Indexed OCR Text
Pages 101-120
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول وصغاراً ما جاء في/١ ص ياو: يب/: (ثم تتبع ابن أبي حاتم نصوص الأئمة فأخذ عن أبيه، ومحمد بن إبراهيم بن شعيب، ما روياه عن عمروبن علي الفلاس مما قاله باجتهاده، ومما يرويه عن عبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، مما يقولانه باجتهادهما، ومما يرويانه عن سفيان الثوري، وشعبة، وأخذ عن صالح بن أحمد بن حنبل ما يرويه عن أبيه). (وحرص على الاتصال بجميع أصحاب الإِمام أحمد ويحيى بن معين فروى عن أبيه عنهما، وعن أبيه عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وروى عن جماعة من أصحاب أحمد وابن معين .. إلخ)). (وكاتب عبدالله بن أحمد بن حنبل) /ص يب/، وإذا وقفنا على هذا وثمة نقد يسير قدمناه عما يهم تشابه الأسماء، وتداخل الأنساب فإنا نُبين أن المصنف - رحمه الله تعالى - سار في نقده للتراجم سيرة غالب مسلكها الدقة المتناهية، والحرص الشديد على حصول المراد من الترجمة لوضع كل راو وما يناسبه من التوثيق إلخ . ولكن هنا نشير إلى أهم ما تجب ملاحظته على كتاب جامع مانع مثل كتاب: ((الجرح والتعديل)) لا أظن أحداً ممن له عناية بالحديث أو الفتوى من ذوي السبق والتقوى والورع إلا وهو عنده، للحاجة إليه خاصة، ومبنى العلم أصله على الفهم وسبر غور أوجه المسائل، ولعل هذا لا يتأتى إلا بمعرفة أمراض الحديث وعلله والتي بين أمر شيء منها مثل هذا الكتاب وهو يدرس ويحلل أحوال رجال الأسانيد، ويأتي النقد مما رمز إليه (المعلمي) ومما وقفت عليه حسب ما يفتح الله به علي فأبدأ قائلاً: أولاً: لعل ابن أبي حاتم جمع المادة لكتابه، وبدأ يدونها شيئاً، ويتسع هذا التدوين ويضيق بين كل ترجمة وترجمة تقرب أو تبعد، ومن هنا لعله حصل الخطأ بعدم الاستيفاء للترجمة، وسبب الخطأ - كما ظهر لي - قد ينتج عن أمرین : = ١٠٢ کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول ١ - أنه لم يقف على كامل الترجمة فيدونها. ٢ - أنه تعجل كتابة الترجمة ولم ينتظر حتى يستكملها. وهذا قد حصل فیمن ترجم له، لكنه لا یذکر شيخه ولا یذکر من تتلمذ عليه، وأخذ عنه ولو عن طريق الرواية الواحدة، وذكر شيخ واحد ومثله تلميذ واحد أمر مهم، لنظر حال صاحب الترجمة ودرجته. ثانياً: تابع الإِمام البخاري وأخذ عنه كثيراً، فالإِمام أبو عبد الله البخاري يروي أحياناً الترجمة، ويورد شيئاً عنها، لكنه لا ينص، ولست أدري ما هو السبب مع أن هذه مسألة مهمة في بابها لاستكمال روح الترجمة؟ وهنا نجد مصنف ((الجرح والتعديل)) يقول عن الترجمة: هو فلان بن فلان، فيسميه أو يكنيه، أو ينسبه، ويقول هكذا: ((روى عن ... روى عنه .. )) کما ورد في ص یو. والمخرج - حسب نظري - أننا نتأكد من صحة الترجمة عند البخاري، ثم ننظرها عند ابن أبي حاتم، ثم بعد ذلك نتتبع الترجمة في كتب أخرى سابقة ونكثر من هذا، لنحصل على الترجمة المبتورة، فنقف على كامل الحياة بما في ذلك شيخ المترجم له وتلاميذه أو الذي روى عنه صاحب الترجمة المتقدم عليه، أو الذي روى عن المترجم له، ولقد رأيت هذه الطريقة طريقة علمية عظيمة الفائدة لولا ما يحوطها من مشقة، لكن هذا يهون في سبيل تحقيق العلم وضبطه، بل يشعر الإِنسان وهو يقوم بذلك بمتعة كبيرة، وأقول هنا: كم لسلفنا الصالح الكريم من دور عظيم في حفظ السنة والولاء لله - سبحانه وتعالى - في نشرها والدعوة إليها بجلد ووعي وإخلاص. ولقد سبقني المعلمي اليماني - وله فضل في هذا الأمر - إذ قد سد البياض مما عثر عليه مما يخص صاحب الترجمة، وهذه نقطة بالغة الأهمية مثل ١٠٣ = كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول ما ورد في ص ١/٢/٢٠ / ط ١ /: (فقال له رجل: يا أبا عبد الله إني كنت عند أبي عبيدالله يعني الوزير .. إلخ). جاء في كلام المعلمي عليه (ووقع هناك في: ك، يا عبد الله) فبينَّ هنا صحة الوارد مما يدل على ما ذكرته عن صاحب ((الجرح والتعديل)) وكنت أود من المعلمي إطالة التعليق مع بيان المرجع، للمطابقة، ودقة التتبع، وهذا من لوازم التهميش العلمي . ومثل في ص ٤٤ من/م ١: (حدثنا عبدالرحمن، نا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان) ص ٤٥ أيضاً. علق فقال: (هو أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد نسبه إلى جده). قلت: وهذا فيه تدليس في الاسم يوقع في الخطأ، إذا لم يكن صاحب معرفة ضابطة، ولعل هذا وقع إما لذهول أو نقل أو سماع، وكان مقتضى هذا التنبيه إلى المرجع ولو بخفيف النظر، لاستقصاء الترجمة للناظر المريد. وجاء في ص ١٢/٧٥/: (حدثنا عبدالرحمن، نا صالح بن أحمد، نا علي - يعني ابن المدیني - قال ذكرت لیحیی بن سعید حديث أبي إسحاق عن علي بن ربيعة قال: لا أراه سمعه من علي بن ربيعة، ثم قال يحيى: كان سفیان یوهنه). وقد ورد في الهامش من ص ٧٦/٧٥ نفسها: (كان المراد يوهن الحديث لعدم السماع لا أنه يوهن الراوي، فإن أبا إسحاق إمام، وعلي بن ربيعة موثق، والله أعلم). قلت: هذا من المعلمي اليماني تعليق عام لا توضيح لما يقتضيه المقام، ذلك أن مثل هذا يحتاج إلى بسط، وكتاب (ابن أبي حاتم) أصله ١٠٤ = كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول تراجم تحتاج إلى فك في كثير مما ورد حولها، فكان يحسن الربط بين توهين الحديث، وعدم السماع، لأن قول يحيى: كان سفيان يوهنه يسري على الحديث بعلة عدم السماع، فعدم السماع علة قادحة، لأن الأصل هنا في الروايات السماع، وعدمه علة، لكن الوهن الذي هو الضعف يوجب نظر حال علي بن ربيعة، وقد سكت عنه ((محمد الرازي)) لكنه أشار إلى التضعيف بنقل قول سفيان، وقد تشكك (المعلمي) حيث قال: (كان المراد .. إلخ) وينظر هذا السند إلى سفيان، فإن بعضه يُفسر بعضاً، والذي یتبین لي ۔ حسب فهمي - هو ما قدمت آنفاً. وجاء في ص ١٢/٣١٣/: (حدثنا عبدالرحمن، حدثني أبو بكر محمد بن عباس المكي، قال: سمعت الوركاني جار أحمد بن حنبل قال: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس ... إلخ). هذه رواية ابن أبي حاتم، ولعله - مع سياقه لها - كان معاصراً لأحمد صغيراً إذ ذاك، فلست أظن استنكار الذهبي لهذه الرواية في محله، بل لعله قد يحصل ما هو أبلغ، ولم يشأ (المعلمي) نقاش الذهبي فأمِّر استنكاره على ما هو عليه، وهذا يوجع كمال التحقيق، ولم أقف على علة الاستنكار، وقد همش (المعلمي) قال: (ويحتمل أن الوركاني كنى باليهود والنصارى والمجوس عن المبتدعة، وأراد أنه تاب منهم كثير، حين شاهدوا ذاك الجمع وبالغ والله أعلم). وهذه مسألة سارت في التأويل على غير الظاهر الدال عليه واقع الحال، وما يمنع اليهود والنصارى والمجوس من الإِسلام إذا هيأ الله - تعالى - لهم بسبب من الأسباب الدخول في هذا الدين، ولعله قد فاته نص سياق المصنف فهو يقول: (وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس). فالقول بـ (يتحمل أن الوركاني كنى باليهود والنصارى والمجوس عن المبتدعة). کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول ص ٣١٣ م١ استظهار، والمبتدعة فیهم الغالي، وفيهم من هو دون ذلك، وفيهم من هو أقل، وكان كثير من السلف يدخلون بعض المبتدعة غير الخارجين عن الإِسلام بقول أو فعل معهم، بل قد روى البخاري ومسلم وسواهما لبعض أهل البدع خصوصاً: الخوارج، والمرجئة. فلست أظن الوركاني أراد المبتدعة حقيقة، بل أراد حقيقة ما دل عليه ظاهر رواية صاحب ((الجرح والتعديل))، وهذا أمر يقتضيه المراد من الترجمة للإِمام أحمد، وليس في الأمر مبالغة، وإذا أسلم اليهود ... إلخ فيكون ماذا؟ وورد في ص ٣١٤ عند ترجمة يحيى بن معين قال المصنف: (حدثنا عبدالرحمن، قال: سمعت محمد بن مسلم بن وارة وسئل عن علي بن المديني ويحيى بن معين أيهما كان أحفظ؟ قال: كان علي أسرد وأتقن، وكان يحيى بن معین أفهم بصحیح الحدیث وسقيمه). قلت: يقصد أن عليًّاً أحفظ، فعبر بأسرد وأتقن للحفظ، ويحيى أفهم برجال السند، فعبر بصحيح الحديث وسقيمه، والمقارنة حاصلة، وكلاهما: عدل، عدل، ثقة، ثقة، لكن قد اختلف المترجمون حول مقولة محمد بن مسلم مع الاتفاق على جلالة هذين الإِمامين، والمحقق أنهما كانا متساويين في هذا وذاك، والفرق يأتي - حسب علمي المحدود - من كون يحيى أشد وأصعب في النقد بينما علي أهون في هذا مع وضوح النقد وإصابته إلا في قوله: (لا بأس به) فهو يعني بهذا كون الرجل ثقة ولا معدل في ميزان النقد من دقة تحديد منهج هذين الإِمامين وسواهما للوصول إلى فهم ضابط للجرح والتعديل حينما يقوله علي أو يحيى في هذا أو ذاك من الرواة، لأن معرفة حقيقة ودلالة لفظ الجرح أو لفظ التعديل تنطلق من سبر الكلام كله، وما قالاه لحصول حكم واحد وإن اختلف اللفظ، فبينما علي يقول: ثقة نجد ١٠٦ كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول يحيى يقول: ثقة، وهذا لا يحتاج إلى تفسير، وحينما يقول: لم أر مثله، يقول يحيى: ثقة، فهنا أيهما يؤخذ بقوله مع نظر الفرق بين لم أر مثله، وثقة؟ فهنا لابد من ضابط، وهل يكفي قول محمد بن مسلم؟ لست أظن هذا على وجه التفصيل، فلابد إذاً من فقه المراد من كلامهما عن الرواة خصوصاً لمن أراد الترجمة لهما أو أحدهما، أو لمن تتبع کلام واحد منهما في جرح أو تعدیل. وجاء في ص ١٤٤ المجلد/١ /: (إبراهيم بن يزيد بن عمرو أبو عمران النخعي رأى عائشة وأدرك أنس بن مالك ... إلخ). المصنف زاد تعلقي بكتابه، وشغفي به على ما أحسه من نفسي من قصور عن اللحاق بركابه أثناء طرحه، وهذا المجلد الثاني ط ١ بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية يحيدر آباد، ((والجرح والتعديل)) ١٠ مجلدات بما فيها مجلد الفهارس مطبوعة كذلك هناك، أقول: إن هذا المجلد فيه واسع جيد من التناول لاسيما من ص ١ حتى ص ٣٩، فقراءة هذا لعلها من لوازم تمكن العلماء والباحثين، للوقوف على فرض لازم حيال السنة درايتها دراية حكيمة واعية ينتج عنها أو لعله ينتج مجدد عامل مجدد باذل داهية. لكن لنورد ما نحن بحاجة إليه مما ينطوي تحت دائرة النقد، يقول المعلمي في هامشه: (إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمروبن ربيعة بن حارثة بن سعد الفقيه، وكان أعور .. ) ص ١٤٤، كرر معي أيها القارىء قراءة هذا الكلام الذي نقله المهمش عن سواه تجد أنه نقله على علاته: (وكان أعور)، ولو جاء وهو: (الأعور) لقلت: هي صفة معروف بها فـ (وهو الأعور) خلاف: (وكان أعور) ثم بين من هو بصريح الاسم. والذي أدعو إليه حفظاً للذمم، وهروباً من ألفاظ لا داعي لها وتوقع في اللوم غداً هو تجنب مثل هذا ما لم تكن صفة لاصقة لا يعرف إلا بها. كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول ولقد قرأت كثيراً من هذا في كتب التراجم، وأزعجني جدّاً كتاب الثعالبي ((خاص الخاص))، و((العقد الفريد))، و((الأغاني)) وهذا كتاب سبىء الوصف، بالغ في النقل عن مجهولين ومن رمي بالكذب والفحش، وورد مثل هذا عند الجاحظ في ((البيان والتبيين))، وورد شيء قليل في ((مروج الذهب)). وضرورة التقوى والخوف من الله تعالى، والابتعاد عن ((مجلس الخصومة يوم الجزاء)» يقتضي هذا كله - بل بعضه - الاقتصار فقط على الغرض اللازم من الترجمة، والرواية، والنقل. وليس هذا من الكلام أو القول الداخل في الجمل الاعتراضية، بل هو في صمیم ما نحن نتحدث عنه من الترجمة ونقدها إن لم یکن أساسيًّاً ومن أبرز أسس نقد التراجم تلك التي يقتضيها تجنب ما یغضب المتحدث عنه لو كان حاضراً فكيف إذا كان إماماً يأخذ الناس عنه العلم والفتوى؟ ولعلك - إن تقرأ ما دونته عن ((الجرح والتعديل)) أكثر من مرة - يظهر لك مما في الثانية أكثر مما في الأولى وهکذا، ولست أقصد نقد الکتاب کله، لكن يظهر من القراءات القصد من طرحه للوصول إلى البغية منه فيستفاد مما يستفاد منه، ويناقش منه ما يناقش مما أمره يحتاج إلى ذلك. , العقيلي والاجتهاد النقدى الضعفاء الكبير كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول وبين يدي طرح عن صرح من كتب هو من أجلها، وأهمها ويقع حسب طبعته الأولى ١٤٠٤ هـ في أربعة أجزاء حققه ووثقه كما هو مسطور عليه / عبدالمعطي بن أمين بن قلعجي، ويقع ما كتبه من مقدمة ولواحقها باثنتين وستين صفحة، وأجاد في عرضه بصفة عامة، وتكلم كلاماً عن الجرح والتعديل كان بإمكانه الإطالة للحاجة إلى مثل هذا، والتوسع بمزيد من الشاهد مع ضرورة إيراد صفات الضعف في السند والمتن وصفات الراوي الضعيف. يقول المحقق في ص ٣٨/ج ١: (وقد ذکر في کتابه کل من تكلم فيه، ولو كان من رجال الصحيحين، وذكر في ترجمة كل واحد حديثاً فأكثر من غرائبه، ومناکیره). وقال: (وصف النسخ الخطية من الكتاب النسخة الخطية الأولى المرموز إليها (أ)، وهي نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق ... إلخ). ص ٣٩/جـ ١. وقال ص ٣٩: (قد جزئت النسخة إلى اثني عشر جزءاً، يشمل كل جزء عشرين لوحة بالتساوي، وقد قرىء وعورض كل جزء كما هو ثابت عليه، ففي نهاية الجزء الأول عند اللوحة (٢٢) نرى السماعات التالية ... إلخ). ثم أورد السماعات بخط رفيع. ثم في ص ٤٨/٤٧ ترجم للمصنف: (محمد بن عمرو بن موسی بن حماد العقيلي ... إلخ). ثم قال في ص ٦٦: (هذه بعض الملاحظات التي أردت أن أثبتها في تقدمة الكتاب، رأيت أنها ضرورية جوهرية ... إلخ). وقد شعرت بعد قراءة هذا عدة مرات أن المحقق ترك شيئاً جوهريًّاً =١١٢ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول يحتاجه مثل هذا الكتاب، وهو استعراض الكتاب نفسه بكلام موجز، وطريقة الإِمام العقيلي في نقده، ثم نقاش ما قيل حوله، وبيان الخطأ والصواب بسعة نظر، وفهم دقيق، وهذا من لوازم المقدمة والدخول لموضوع الكتاب، ولا يغني التحقيق الهامشي، ولا يغني كذلك كثرة التخريج إذا خلت المقدمة من عرض - ولو كان مبسطاً - عن موضوع الكتاب، وما قيل عنه بحق أو بباطل ليتسنى للمطلع ولوج الباب بسهولة من الفتح، لاستيعاب ما بداخل مثل هذا المصنف الجليل، ولكي يشتاق القارىء للإقبال عليه فنحن بحاجة ماسة إلى الجرح والتعديل بالوقوف على مطولات العلم فيه، لتتمكن ثلة - ولو قليلة - من الوقوف على زيغ الزائغين، وانحراف المبطلين، ونفاق المنافقين المتجاهلين في السنة والفكر والعقيدة وأخلاق وآداب هذه الأمة. وأجتهد ولا آلو، فإن الجرح والتعديل لا ينقطعان مادام هناك صراع بين الحق والباطل في كل سبيل، وسوف - إن شاء الله تعالى - ننظر قيمة هذا السفر بنقدہ لا کلہ لکن بأمثلة مما أوردہ الإِمام العقیلی - رحمه الله - کما هو منهجي في هذا الكتاب، وقبل البدء في نظره أبين هذه النقاط: الأولى: أن العقيلي إمام حافظ، شهد له بهذا طائفة من أهل النقد، فهو متخصص في الجرح، بارز في التعديل، ويكفيه كونه عاش في فترة ازدهار العلم ونبوغ النابغين فيه، أعني علم الحديث. الثانية: أن العقيلي اجتهد، وطريقته في النقد تنم عن حفظه وفهمه وحذره، وتنم عن سعة علمه. الثالثة: أن كتابه هذا ((كتاب الضعفاء الكبير)) يعد مصدراً أصليّاً عليه - مع رؤوس مثله - المعول في معرفة الضعفاء. الرابعة: في الكتاب جملة ممن ترجم لهم المصنف ليسوا ضُعفاء، ولم ١١٣ = کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول أجد علة بينة أدت إلى تضعيفهم، وتنبه لما قلته من قبل من واجب جمع كافة الأقوال عن الراوي . وهذه جملة أعلام كرام أدونها للاستفادة عند إرادة جرح أو تعديل، جاء في ص ٣٨/ جـ ١ وقد جاء بعد ابن عدي وطبقته جماعة منهم: ١ - أبو علي الحسين بن محمد النيسابوري (٣٦٥)، وله مسند معلل في ألف جزء وثلثمائة. ٢ - وأبو الشيخ (٣٦٩). ٣ - وأبو بكر الإسماعيلي (٣٧١). ٤ - وأبو أحمد الحاكم (٣٧٨). ٥ - والدارقطني (٣٨٥). ٦ - وابن منده (٣٩٥). ٧ - وأبو عبدالله الحاكم (٤٠٥). ٨ - وأبو نصر الكلاباذي (٣٩٨). ٩ - وعبدالرحمن بن فطيس قاضي قرطبة (٤٠٢). ١٠ - وعبدالغني بن سعيد (٤٠٩). ١١ - وأبو بكر بن مردويه الأصفهاني (٤١٦). ١٢ - ومحمد بن أبي الفوارس البغدادي (٤١٢). ١٣ - وأبو بكر البرقاني (٤٢٥). ١٤ - وأبو حاتم العبدري، وقد كتب عنه عشرة آلاف جزء. ١٥ - وخلف بن محمد الواسطي (٤٠١). ١٦ - وأبو مسعود الدمشقي (٤٠٠). ١٧ - وأبو الفضل الفلكي (٤٣٨) وله كتاب في الطبقات في ألف جزء. ١٨ - الحسن بن محمد البغدادي ((الخلال)) (٤٣٩). = ١١٤ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول ١٩ - وأبو يعلى الخليلي (٤٤٦). ٢٠ - ابن عبدالبر (٤٦٣). ٢١ - وابن حزم (٤٥٦) ((الأندلسيان)). ٢٢ - البيهقي (٤٥٨). ٢٣ - والخطيب (٤٦٣). ٢٤ - ابن ماكولا (٤٧٥). ٢٥ - وأبو الوليد الباجي (٤٧٤) وقد صنف في الجرح والتعديل. ٢٦ - وأبو عبدالله الحميدي (٤٨٨). ٢٧ - أبو الفضل بن طاهر المقدسي (٥٠٧). ٢٨ - والمؤتمن بن أحمد (٥٠٧). ٢٩ - وشهرويه الديلمي. ٣٠ - أبو موسى المديني (٥٨١). ٣١ - وأبو القاسم ابن عساكر (٥٢٣). ٣٢ - وابن بشکوال (٥٧٨). ٣٣ - أبو بكر الحازمي (٥٨٤). ٣٤ - وعبدالغني المقدسي (٦٠٠). ٣٥ - والرهاوي وابن مفضل المقدسي (٦١٦). ٣٦ - أبو الحسن ابن القطان (٦٣٨). ٣٧ - وابن الإغاطي (٦١٩). ٣٨ - وابن نقطة (٦٢٩). ٣٩ - ابن الصلاح (٦٤٣). ٤٠ - والزكي المنذري (٦٥٦). ٤١ - وأبو عبدالله البرذالي (٦٣٦). ١١٥ كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول ٤٢ - وابن الأبار وأبو شامة (٦٢٥). ٤٣ - ابن دقيق العيد (٧٠٢). ٤٤ - والشرف الميدومي وابن تيمية (٧٢٨). ٤٥ - المزي (٧٤٢). ٤٦ - ابن سيد الناس، وأبو عبدالله بن بيك والذهبي (٧٤٨). ٤٧ - والشهاب بن فضل الله (٧٤٩). ٤٨ - ومفلطاي (٧٦٣). ٤٩ - والشريف الحسيني الدمشقي والزين العراقي (٨٠٦). ٥٠ - الولي العراقي . ٥١ - البرهان الحلبي . ٥٢ - وابن حجر العسقلاني (٨٥٢). الخامسة: اختصر المحقق فيما حقه الإِطالة خصوصاً عند التوثيق. السادسة: حصل نوع ذهول في بعض التراجم كما هي الحال عند ابن حجر كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - فلاحظ هذا فهو أمر - إن وقفت عليه هكذا - دل على عمق النظرة، وترابط الفكر. ابتدأ المصنف - رحمه الله تعالى - فقال في ص ٣/ جـ ١: (الحمد لله حق حمده، الحمد لله رب العالمين، وصلواته على نبيه محمد وآله وسلم، وهو حسبنا وكفى ولا قوة إلا به، (باب تبيين أحوال من نقل عنه الحديث ممن لم ينقل على صحته). أخبرنا أبو بكر بن محمد بن القاسم بن حسنوية بن يوسف بن الحجاج المقري في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعمائة، قال: قرأت على أبي بكر: عبدالمنعم بن عمر بن حيان، قلت: حدثكم أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي بمكة، قال: حدثنا أبو جعفر، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد =١١ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول العقیلي، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، وحدثنا زکریا بن یحیی، قال: حدثنا محمد بن المثنی، قال: حدثنا عفان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: سألت شعبة وسفيان بن سعيد، وسفيان بن عيينة، وقال مالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ، ويتهم في الحديث، فقالوا جميعاً: يبين أمره). وفي ص ٧ حتى ص ١٥ وقبلهما: ص ٣ هذه تقدمة مؤلف الضعفاء الإِمام العقيلي، وتدور حول الضعف، والكذب، وأهم أسباب رد الرواية، وهي تقدمة - على قلتها - لكنها حاوية، وكأنه بها يشير إلى لب كتابه، وهي طريقة علمية عميقة تعطيك المراد مما أراد المصنف، والمقدمة التقليدية لا بأس بها لولا أنها تكرار لا مزيد عليه إلا إن جاءت بعرض علمي جاد لا بعرض إنشائي مکرر. وتقدمة العقيلي فيها شبه متناسب مع مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج، والفرق بينهما من وجهين: الأول: تخصص في مقدمة الضعفاء. الثاني: طول مقدمة الصحيح. وقد بدأ الجزء الأول من ص ١٦ بحرف الألف فقال: (باب الألف). وانتهى المصنف بالجزء الرابع بحرف الياء فقال: (باب الياء). وقد أطال في بعض التراجم، واختصر في بعضها، ومن يطلع عليه يجده بذل عجباً من العرض الجيد للرواة، وسلك سبيل الحفاظ، وأهل صنعة علم الجرح والتعديل. وأجزم أن كتاباً مثل هذا الكتاب حريٌّ بالعلماء - خصوصاً الذين يتقون ويتورعون في بحث السند في مجال التصحيح والتضعيف، وفقه الأدلة ،بقصد الفتيا ۔ أن يقتنوه اقتناءً، لكنه لا يغني عن غيره، کما أن غيره لا يغني =01 کتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول عنه، والأمانة وعدالة النظر والتحقيق تدعو إلى هذا ما في ذلك ريب، وها نحن نسير - بمنة الله وهدايته وتوفيقه - مع حرف الألف فننظر - حسب الوسع والفهم - ما يمكن نظره في تراجم لنضعها بيد الجرح والتعديل، وقد أعوّل جداً على كلام المحقق عند الاقتضاء مع ما تبادر لي عليه من ملاحظات. جاء في ص ١٧ قال المصنف: (أسامة بن زيد الليثي مولاهم المدني) ثم تكلم عنه في ص ١٩/١٨ وعالج روايته. ومجمل قوله عنه: ١ - أن يحيى بن سعيد حدث بأحاديث أسامة بن زيد، ثم تركه، قلت: ويحبى هو القطان. ٢- ذکر أن البخاري کان یقول: کان یحیی بن سعید یسکت عنه، يعني أسامة بن زيد الليثي . ٣- أن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال له أبوه: إن تدبرت حديثه فستعرف النكرة فيه. قلت: لا أدري فلعل العقيلي أورد أسامة - رحمه الله - على أنه ضعيف، قلت: لیس بذاك ولم أجد إلا القطان تركه، ونسبه ابن حبان - أي أسامة - إلى الخطأ، فقال ((يخطىء)) الثقات /٧٤/٦، لكنه قال: هذا لترك يحيى له، فصح تفرد القطان بتركه، والبخاري قال في ((التاريخ الكبير): ((كان يحيى بن سعيد القطان يسكت عنه)). ٢٢/٢/١. قلت: لعل ترك یحیی له أن أسامة بن زید (حدث عن عطاء عن جابر يرفعه أيام منى كلها منحر)). قال الدارقطني لما سمع يحيى القطان أن أسامة قد حدث بهذا قال: اشهدوا أني قد ترکت حديثه. لكن قال الحاكم في المدخل: ((روى له مسلم، واستدللت بكثرة =١١٨ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول روایته له علی أنه عنده صحیح الکتاب». وقال المصنف العقيلي في ص ١٩: (قال أبو جعفر: وهذا المتن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت بغير هذا الإِسناد، وتكلم عن هذا في ص ٢١/٢٠. قلت: قوله هذا كأني شممت منه تضعيفه له. قلت: هو ثقة، وراجع سنن ابن ماجه / كتاب المناسك، باب الذبح ١٠١٣/٢، ومسند أحمد ٣٢٦/٣. كلاهما بسنده عن أسامة بن زيد الليثي، والبخاري لم يسكت عنه لكنه نسب هذا إلى يحيى، فكأنه لهذا تركه، ولم أجد فيها بين يدي علة بينة لتضعيف أسامة. وجاء في ص ٢٢ /جـ ١ قال المحقق في هامشه: (وساق له حديثاً، عن هشام بن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما افتقر بيت فيه خل). قلت هذا النص بسنده هذا ليس بشيء حسب علمي، ولم يعلق عليه قلعجي بشيء فقد يكون يحفظ ما لا أحفظ. وفي ص ٢٢ نفسها أورد العقيلي ترجمة ((أنيس بن خالد التميمي کوفي)» هكذا قال، وقال: (حدثنا آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري محمد بن إسماعيل يقول: أنيس بن خالد سمع المسيب بن رافع، وجامع بن أبي راشد، ومحارب بن دثار، روى عنه زيد بن حباب، ليس بذاك). وتناوله المحقق فقال في آخر ذلك: ((وقال أبو حاتم الرازي (١: ٣٣٥:١) سمعت أبي يقول: أنيس بن خالد في حديثه شيء، من کتب عنه قديماً فأحاديثه أشبه بالصواب». قلت: العقيلي لم يفصل بشأن أنيس بن خالد، ولم أقف - حسب نظري العام وهو محدود - على صحة ما ذكره المحقق بهذا اللفظ من قوله: (وقال أبو حاتم الرازي) وبقية نقله صحيح . =119 كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول وأورد المصنف - رحمه الله تعالی ۔ في ص ٢٣ من جـ ١ قال: (أسد بن عمرو البجلي کوفي)، ثم قال بعد هذا: (حدثنا آدم بن موسى، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري، قال: أسد بن عمرو أبو المنذر البجلي كوفي، صاحب رأي، ليس بذاك عندهم. حدثنا عبدالله بن أحمد، قال: سألت أبي عن أسد بن عمرو، صدوق؟ قال: أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء). قلت: لم أقف على علة جارحة لترك البجلي هذا، وقول أحمد فيه عموم بشأنه، فلست أظن أن کل أصحاب أبي حنيفة («لیس ینبغي أن یروی عنهم شيء)». ولقد اطلعت - في الجملة - على عامة كلام علماء الجرح والتعديل فلم أقرأ لواحد منهم كلاماً يشينه في روايته خصوصاً، والجرح لابد من تفسيره خصوصاً في مثل حال هذا الإِمام: أسد بن عمرو البجلي والله أعلم، وأستغفر الله . وترجم المصنف في ص ٢٩ من جـ ١ قال: (أشعث بن عبد الله الأعمى، وهو الحداني) ولم يبين فيه جرحاً إلا كونه أورد حديثاً كأنه استدل به على ضعفه، قلت: حاله مثل الأولى: البجلي. وفي ص ٣٣ جـ ١ ترجم للإِمام ابن خليفة قال - رحمه الله -: (إياس بن خليفة مجهول في الرواية، في حديثه وهم). ثم أورد في ص ٣٥/٣٤ نصوصاً هو بسندها وكأنه یشیر إلی تضعيفه، وليس كذلك، بل لعله كما نص ابن سعد وقال: ((كان قليل الحديث)) قلت: لم أقف على سبب لجرحه. وفي ترجمة أبان بن تغلب قال في ص ٣٦/جـ ١: (قال حدثنا ١٢٠ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول محمد بن إسماعيل، وأحمد بن علي الأبار، قالا: حدثنا الحسن) .. إلى قوله: (لم يكن يستأهل). وقال الصائغ: لم يكن أهل ذاك) ص ٣٧. قلت: لعل الحق ما ذهب إليه ابن عدي قال: (له نسخ عامتها مستقيمة إذا روى عن ثقة). وقال: (وهو من أهل الصدق في الروايات). التهذيب ٩٣/١، هامش ٣٧. وابن عدي في كلامه هذا الذي ينقله عنه ابن حجر من الكلام الموزون ومن أساسيات الجرح والتعديل إذا لم یشن الراوي التدليس ونحوه، ویکون هذا معروفاً عنه. ولابد في حال التضعيف من نقل سبب ولو بصورة يسيرة ذات قبول مشهود، خصوصاً وللأئمة ذمم وتحمل لابد أن يكون في بحث أمرهم في الرواية من بيان للحال. وترجم المصنف في ص ٤٢/ جـ ١ لأبان بن صمعة، وأبان بن أبي حازم البجلي الأول: بصري، والثاني: كوفي، قال العقيلي: (أبان بن صمعة بصري، حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: سمعت يحيى يقول: كان أبان بن صمعة قد تغير بآخره). قلت: ونقل الإِمام العقيلي لكلام الإِمام ابن المديني عن الإِمام أبان فيه دلالة على حظه الكبير من الفهم، وفيه تورع، وكذا نسبة ابن المديني الكلام إلى الإِمام يحيى بن معين. وأبان - كما هو هنا - تغير بآخره، وثقه ابن معين، وأبو حاتم الرازي، والعجلي وسواهم، فروايته قبل الاختلاط صحيحة، وهو ثقة، وقول النسائي عنه: متروك إنما لعله أراد بعد اختلاطه.