Indexed OCR Text
Pages 81-100
السؤالات وملاحظات النقد ٨٣ = کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول ورد في ترجمة الإِمام أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزقاني، عن الدارقطني أنه قال كما في تهذيب الكمال (جـ ٢٤٨/٢): (أقام بمكة مدة، وبالبصرة مدة، وبالرملة مدة، وكان من الحفاظ المصنفين، والمخرجين الثقات). وذكر المزي فيما بين يدي من جـ ٢ / ص ٢٤٤ من تهذيب الكمال (ط ٣)) قال: (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، أبو إسحاق الجوزقاني، سكن دمشق). ثم قال: (روى عن إبراهيم بن عبدالله بن العلاء بن زير الربعي، وأحمد بن إسحاق الحضرمي .. إلخ)، ص ٢٤٥ . وقال: (روى عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وإبراهيم بن دحيم الدمشقي ... إلخ). وقال في ص ٢٤٨: (قال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال: إبراهيم بن يعقوب جليل جدّاً، كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويكرمه إكراماً شديداً). وفيها: (وقال النسائي: ثقة). وفيها: (وقال أبو سعيد بن يونس: قدم مصر سنة خمس وأربعين ومائتين، كتب عنه، وكانت وفاته بدمشق سنة ست وخمسين ومائتين). والله أعلم. قلت: ويعرف بالجوزقاني هكذا غالباً، أو بأبي إسحاق الجوزقاني. ولعل جوزقان المنسوب إليها هذا الإِمام مدينة بخراسان. ولقد أطال المزي والذهبي وابن كثير - وقبلهم ابن حبان - في ذكره، وما هو أهل له من العلم والاعتبار، والتصانيف التي نال منها العلماء في حياته، وبعد وفاته - رحمه الله تعالى - وفي قراءة ترجمته جليل نفع وفائدة بإذن الله . = ٨٤ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول وكتابه الذي وقع لي بالاقتناء هو ((أحوال الرجال)) وطبعته هي الأولى لعام ١٤٠٥ هـ حققه وعلق عليه السيد صبحي البدري السامرائي، ويقع في ٢١٥ صفحة، وجاءت المقدمة في ص ٢١ يضاف صور المخطوطة. وقد لمست من السامرائي حرصاً كبيراً في عمله فيه، ويكفيه جهده - بإذن الله - أنه توسع وبذل، ولعلي أبينَّ ما لا بد من بيانه بياناً يوضح أهم ما يلزم تجاه التحقيقات، وما يصحبها من تعليق ونحوه، لضرورة ما نسعى إليه، وهو داخل في الجرح والتعديل، وإن كان ما أكتبه يخص المحقق إلا أنه عام يحتاج أن ينظر إليه كل من سلك هذا السبيل القويم: أولاً: أنه لم يعرض الكتاب ((نقدياً) بل طرحه هكذا، ومقتضى : التحقيق يدعو إليه خاصة، وسبل هذا متوفرة بين يديه مما دونه اللاحقون حول طريقته . وقد يقول السامرائي: إني بينت هذا بما جرى في الهوامش من التحقيق، وهو كاف عند النقد، فيقال: هذه نقطة ثانية. ثانياً: أن المحقق خرَّج، وعزا فأجاد لكنه لم يناقش ما ورد من التضاد حول بعض الرواة الذين أوردهم المصنف كما جاء في ص ٦٢ ترجمة رقم ٦٢: يحيى بن عيسى، وص ١٤٠ ترجمة رقم ١٣٩ : داود بن حصين، وهما مثالان ماثلان على ضرورة النقاش والموازنة . ثالثاً: لم يشر المحقق إلى كيفية استفادة المصنف من جهود السابقين الذي كتبوا في هذا المضمار، فقط في ص ٢١ قال: ((اعتمده العلماء النقاد الذين صنفوا في كتب الرجال .. إلخ)). هذا .. ومن المعلوم أن أبا إسحاق الجوزقاني سبقه قوم آخرون، ولا بد أنه نظر في كتبهم، أو لقي من رووا عنهم، وهذا أمر معلوم بالضرورة، كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول خصوصاً وأن كل عالم يسعى جاهداً مخلصاً للحصول على المزيد من العلم والكسب من شتى روادف هذا العلم، ليخرج علمه حاوياً العمق، والسعة، والفهم، ليزداد أجره حسب نيته، وينال الثواب بدعوة صالحة مخلصة. وهذه مسألة لابد من تقييدها، لتعلقها بأصالة الطرح، وأصل المأخذ وإن كان الجوزقاني قد أشار إلى قليل من هذا فإن المحقق عليه توثيقه، وتکملته . وقد عالج المحقق بشيء من الاقتضاب المفيد ما يتعلق بما رمي به الإِمام إبراهيم الجوزقاني من القول بأنه ناصبي، والنصب هو بخلاف التشيع، فذاك يقال له: ناصبي، وذا يقال له: شيعي، وهما على طرفي نقيض، فالأول يكره الخليفة الرابع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والثاني يغالي في حبه بما يخالف الحق والهدي، وكلاهما على سوء. وقد يجنح الناصبي فيسب، ويشتم، وكذا غلاة الشيعة الروافض فهم يسبون الصحابة، وهذا وذاك جليل الخطر، عظيم الذنب دون ريب، فإنك إذا أبغضت عليّاً أو غيره من الصحابة عصيت ورددت الحق، لأنهم النّقَلَّةُ للسنة، والأحكام، فكيف يتفق هذا لعاقل مؤمن حر کریم؟! فالمقصود أن الجوزقاني لم يثبت في حقه النصب، ولم نقف على حقيقة صالحة للأخذ بها، ولا أظن. ونبدأ - بإذن الله تعالى وتوفيقه - بكلام المصنف فاتحة لکتابه حیث يقول: (قال إبراهيم: وقد علمت أنه قد ينقم على كتابي هذا فرق من الناس: ففرقة تاقت أنفسها إلى مراتب لم يسعوا في توطيدها عند أخذهم من =٨٦ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول الحديث ما يسع جيب قميصه، فإذا ألقيت عليه بعض ذلك بقي متحيراً يستنكف عن التعلیم بعد أن سود في نفسه. وذو بدعة أيقن أني أكشف عن كلوم أشياعه فأبديها يعج عجيج الناب، لثقل ما حمل علیه، لا یاوي للإِسلام وما حل بساحته من أسلافه، وجاهل لا يحسبن ما يأتي ويذر، ولا يفصل من هذا ونحوه في المثل بين التمرة والجمرة .. إلخ). ص ٢١/٢٠. ثم قال: (وكنت لا أبالي إذ عزم الله لي على ذلك بعدما استخرته من رضي ذلك وسخط .. إلخ). ص ٢٢/٢١ . يريد أن يقول - رحمه الله تعالى - بأن كتابه هذا كتاب نقد للرجال الذين يحتاج أمرهم إلى نقد من جرح وتعديل حتى نضع الموازين في موازينها لهذا وذاك، ولا يهمنا وقد ابتغينا وجه الله تعالى رضا من رضي، وغضب من يغضب، لأن القصد حماية السنة بدراسة الرواة أنفسهم لبيان ما هم عليه من حال توجب البيان، وبين أنه قد استأنس إذ استخار الله تعالى، وأن هذا كافيه للسير على مبتغاه في هذا الكتاب، فهو إذاً لا يبالي - إذ عزم الله له على ذلك - برضا راضٍ وسخط ساخط، وهذا مكمن جيد لحقيقة الولاء والبراء، وكلما كان هذا في مواجهة الكفر وأهله وإن لبسوا لباس الدين خصوصاً الكبار كان الولاء وكان البراء عظيماً عند الله - تعالى - وهذا باب مهم في حياة المسلم، والله المستعان. ومنهج المصنف واضح من خلال طرحه المختصر للنقد، فهو يجرح أحياناً، ويجرح ويبين أحياناً كذلك، وقد يورد سند القول في الرجل المراد، وقد يعلق، وقد يشتد، وقد يتوسط، وهو - في الجملة - ذو باع طويل، ومعرفة واعية للرواة ما لهم، وما عليهم. كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول ونبين هذا - إن شاءالله تعالى - عند نظر بعض حال الرواة، إذ سياستي في هذا الكتاب ضرب المثال لحاجة كتب التراجم إلى الوزن حسب الطاقة والفهم، وفوق كل ذي علم عليم. جاء في ص ٣٥ قال الجوزقاني: (وصعصعة بن صوحان) قال هذا بعد قوله: (فأبدأ بذكر الخوارج) ثم قال: (حين فرقوا جماعة الأمة وميلوا اعتدال الإِلفة، فشاموا أنفسهم أولاً، والأمة بعدها آخراً فنبذ الناس حديثهم). ص ٣٦. قلت: جاء في كتاب (بحوث في تاريخ السنة المشرفة) ص ٢٩/ ط ٤: (لم يلعب الخوارج دوراً مهماً في حركة الوضع؛ لاعتقادهم أن مرتكب الكبيرة كافر). ثم أورد: (ولم ترد عن أئمة الحديث أقوال تدين الخوارج إلا ما نقل عن ابن لهيعة أنه سمع شيخاً من الخوارج وهو يقول: ((إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا إذا هوينا أمراً صيَّناه حديثاً)). وعزاه إلى ((الكفاية)) ص ١٢٣ . قلت: الخوارج كما قال، وأثنى عليهم الإِمام أحمد، وكذا ابن تيمية بالنسبة لصدق روايتهم، ولعلهم الفرقة الوحيدة المبتدعة الذين صدقوا في هذا حسب ما أعلم، وتحامل المصنف الإِمام إبراهيم هكذا ليس يقوم في الجملة؛ لأنه تحدث جملة ولم يفصل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((المنتقى من منهاج الاعتدال)) ص ٤٨٠: (ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثاً من الخوارج). وقال أيضاً: (الخوارج - مع مروقهم من الدين - فهم أصدق الناس، حتى قيل: إن حديثهم أصح الحديث). ٤٨٠، و٣٠ من ((البحوث)) الآنف الذكر، وهذا صواب في الجملة. ٨٨ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول لكن رواية ابن لهيعة - رحمه الله تعالى - لعلها لا تقوم؛ لأن هذا الشيخ مجهول. والمقصود أن صعصعة هذا ثقة، لم أر أحداً نال منه، قال في الهامش : (تابعي کبیر مخضرم) وسکت. وفي ص ٤٦: (وكان يحبى بن الجزار غالياً مفرطاً). قلت: هو ثقة، لم أقف على دعوته إلى البدعة، وفي الهامش: ((الجرح والتعديل)) ٥٦١/٩، تهذيب الكمال / ق - ٧٤٥ إلخ. وفي ص ٥٥: (وعدي بن ثابت، مائل عن المقصد، روى عنه الثقات). قلت: كأنه - ولو لم يرد - يشير إلى التفصيل فهو مبتدع، لكنه ثقة، قلت: هو ثقة، قلت: قوله: ((مائل عن المقصد)) يعني - والله أعلم - الذي عليه الصحابة، وأخيار هذه الأمة من اتباع الحق في علي - رضي الله عنه - وقد أجمل هذا صاحب ((العواصم من القواصم)) بفهم جيد، وعرض ثاقب بين فيه حقيقة ما وقع بين الصحابة على منهاج حسن کریم. وورد في ص ٦٢ قال: (محمد بن فضيل، زائغ عن الحق). قلت: قوله: (زائغ) أكبر من قوله ((مائل)) هناك، وليت المصنف فصل هنا، وهو خبير بمثله جد خبیر. ومحمد هذا وثقه قوم، وآخرون قالوا بخلاف هذا، لكنه لم ينزل إلى الضعف الأصلي الذي به ترد روايته، والله أعلم . وفي ص ٦٦: (سعيد بن أشوع، قاضي الكوفة، غال، زائغ). لم أقف على تجريح له تردّ به روايته، وهو كما قال الذهبي عن المنصف ((يريد التشيع)) ص ٦٦ . ٨٩ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول قلت: اختلف العلماء ما بين قائل: ثقة، وصدوق. قلت: أقرب حالاته ثقة، والله أعلم. وجاء في ص ٦٦: (فطر بن خليفة، زائغ غير ثقة). قلت: لعله وقف على ما لم يوقف علیه بشأنه، لكن حاله بین قائل ثقة وصدوق. قلت: لم يوجد في روايته خلل حسب علمي، إذا صرح بالسماع. قلت: لعل قوله: ((غير ثقة)) يعني في غير روايته عن غيره، أو هكذا أراد. وفي ص ٦٧: (أبان بن تغلب، مذموم المذهب مجاهر زائغ). قلت: سكت المحقق في تعليقه على هاتين الكلمتين، فلم يعلق بشيء، ومقتضى الحال التعليق. وقد اختلف العلماء حوله، لكنه ليس على حال ضعف، وقد عزا المحقق - كما يفعل هذا كثيراً - إلى كتب تراجم مشهورة فليته إذ عزا أبان . وفي ص ٧٢: (هاشم بن البريد)، قال المحقق: ((قال الحافظ: ثقة إلا أنه رمي بالتشيع، وقال أحمد: لا بأس .. إلخ). ولم يشأ التعليق. قلت: الكثرة من أئمة الجرح والتعديل على كونه ثقة، وجرت عادة المصنف على السكوت، قلت: وهذا كثير، ولا أدري سببه، لكن تقتضي حال كثير من الرواة التفصيل، ولابد، فقد يكون ذا بدعة داعية إليها، وقد يكون رجع، وقد يكون بريئاً أصلاً، وقد يكون الحال حال لبس، أو سهو، وقد يكون ضعيفاً عند قوم، قويًّاً عند آخرين، وينبني على التفصيل القبول والرد للرواية إذا صدر التفصيل عن علم متمكن وفهم عميق. وفي ص ٧٩: (أبي إسحاق عمرو بن عبدالله) وسكت ولم يذكر أنه كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول الإِمام أبو إسحاق السبيعي، لعله لشهرته تركها . والسبيعي هذا يلزم من ذكره بيان حاله، وقد أشار المحقق إلى بعض هذا، فقال في الهامش: ((من أئمة التابعين بالكوفة، رأى عليَّاً، وأسامة بن زيد))، ثم لمح إلى ما ذكره ابن حجر بأنه: ((مكثر، ثقة، عابد، اختلط بآخره». قلت: هو ثقة قبل الاختلاط، أما ما كان بعده فينظر فإن وافق وإلا فلا . وفي ص ٧٩: (والأعمش)، واستغنى بها عن الاسم لشهرتها: وهو الإِمام الصريح الواسع النظر: سليمان بن مهران الكاهلي، مسكنه الكوفة، وهو عالمها، وشهرته بها فيقال له الكوفي، وعداده من كبار العلماء البررة الأخيار في هذه الأمة، ومن صدق قوله للحق أنه رأى رجلاً يقص ويخلط بحدثنا وسط حلقة مكتظة، فقام الأعمش - رحمه الله - واقفاً وسطها وبدأ ينتف إبطه، فلما خوطب قال: ((أنا في عبادة، وهذا في كذب)) أو نحو هذا، وله مواقف حازمة فيها ولاء صادق لله . قلت: هو ثقة إلا أنه يدلس، ولم يرده، وقد أشار المحقق إلى هذا بشيء من النقل الصحيح . وفي ص ٨٠: (وزبيد بن الحارث اليامي). قلت: هو ثقة، ولم أجد أنه ضعيف إلا ما لم أقف عليه من كتب لا أعلمها . وفي ص ٨١: (فكان أبو نُعيم، كوفي المذهب، صدوق اللسان). قلت: صحيح، وقوله: صدوق اللسان، يعني به ثقة. واسمه: الفضل بن دكين، وقد وثقه كثيرون، وجرى إطراؤه كثيراً كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول لثقته، وسعة علمه، واعتماد كبار الأئمة عليه بعد الله تعالى، لصدق روايته وشهرته . وفي ص ٨٤: (إسماعيل بن أبان الوراق) ثم فصل: (كان مائلاً عن الحق، ولم يكن يكذب في الحديث). ويريد أنه شيعي، لكنه - مع هذا - لم یکن یکذب في الرواية . وهذا تفصیل جید تلمس منه ۔ مع اختصاره - فائدته. وفي ص ١١٠: (جعفر بن سليمان الضبعي) ثم قال: (روى أحادیث منكرة، وهو ثقة، متماسك، کان لا یکتب). قوله: ((روى أحاديث منكرة)) لا يناقض قوله: ((وهو ثقة))؛ لأن النكارة فيها من غيره، وثقه قوم، وقال آخرون: صدوق. قلت: يفسر هذا وذاك كلام المصنف عنه - رحمه الله تعالى -. وفي ص ١١٦ : (خلاس بن عمرو). قلت: هو ثقة . وفي ص ١٢٤ : (عثمان بن غياث) ثم قال الجوزقاني: (کان یرمی بالإِرجاء، وهو متماسك، لا بأس بحديثه). وهذا من المصنف في غاية المطلوب، وقوله: كان يرمى بالإِرجاء لفظة مريضة، فيها أدب. قلت: قد يكون، لا أدري، لكن وثقه قوم، وأخذوا بروايته في الجملة. وفي ص ١٤٠: (داود بن حصين) قال بعد ذلك: (لا يحمد الناس حديثه، قد روى عنه مالك على انتقاده). =٢ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول قوله: ((على انتقاده)) يتحمل انتقاد مالك له، لأنه أقرب، ویتحمل ((الناس)) ولعله الأقرب، وكلام المحقق فيما نقله عن ابن عدي صحيح. قال: ((له حديث صالح، إذا روى عنه ثقة فهو صحيح الرواية)). وفي ص ١٧٣ : (سألت أبا مسهر عن إسماعيل بن عياش) إلخ . قلت: تكلم فيه فقیل: ثقة، قاله ابن معین، وأثنی علیه یزید بن هارون، وفصل فيه أحمد بن حنبل، وكذا البخاري فصل القول فيه. وأورد المحقق عزواً مفيداً، مثله یعاد إليه. قلت: جملة القول: أن ابن عياش ثقة في روايته حديث الشاميين، يحتاج أمره عن أهل العراق إلى نظر، وهو مشار إليه في ص ١٧٣ . وفي ص ١٨٤ : (وعبدالوارث بن سعيد) قال عنه: (وكان من أثبت الناس). قلت: هو ثقة ثبت، ولم أره دعا إلى بدعة القول بالقدر، والله أعلم. وفي ص ١٨٦: (وكان ابن نجيح ... إلخ). قلت: وثقه قوم، ولعله الأقرب إلى الصواب. وورد أيضاً في ص ١٨٨: (وشبل بن عياد) .. إلخ. قلت: ثقة، ولم يفصل المحقق مثل حال الذي قبله، فقط عزا ونقل، وذكر عن أبي داود أنه رمي بالقدر مع كونه ثقة، والذي لم أطلع عليه أنه لم يدع إليه، بل ذكره أحمد وغيره، ولم يشيروا إلى أنه قدري، فقال أحمد: ثقة، ولم يعقب. وفي ص ١٨٩ : (وعمرو بن أبي زائدة). قال: (وكان يرمى بالقدر)، فصل المحقق في هذا فيما نقله عن ابن حجر وسواه، لكنه لم يحقق مناط القول فيه، ولعله اكتفى بالنقل المجرد، وهذا - بحد ذاته - عظيم، إلا أن ٩٣ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول = التعلیق یقتضيه بوجه ما . قلت: لم أر من عابه بجرح غیر القدر، لکنہ لیس بجارح ما لم يدع إليه، وهذا الذي عليه كبار علمائنا الأخيار: ابن معين، وابن المديني، والبخاري، وابن راهويه، وأحمد بن حنبل فيما علمت، وسواهم وقد ارتضاه جلة كبيرة من الأئمة، وهو الصواب - إن شاءالله تعالى -. ولعلي أكتفي بهذا القدر من الإِيراد للرواة الذين جعلتهم مثلاً لضرورة التثبت، وسعة النظر والتأني في مسألة الجرح والتعديل. ولقد ختم الإِمام الجوزقاني كتابه بنهايات طيبة أقتطع منها شيئاً أراه مهمّاً والحاجة تدعو إليه. قال في ص ٢١١/٢١٠: (فيا لعباد الله، أما لكم في المقانع من المبرزين، وأهل الأمانة من المحديثن سعة ومنتدح أن تحووا حديثهم الذي رووه عن الثقات والمتقنين من أهل كل بلد فتعتقدونه، فإن في حديثهم لذي فهم غنى). وقال: (فيا سبحان الله، تكتب حديث أهل الصدق للمعرفة، وحديث المتهمين للمعرفة، فمتى تترك هذا، وعسى أن ينشأ بعدنا قوم، فإن عوتبوا فیھم، قالوا: قد روی عنه فلان فيتخذونه حجة، فکما نقول نحن اليوم لبعض البله: لم تروي عن فلان؟ قال: أليس قد روى عنه فلان؟ فقد صار حديث أهل الزيغ أيضاً يطلب بالطرق المظلمة بعد الحجة الواضحة). وقال - رحمه الله -: (اللهم وقد استحصد زرع الأهواء المضلة، وبلغ نهايته، واستغلظ سوقه، واستحكم عمومه، وخرف وليده، واستجمع طريده، واستوسق وتبجح في الآفاق، وضرب بجرانه، وأنت يا ربنا أولى من = ٩٤ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول خلف نبيك في أمته بأحسن الخلافة، وأحق من تداركها إذ فضلها على سائر الأمم في كتابك فقلت: كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾. فاتح اللهم بنور وجهك والحسنى من أسمائك للأهواء المردية بدلاً من اتباع الكتاب ونعش سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإمرة تصرع قائمه وتهشم سوقه)). التراجم عند ابن أبي حاتم : =WV کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول في ترجمة ابن أبي حاتم أنه یکنی بأبي محمد عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران ابن أبي حاتم الحنظلي الرازي، ولد سنة (٢٤٠ هـ) في زمن بروز سيادة العلم التقي الورع، ونشأ في وقت الرحلة في طلب العلم، ولقاء الأكابر من الأئمة والتسابق إلى المنافسة في طلب بلوغ تمام النصح للأمة من أن يصيبها شر في الحس أو في المعنى، يقول - رحمه الله تعالى -: (ولم يدعني أبي أطلب الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان، ثم شرع في الطلب على أبيه الإِمام أبي حاتم الرازي، والإِمام أبي زرعة عبيدالله بن عبدالكريم الرازي) (مقدمة الجرح والتعديل) ص د/م ١ / . قال أبو الحسن الرازي: (كان - رحمه الله - قد كساه الله بهاءً ونوراً يسر من نظر إليه). ص و: ت/ سنة ٣٢٧هـ. وكتاب ((الجرح والتعديل) من الكتب الجامعة حوى عديداً من التراجم للرواة المختلفين، فهو جمع ممن كان قبله، وأضاف وزاد ونقص وإن لم يشر إلى نقله من غيره، وظهرت براعة ابن أبي حاتم بحسن سبكه، ودقة اختياره، ووزنه لمن ترجم لهم على غرار البخاري وألفاظ أبيه وأبي زرعة وسواهم ممن له نظر متمکن في النقد ووزن الرجال، وقد احتوی سفره على قرابة عشرين ألف ترجمة، فهو مرجع جيد، ومفيد لطالب التراجم والباحث عنها بصورة من الصور، لكن لعل الذي لم يدرس هذا الكتاب، أو اكتفى بسمعته وسمعة صاحبه يقع - بسبب هذا مع العجلة في النظر - يقع في خلط عجيب، وغلط بين، لأن معظم التراجم فيه مأخوذة من أسانيد الأخبار المتفرقة، والرواة قد يصحف بعضهم بعض أسماء رجال الإِسناد، أو يحرفها، وقد ينسب الرجل إلى جده أو جد أبيه، وقد ينسب تارة إلى قبيلة، وتارة إلى أخرى إلى غير ذلك / المقدمة /یو/ . (٩٨ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول وقال المقدم كذلك في /يو/: (وقد وقع للبخاري من ذلك أشياء تعقبها المؤلف في كتاب على حدة ذكره ابن حجر في ((لسان الميزان)) ٢٣٣/٣، وكذلك للخطيب كتاب ((أوهام الجمع والتفريق)) يعني أن يجعل الرجل اثنين فأكثر .. إلخ) /يز/. والجرح والتعديل - على ضخامته وكثرة تراجمه وحرص المصنف على اتباع الحق - إلا أنه قد وقع في هذا الكتاب بعض الأوهام لعلها جاءته من باب التشابه، أو جاءته من الذهول الذي قد يحصل لكثيرين ممن يشتغلون بالأسانيد، مع هول ما فيها من الكنى والألقاب والأسماء، ففي ((الجرح والتعديل)) ترجم لجعفي بن سعد العشيرة على أنه صحابي، وإنما هي قبيلة سميت بجد جاهلي، وترجمة ((دقرة)) على أنها رجل، وإنما هي امرأة، ومنها ترجمة حارثة بن عمرو من بني ساعدة قتل يوم أحد، وإنما هذا اسم جاهلي قديم وقع في نسب بعض شهداء أحد، وترجمة (شميسة) على أنه اسم رجل، وإنما هي امرأة، وقع له عن ابن معين أنه قال: ((شميسة ثقة)) فظن أنه اسم رجل، إلى آخر ما جاء في /يز/ من المقدمة على كتاب ((الجرح والتعديل))، وهذا - كما أشرت آنفاً - لعله ذهول، أو الحصول في التشابه، ومع أنه مؤثر في حال الوزن للرواة إلا أنه يثبت على أصله كمثل ترجمة شميسة، فالقول: ((بالثقة)) إذا حصلت فهي حاصلة بحق (الرجل والمرأة) والعلم مشاع، والرواية من أصول علم الحديث، لأن القصد المعنى المراد من قول (نقاد الرجال) ثقة أو ضعيف، وليت المعلمي هذا وأحسبه من رجال التحقيق النابهين ذكره، لكن المشكلة ليست هنا، بل هي في التشابه في الأسماء والكنى والألقاب مما يوجب دقة الحذر بالموازنة والجمع والسؤال، وناهيك بالتحري لا سيما في زمن كهذا الزمن أخذت فيه العجلة مكاناً كبيراً من خلال سرعة الرسائل العليا، والتأليف هكذا، والإِجابات بدون نص أو قاعدة، دع عنك قلة النظر والإقبال على علم كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول الحديث وفهمه ونظره رواية ودراية، فهذه أيضاً مشكلة يحتاجها المرء لعلاجها بالشعور بالمسؤولية والخروج من دائرة اللوم يوم الجزاء. ولا بد ونحن - إن شاءالله تعالى - في سبيل نقد الترجمة عند ((ابن أبي حاتم)) أن نتذكر أصل كتابه حتى يكون فيه سهولة لمعرفة مبناه ودلالاته وكيف وقع له ما وقع، وحتى يكون الناظر لهذا الكتاب على واضح من الدلالة على كيفية نهج كبار العلماء حقًّاً علماً وفهماً وورعاً. لقد جرت العادة أحياناً عند أهل القرون: الثاني، والثالث، والرابع حتى منتصف السابع أن ينقلوا من بعضهم، ويهذبوا فيزيدوا أو ينقصوا، ولعل بعضهم يشير إلى هذا والآخر يغفله لا لسبب لكن هكذا تعميماً لنشر الفائدة، وتكراراً للمدون من قبل، مع ما يحصل من إضافات وتهذيب يقتضيه المقام، والتهذيب كثيراً ما يكون لازماً ومهماً. وابن أبي حاتم - رحمه الله تعالى - سار على منوال البخاري، ویکاد كتاب ((الجرح والتعديل)) أن يكون نسخة من كتاب ((التاريخ الكبير)) وإن بدا ما بدا من تغيير حسب علمي عن هذا وذاك. جاء عن عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني بخطه سنة ١٣٧١ هـ من كلامه على هذا الذي نذكره في /ص ي: (لا ريب أن ابن أبي حاتم حذا في الغالب حذو البخاري في الترتيب، وسياق كثير من التراجم وغير ذلك). وفي /ص با/: (وقد حصل في يده ابتداءً نصوص ثلاثة من الأئمة وهم: أبوه، وأبو زرعة، والبخاري، أما أبوه وأبو زرعة فكان يسائلهما في غالب التراجم التي أثبتها في كتابه ويكتب جوابهما، وأما نصوص البخاري فإنه استغنى عنها بموافقة أبيه للبخاري في غالب تلك الأحكام، ومعنى ذلك أن أبا حاتم كان يقف على ما حكم به للبخاري فيراه صواباً في الغالب (١٠٠ كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول فيوافقه عليه فينقل عبدالرحمن كلام أبيه). ولست أظن هذا فقط، فلعل (المعلمي) غاب عن باله أن التحقيق الأخير يثبت أن ابن أبي حاتم قد نقل كثيراً من ((تاريخ البخاري)) ولم يشر إليه، لأن كتاب ((التاريخ)) متقدم على كتاب ((الجرح والتعديل)) ولأن التطابق يدل على هذا حرفاً بحرف، كما أنني لا أذهب إلى ما ذهب إليه (المعلمي) من أن مصنف ((الجرح والتعديل)) قد ترك نسبة أحكام البخاري فلم ينسبها إليه، بسبب ما جاء عن مسألة خلق القرآن لأمرين: الأول: أن هذا لم يثبت بحق البخاري، وأن الإِمام الحجة محمد بن يحيى الذهلي قد بولغ في قوله تجاه البخاري، والثاني: على فرض صحة النسبة للإِمام الذهلي، وأنه قال ما قال، وهذا بعيد - إن شاء الله تعالى-، فإن المسألة هنا مسألة علمية بحتة يلزم نسبة القول إلى قائله، لكن كما قلت: إن القوم لا لشيء يفعلون هذا، وخشية من النسيان أحببت نظر هذه المسألة في الموضع . وابن أبي حاتم قد شهد له الأقران بضبطه وتحريه، وحبه للسؤال والمراجعة، وهل هذا إلا من الأسباب العظيمة الجالبة للعلم والغوص فيه بدلالة الكتاب والسنة، ولعل من طبيعة السؤال - مع الإِخلاص فيه - أنه يدل على التواضع، وكرم المعدن، ونبل القصد، وهذا شاهده القرون الطوال، فقد كان الصحابة يسأل بعضهم بعضاً، وكذا كانت حال التابعين، وإذا استمر الحال ظهر التجديد، وتبلورت الثقة، وتضاءل الحسد، ومات الكره والحقد، وأقصد هنا خصوص سؤال العلماء العلماء، وعموم سؤال الطلاب للعلم العلماء، وكذا العوام حين يسألون، فرب عامي يسأل فیتولد لدیه ما لم يدركه سواه. من أجل ذلك وهو شاهد على ما أقول من حالات التابعين كباراً