنا وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ ليسَ بُحُجَّةٍ)) (١).
وابنُ عبدِ البِّ : حافِظُ المغربِ ثَمّنْ حَكَى ذلكَ عَنْ جماعةِ أصحاب الحديثِ (٢).
والاحتجاج بهِ مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِما - رَحِمَهُمُ الله- في طائفةٍ(٣)، والله أعلمُ.
ثُمَّ إِنَّا لَمْ تَعُدَّ في أنواعِ المرسَلِ (٤) ونحوِهِ، ما يُسَمَّى في أُصولِ الفِقْهِ مرسَلَ
الصحابيِّ (٥) ، مثلُ ما يرويهِ ابنُ عِبَّاسٍ وغيرُهُ مِنْ أحداثِ الصحابةِ عَنْ رسولِ اللهِ ﴿ وَلَمْ
(١) مقدمة صحيح مسلم ١ / ٢٤ .
وقد اعترض بعضهم على ابن الصلاح بأن مسلماً حكى هذا القول على لسان خصمه، وليس هو قولاً له ؟
قال الزركشي ٤٩٧/١: ((إنه وإن حكاه عن لسان خصمه لكن لَمَّا لم يعترض عليه بشيء فكأنّه ارتضله؟
فلهذا ساغ لابن الصلاح عزوه إليه ، ويؤيده قول الترمذي: (( الحديث إذا كان مرسلاً فإنه لا يصح عند
أكثر أهل الحديث )) .
(٢) التمهيد ٦/١. ونقل الزركشي ١ / ٤٩٨ عن ابن خلفون أنه قال في المنتقى: ((ولا اختلاف أعلمه
بينهم أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن غير الثقات )).
(٣) قلنا : وهذا أيضاً قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين ، وإليه ذهب جمهور المعتزلة وهو اختيار الآمدي ،
وفصَّل عيسى بن أبان من أئمة الحنفية - فقبل مراسيل القرون الثلاثة الخيّرة ومرسل من هو من أئمة النقل
مطلقاً ، وهذا ما صحّحه النسفي .
وبالغ قوم فعدّوا المرسل أقوى من المسند ؛ لأن من أرسل فقد تكفل ، ومن أسند فقد أحال ، واحتجّوا :
بحسن الظنّ بالمرسل وأنه لا يرسل إلا عن ثقة ، فإنه إن كان عدلاً لم يجز له إسقاط الواسطة وهو يعلم أنه
غير عدلٍ ؛ لأن هذا قادح في عدالة المرسل .
انظر : التبصرة في أصول الفقه ٣٢٦ ، والمحصول ٢ / ٢٢٤، شرح تنقيح الفصول ٣٧٩، وإحكام
الأحكام ٢ / ١١٢، والمجموع ١ / ٦٠، وكشف الأسرار للنسفي ٢ / ٤٢، والإبهاج ٢ / ١١٢،
والبحر المحيط ٤ / ٤٠٩ .
وانظر ردّ الخطيب البغدادي على أصحاب القول الثاني في الكفاية : ( ٥٥١ ت، ٣٨٧ هـ ).
(٤) انظر: نكت الزركشي ١ / ٥٠٠، والتقييد والإيضاح ٧٥.
(٥) هذا مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر الباقلاني - إلا أن يخبر أنه لا يروي إلا
عن الصحابة - واختاره الغزالي في المستصفى ، ونقله ابن بطال عن الشافعي وصحّحه ابن برهان ، وقال
القاضي عبد الوهاب : إنه الظاهر من مذهب الشافعي وإليه ذهب أبو طالب والحسن الرصاص - من أئمة
الزيدية - ، وقال المنصور بالله - منهم - : أن عنعنة الصحابي محتملة للاتصال والانقطاع .
انظر : التبصرة في أصول الفقه : ٣٢٦، والمستصفى ١ / ١٠٧، والمنخول : ٢٧٤ ، وجامع التحصيل :
٣٦، وتوضيح الأفكار ٣٣٥/١، ونكت ابن حجر ٥٤٧/٢، وشرح السيوطي: ١٦٢.
١٣١

يَسمعوهُ منهُ؛ لأنّ ذلكَ في حُكْمِ الموصولِ المسنَدِ ؛ لأنَّ رِوايَتَهُم عنِ الصحابةِ ، والجهالةُ
بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ ؛ لأنَّ الصحابةَ كُلُّهُمْ عدولٌ (١) ، والله أعلمُ .
النَّوعُ العَاشِرُ
مَعْرِفَةُ الْمُنْقَطِعِ (٢)
وفِيهِ وفي الفَرْقِ بِينَهُ وبينَ المرسَلِ مذاهبُ لأهلِ الحديثِ وغيرِهم : فمنها ما سبقَ في
نوعِ المرسلِ عَنِ الحاكمِ - صاحبِ كتابِ "معرفةِ أنواعٍ علومِ الحديثِ" (٣) مِنْ أنَّ المرسلَ
مخصوصٌ بالتابعيِّ . وأنَّ المنقطعَ، منهُ: الإسنادُ الذي فيهِ قبلَ الوصولِ إلى التابعيِّ (٤) راوٍ
لَمْ يَسمَعْ مِنَ الذي فوقَهُ ، والساقِطُ بينَهُما غيرُ مذكورٍ لا مُعيَّنَاً ولا مُبْهماً، ومنهُ:
الإِسنادُ الذي ذُكِرَ فيهِ بعضُ رُواتِهِ بلفظٍ مُبْهٍَ ، نحوُ : رَجُلٍ أو شَيْخِ أو غيرِهِما (٥) .
مثالُ الأَوَّلِ : ما رُوِيِنَاهُ عَنْ عبدِ الرَزَاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ ، عَنْ أبي إسحاقَ ،
عَنْ زَيْدِ بنِ يُشْعِ (٦)، عَنْ حذيفةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ ◌ُّ: «إنْ وَلَيْتُمُوْهَا أبا بكرٍ،
(١) انظر: محاسن الاصطلاح : ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) انظر في المنقطع :
معرفة علوم الحديث: ٢٧-٢٩، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ٢١/١، وإرشاد طلاب
الحقائق ١٨٠/١ - ١٨٢، والتقريب: ٥٨، والاقتراح: ١٩٢ - ١٩٣، والمنهل الروي: ٤٦ - ٤٧،
والخلاصة: ٦٨-٦٩، والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل: ٣١، واختصار علوم الحديث: ٥٠-٥١،
والمقنع ١٤١/١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢٧٣/١، ونزهة النظر: ١١٢، والمختصر: ١٣١ - ١٣٢،
وفتح المغيث ١ / ١٤٩، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٦٣، وفتح
الباقي ١ / ١٥٨، وتوضيح الأفكار ٣٢٣/١، وظفر الأماني: ٣٥٤-٣٥٥، وقواعد التحديث: ١٣٠.
(٣) معرفة علوم الحديث : ٢٥ .
(٤) قال الزركشي ٢ / ٦: ((ليس بجيد، فإنه لو سقط التابعي كان منقطعاً أيضاً، فالأولى أن يقال: ((قبل
الصحابي)) . قال ابن السمعاني في القواطع: ((المرسل والمنقطع واحد، ومنهم من فرّق بينهما وجعل
المنقطع ما يكون بين الراوبين رجل لم يذكر )).
(٥) مر بنا قبل قليل : أن علقنا هناك أن الذي عليه الأكثرون أنه متصل في إسناده مبهم .
(٦) بضم الياء ، ثُمَّ مثلثة مفتوحة ، ثم ياء ساكنة ، وقد تبدل الياء همزة فيقال: أُتيع . انظر: تهذيب الكمال
٣ / ٨٨، والتقريب (٢١٦٠).
١٣٢

فقويٌّ أمينٌ ... الحديثَ)) (١).
فهذا إسنادٌ إذا تأمَّلَهُ الحديثِيُّ (٢) وَجَدَ صورَتَهُ صورَةَ الْمَتَّصِلِ ، وهوَ منقطعٌ في
موضعين؛ لأنَّ عبد الرزّاقِ لَمْ يسمعْهُ مِنَ الثوريِّ ، وإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ النعمانِ بنِ أبي شيبةً
الْجَنَدِيِّ (٣) ، عَنِ الثوريّ، ولَمْ يَسْمَعْهُ الثوريُّ أيضاً مِنْ أبي إسحاقَ ، إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ
شَرِيكٍ ، عَنْ أبي إسحاقَ (٤) .
(١) قلنا : هكذا أورد ابن الصلاح متن هذا الحديث، وهو متابع فيه للحاكم ، إذ أورده هكذا في معرفة علوم
الحديث : ٢٨ - ٢٩، وهو اختصار مخلّ من حيث ما ذُكِرٍ وما حُذِف والمتن الكامل الذي أورده الحاكم
نفسه في المستدرك ٣ / ١٤٢: (( إن وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا راغب في الآخرة وفي جسمه
ضعف ، وإن وليتموها عمرَ فقويٌّ أمينٌ لا يخاف في الله لومة لائم ، وإن وليتموها علياً فهادٍ مهتدٍ يقيمكم
على صراط مستقيم )) .
والحديث أخرجه: العقيلي ٣ / ١١١، وابن عدي في الكامل ٥ / ٩٥٠ - ط دار الفكر و ٦ /٥٤٢
ط دار الكتب العلمية ، والحاكم في المستدرك ٣ / ١٤٢، وفي معرفة علوم الحديث : ٢٩، وأبو نعيم في
الحلية ١ / ٦٤، والخطيب في تاريخه ٣ / ٣٠٢، وابن الجوزي في العلل المتناهية: ( ٤٠٥).
قلنا : عبد الرزاق رواه عن رجلين - ولكنهما شبه لا شيء - روى العقيلي بسنده ٣ / ١١١ : أنه قِيلَ
لعبد الرزاق : سمعت هذا من الثوري ؟ قال : لا ، حدّثْني يحيى بن العلاء وغيره ، ثُمَّ سألوه مرة ثانية ،
فقال : حدَّثنا النعمان بن أبي شيبة ويحيى بن العلاء عن سفيان الثوري)).
قلنا : قال الذهبي في الميزان ٢ / ٦١٢: ((النعمان فيه جهالة ويحيى هالك ... والخبر منكر)).
(٢) هو المبتدئ في طلب الحديث، لا كما فهم بعضهم أنه أراد المحدّث. انظر: نكت ابن حجر ٥٧٢/٢ .
(٣) بفتح الجيم والنون كما في التقريب ( ٧١٥٧).
(٤) هذه الطريق التي زيد فيها شريك أخرجها الحاكم في المعرفة: ٢٩، والخطيب في تاريخه ١١ / ٤٧، من
طريق عبد السلام بن صالح - أبو الصلت الهروي - عن ابن نمير ، عن سفيان ، عن شريك ، عن أبي
إسحاق ، عن زيد بن يثيع ، عن حذيفة ، به مرفوعاً .
قال الخطيب ٣ / ٣٠٢: ((لم يذكر فيه بين الثوري وأبي إسحاق شريكاً غير أبي الصلت عن ابن نمير)).
ونحن نعجب من اعتماد الحاكم على تفرد أبي الصلت هذا، ومتابعة ابن الصلاح للحاكم في هذا الاعتماد ،
وأبو الصلت هذا لا يعتد بموافقته ، فكيف يحتمل تفرده !؟
قال أبو حاتم : لم يكن عندي بصدوق ، وضرب أبو زرعة على حديثه . وقال العقيلي: رافضي خبيث .
وقال ابن عدي : متهم . وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال الدارقطني: رافضي خبيث متهم)). انظر :
ميزان الاعتدال ٢ / ٦١٦ .
١٣٣

ومثالُ الثاني: الحديثُ الذي رُوِّيناهُ عَنْ أبي العلاءِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيْرِ (١) ، عَنْ
رَجلينِ (٢)، عَنْ شَدَّادِ بنِ أوسٍ، عَنْ رسولِ اللهِ ﴿ في الدعاءِ في الصلاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي
أسألُكَ الثباتَ في الأمرِ ... الحديثَ)) (٣) ، والله أعلمُ .
ومنها : ما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البِرِّ - رَحِمَهُ اللهُ - وهوَ أنَّ المرسلَ مخصوصٌ بالتابعينَ ،
والمنقطعَ شاملٌ لهُ ولغيرِهِ، وهوَ عندَهُ: كُلُّ ما لا يَتَّصِلُ إسنادُهُ سواءٌ كانَ يُعْزَى إلى النبيِّ
﴿ٌ، أو إلى غيره (٤) .
ومنها : أنَّ المنقطعَ مثلُ المرسلِ (٥) وكلاهما شامِلانِ لكلّ ما لا يَتَّصِلُ إِسنادُهُ .
وهذا المذهبُ أقربُ ، وصار إليهِ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ وغيرِهِم ، وهو الذي ذكرَهُ الحافِظُ
(١) بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين، بوزن سِكِّيْت، واسمه: يزيد. انظر: التقريب (٧٧٤٠ )،
وتاج العروس ١٢ / ١٤٨ .
(٢) قال الزركشي ٢ / ٨: ((كذا يقع في بعض نسخ كتاب الحاكم، والثابت في النسخ المعتمدة ((عن
رجل))، وكذا أخرج الترمذي والنسائي ، وقالا : عن رجل من بني حنظلة)).
قال البلقيني: ١٤٥: ((وجوابه أني وقفت على نسخة من " علوم الحديث " للحاكم أصل مسموعةٍ
وفيها : ((عن رجلين)) في السند ثم في الكلام عليه. وهذا المثال يبيّن أن المنقطع ما سقط فيه رجل أو
أبهم قبل الصحابي ولو كان التابعى . وهذا خلاف ما يقتضيه ما نقل عن المذهب الأول )).
قلنا : ما في المطبوع : ٢٧ - ٢٨ موافق لما ذكر البلقيني، ووقع خلافه في النسخة الخطية من المعرفة التي
في خزانتنا ١٣ ب ، وهو ما جزم به ابن الملقن في المقنع ١ / ١٤٢ .
وقد وقع الحديث في مسند أحمد ٤ / ١٢٥، ومعجم الطبراني الكبير (٧١٧٦ ) و (٧١٧٧)، وحلية
الأولياء ١ / ٢٦٧ بلفظ: عن الحنظلي . في حين وقع في جامع الترمذي ( ٣٤٠٧) ومعجم الطبراني
الكبير (٧١٧٥) بلفظ : ((عن رجل من بني حنظلة))؛ لكن وقع في المعجم الكبير (٧١٧٩ ): ((عن
رجلين)) . فالله أعلم بالصواب .
(٣) مضى تخريجه قبل قليل .
(٤) التمهيد ١ / ٢٠ - ٢١.
قال البلقيني : ١٤٥: ((فالمنقطع على هذا أعم من المرسل، فكل مرسل منقطع ولا عكس، وكلام
الشافعي السابق ينطبق على هذا )) .
(٥) قال الزركشي ١ / ٩ : ((هذا ظاهر كلام ابن السمعاني، وقد سمّى الشافعي في الرسالة المرسل منقطعاً،
قال ابن حزم في الإحكام : ((المرسل: هو الذي سقط بين أحد رواته وبين النيِحَ ﴿ ناقل واحد فصاعداً ،
وهو المنقطع أيضاً )).
١٣٤

أبو بكر الخطيبُ في " كفايتِهِ " (١) . إلاَّ أنْ أكثرَ ما يوصَفُ بالإرسالِ مِنْ حيثُ
ء
الاستعمالُ: ما رواهُ التابعيُّ عَنِ النِّ ◌َ﴿، وأكثرُ ما يُوصَفُ بالانقطاعِ: ما رواهُ مَنْ
دونَ التابعينَ عَنِ الصحابةِ ، مثلُ (٢): مالكٍ ، عَنِ ابنِ عمرَ ، ونحوِ ذلكَ، والله أعلمُ .
ومنها : ما حكاهُ الخطيبُ أبو بكرٍ (٣) عَنْ بَعضِ أهلِ العلمِ بالحديثِ ، أنّ المنقطعَ :
ما رُوِيَ عَنِ التابعِيِّ أَوْ مَنْ دونَهُ موقوفاً عليهِ مِنْ قولِهِ أو فِعْلِهِ، وهذا غريبٌ بعيدٌ (٤)،
والله أعلمُ .
النَّوْعُ (٥) الْحَادِي عَشَرَ
مَعْرِفَةُ الْمُعْضَلِ (٢)
وهوَ لَقَبٌ لنوعٍ خاصٍّ مِنَ المنقطِعِ، فَكُلُّ مُعْضَلٍ مُنْقَطِعٌ ، وليسَ كُلُّ مُنقطِعٍ
ے
مُعْضلاً. وقومٌ يُسَمُّونَهُ مُرسلاً كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ عبارةٌ عَمَّا سَقَطَ مِنْ إسنادِهِ اثنانِ
(١) (٥٨ - ٥٩ ت، ٢١ هـ).
(٢) في (م ): ((مثال ذلك)).
(٣) الكفاية (٥٩ ت، ٢١ هـ ).
(٤) قال الزركشي ٢ / ١٠: (( فيه أمران :
أحدها : أن هذا قول الحافظ أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي ، ذكره في جزء لطيف له .
الثاني : أنه قد سبق في المقطوع الموقوف على التابعي أنه يعبر عنه بلفظه عن المنقطع غير الموصول ، وهذا
غير ذاك ؛ لأن الكلام في إطلاق المنقطع على ما يطلق عليه المقطوع بزيادة (( أو من دون التابعي)) ، وهذا
هو الغريب )) .
ومن ثم استدرك عليه أقوالاً أخرى في تعريف المرسل فانظرها ، وراجع المحاسن : ١٤٦ .
(٥) سقطت من (أ) .
(٦) انظر في المعضل :
معرفة علوم الحديث: ٣٦، والكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والإرشاد ١٨٣/١، والتقريب: ٥٩، والاقتراح:
١٩٢، والمنهل الروي: ٤٧، والخلاصة: ٦٨، والموقظة: ٤٠، وجامع التحصيل: ٣٢ - ٩٦، واختصار
علوم الحديث: ٥١، والمقنع ١٤٥/١، وشرح التبصرة والتذكرة ٢٧٣/١، ونزهة النظر: ١١٢، والمختصر:
١٣١، وفتح المغيث ١ / ١٤٩، وألفية السيوطي: ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٦٣،
وفتح الباقي ١٥٨/١، وتوضيح الأفكار ٣٢٣/١، وظفر الأماني: ٣٥٥، وقواعد التحديث: ١٣٠.
١٣٥

فصاعِداً (١) .
وأصحابُ الحديثِ يقولونَ : أَعْضَلَهُ فهو مُعضَلٌ - بفتحِ الضادِ - وهو اصطلاح
مُشكلُ المأخذِ مِنْ حيثُ اللغةُ ، وبحثْتُ فوجدْتُ لهُ قولَهم: (( أمرٌ عَضِيْلٌ))، أي :
مُستَغْلَقٌ شديدٌ . ولا التفاتَ في ذلكَ إلى مُعْضِلٍ - بكسرِ الضادِ - وإنْ كانَ مِثْلَ عَضِيْلِ
في المعنى (٢).
ومثالُهُ: ما يرويهِ تابعيُّ التابعيِّ قائلاً فيهِ: ((قالَ رسولُ اللهَلَ﴿)). وكذلكَ (٣) ما
يرويِهِ مَنْ دونَ تابعيٍّ (٤) التابعيِّ ((عَنْ رسولِ اللهِ ﴿ّ، أو عَنْ أبي بكرٍ وعُمَرَ وغيرِهِما))
غيرَ ذاكرٍ للوسائطِ بينَهُ وبينهُم . وذكرَ أبو نصرِ السِّجْزِيُّ الحافظُ قولَ الراوي: (( بلغني))
(١) هذا ينطبق على ما حكاه الحاكم في المعرفة: ٣٦ عن علي بن المديني، وقد أطلق ابن الصلاح هنا القول
بسقوط اثنين من غير تفصيل بين أن يكونا من موضع واحد أو من موضعين ، ومراده سقوطهما من
موضع واحد بدلالة ما مثّل به ، وإلا لكان سقوطهما من موضعين خارجاً عن تسمية ((المعضل)) في
الاصطلاح؛ إذ أنهم يسمون ما هذه صورته منقطعاً في موضعين .
قال ابن حجر ١ / ٥٧٥: ((وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه
شيء البتة)) . ثم ساق أمثلة على ذلك، وعقّبها بقوله: (( فإذا تقرّر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل
المعنيين ، أو يكون المعضل الذي عرّف به المصنّف ، وهو المتعلق بالإِسناد - بفتح الضاد - ، وهذا الذي
نقلناه من كلام هؤلاء الأئمة - بكسر الضاد - ، ويعنون به المستغلق الشديد . وفي الجملة ، فالتنبيه على
ذلك كان متعيناً ».
وانظر : نكت الزركشي ٢ / ١٤، والتقييد والإيضاح : ٨١.
(٢) جاءت في حاشية نسخة ( ب) تعليقة نصّها: (( قال المصنف - رحمه الله -: (( دلِّنا قولهم : عضيل،
على أن ماضيه: عَضِل ، فيكون أعضله منه ، لا من أعضل هو. وقد جاء: ظَلِمَ الليل وأظلمَ وأظلمه الله .
وغطش الليل وأغطشه الله ، والله تعالى أعلم)).
وهذه الحاشية بنصّها توجد في هامش ( م ) ، ونقل نصها العراقي في التقييد : ٨٢ .
وفي هذا الاشتقاق مباحثات ومناقشات ، انظرها في: نكت الزركشي ٢ / ١٥، ومحاسن الاصطلاح
١٤٧، والتقييد والإيضاح: ٨١، ونكت ابن حجر ٢ / ٥٨٠، والنكت الوفية: ١٢٦/ أ، وفتح
المغيث ١٥١/١، والبحر الذي زخر: ١٠٩ ب، وتوضيح الأفكار ٣٢٧/١.
(٣) في ( ب ): (( وكذا)) .
(٤) في ( ب ): ((تابع)) .
١٣٦

- نحوُ قولِ مالكٍ: ((بَلَغَنِي عَنْ أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهَ ﴿ قَالَ: لِلْمَملوكِ طَعَامُهُ
وكِسْوتُهُ ... الحديثَ)) (١)، وقالَ (٢): أصحابُ الحديثِ يُسَمُّونَهُ المعْضِلَ .
(١) هذا البلاغ في الموطأ (رواية يحيى الليثي (٢٨٠٦)، ورواية أبي مصعب الزهري (٢٠٦٤)، ورواية
سويد بن سعيد ( ٧٧٩ )، وهو في موطأ عبد الله بن مسلمة القعني كما أسنده إليه الحاكم في معرفة
علوم الحديث : ٣٧ ) .
قلنا : وقد روي موصولاً عن مالك : رواه إبراهيم بن طهمان ، والنعمان بن عبد السلام .
ورواية ابن طهمان : عند الحاكم في معرفة علوم الحديث : ٣٧ ، والخليلي في الإرشاد ١٦٤/١.
ورواية النعمان : عند الخليلي في الإرشاد ١ / ١٦٤ - ١٦٥؛ كلاهما (إبراهيم بن طهمان والنعمان بن
عبد السلام) عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيعليه ... الحديث.
وقد خولف فيه مالك فقد أسنده عن محمد بن عجلان : سفيان الثوري ، عند الحميدي (١١٥٥) ،
وأحمد ٢ / ٢٤٧، ووهيب بن خالد عند أحمد ٢ / ٣٤٢، وسعيد بن أبي أيوب عند البخاري في
الأدب المفرد (١٩٢)، والليث بن سعد عند البخاري في الأدب المفرد (١٩٣)، والبيهقي في الكبرى
٨ / ٦، وسفيان بن عيينة عند البغوي (٢٤٠٣)، لكن هؤلاء ( سفيان الثوري ، ووهيب ، وسعيد بن
أبي أيوب ، والليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة ) رووه عن ابن عجلان ، عن بكير بن عبد الله الأشج ،
عن العجلان ، عن أبي هريرة وروايتهم أصحّ . فقد توبع محمد بن عجلان على روايته ، كما في رواية
الجمع ، فقد أخرجه مسلم ٥ / ٩٣ (١٦٦٢) من طريق عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله بن
الأشج ، عن العجلان .
فلعل هذا هو السبب الذي جعل الإمام مالك يذكره بلاغاً في موطئه ؛ لأنّه لم يضبطه جيداً ، وعجباً أنّ
الدكتور بشار عوّاد لم يتنبه إلى ذلك في تعليقه على موطّأ مالك في روايتيه (رواية أبي مصعب ورواية يحيى
الليثي) بل لم يشر أبداً إلى الرواية الموصولة من طريق مالك .
قلنا : استشكل بعضهم كون هذا الحديث معضلاً ؛ لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحداً
فقط، لا سيّما وقد سمع مالك من جماعة من أصحاب أبي هريرة كسعيد المقبري ونعيم المجمر ومحمد بن
المنكدر ، فَلِمَ جعلَهُ معضلاً ؟
الجواب : أن مالكاً قد وصله - کما تقدّم - خارج الموطأ فرواه عن محمد بن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي
هريرة ، فتبين أن الساقط اثنان .
وانظر: نكت الزركشي ٢ / ١٨، ومحاسن الاصطلاح: ١٤٩، والتقييد والإيضاح: ٨٢، ونكت ابن
حجر ٢ / ٥٨٢ .
(٢) في (ع ) والتقييد زيادة: ((أي: السجزي)).
١٣٧

قلتُ : وقولُ المصَنِّفينَ مِنَ الفقهاءِ وغيرِهِم: ((قالَ رسولُ الله ◌َّ: كذا
وكذا)) ونحو ذلكَ، كُلُّهُ مِنْ قَبِيلِ المعضلِ ؛ لِما تقدَّمَ. وسَّاهُ الخطيبُ أبو بكرِ الحافظُ
في بعضِ كلامِهِ مُرْسلاً، وذلكَ عَلَى مَذهَبٍ مَنْ يُسَمِّي كُلِّ مَا لا يَتَّصِلُ مُرسلاً كَمَا
سبقَ .
وإذا روى تابعُ التابعِ (١) عَنْ التابعِ (٢) حديثاً موقوفاً عليه ، وهو حديثٌ
مَتَّصِلٌ مسندٌ إلى رسولِ اللهِمَّ(٣) ، فقدْ جَعَلَهُ الحاكِمُ (٤) أبو عبدِ الله نوعاً مِنَ
المعضلِ (٥) ، مثلُهُ: « ما رُوِّينُهُ عَنِ الأعمشِ، عَنِ الشَّعيِّ، قالَ: يُقالُ الرَّجُلِ يومَ
القيامةِ: ((عَمِلْتَ كذا وكذا، فيقولُ: ما عَمِلْتُهُ فَيُخْتَمُ على فيهِ ... الحديثَ)) (٦)،
فقدْ أعضَلَهُ الأعمشُ، وهوَ عِندَ الشَّعِبِيِّ: عَنْ أنسِ، عَنْ رسولِ اللهِلَلَّ مَتَّصِلاً
مُسْنَداً (٧) .
قلتُ : هذا حَيِّدٌ حَسَنٌ ؛ لأنَّ هَذَا الانقطاعَ بواحدٍ مضموماً إلى الوقفِ يشتملُ
عَلَى الانقطاعِ باثنينِ: الصحابيِّ ورسولِ اللهِ ﴿، فذلكَ باستحقاقِ اسمِ الإعضالِ
أَوْلَى ، واللهُ أعلمُ .
(١) في ( ب): ((التابعي)).
(٢) في (أ) و ( ب): ((التابعي)).
(٣) قال ابن حجر ٢ / ٥٨١: ((مراده بذلك تخصيص هذا القسم الثاني من قسمي المعضل، بما اختلف
الرواة فيه على التابعي ، بأن يكون بعضهم وصله مرفوعاً ، وبعضهم وقفه على التابعي ، بخلاف القسم
الأول فإنه أعم من أن يكون له إسناد آخر متصل أو لا )).
(٤) في (جـ ): ((الحافظ)).
(٥) معرفة علوم الحديث : ٣٧ - ٣٨ .
(٦) أخرجه من هذا الوجه معضلاً الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٨ .
(٧) ورواه من هذا الوجه متصلاً مسنداً: مسلم ٨ / ٢٦٧ (٢٩٦٩)، والنسائي في الكبرى ( ١١٦٥٣)،
وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٣ / ٥٧٧ - وابن أبي الدنيا في التوبة وابن مردويه في تفسيره
- كما ذكره السيوطي في الدر المنثور ٧ / ٦٧ - .
١٣٨

تَفْرِيْعَاتٌ
أحدُها: الإِسنادُ المعنعنُ ، وهو الذي يُقالُ فيه: ((فلانٌ عَنْ فلان)) عَدَّهُ
بعضُ الناسِ مِنْ قَبِيلِ المرسَلِ والمنقطعِ حَتَّى يَبْنَ (١) أَيِّصَالُهُ بغيرِهِ . والصحيحُ والذي عليهِ
العملُ : أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الإسنادِ المَّصِلِ (٢) . وإلى هذا ذهبَ الجماهيرُ مِنَ أتْمَّةِ الحديثِ
وغيرِهِمْ، وأودَعَهُ المشترطونَ للصحيحِ في تصانيفِهِم فيهِ (٣) وقَبِلُوهُ، وكادَ (٤) أبو عمرَ بنُ
عبدِ البِّ الحافظُ يَدَّعِي إجماعَ أئمَّةِ الحديثِ على ذلكَ . وادْعَى أبو عمرو الدائيُّ المقرِئُ
الحافِظُ إجماعَ أهلِ النَّقلِ على ذلكَ (٥) ، وهذا بشرطِ أنْ يكونَ الذينَ أُضيفَتِ العَنعنةُ
(١) في ( ع) والتقييد والشذا: ((يتبين)).
(٢) قال الزركشي ٢ / ٢١: ((حاصله حكاية قولين فيه :
أحدهما : أنه من قبيل المرسل والمنقطع ، وعبارة المازري في حكايته في شرح البرهان : ومِنَ الناس مَنْ لَمْ
يرَ هذا تصريحاً بالمسند وتوقف فيه مخافة أن يكون مرسلاً .
والثاني : أنه متصل بشرطين : وجود المعاصرة ، مع البراءة من التدليس )) .
(٣) سقطت من (ب) و (جـ).
(٤) قال الزركشي ٢ / ٢٢: (( لا حاجة لقوله: ((كاد))، فقد ادعاه في أول كتابه التمهيد - ١ / ١٣ -
وعبارته : (( أجمع أهل العلم على قبول الإسناد المعنعن بثلاثة شروط : عدالة المخبرين ، ولقاء بعضهم
بعضاً ، وأن يكونوا براء من التدليس .
ولم يذكر ابن الصلاح الشرط الأول ظناً أنه يؤخذ من الثالث)). وانظر: التقييد: ٨٣ .
قال ابن حجر ٢ /٥٨٣: ((إنما عبّر هنا بقوله: ((كاد))؛ لأن ابن عبد البرّ إنما جزم بإجماعهم على
قبوله ، ولا يلزم منه إجماعهم على أنه من قبيل المتصل )).
(٥) قال الزركشي ٢ / ٢٣: (( ما نقله عن الداني وجدته في جزء له في علوم الحديث، فقال: ((وما كان
من الأحاديث المعنعنة التي يقول فيها ناقلوها: ((عن)) ((عن)) فهي أيضاً مسندة بإجماع أهل النقلى ، إذا
عرف أن الناقل أدرك المنقول عنه إدراكاً بيّناً )). وسبق الزركشي إلى هذا العزو ابن رشيد في السنن
الأبين : ٣٦ . لكن البقاعي عزا هذا النقل إلى كتاب القراءات للداني . النكت الوفية ١٢٩ / ب.
قلنا : وسبق الجميع إلى نقل الإجماع على الاتصال ، الحاكم في المعرفة : ٣٤ ، والخطيب في الكفاية :
(٤٢١ ت، ٢٩١ هـ)، فكان الأولى بابن الصلاح نقله عنهما فإنهما من أئمّة المحدّثين. وانظر: نكت
الزركشي ٢ / ٢٤، ونكت ابن حجر ٢ /٥٨٣.
ثم إنّ في النقل عن أبي عمرو الداني اضطراباً ، فانظر ما كتبه محقّق شرح السيوطي على ألفية العراقي: ٦٧،
وما علقناه على شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٨٣.
١٣٩

إليهم قدْ ثَبَتَتْ مُلاقاةُ بعضِهِم بَعضاً مَعَ بِراءَتِهِم مِنْ وصْمَةِ (١) التَّدليسِ ، فحينَئذٍ يُحْمَلُ
على ظاهرِ الاِّصالِ إلاّ أنْ يَظْهَرَ فِيهِ خلافُ ذلكَ .
وكُثُرَ في عصرِنا وما قَارَبَهُ بينَ المنتسبينَ إلى الحديثِ استعمالُ ((عَنْ)) في الإجازةِ ،
فإذا قالَ أحدُهُمْ : ((قرأتُ على فلانِ عَنْ فلانٍ)) أو (٢) نحوَ ذلكَ فَظُنَّ بِهِ(٣) أَنَّهُ رواهُ
عنهُ بالإجازةِ ، ولا يُخْرِجُهُ ذلكَ مِنْ قبيلِ الاتّصالِ على ما لا يخفَى ، والله أعلمُ .
الثاني : اختَلَفُوا في قولِ الراوي: (( أنّ فلاناً قالَ: كذا وكذا)) هَلْ هوَ بمنزلةٍ
((عَنْ)) في الحَمْلِ عَلَى الأَنِّصالِ إذا ثبتَ التلاقي بينهُما حَتَّى يتبيّنَ فيهِ الانقطاعُ ؟ مثالُهُ:
((مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيّ: أنَّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ قالَ: كذا)). فَرُوِّيْنَا عَنْ مالِكٍ ﴿ه: أنَّهُ
كانَ يَرى («عَنْ فلانٍ)) و (أنّ فلاناً)) سواءٌ. وعَنْ أحمدَ بنِ حنبلٍَُ: أَنَّهُما ليسا سواءٌ (٤).
(١) يُقَالُ: وَصَمَهُ يَصِمُهُ وَصْماً، أي: عابَهُ، والَوَصْمَةُ: واحدةُ الوَصْمِ ، أي: العيب والعار. انظر:
اللسان ١٢ / ٦٣٩، ومتن اللغة ٥ / ٧٦٨ .
(٢) في ( ب): ((و)) .
(٣) (( به )) ليست في (ب). قال الزركشي ٢ / ٣١: ((قال المصنّف: هو أمر من الظن)).
قال البقاعي: (( فظُنَّ بهِ: هو فعل أمرٍ ؛ وإنما أمر بالظن ولم يطلق الحكم ؛ لأن في زمنه لم يكن تقرر
الاصطلاح : أن ذلك للإجازة ، وإنما كان قد فشا ذلك الاستعمال فيهم ، وأما في هذا الزمان فمتى
وجدنا محدّثاً قال : حدَّثْني فلان - مثلاً - عن فلان ، فإنا نتحقق أن ذلك إجازة ؛ لأنّ الاصطلاح تقرر
على ذلك)). النكت الوفية ١٣٤ / أ.
(٤) الكفاية : ( ٥٧٥ ت ، ٤٠٧ هـ ) .
قال الزركشي ٢ / ٣١ : (( حاصله حكاية قولين :
أحدهما : أنهما سواء ، ويؤيده أن لغة بني تميم إبدال العين من الهمزة .
والثاني : أنهما ليسا سواء ونسبه لأحمد بن حنبل والذي حكاه الخطيب في الكفاية بإسناده إلى أبي داود
قال: (( سمعت أحمد بن حنبل ، قيل له : إن رجلاً قال : عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله ، وعن
عروة ، عن عائشة ، سواء ، قال : كيف هذا سواء ؟! ليس هذا بسواء .
وإنما فرّق أحمد بين اللفظين في هذه الصورة ؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة ، ولا
أدرك القصة فكانت مرسلة ، وأما اللفظ الثاني فأسند ذلك إليها بالعنعنة فكانت متصلة )).
قلنا : ولابن حجر تفصيل أطول فانظره في نكته ٥٩٠/٢، وارجع إلى شرح التبصرة والتذكرة ٢٨٦/١
وما بعدها .
١٤٠