Indexed OCR Text
Pages 281-300
أصل كتاب التقريب ٢٨٣ = كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني لكن ما هو أصل (التقريب) هذا؟ هو كتاب مختصر جدًّاً من (التهذيب) لابن حجر نفسه اختصره للحاجة إليه، وللسؤال الوارد عليه مع إبقاء زبدة الأمر على ما هي عليه، لكن هذا يصعب، فإن غالب المختصرات حتى في مجال أحكام العبادات والمعاملات لابد وأن يقع فيها خلل ما، من أجل ذلك قد تكون المختصرات عالة على الأصول حتى وإن كان المختصر هو صاحب الأصل وخصوصاً إذا كان هذا يتعلق بالترجمة لمعرفة رجال السند الموصل إلى المتن، فإن أي خلل في مثل هذا قد يسبب جهالة راو، أو اتصال أو انقطاع سند، بحكم تشابه الأسماء في الكنى والنسب والمبهمات، بحكم اختلاف ميزان كل راو ما بين قوي وضعيف، من أجل ذلك يقع هنا لازم الحذر، وطول النظر، وشدة المراجعة؛ لئلا يحصل ما لا يجب حصوله لمثل سبب من هذه الأسباب. وقد حصل لابن حجر هذا في (التقريب) وحصل في (التهذیب) كذلك، ولم يختص ابن حجر وحده، فقد حصل مثله عند غيره ممن كتب في تراجم الرجال، بل إن كثيراً من الباحثين المعاصرين يحصل لهم هذا بسبب عجلة النظر، وسرعة الرغبة في الحصول على الدرجة العلمية، ولكون الخلفية وموهبة الاستقصاء فيهما ضعف كبير، وقد يحصل عجلة نفسية فينظر كثير منهم إلى شهرة الراوي فيوثقه بناء على هذا، أو أن بعضهم يوثق الراوي على وجه مجمل سواء كان ما يرويه في الشرق أو في الغرب، مع أن هذا يدل - ما في ذلك شك - على عدم الإِحاطة والتمكن البعيد من نظر حال الرواة من : =١٨٤ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني البلدان، والشيوخ، والصغر، والكبر. وعوامة يساهم في مثل هذا مساهمة جيدة، وهو يعرض للتقريب يقول في ص ١٨: (ولفت نظري عدم تراجم في ((التقريب)) وهي موجودة في أصله مثل إبراهيم بن حرب العسقلاني، وبكربن بكار القيسي، وخالد بن أسلم القرشي، والثلاثة من رجال بعض الكتب الستة الأصول). (وفي التهذيب أيضاً تراجم لإِبراهيم بن مهاجر الأزدي، وإسماعيل بن يعقوب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت، ومحمد بن أسامة بن محمد بن محمد بن زيد، ومحمد بن أسامة النخعي، كل هؤلاء ذكرهم تمييزاً). ولهذا فإن دقة النظر، واستعادة الصور الذهنية للرجال تفيد مع صدق النية والفهم الجيد للمطلوب نظره من الرواة، فإن الذين ترجموا للرجال ابتداء أو نقلوا عن سواهم يحصل لهم ما يحصل لغيرهم من السهو والنسيان؛ بسبب كثرة المادة، وتشابه الأسماء عندهم، وهذا وقع كثيراً لدى مصنفي كتب الرجال خلال القرون الطوال من ابتداء التأليف في هذا العلم حتى هذا الحين، والحال اليوم أصعب للاعتماد فقط على التسجيل والقراءة الذاتية، ولكون طلاب العلم انصرفوا عن الحلقات خصوصاً الحديث، وعلم التخريج، والتصحيح والتضعيف بوجه خاص، وقد أجمل صاحب المقدمة كما في الصفحات ١٩/١٨/١٧ شيئاً مما وقع فيه ابن حجر من إهمال ٢٨٥ = كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني الضبط بغير قصد، واختلافه مع نفسه تارة يكون مع ما سجله في الكتاب، وتارة مع ما سجله في كتاب آخر له مثل ((تبصير المنتبه)). فمثال الإهمال للإِحالة كما في ص ١٩: (ما تقدم في الحديث عن ترتيبه للتراجم: قال عند رقم ٥٧٦٦ ((فصل ت خال)) أي: لا توجد ترجمة لمن اسمه محمد، واسم أبيه مبدوء بحرف التاء مع أنه ترجم تمييزاً لمحمد بن تسنيم الحضرمي برقم ٥٨١٣ عند ترجمة: محمد بن الحسن بن تسنيم الأزدي، أي بعد سبع وأربعين ترجمة، فكان يحسن أن يذكره هنا ويحيل على موضع ترجمته، فإن هذا مما يفوت على الباحث الوقوف على الترجمة مطلقاً) ما لم يكن لديه خلفية ثقيلة، ومعرفة للطريقة، أو الحال التي يسلكها مؤلفو كتب الرجال، وهذا شبيه بحال الطبقات، فإن تحديد الرواة وطبقاتهم حسب عنصري (الزمان والمكان) أمر جد ضروري وإلا حصل اللبس المؤدي إلى خلل قد يطول ضرره عند تداخل الرواة في الطبقات، وفي طريقة ابن حجر مثار خوف كبير لمن عدم الخلفية في مثل هذا، لما يتطلبه وضع كتب الرجال من التنبه وسؤال أهل هذا العلم الذين لا يخلو منهم عصر ومصر بإذن الله تعالى. وكما هو الحاصل في إهمال الإِحالة، فإنه قد حصل قصور العبارة في تراكيب الأسماء، ولعل هذا من ابن حجر اختصار، لكنه يدخل في سلم التدليس في الأسماء دون انتباه لهذا أصلاً، فعند ترجمة رقم ٤١ قال: ((أحمد بن سعيد الحراني، صوابه: ابن أبي شعيب)) ص ١٩. ويسبب قصور العبارة التباساً شديداً خصوصاً عند تشابه الأسماء في العصر الواحد، أو في عصور وأمكنة مختلفة عند من فقد طول النظر وتتبع تراجم الرجال من مظانها الأصلية، وأفواه الثقات الذين سجلت لهم السؤالات والإِجابات حول كثير من الرجال ما بين قوي الرواية وضعيفها. =٢٨٦ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني وعند العودة إلى ص ٢٣ نجد (عوامة) يقول في بيان منهج ابن حجر: (ولكن هل خطته أن يتخير قولاً من الأقوال التي أمامه ويعتمده في (التقريب)؟ أو أنه يستخلص قولاً من مجموعها ويسبكه بعبارة من عنده؟ ويخلص الدارس للتقريب بعد هذا التساؤل الى أن ابن حجر جمع الأمرين معاً) كذلك قال في ص ٢٤: (فقد يختار كلمة من الكلمات التي قيلت في الراوي، وقد يصوغ من عنده كلمة هي خلاصة ومزيج من جملة الأقوال). (مثال الحالة الأولى: ترجم لمحمد بن حاتم بن سليمان الزَّمَّ وقال عنه: (ثقة)، وذكر في (التهذيب) أن صالح بن محمد الأسدي والنسائي والدارقطني قالوا عنه: (ثقة)، وأن ابن حبان ذكره في (الثقات)، ونقل عن أبي حاتم وحده أنه قال فيه: صدوق). قال عوامة: (فيكون المصنف قد اختار قول الجماعة وتوثيقھم علی قول أبي حاتم) ٢٤ ص. وهذا مذهب سديد في الموازنة عند نقد الترجمة للرواة الذين يحتاجهم العلماء للوصول إلى صحة السند، وابن حجر في نقله توثيق الزَّمَّي، يصدر عن علم يسبقه فهم، لكني هنا في مجال نقد التراجم أدعو للتحري، ودقة المتابعة من أصولها إذا توفرت، ومع أن صاحب التقريب (ثقة) فیما ینقله عن صالح بن محمد، والنسائي، والدارقطني، وابن حبان، لكن مقتضى فحولة البحث أن يعاد إلى الأصول التي أشار إليها ابن حجر، ثم يضاف ابن حجر فيقال ووافقهم في توثيقه؛ لأنه لم يوافقهم إلا لتمام قناعته بهذا، ولکون من ذكرهم أئمة كباراً علماء حقّاً، ثم إن ابن حبان لم ينفرد بتوثيق الزَّمَّي. وقول أبي حاتم الرازي: صدوق لم يعلل، والمقتضى هنا الإِشارة إلى قول أبي حاتم فيه مع عدم الأخذ به، لكن يشار إليه للالتصاق الموجب لقوله فيه : صدوق. ٢٨٧ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني ولست ممن يرى العودة إلى الناقلين من الأصول مع وجودها فقد يكون في الأصل ما لا عند الناقل عنه من الإِشارة والعلة والذكر في عموم أو خصوص، ولعل في العودة إلى أصول كتب الرجال إحياءً لها، وبعثاً لما فيها، وزيادة علم، وتوسع مدرك لدى المتأخرين في مثل عصورنا هذه، والله المستعان . وأذهب إلى ما ذهب إليه ابن حجر في الرجل، ومحمل قول أبي حاتم ضيق؛ لانعدام السبب المادي الموجب له. وكنت أطمع من محمد بن عوامة - وهو يصاحب التقريب ويعرضه علينا - أن يُشير إلى علل الطرح النقدي للرجال ولو بشكل مقتضب خفيف أو يشير - في مثل هذا - إلى مرجعه، لسهولة النظر، وحتى تحيا أصول كتب كبار العلماء البررة الأخيار. ومثال الحال الثانية كذلك، ورد في ص ٢٤ : (قال عن توبة أبي صدقة الأنصاري: ((مقبول)) ونص ما في التهذيب: قال أبو الفتح الأزدي: لا يُحتج به، وقرأتُ بخط الذهبي : بل هو ثقة، روى عنه شعبة، يعني وروايته عنه توثيق له، فكلمة الأزدي على ما فيها (لا يحتج به) فيها غمز للرجل غير شدید، لأن عدم الاحتجاج لا يلزم منه الضعف دائماً، وتوثيقه برواية شعبة عنه توثيق غير وثيق، لكنه حكم إجمالي لا قاعدة مطردة. فلما تعارض هذا الغمز مع هذا التوثيق، ولد منهما حكماً من عند نفسه) ص ٢٤. فقال: (مقبول). وهذه الطريقة (لابن حجر) - رحمه الله تعالى - فيها هدوء بين في مسألة نقد توبة أبي صدقة الأنصاري، ولم يشأ (عوامة) هنا التوسع في نظر هذا الميزان الأنصاري، فلست أظن ابن حجر لم يقف على ما قيل في الأنصاري هذا في التراجم. ٢٨٨ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني وشعبة بن الحجاج - رحمه الله تعالی - کما ورد هنا ((لا يروي إلا عن ثقة)) لكن قد وقع خلاف هذا كما في ((الكامل)) أن شعبة روى عن بقية بن الوليد حديث: ((اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب وأهل الفسق، فإنه سيجيء من بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الرهبانية والنوح والغناء لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم)) اهـ. قلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) كما في المجمع ١٦٩/٧، وابن الجوزي في ((الواهيات)) ١١٨/١، ونسبه التبريزي في ((المشكاة)) ٦٧٦/١ للبيهقي في شعب الإيمان، قلت: وهو كما قال. والحديث هذا ضعيف جدّاً، لعلل كثيرة تسقطه، والمقصود أنني أناقش ابن حجر في رواية شعبة عن الأنصاري وألوم ((عوامة)) بعدم استقصاء الطرح للترجمة وإن كان قد قال: (لكنه حكم إجمالي لا قاعدة مطردة) فهذه عبارة علمية عامة فيها تحرز، لكنها لا تدخل تحت باب النقد لرواية شعبة عن الأنصاري من وجه علمي يحسن السكوت عليه. وابن عدي في الكامل أورد رواية شعبة عن بقية ۔ مع أنه یدلس - كما في العلل لابن أبي حاتم، والمراد الذي أذهب إليه هنا - إن صحت رواية ابن عدي ۔ هو أن شعبة مع شدته قد روی ممن کان یدلس، لكن قد يقال - وهو الصواب بالنسبة لرواية شعبة بن الحجاج عن بقية -: إن شعبة لم يطلع على تدليس من بقية، خصوصاً أنه قد يصرح بالسماع، وبقية بن الولید من أخيار هذه الأمة عبادة واجتهاداً، وقد قال ابن حبان - رحمه الله - في (المجروحين): إن بقية ابتلي بتلاميذ سوء كانوا يسوون حديثه. قلتُ: هذا قريب جداً من الصواب، من أجل ذلك فإن نقد الترجمة يحتاج أمره إلى ٢٨٩) = كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني طول مكث بين كتب الرجال، ونظر الموازين من كافة الوجوه، وإن الاقتصار على كتاب أو كتابين لا تبرأ به الذمة، فلابد للعلماء وطلاب العلم من التوسع، والبذل، والرصد المتناهي، والسؤال، ثم تُرقم الترجمة بحذر وفهم سدیدین. والذي أراه هنا - بعد هذا التناول وما فهمته من نظر حال الأنصاري من خلال رواية شعبة، ونقل الذهبي وإجماله قول: ثقة - أنه مقبول يتابع، والله أعلم. ولقد تناول ابن حجر الصحابة، وبين حالهم ورسمهم في الطبقة الأولى، وبين شرفهم وعظيم جهودهم تعريضاً بالذكر، قال ابن الأنباري كما في (فتح المغيث) ١٠٦/٣ يحكي حال عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - بكلام علمي متقن: (وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة، وطلب التزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح) ص ٢٥، المقدمة، كلام موزون كريم دل على فهم وفقه ونبل، يقول الإِمام الخطيب البغدادي - رحمه الله - في كتابه (الكفاية) ص ٤٦: (وعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن) ص ٢٥ . فهذا الكلام مع ما قبله من ابن الأنباري - رحمه الله - يدلك على التمكن الجاد من فهم حقيقة تراجم الرجال، وما قال أحد في الصحابة منكراً من القول، فإنما هو يعارض نص التزكية الشرعية أصلاً، وقد صح : =٢٩٠ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني ((لا تسبوا أصحابي)) فذمّهم والنيل منهم على أساس الترجمة العلمية وبيان الحق في هذا إنما يدل على نفاق، وإبطان السوء كحال من ذم أبا هريرة، وثوبان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعمروبن العاص، وأبا موسى الأشعري، وخباب بن الإِرث، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، وعائشة، وسواهم، وإن كان من ذمهم أو يذمهم كما يزعم بحسن نية، فهو أحمق جاهل، لأن النيل منهم ينال فيما جاءنا عن طريقهم من أحكام شرعية، فكيف تكون الحال إذاً؟ أما ما جرى بينهم فهم قد اجتهدوا فيه ولا يظن بواحد منهم تعمد الخطأ إن حصل، ولا ندخل في هذا فقد زكاهم الله - تعالى - وزكاهم نبيه - صلى الله عليه وسلم - فما نحن بالذين يقولون سمعنا وعصينا. وقد نبّه ابن العربي في (العواصم من القواصم) إلى شيء عظيم يُستند إليه . من أجل ذلك فإن الذين يكتبون التراجم في هذه العصور الحديثة يخشى عليهم سوء الخاتمة، وسوء التاريخ الذي يسجل تراجمهم زاعمين إخضاع تراجم الصحابة لميزان النظر الدقيق وهم أنفسهم من هم؟ ولهذا أرى لازم استيفاء القول عند ترجمة صحابي ما أن ينظر نيته، ومراده بجانب سعة علمه، ودقة فهمه، فمن يترجم للصحابة فليتسلح بالحذر، والإِخلاص، والعلم المتمكن، والفهم الجاد السديد، ولعله ينجو بفضل الله تعالى. وإذا وقفنا على هذا فيما يتعلق في الصحابة فإن ابن حجر قد بين لنا مراتب التعديل، وعالجها باقتضاب (عوامة) في ص ٢٦/٢٥ لكن يلزم هنا ونحن نعرض لنقد تراجم ابن حجر من خلال كتابه (التقريب) أن نتطرق ٢٩١ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني إلى المرتبة الخامسة من (مراتب الجرح والتعديل) والتي حصل فيها خلاف بين العلماء، ولما كانت هذه المسألة دقيقة رأيت أن أتعرض لها ويمكن أن أتناولها في مكان آخر من هذا الكتاب؛ لجلالها، والحاجة إليها، يقول صاحب (التقريب) في ص ٧٤: (الخامسة من قصر عن الرابعة قليلاً وإليه الإِشارة بصدوق سبىء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطىء، أو تغير بآخره، ويلتحق بذلك من رمي بنوع من ((البدعة)) ... إلخ). والذي أريده هنا هو تناول ما جاء في ص ٢٦ من كلام الدارس على التقريب (وهذا لا يتفق وما قرره هو وغيره من العلماء أن البدعة لا تقدح في عدالة الراوي قدحاً مطلقاً إنما لها تفصيل معلوم مشهور). (وقد قال المنصف في ((الفتح)) ١٨٢/١٠: ((كتاب الطب)) باب ما يذكر في الطاعون، عن أبي بلبح الكوفي اسمه يحيى، وثقه ابن معين، والنسائي، وجماعة، وضعفه جماعة بسبب التشيع، وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور). (وهذا يؤكد أن هذه المراتب خاصة بالتقريب لا عامة). قلتُ: صحیح، وهذا نهجه ابن حجر نهجاً واضحاً، وهو ما دعاني إلى القول بضرورة عدم الاقتصار في التراجم علی کتاب أو کتابین من کتب التراجم، بل لابد من التوسع، ودقة الموازنة، والترجمة على أساس متمكن، أما البدعة فسوف - إن شاء الله تعالى - أتناولها ببسط في غير هذا الموضع، وهنا مسألة قل من يقف عليها في تراجم الرواة الذين يبحثون السند من خلال نظر حال رجاله، ليصح السند، أو يقع خلاف ذلك، ولاشك أن معرفة مراتب الجرح والتعديل مع فقه ما تعنيه بدقة، وإحاطة تعطي الناظر طريقاً محموداً نحو الأمانة ووضع كل شيء في موضعه، وقد عالج دارس ٢٩٢ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني التقريب في المقدمة هذا بشيء من الاختصار الضيق، فقال في ص ٢٧ : (ثم قال - رحمه الله -: ((السادسة، من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع وإلا فلينّ الحديث))). (فهذه المرتبة تشتمل على لين الحديث وعلى المقبول، ولكل منهما ثلاثة شروط : أما لين الحديث فشروطه : ١ - أن یکون قلیل الحدیث. ٢ - أن لا يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله. ٣ - أن ينفرد بالحديث، فلا يتابع. أما المقبول فشروطه : ١ - أن يكون قليل الحديث. ٢ - أن لا يثبت فيه ما یترك حديثه من أجله. ٣ - أن لا ينفرد بالحديث بل يتابع عليه. وقد فسر الدارس رأيه بما أوافقه عليه بعد عرضه لكلام ابن حجر هذا، فهو يقول: (هذا تبسيط لكلام المصنف) ثم أشار وهو صحيح، أن هذه المراتب خاصة (بالتقريب) إلخ ص ٢٧ . قال: وبيان ذلك: (قلة حديث من يوصف باللين أو القبول، وهذا أمر لا علاقة له بمن يقال فيه: (لين) أو (مقبول)). ثم قال بعد ذلك وبعد أن ذكر: (قلة حديث من يوصف باللين) أنه الأول من الشروط. (وثانيهما: أن لا يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وهذا أيضاً لا علاقة له بمن يوصف بلين أو قبول، وذلك أن الراوي إذا كان صدوقاً وبدرت منه أوهام نادرة يقولون فيه: صدوق ربما أخطأ أو يخطىء، أويهم، ٢٩٣ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني فإن زادت قليلاً جدًّاً قالوا فیه: صدوق له أوهام، فإن زادت قالوا: صدوق سيىء الحفظ، فإن زادت قالوا: فيه لين، وتركوا كلمة صدوق، فإن زادت قليلاً قليلاً قالوا: لين الحدیث) ص ٢٧، وهذا - حسب فهمي - صحيح في الجملة، ولعله الذي عليه عامة علماء النقد. والذي يطالع ابن حجر في التقريب للحكم على من يريد من الرواة أرى له سعة البال جدًّاً، فينظر بهدوء وسكينة، ويعيد النظر مرة ومرة، ثم يوازن بين ما ذكره في التقريب وبين ما ذكره غيره من مترجمي الرجال، ولست أرى لناقد ما أن يقول: وقال ابن حجر في (التقريب) عن فلان: ضعيف، أو مقبول، فیبني على هذا ثم لا يورد قول آخرین عمن قيل فيه: ضعيف أو مقبول. خذ مثلاً حيًّاً: (الوليد بن زوران) قال فيه هنا في (التقريب): ((لين الحدیث))، وقد تابعه ثابت البناني في روايته لحديث أنس بن مالك في حديث (تخليل اللحية في الوضوء) وقد قال عنه: وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد، لكنه قال في (تلخيص الحبير): ((مجهول الحال)) ٨٦/١، يعني الوليد. فإذا تدبرت هذا وصاحب لديك النظر والقلب حسن القراءة تبين لك ضرورة القراءة عن التراجم من كافة الوجوه المترجمة للرجال في مطولات الكتب، فكيف يكون الوليد بن زوران ثقة، ولم يضعفه أحد، ويكون من جهة لين الحديث ومن جهة ثانية مجهول الحال؟! لابد إذاً من التدبر وسعة النظر، براءةً للذمة، وهروباً صوب التقوى. ولابد في مثل هذا من نظر الرواة، فقد يكون للواحد منهم أكثر من حديث، وهذا حاصل ومعروف، ففي حال نقد الترجمة يتوجب بحث هذا، ونظر موجبات الاختلاف. ٢٩٤ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني وقول محمد بن عوامة كما في ص ٢٨: (إن هذا متعذر جدًّاً) لا أرى له وجهاً علميًّاً يسنده أو يقوم عليه، بل تتبع كل راو ممكن وما المانع منه إذا توفرت النية الصالحة وتوفر معها الرغبة، والحرص، والوقت، والكتب، ونقد التراجم يوجب هذا، ولابد للوصول إلى سلامة السند، ومعرفة أمره ليوصلنا هذا إلى المتن الذي هو المقصد على كل حال، وأرى في مثل هذه الحالات إذا عجز الباحث عن الوصول إلی کافة الأحاديث أن يسأل غيره من ذوي المواهب، وقد كان أحمد بن حنبل يسأل يحيى بن معين، وكان محمد الذهلي يسأل البخاري كلاهما عن الرجال، ولقد دوَّن ابن أبي حاتم في (علله) قواعد توحي بمثل هذا، فإذا عجز عن هذا فيقول عبارة: (لم أقف له على جرح أو تعديل)، أو يقول: (لم أقف عليه)، ثم يعطي السند حكماً بقدره، ولا يُقال عن مثل هذا الراوي (مجهول) بل يقول كما ذكرت لإِثبات منهج الأمانة، وكأن هذا إشارة منه إلى لازم البحث عن هذا الراوي، أو ذاك. أرأيت ابن حبان في الثقات، والعقيلي في الضعفاء، بل وغيرهما كثير کیف یثبت لدی البحث والجد وطول المکث أنهم ذكروا خلاف ما للراوي من جرح وتعديل، وإنما ذكروا ما ذكروا اجتهاداً منهم، وما كل مجتهد مصیب، فالتنبه لهذا أمر جد ضروري ومُلح . . نقد منهج الطبقات عند ابن حجر كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني ولعل کتاب ((التقریب)) من الكتب التي هي خلاصة القول فیما يمكن قوله عن ترجمة الرواة، أو قل - إن شئت -: نقد الرجال، وإذا كان هذا هو الحاصل فلعل طريقته جاءت مجتهدة متورعة، ووقف على جديد في میزان بعض الرجال، لكن لعله اتّسم بالذهول؛ لكثرة النظر، والعجلة دون قصدها، فحصل ما حصل مما يجب على العلماء والباحثين معه عدم الاقتصار عليه؛ بل لابد أن يكون معه غيره براءة للذمة، وسيراً مع العدل، ولزوماً للتقوى. وابن حجر في بحثه للطبقات قد حصل له في التقريب كما حصل له من قبل ما حصل بشأن نقد بعض الرواة. لقد جاء عند ابن حجر أنه جعل الصحابة - رضي الله عنهم - طبقة واحدة على اختلاف طبقاتهم، وهو الأمر الذي دونه ((عوامة)) وهو صواب، وجعل التابعين خمس طبقات: كبرى، ووسطى، وصغرى، ولأتباعهم ثلاث طبقات أخرى: كبرى، ووسطى، وصغرى، وألحق بالصغرى نفراً قليلاً من شيوخ بعض الأئمة كبعض شيوخ النسائي، ولقلة عددهم لم يفردهم بطبقة خاصة بهم، قلتُ: هذا هو الحاصل. ثم بدأ ابن حجر يُبين مصطلحه الذي يسير عليه في الوفيات ص ٤٢. ولهذا وكما ورد في ص ٤٣: (إنما ينبغي للناظر في كتابه أن يحفظ مصطلحاته، ويفهم مراده، ویوفق بين ما رسمه وبين تطبيقه له) وهذا هو ما سار عليه في نهجه، وهو ما يجعل القارىء له في حيرة ما لم يدرك طريقته بالقراءة أكثر من مرة بتمعن وتدبر عميقين، مع روية وأناة وصبر، (فالمائة الثانية قسمها على ست طبقات، فيكون للطبقة الواحدة تقريباً نحو ١٧ سنة، أي من يقول عنه من الثالثة فوفاته في حدود سنة ١٢٠ هـ، ومن الرابعة =٢٩٨ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني بين ١٣٥ - ١٤٠ هـ وهكذا) ص ٤٣. (ومن قال عنه من الثامنة فوفاته أواخر القرن الثاني) ص ٤٣. وإذا كان ما سلكه ابن حجر في (التقریب) يخالف ما سلكه غيره فإن الأمر يفصله الاصطلاح بين ما سلكه كل مترجم حسب منهجه، ولخطورة هذه المسألة - حسب فهمي - فإنها تحتاج براعة ثقيلة من كل دارس للتراجم عند كل مترجم خلال عمر تدوين كتب التراجم من القديم وحتى الآن، ولكون هناك بعض التداخل، لاختلاف الوفيات بين راوٍ وراو مما يتعلق انتماؤه لطبقة هي أصلح له حسب السنة فإن الإشكال يقع بحسب اختلاف المترجمين، ونحن نسوق مزيداً من الإيضاح، لمعرفة منهج المصنف لنعرف أيضاً منهج سواه لو أردناه من الوقوف بحذف تام على مصطلح هذا وذاك. ففي ص ٤٣ جاء ما يلي: (ليست هذه التحديدات حدوداً منطقية لا يجوز الخروج عنها، إنما هي مرتبطة بأمر آخر هام، هو المقياس الذي لا يجوز تجاوزه بحال وهو: الشيوخ الذين أدركهم وأخذ عنهم، ثم بعد ذلك قد يطول عمر هذا الراوي فتكون وفاته في عصر الطبقة التي بعده لتأخرها، وقد يقصر عمره فيتوفى في عصر الطبقة التي قبله، فلا يصح النظر في تاريخ الوفاة والطبقة التي حددها). وحتى يتضح منهجه فيما لا إشكال ولا يتعسر على العلماء بحثه من الرواة بالنسبة لمعرفة الطبقة فقد حدد هو- رحمه الله تعالی - ذلك، وهذا أمر معروف لمن نظر في أكثر من ترجمة، ولهذا فقد لاحظ الدارس له هذه الناحية فبين في ص ٤٤ المسلك بشيء من تضييق العبارة فهو يورد: (فإن اختل التناسب بينهما خطّأنا المصنف إنما الطبقة عنده ملاحظ فيها ثلاثة أمور: أهمها الشیوخ الذین أخذ عنهم، ثم ولادته، ثم وفاته، وإنما أخرتُ ٢٩٩ = كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني معرفة الولادة عن معرفة الشيوخ يقول (عوامة): (لأنه قد تتقدم ولادته ولكنه يتأخر في الطلب والسماع وإن كان بينهما تلازم في غالب الأحيان). قلت: وهذا حق، فالتقريب مشحون بمثل هذا فإن كثيراً من العلماء الرواة يتأخر سماعهم ويطلبونه بعد مضي شيء من العمر فيفوتهم - بإذن الله تعالى - بعض الشيوخ بسبب الوفاة، ويأخذ عن المتأخرين، ويشارك رواة کثیرین تأخرت ولادتهم عنهم، ولقد دونت كتب التراجم والطبقات خاصة شيئاً وليس التقريب هو الوحيد (فتذكرة الحفاظ) (والكاشف) (وطبقات علماء الحديث) وقبلها (ابن سعد)، (وابن عبدالبر)، (وابن عساكر) تسجل فيها أمثلة من هذا، وهذه نقطة مهمة لضرورة معرفة حال الرجال من الأوجه كلها، لمعرفة حقيقة حياة الراوي للوقوف على سماعه وشيوخه، وأترابه، وتلاميذه، لأن معرفته من لوازم نقد الترجمة بتمام إكمال المعرفة المحيطة بعلم وفهم سليمين، وعدل وتجرد وورع، ويغني ما ذكرته عن ضرب الأمثلة في إيراد أسماء التراجم، فإن قراءة (التقريب) وبجانبه (التهذيب) تعطيك شيئاً من هذا كثير يسعفك عند الحاجة للأخذ، والدرس، والتحليل، ونشر العلم، وإحياء السنة، لعل الأمة تنهض بقيام عظيم عاقل محتسب يكون له من الله النّصر. ولعلي في الذيل أورد السبب الباعث لابن حجر على تصنيفه هذا السفر حتى يكون أمام القارىء السبب واضحاً، ولكي تسفر أمامه ملابسات سبب نقدي له بعدما تقدم نقله من (عوامة) ومما رقمه ابن حجر نفسه، يقول في المقدمة ص ٧٣: (فإنني لما فرغت من (تهذيب ((تهذيب الكمال)» في أسماء الرجال) الذي جمعتَ فيه مقصود ((التهذيب)) لحافظ عصره، أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضممت إليه مقصود ((إكماله)) للعلامة علاء الدين مغلطاي مقتصراً منه على ما اعتبرته ٣٠٠ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني علیه وصححته من مظانه من بیان أحوالهم أيضاً، وزدت علیھما في كثير من التراجم ما يتعجب من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما، وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعاً حسناً عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل ((والثلث كثير))، فالتمس مني بعض الإِخوان أن أجرد له الأسماء خاصة فلم أوثر ذلك، لقلة جدواه على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطلبته على وجه يحصل مقصوده بالإِفادة، ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي: أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم ... إلخ) ٧٤/٧٣. وللتصور العام لتصنيف ابن حجر فإنه ألف (التقريب) انتهاءً سنة ٨٢٧هـ واسمه بالكامل حسب النسخة الأم بخط (١١٤٥ - ١٢٠٥): ((كتاب تقريب التهذيب في رجال الكتب الستة))، أما ((التهذيب)) فسنة ٨٠٨هـ، وأما ((فتح الباري)) فسنة ٨٤٢هـ، وكان قد بدأه سنة ٨١٧هـ، ونظر هذا مهم فكن منه على بينة.