Indexed OCR Text

Pages 181-200

=W
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ولن تجد تحت هذه الأسماء نهج المترجمين غالباً، لكنه ترجم هنا بعبارة
علمية مسندة، يحتاجها من يترجم أو ينتقد، أو يستفيد.
وكتاب التوابين قد اعتنى به محمد بن جمال الترك، هكذا ورد على
الغلاف .
وقد كنت إخاله حققه وصحح ما فيه مما يحتاج إلى تصحيح من
الناحية العلمية والتخريج ونحو ذلك من المهم، لكني ألفيته قد اعتنى به
من الناحية الفنية فشرح بعض العبارات، وترجم في الهامش لبعض
الصحابة، وهذا جيد، بل لعله يكفي إخراج هذا الكتاب إلى النور - بإذن
الله تعالى وتوفيقه -، وذلك حتى يقف المؤرخون وعلماء السير، ونقاد السند
- وهو المهم - على حقيقة أصول الترجمة، وطبيعة كل مصنف.
وهذا الكتاب قد طبعته ونشرته مؤسسة الريان في بيروت، لكنها
۔ حسب فهمي نحو هذا - تتحمل بعض المؤاخذة، وقد كان بإمكانها جعل
التعب مرة واحدة علميًّاً وفنيّاً، وسوف نستعرض لترجمة أبي سفيان بن
الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم، ثم ننظر بعد ذلك ما يحتاج إلى نظر كما
هو الغاية من هذا الكتاب، وعلى الله تعالى وحده التكلان.
قال: ((أخبرنا سعد الله بن نجا، أنا القاضي أبو بكر محمد بن
عبدالباقي، أنا الحسن بن علي الجوهري، أنا أبو عمروبن حيوية، أنا
عبدالوهاب بن أبي حية، أنا محمد بن شجاع البلخي، ثنا محمد بن عمر
الواقدي، حدثني سعيد بن مسلم عن عبدالرحمن بن سابط وغيره، قال:
كان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من
الرضاعة، أرضعته حلیمة، وکان یألف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وكان له ترباً، فلما بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاداه عداوة لم

=١٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
يعاد أحداً قط مثلها، وهجا رسول الله - صلی الله علیه وسلم - وأصحابه،
فمكث عشرين سنة عدوًّا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهجو
المسلمين ويهجونه، ولا يتخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ثم إن الله ألقى في قلبه الإِسلام.
قال أبو سفيان، فقلت: من أصحب ومع من أكون؟ قد ضرب
الإِسلام بجرانه [أي استقام] فجئت زوجي وولدي فقلت: تهيؤوا فقد أظل
قدوم محمد.
قالوا: قد آن لك أن تبصر أن العرب والعجم قد تبعت محمداً، وأنت
موضع في عداوته، وكنت أولى بنصره.
فقلت لغلامي مذكور: عجل بأبعرة وفرس.
قال: ثم سرنا حتى نزلنا الأبواء [قرب المدينة وقيل: جبل]. وقد
نزلت مقدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأبواء، فتنكرت، وخفت
أن أُقتل، وکان رسول الله - صلی الله عليه وسلم - قد نذر دمي [أي أهدر
دمي فقاتلي لا يلحقه حكم].
فخرجت على قدمي نحواً من ميل، وأقبل الناس رسلاً رسلاً [أي
جماعة جماعة] فتنحيت فرقاً [خوفاً] من أصحابه، فلما طلع في الصحابة
تصديت له تلقاء وجهه فلما ملأ عينيه مني أعرض بوجهه إلى الناحية
الأخرى، فتحولت إلى وجهته الأخرى، فأعرض عني مراراً فأخذني ما قرب
وما بعد، وقلت: إني مقتول قبل أن أصل إليه، وأتذكر بره ورحمه فيمسك
ذلك في، وقد کنت لا أُشك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه
سيفرحون بإسلامي فرحاً شديداً؛ لقرابتي لرسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فلما رأى المسلمون إعراض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني،
أعرضوا جميعاً.

١٨٣ =
كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
فلقيني ابن أبي قحافة [أبو بكر الصديق] معرضاً عني، ونظرت إلى
عمر [بن الخطاب] يغري بي رجلاً من الأنصار. فقال لي: يا عدو الله أنت
الذي كنت تؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتؤذي أصحابه، قد
بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته، فرددت بعض الرد عن نفسي،
واستطال عليَّ ورفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من الناس، يسرون
بما يفعل بي، قال: فدخلت على عمي العباس، فقال: يا عم، قد كنت
أرجو أن يفرح بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامي لقرابتي
وشرفي، وقد كان منه ما رأيت فكلّمه فيَّ ليرضى عني، قال: لا، والله لا
أكلمه أبداً بعد الذي رأيت إلا أن أرى وجهاً [أي فرصة]. وإني لأجلّ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهابه، فقلت: يا عم إلى من تكلني؟
قال: هو ذاك.
قال: فلقيت عليًَّ [بن أبي طالب] فكلمته، فقال لي مثل ذلك.
فرجعت إلى العباس، فقلت: يا عم! فكف عني الرجل الذي يشتمني،
قال: صفه لي، فقلت: هو ذاك آدم شديد الأدمة، قال: ذاك نعيمان بن
الحارث النجاري، فأرسل إليه.
فقال: يا نعيمان، إن أبا سفيان ابن عم رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وابن خي، وإن يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساخطاً
علیه فسیرضی عنه فکف عنه.
فبعد لأي ما كفَّ، وقال: لا أعرض له.
قال أبو سفيان: فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - حتى راح إلى الجحفة [موضع معروف بين مكة والمدينة]
وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين، وجعلت لا ينزل منزلاً إلا وأنا على
بابه ومعي ابني جعفر قائم، فلا يراني إلا أعرض عني.

= ١٨٤
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
فخرجت على هذه الحال حتى شهدت فتح مكة، وأنا في خيله التي
تلازمه حتى نزل الأبطح [الآن هو داخل مكة وقد يطلق عليه العزيزية]
فدنوت من باب قبته فنظر إليَّ نظراً هو ألين من ذلك النظر الأول، ورجوت
أن يبتسم، ودخل عليه نساء بني عبدالمطلب، ودخلت معهن زوجتي فرقّقته
عليَّ، وخرج إلى المسجد، وأنا بين يديه لا أفارقه على حال، حتى خرج إلى
هوازن، فخرجت معه، وقد جمعت العرب جمعاً لم تجمع مثله قط، وخرجوا
بالنساء والذرية والماشية، فلما لقيتهم قلت [أي في نفسي] اليوم يرى إثري
إن شاء الله تعالى. فلما لقيناهم حملوا الحملة التي ذكر الله ﴿ثم وليتم
مدبرين﴾. وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته الشهباء
وجرد سيفه، فاقتحمت عن فرسي وبيدي السيف صلتاً قد كسرت جفنه،
والله يعلم أني أريد الموت دونه، وهو ينظر إليَّ، وأخذ العباس بلجام البغلة،
فأخذت الجانب الآخر فقال: من هذا؟
فقال العباس: أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث، فارض عنه
أي رسول الله!
قال: قد فعلت.
فغفر الله كل عداوة عادانيها، فأقبل رجله في الركاب، ثم التفت
إليَّ، فقال: أخي لعمري.
ثم أمر العباس فقال: ناد يا أصحاب سورة البقرة، يا أصحاب
السمرة، يا للمهاجرين، يا للأنصار، يا للخزرج! فأجابوا: لبيك داعي
الله! وكروا كرة رجل واحد قد حطموا الجفون، وشرعوا الرماح، وخفضوا
عوالي الأسنة، وأرقلوا إرقال الفحول، فرأيتني وإني لأخاف على رسول الله
۔ صلی الله عليه وسلم - مشروع رماحهم حتى أحدقوا برسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، وقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدماً في نحور

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
القوم، ما يألو ما تقدم، فما قامت لهم قائمة حتى طردتهم قدر فرسخ وتفرقوا
في کل وجه.
وروي عن العباس بن عبدالمطلب - رضي الله عنه - قال: لقد رأيت
النبي - صلى الله عليه وسلم - وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث، فأتيته
حتى أخذت بحكمة بغلته وكنت رجلاً صيتاً، فقال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة،
فناديت: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة، قال: فأقبلوا كأنهم الإِبل
إذا حنت على أولادها يقولون: لبيك لبيك.
وروي أنهم عطفوا عطفة البقر على أولادها، قد شرعوا الرماح، حتى
إني لأخاف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رماحهم أشد من خوفي
رماح المشركين، يؤمون الصوت ويقولون: لبيك لبيك.
قال: والتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ إلى أبي
سفيان بن الحارث، وهو مقنع بالحديد وهو آخذ بثغر بغلة النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال: من هذا؟
قال: ابن أمك يا رسول الله .
ويقال إنه قال: أخوك، فداك أبي وأمي، أبو سفيان بن الحارث.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم، أخي، ناولني حصى
من الأرض، فناوله، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه،
فمرت كأنها عنانة [أي سحابة]. فدخلت في أعينهم كلهم فانهزموا، وذكر
ابن عبدالبر بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: مر علينا أبو
سفيان بن الحارث فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هلمي يا عائشة
حتى أريك ابن عمي الشاعر الذي كان يهجوني أول من يدخل المسجد
٠

کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وآخر من يخرج منه، لا يجاوز طرفه شراك نعله.
وروي أنه کان لا يرفع رأسه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حياء
منه .
وقال عند موته: لا تبكوا عليَّ، فما تنطفت بخطيئة منذ أسلمت،
وبكى على النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيراً، ورثاه فقال:
وليلُ أخي المصيبة فيه طولُ
أرقتُ وبات ليلي لا يزول
أصيب المسلمون به قليلُ
وأسعدني البكاءُ وذاك فيما
عشيةً قيل: قد قُبضَ الرسولُ
لقد عَظُمت مصيبتنا وجلَّت
تكاد بنا جوانِبُها تميلُ
فأضحت أرضنا مما عراها
يروح به ويغدو جبرئيلُ
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
نفوس الناس أو كادت تسيلُ
وذاك أحق ما سالت عليه
بما يوحى إليه وما يقولُ
نبيّ كان يجلو الشكّ عنا
ويهدينا فلا يخشى علينا
أفاطم إن جزعت فذاك عذر
ضلال والرسول لنا دليلٌ
وإنْ لم تجزعي فهو السبيلُ
ثم ينهي المصنف حياة هذا الصحابي الجليل بهذه الأبيات وهي أبيات
جمعت بين اليقين والصبر.
وبعد فلعل كتاب التوابين واحد مما يجب الاعتناء به، وتصحيح
نصوصه، وتوثيقها، والاعتناء بمصادر النص.
وأبين هنا بعض الأمور المهمة لعل كافة المعتنين بتراث السلف
ينهضون ابتداء بثقة وصبر، ووعي وإخلاص، وفهم عميق، وجدة حية
حتى يقوم الأهل وذوو الاختصاص المتمكن من الاعتناء وجوباً لازماً بتراثهم
العظيم فيسدون الطريق أمام العابثين.

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وإن كان قد جاء نثرات من هذه الأمور في الكتاب حين حديثي عند
كل مناسبة إلا أنني أكرر هذا للحاجة إليه، ولمعرفة الحال من الحال.
وأول هذه الأمور:
أن يستفيد المحقق وسواه من جهود المحققين غيره من الذين سبقوه،
وإن كانوا معاصرين له حتى لا تتداخل العلوم التحقيقية فيظن ظان ما أن
هناك اقتباساً مع عدم الإِشارة إلى المقتبس منه، ومن يدري هذا وذاك أن لا
اقتباس قد حصل؟ ! .
ثانياً: العودة إلى كتب التراجم بعامة عند إرادة الجرح أو التعديل،
وفي حالة الترجمة فقط، فلعله يكفي اثنان، أو ثلاثة للتوثيق.
ثالثاً: ضرورة الوقوف بفهم جيد على مراد العلماء من كلامهم حين
یذکرون قاعدة أو أصلاً في الترجمة ونحو ذلك.
رابعاً: الموازنة والجمع بين العبارات التي يصدرها الأئمة.
خامساً: معرفة الفرق بين علماء التراجم وعلماء المتون، وكتاب
السير.
سادساً: معرفة قاعدة كل كتاب في السير المطولة وشيوخه.
أما کتاب التوابین فیظھر لي منہ ۔ حسب علمي - ما يلي:
أولاً: أن سند غالب الروايات ضعيف، وانظر سند هذه الرواية من
توبة أبي سفيان بن الحارث ففيها الإِمام الواقدي، قالوا: ضعيف، وفيها
مجاهیل.
ثانياً: قد وردت صيغة التمريض أكثر من مرة ((روي)) هكذا، وكأن
المصنف - رحمه الله تعالى - يريد الإِشارة إلى ضعف الرواية، من خلال
الوارد .
ثالثاً: كان بإمكان المصنف إيراد السند الصحيح لهذه الرواية، لكنه

=١٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
جاء بها هكذا، ليورد النص حسب سنده هو، فتنبه أي عن شيوخه ..
إلخ.
رابعاً: کان يهدف من وراء هذا الكتاب ليس مجرد السند، لكنه أراد
العبرة من الرواية، وهذا ليس عذراً له، لكنه لعله لم يقع له - حسب علمه -
الضعف في سند الرواية المتسلسل.
أما المعتني بالكتاب فقد ترك أصولاً مهمة لو كان أراد التحقيق أو
التعليق، لكني فهمت منه أنه يعتني به فقط من الناحية الظاهرة، ولعل مثل
هذا الكتاب سهل التناول من حيث التخريج، لصحة أصول الروايات
الواردة هنا، فكلها لها أصل صحيح - حسب علمي - وما وقع لي حولها،
وانظر ما جاء في ص ٥٨/٥٧/٥٦/٥٥.
وکذا ما جاء في ص ٧٩ فھو یقول:
((ثم أخبره عن أهل فارس أن الجند عشرون ومائة ألف، وأسلم
الرجل، وعاد طليحة وقال: لا والله لا تغلبون مادمتم على ما أرى من الوفاء
والصدق)) ... إلخ.
وقد وردت أصول لغزوة حنين في الصحيح وغيره، كما وردت فيها
آيات من كتاب الله الكريم، فكان ينبغي تقييد الرواية بها، أو ذكر ما يلزم
منه آخر السند بقول: صح عندي هذا، لإِمكان صحة ما رواه ابن قدامة
بالنسبة له.

المزي
مقدمة جليلة له
أصل كتاب التهذيب
منهجه فيه
حياته

١٩١
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
يقول الحافظ النحرير جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي في
ص ١٤٥ من المجلد الأول ط ١٤٠٦/٤ هـ: ((أما بعد فإن الله تعالى وله
الحمد، لم يخل الأرض من قائم له بحجة، وداع إليه على بصيرة، لكي لا
تبطل حجج الله وبيناته، فهم كما وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
- رضي الله عنه - حيث يقول: أولئك هم الأقلون عدداً، الأعظمون عند
الله قدراً، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المترفون،
وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة
بالمحل الأعلى شوقاً إلى لقائهم)). إلى أن قال ص ١٤٧: ((وأما السنة فإن الله
- تعالى - وفق لها حفاظاً عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون
عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في
تصنيفها، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة، حرصاً على
حفظها وخوفاً من إضاعتها، وكان من أحسنها تصنيفاً وأجودها تأليفاً،
وأكثرها صواباً، وأقلها خطأً، وأعمها نفعاً، وأعودها فائدة، وأعظمها بركة،
وأيسرها مؤونة، وأحسنها قبولاً عند الموافق والمخالف، وأجلها موقعاً عند
الخاصة والعامة صحيح أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، ثم
صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، ثم بعدهما كتاب السنن
لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثم كتاب الجامع لأبي عيسى
محمد بن عيسى الترمذي، ثم كتاب السنن لأبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب
النسائي، ثم كتاب السنن لأبي عبدالله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه
القزويني .. إلخ)).
ثم بین - رحمه الله تعالی ۔ منهجه في التهذيب، فھو یقول في ص
١٤٧ : (وكان من جملة ذلك كتاب الكمال الذي صنفه الحافظ أبو محمد
عبدالغني بن عبدالواحد بن علي بن سرور المقدسي - رحمة الله عليه - في

=١٩٢
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
معرفة أحوال الرواة الذين اشتملت عليهم هذه الكتب الستة، وهو كتاب
نفیس، کثیر الفائدة، لکن لم یصرف مصنفه - رحمه الله - عنایته إلیه حق
صرفها). إلى قوله: (فلما وقفت على ذلك، أردت تهذيب الكتاب وإصلاح
ما وقع فيه من الوهم والإِغفال، واستدراك ما حصل فيه من النقص
والإِخلال، فتتبعت الأسماء التي حصل إغفالها منهما فإذا هي أسماء كثيرة
تزيد على مئات عديدة من أسماء الرجال والنساء، ثم وقفت على عدة
مصنفات لهؤلاء الأئمة الستة غير هذه الكتب الستة، وستأتي أسماؤها قريباً
- إن شاء الله تعالى - فإذا هي تشتمل على أسماء كثيرة ليس لها ذكر في الكتب
الستة، ولا في شيء منها، فتتبعتها تتبعاً تامًّاً، وأضفتها إلى ما قبلها، فكان
مجموع ذلك زيادة على ألف وسبعمائة اسم من الرجال والنساء، فترددت بين
كتابتها مفردة عن الأصل، وجعلها كتاباً مستقلاً بنفسه، وبين إضافتها إلى
كتاب الأصل، ونظمها في سلكه، فوقعت الخيرةُ على إضافتها إلى كتاب
الأصل، ونظمها في سلكه، وتمييزها بعلامة تفوزها عنه، وهو أن أكتب
الاسم واسم الأب أو ما يجري مجراه بالحمرة، وأقتصر في الأصل على كتابة
الاسم خاصة بالحمرة) ص ١٤٨ /١٤٩.
(وجعلت لكل مصنف علامة، فإن تكرر الاسم في أكثر من مصنف
واحد اقتصرت على عزوه إلى بعضها في الغالب) ص ١٤٩ .
ثم طرح بيان ما يسير عليه عند العزو، لسهولة معرفة مرجعه للعودة
إليه عند الحاجة، علماً أن طريقته هذه قد تكون مشابهة لغيره ممن ترجم
للرجال، أو انتقد التخريج بسبب بيان ما لدى أصحاب الكتب الستة من
الصحيح والضعيف، ولهذا فلابد للدارس من حفظ هذه الرموز، أو
الإِحاطة بها، وإن لم يكن كذلك فإنه يحسن به نظرها، وتكرار النظر إليها
خشية وقوع اللبس عند التدوین، فیحصل التدلیس بدون قصد.

١٩٣ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
يقول المزي: (فعلامة ما اتفق عليه الجماعة الستة في الكتب الستة
(ع).
وعلامة ما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة في سننهم الأربعة (٤).
وعلامة ما أخرجه البخاري في الصحيح (خ).
وعلامة ما استشهد به في الصحيح تعليقاً (خت).
وعلامة ما أخرجه في كتاب القراءة خلف الإِمام (ز).
وعلامة ما أخرجه في كتاب رفع اليدين في الصلاة (ي).
وعلامة ما أخرجه في كتاب الأدب (بخ).
وعلامة ما أخرجه في كتاب أفعال العباد (عخ).
وعلامة ما أخرجه في الصحيح (م).
وعلامة ما أخرجه في مقدمة كتابه (مق).
وعلامة ما أخرجه أبو داود في كتاب السنن (د).
وعلامة ما أخرجه في كتاب المراسيل (مد).
وعلامة ما أخرجه في كتاب الرد على أهل القدر (قد).
وعلامة ما أخرجه في كتاب الناسخ والمنسوخ (حد).
وعلامة ما أخرجه في كتاب التفرد وهو ما تفرد به أهل الأمصار من السنن
(ف).
وعلامة ما أخرجه في فضائل الأنصار (صد).
وعلامة ما أخرجه في كتاب المسائل التي سأل عنها أبا عبدالله أحمد بن
محمد بن حنبل (ل).
وعلامة ما أخرجه في مسند حدیث مالك بن أنس (كد).
وعلامة ما أخرجه الترمذي في الجامع (ت).
وعلامة ما أخرجه في كتاب الشمائل (تم).

=١٩٤
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وعلامة ما أخرجه النسائي في كتاب السنن (س).
وعلامة ما أخرجه في كتاب عمل اليوم والليلة (سي).
وعلامة ما أخرجه في کتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - (ص).
وعلامة ما أخرجه في مسند علي - رضي الله عنه - (عس).
وعلامة ما أخرجه في مسند حدیث مالك بن أنس (کن).
وعلامة ما أخرجه ابن ماجه القزويني في كتاب السنن (ق).
وعلامة ما أخرجه في كتاب التفسير (فق)).
ص ١٥١/١٥٠/ ١٥٢ حتى ١٥٦.
ولد الحافظ المزي سنة ٦٥٤هـ من شهر ربيع الآخر، وظهر نبوغه
مبكراً، فاهم بنفسه، وطلب العلم، وزاحم العلماء بجد وجلد، وحسن
خلق وأدب جم، وكان نظر الحديث على يد الشيخ المعمر زين الدين أبي
العباس أحمد الحداد، ويعتبر الإِمام الحداد من أكثر الذين قرأ عليهم المزي،
وكان أبو العباس أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحداد، ذا
ثقة، ومنزلة طيبة في نفوس العلماء، فأخذوا عنه، ونظروا في علمه، وقد
ظهرت آثار تربيته للمزي عليه من الجلد، وسعة النظر، والهدوء، ومحاولة
تدوين الصحيح من الأخبار.
وقد نال المزي قسطاً كبيراً - بجانب الحديث - من اللغة العربية،
والتاريخ، والأدب.
وقد قيض الله - تعالى - له صلته بالإِمام أبي العباس أحمد بن
عبدالحليم بن تيمية شيخ الإِسلام، ومن لك بمثله في مثل زمانه، وإنا
لننتظر مثله .

١٩٥ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
جاء في ص ٢٣/٢٢ من م ١ قال المعلق: معروف: (وكان ابن تيمية
كثير الاعتماد على المزي وعلمه ومعرفته، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة
٧٠٩هـ بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون وجلس في القاهرة ينشر علمه،
احتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، فكتب إلى أهله كتاباً يطلب جملة من
كتب العلم التي له، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك بجمال المزي).
: (وحينما ولي المزي أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الأشرفية سنة
٧١٨هـ فرح ابن تيمية فرحاً عظيماً بذلك).
(ولما توفي شيخ الإسلام ابن تيمية مسجوناً بقلعة دمشق لم يسمح
لأحد بالدخول أول الأمر إلا خواص أصحابه، قال ابن کثیر: ((وکنت فیمن
حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي - رحمه الله - وكشفت عن
وجه الشيخ، ونظرت إليه وقبلته، ثم شرعوا في غسل الشيخ، وخرجت إلى
مسجد هناك، ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله منهم شيخنا الحافظ
المزي وجماعة من كبار الصالحين الأخيار أهل العلم والإِيمان، ولما مات المزي
بعد ذلك بأربعة عشر عاماً دفن غربي قبر رفيقه وصديقه ابن تيمية - رضي
الله عنهما -))). ص ٢٣، البداية والنهاية / جـ ١٤ ص ١٩٠/١٩٢/١٣٨
لا بن کثیر. معروف.
هذه جمل لطيفة مهمة عن (المزي) تبين إمامته، وعلمه، وصلاح
معتقده الجيد، وأنه في كتابه (التهذيب) يصدر عن علم وفهم، وأنه لا غرابة
في الإِشادة به، وكونه مرجعاً عظيماً في التراجم لمن جاء بعده، أما زبدة ما
یمکن ذكره عن تهذيب الكمال في أسماء الرجال فقد ورد في ص ٧٣ من كلام
المحقق: (بدأ المزي في وضع كتابه في صيغته النهائية منذ مطلع سنة ٧٠٥
للهجرة، وبدأ يحدث به منذ سنة ٧٠٦هـ على الرغم من أنه لم يتمه إلا في
أواخر سنة ٧١٢هـ، فجاء في أربعة عشر مجلداً بخطه، وقد طال عمر

=
١٩٦
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
المزي، ومتعه الله بالصحة الجيدة، وصحة الحواس إلى آخر عمره، واشتهر
كتابه في حياته، وسارت به الركبان، فحدث بكتابه خمس مرات بين سنة
٧٠٦ وسنة ٧٤٢هـ، فسمع الكتاب عليه خلال هذه الستة والثلاثين عاماً
عدد كبير من المعنيين بهذا الشأن، واجتهدوا في تثبيت خطه على نسخهم،
ثم نال هذا الكتاب طوال القرون التالية منزلة رفيعة .. إلخ). ص
٠١٢/٧٦/٧٥/٧٤/٧٣
وبهذا يكون المزي ويكون كتابه علمين بارزين في سماء هذه الأمة
المسلمة لهما حق الحفظ والثناء والأخذ منهما بما وافق الحق، وهذا أقوله، لأنني
مازجني إعجاب بالكتاب بما حصل بين دفتيه من ترجمة شبه شاملة مع قدرة
جيدة على محاولة استيعاب ما لصاحب الترجمة مما قيل فيه، ولستُ أمام هذا
السفر أحاول نقده، لكن لابد لي - حسب فهمي - من تناول ما يمكن تناوله
لمثله؛ إذ المقام يقتضي هذا للحاجة إليه فأبدأ قائلاً:
أولاً: أن غالب ما يحتويه ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) من أقوال
أئمة الجرح والتعديل منقول من كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، فهو
يقول في ص ١٥٢ /م ١ : (واعلم أن ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة
الجرح والتعديل ونحو ذلك فعامته منقول من كتاب الجرح والتعديل لأبي
محمد عبدالرحمن بن حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ).
وهذا من المزي ليس بمستنكر أن يُبين حقيقة مصدره، وهو اعتراف
بجميل صنع من سلف، وكنت قد بينت ما لزم نحو كتاب الجرح والتعديل،
فيعاد إليه للتثبت والموازنة وزيادة رسوخ الحفظ وزيادة الفهم.
على أنني آخذ على المزي هذا خاصة وقد لمست من مجريات حياته
سعة مدركه، لاسيما وقد عول على (الكامل) للجرجاني، و(تاريخ بغداد)

١٩٧
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
للبغدادي، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر، فقد كان عليه - رحمه الله تعالى -
أن يبين رأيه بعد نقد لطرح من سبقه سواء كان صاحب (الكمال في أسماء
الرجال) أو غيره ممن عول عليهم في تراجمه.
يقول في ص ١٥٣/م ١: (وما كان فيه من ذلك منقولاً من غير هذه
الكتب الأربعة، فهو أقل مما كان فيه منقولاً منها، أو من بعضها).
فهو هنا يثبت أن هذه الكتب الأربعة هي لبّ كتابه، وما فيه من
غيرها فهو القليل، وهنا لم يشر إليها كعادة كثيرين ممن أرَّخ أو ترجم، لكني
وجدته في كتابه (التهذيب)) عوّل جدًّاً على (الكمال) بل يكاد يكون هو هو،
نعم زاد عليه ونقّحه وعدَّل فيه، وأغلب الظن أن من لم يقارن بين الكتابين
مقارنة علمية ناقدة يظن أنهما يفترقان، بينما التهذيب هو الكمال مع ما أشرت
إليه .
ولهذا أجزم كل الجزم بأن مادة التهذيب خلاصة لمادة (الكمال)
للمقدسي، وإن حصل إضافة وتنقيح وتهذيب فهذا ما يقتضيه مقام
التهذيب من حيث المعنى اللغوي والاصطلاحي سواء بسواء، ولست مع
(معروف) فيما ذهب إليه يقول في المقدمة التحقيقية ص ٤٢: (والحق أن
المزي قد تجاوز کتاب ((الکمال» في کتابه هذا تجاوزاً أصبح معه التناسب بينهما
أمراً بعيداً ... إلخ). فهذه المبالغة أنست (معروف) منهج (الكمال) ورصفه
للتراجم وطريقته، وبين المحقق في ص ٤٣/م١ فضل التهذيب، فهو
يقول: (اقتصر كتاب ((الكمال)) على رواة الكتب الستة، فاستدرك المزي ما
فات المؤلف من رواة هذه الكتب أولاً، وهم كثرة، ودقق في الذين
ذكرهم ... إلخ).
قلت: هذا مما يقتضيه معنی التهذيب، ثم إن المزي في تدقیقه للذين
أوردهم المقدسي يحتاج إلى طرح موازن دقيق، وكما قد أشرت إلى هذه النقطة

=١٩٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
بالذات عند نقد الترجمة، بأنه لا یکتفی بکتاب واحد، أو نقد واحد، فهل
تدقيق المزي محطة نهائية، إن مقتضى قواعد وأسس الجرح والتعديل تنقبض
إزاء هذا، فلو اعتبرنا تدقیقه مع ما طرحه من (جرح أو تعديل) نهاية لكل
حكم وترجمة، لجعلناه الأصل، ولم نعول على ما سواه في تراجمه في كتابه.
ولعل بشار بن عواد بن معروف يوافقني على هذا ما في ذلك شك.
ثم الكثرة التي رمز إليها (معروف) في ص ٤٥ من تحقيقه ليست دليلاً
على شيء هائل، فإني رأيت المزي يترجم ويطيل في بعض التراجم، خذ مثلاً
(جـ ١/حـ/٢) وغيرهما خصوصاً إذا كان المترجم له مشهوراً، نعم هي حال
ضرورية؛ لأن حكمنا على الشخص ينطلق أصلاً من تصورنا لحياته
(الخاصة العلمية) لكن العبرة ليست هنا، لكنها في (تعديله ومنزلته) وما عدا
هذا نناله بأوفر طريق من (التراجم الخاصة).
ثانياً: قال الحافظ المزي في ص ١٥٣ من/م١ :
(ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله خوف
التطويل، وقد ذكرنا من ذلك الشيء بعد الشيء؛ لئلا يخلو الكتاب من
الإِسناد على عادة من تقدمنا من الأئمة في ذلك).
لعل هذه مسألة من المسائل المهمة حسب علمي وفهمي المبني على
الحرص والخوف معاً، أما الحرص فحتى ينشأ علماء الفقه والأصول والتفسير
والتاريخ والدعوة على الحياة المنبسطة المذكور فيها السند صحيحاً كان أو
ضعيفاً، فما ينشب هؤلاء العلماء خلال السنين ثم خلال القرون من حفظ
الرجال، ومحبة السند، وقد يدفعهم هذا - أو يدفع بعضهم - إلى الاهتمام
بالسند (رواية ودراية) وكفى بهذا إحياءً للأخيار من هذه الأمة قرناً قرناً.
ولقد سمعت تواتراً أن كثيراً ممن يهتم بالفقه أو التفسير وسواهما لا

=000
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
يوردون السند، بل لعل بعضهم يحب إيراد المتن هكذا دون السند الموصل
إليه، وكثير منهم قد لا يقف على حقيقة الرواة، ولا يعطي الوقت حقه
بدراسة السند، ولهذا حصل الخلط بين الصحيح والضعيف، والحديث
والأثر، وزيادة الصحابي، وزيادة الثقة، وتداخل العلم والإِنشاء والوعظ
معاً؛ ولهذا حينما ترك السند، أو قيل نتركه لعلماء الجرح والتعديل لأن مهمتنا
إيراد النص الدال على المسألة وهذا يكفي اختلط الموضوع بالضعيف بالرأي
بالحديث الصحيح، أفلا يحق لي الحرص ولیس الخبر کالعیان؟!
وأما الخوف فهو مما نراه اليوم من خصوم هذا الدين من المستشرقين
والمعلقين بهم، وكم يطرب العدو بالإِنشائيات، ومجرد الوعظ والبحث مجرداً
من النص الصحيح، أما الضعيف فهم يريدون نشره، ويدعون إليه،
وحينئذ كيف نواجه القوم كما واجههم من قبل ابن عباس، وعمار بن ياسر،
وأبو موسى الأشعري، وابن عمر، وابن عمرو، وابن سيرين، وشعبة بن
الحجاج، والسفيانان، وسواهم خلال القرون الأول والثاني والثالث؟ لا
جرم فالخوف حاصل وهو معروف من الواقع اليوم بالضرورة ولم يكن يقصد
- المزي ـ إلا ما علل به السبب، إذ قال: (خوف التطويل)
ص ١٥٣ م/١.
ولا يقال: انقطعت الرواية في هذه الأعصر، لأنا نعلم ذلك، وقائل
هذا القول مثل الذي يقول: لماذا ندرس الفرق الضالة فقد ذهبت وزالت،
وكما أن الأول فيه جهل بمقتضى الرواية بالسند ولابد، فإن الثاني جهله
مركب، فنحن هنا لا نقول بالتسلسل للرواية إلى هذا الحين، فقد توقف
وعرف الصحيح من الضعيف، وكفينا إياه، لكن نريد إحياء هذه المسألة
الضرورية الملحة، فلولا السند لقال من شاء ما شاء، والإِسناد من الدين،

=٠
كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وهل الذي هو من الدين يترك؟
وإذا كنت لا أرى ما ذهب إليه المزي من هذا فإن كتابه يعطي صورة
الاتصال السند من وجه مترابط، ألا ترى أننا يمكن أن نعود لأصوله فنجد
السند هناك، ووجه النقد هو أن العلة ليست كافية حذف إسناد بعض
الأقوال حتى وإن كانت أقوالاً في (الجرح والتعديل) منسوبة إلى قائل من
العلماء من أي طبقة إذا كان مشهوراً، ولم أجد المحقق ناقش هذه النقطة،
وكان حريّاً به تحريكها، ولو لعبرة الإِشارة والتنبيه.
وكم كنت أنحو باللائمة على الذین یختصرون كتب السنة بحذف
كافة السند إلا الصحابي، لعلة الاختصار، وعدم الإِملال، ومجرد الوصول
إلى النص، إذ هو الأصل المراد، وهؤلاء يعلمون أن كل واحد من رواة هذا
السند وذاك هم من أسباب حصولنا على هذا النص، فلابد من عدم
الحذف، ليعرف حملة العلم من أخيار هذه، ولعل الإِسناد من أهم الأمور
التي يجب المحافظة عليها على مر القرون الطوال.
ثالثاً: قال الحافظ المزي في ص ١٥٣/م ١ نفسها: (وما لم نذكر
إسناده فيما بيننا وبين قائله فما كان من ذلك بصيغة الجزم فهو مما لا نعلم
بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأساً، وما كان منه بصيغة التمريض،
فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر).
وهذا كلام عالم أمین نطق قلمه بحسن خلق صاحبه، وجم تواضعه،
وفتح المجال للدراسة وتحقيق ثابت من ضعيفه، لكن لننظر تطبيق كلامه
هذا الدائر بين: ((بصيغة الجزم)) ((وما كان منه بصيغة التمريض)» كيف يكون
تطبيقه وما هو موقف النقد العلمي تجاهه.
في ص ٢٤٥ قال المزي: (باب الألف - من اسمه أحمد: دفق: