Indexed OCR Text

Pages 141-160

O وقولهم: ((فلان إلى الصدق ما هو)) أى قريب من الصدق وهو إلى
الصدق أقرب منه إلى الضعف وهذا لا يلزم منه التأكد من ثبوت الصدق؛ بل
يُظن فيه الصدق، وقد قال السيوطى: فحرف الجر يتعلق بـ ((قريب)) مقدر و(ما))
زائدة فى الكلام، وقواه الصنعانى، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان جيد الحديث)) إن كان بمعنى أنه ينتقى، وحديثه سالم
من العلل فمكانه فى الثانية من مراتب التعديل، وإن كان بمعنى أن سماعه صحيح
من مشايخه، فليس فيه إشارة إلى قوةٍ أو ضعفٍ من حيث الرواية، وإن كان بمعنى
أنه عالى الإسناد ورجاله قد اشتهروا، ومتونهم مشهورة، وغير ذلك من أسباب
جودة الحديث ومن الأمور التى يتنافس فيها المحدثون فهذا ليس فيه تقوية لحاله
فى الرواية أو توهين، ونحو ذلك قولهم: ((فلان حسن الحديث)) والأكثر من
استعمالهم لهذا أنهم يقصدون علو الإسناد والغرائب التى يرحل من أجلها، وأما
من احتج بمثل ذلك مطلقاً فسيأتى إن شاء الله تعالى فى القسم الثانى من هذا
الكتاب الجواب عليه.
O وأما قولهم: ((فلان صويلح)) فهو تصغير لقولهم: ((صالح)) والراجح أنه
من أهل الخامسة كما ذكره السيوطى عن العراقى.
وقد عد السيوطى أيضاً عن العراقى قولهم: ((صدوق إن شاء الله) فى الخامسة
لكن فى ((التقييد والإيضاح)) ذكره هنا، والقلب إليه أميل، وكذا قولهم: ((أرجو أنه لا
بأس به)) وقولهم: ((وسط))، وسيأتى فى القسم الثانى من هذا الكتاب إن شاء الله
الجواب على من يحتج بمن قيل فيه ((وسط)) ((أو شيخ وسط)).
O وأما قول الحافظ فى ((تقريبه)) فى المرتبة الخامسة عنده: ((صدوق سىء
الحفظ وصدوق يخطىء وله أوهام .... )) إلخ فالقول فيه كما فى قولهم: ((وسط))
وسأذكر إن شاء الله فى القسم الثانى الأدلة من كلام الحافظ نفسه ومن كلام
غيره من الأئمة على أن هذه الألفاظ من مراتب الشواهد لا الاحتجاج خلافاً
لمن يحتج بها على الإطلاق.
- ١٤١ _

O وأما قولهم: ((روى عنه الناس أو رووا عنه أو يروى عنه)) فقد عده
العراقى فى المرتبة التالية وهى الخامسة حسب ترتيب هذه الكتاب والنفس إلى ما
قاله أميل، والرواية عن الراوى لا تدل على الاحتجاج به فقد جاء فى ((تهذيب
التهذيب) ترجمة محمد بن مسلم أبى الزبير المكى قال ابن أبى حاتم: ((سألت
أبا زرعة عنه فقال: روى عنه الناس، قلت: يحتج به؟ قال: إنما يحتج بحديث
الثقات)) (٤٤٢/٩).
O وأما قولهم: ((فلان مقارب الحديث أو مقارب)) بفتح الراء ويكسرها
فهو لفظ تعدیل، فإن كان بکسرها فهو مقارب حدیث الثقات وإن كان بفتحها
فمعناه أن حديث الثقات يقرب منه، وقال بعضهم: إذا كان بفتح الراء فهو تجريح
بمعنى أنه ردىء، ولكن تُعقّب بأن هذا أمر لا يعرف فى اللغة ولكن فى العرف
الحادث وهذا لا اعتماد عليه انظر ((التقييد والإيضاح)) و((فتح المغيث)).
O وقولهم: (أرجو أنه لا بأس به)) أعلى من قولهم: ((ما أعلم به بأساً)
كما فعل العراقى رحمه الله لأنه لا يلزم من عدم العلم بالبأس حصول الرجاء بذلك.
وهناك ألفاظ أخرى من جملة ألفاظ هذه المرتبة فمن ذلك:
O قولهم: ((فلان لا بأس به إن شاء الله، أو صدوق إن شاء الله، حمل
الناس عنه، أو هو بصورة أهل الصدق)) والأخير هذا قاله ابن عدى فى أحمد بن
الأزهر النيسابورى فتعقبه الذهبى وقال: قلت: بل هو صدوق كما قال أبو حاتم
(٨٢/١) ((الميزان)) فتأمل جواب الذهبى وتفرقته بين اللفظين وأما حال أحمد بن
الأزهر ففى كتب الجرح والتعديل كما سبق التنبيه عليه غير مرة.
O وقولهم: ((فلان متوسط الحال أو متوسط الأمر أو كأنه صدوق))
كما قاله الذهبى فى على بن سعيد الرملى (١٣١/٣) ((الميزان)) وكذا قولهم: ((فلان
محله العدالة أو محله الصدق والستر)).
O ومن ذلك قولهم: ((فلان ثقة وليس كل أحد يحتج به)) قاله ابن سعد
فى المنذر بن مالك أبى نضرة العبدى (١٨١/٤) ((الميزان))، والذى فى (طبقات ابن
- ١٤٢ -

سعد)): ((كان ثقة إن شاء الله كثير الحديث وليس كل أحد يُحتج به)) (٢٠٨/٧)
وهذا معناه أنه ثقة فى دينه لكن لا يحتج بحديثه.
O قولهم: ((فلان هو سداد من عيش)) قال الهاشمى فى رسالته المفيدة:
(شرح ألفاظ التجريح النادرة أو قليلة الاستعمال)): ((المعنى اللغوى، قال الجوهرى:
وأما قولهم: ((فيه سداد من عوز وأصبت به سداداً من عيش)) أى ما تسد به
الخلة فيكسر ويفتح، ويكسر أفصح، وقال أبو عبيدة: قوله: ((سداد من عيش))
أى قواماً وهو بكسر السين وكل شىء سددت(١) من عوز: إذا لم يكن تاماً، وقال
الأصمعى: ((سداد من وز)) بالكسر ولا يقال بالفتح ومعناه: أن أعوز الأمر كله
ففى هذا ما يسد بعض الأمر ..... والسداد بالكسر كل شىء سددت به
خللاً ....... وقال الميدانى: يضرب - أى هذا المثل - للقليل يسد الخلة)). اهـ
من رسالة الدكتور الهاشمى (ص ٨ - ٩).
إذا علمت هذا فاعلم أن الصواب فى هذا اللفظ أن يكون فى هذه المرتبة من
مراتب التعديل لا من ألفاظ التجريح كما عده الدكتور الهاشمى، يدلك
على هذا: المعنى اللغوى وما جاء فى ترجمة سويد بن سعيد بن شهريار قال أبو بكر .
الأعين: ((هو سداد من عيش هو شيخ)) (٢٧٤/٤) ((تهذيب التهذيب)) وفى
(النبلاء): ((هو شيخ هو سداد من عيش)) (٤١٣/١١)، فاتضح بهذا أن هذا اللفظ
بمنزلة قولهم: ((شيخ)) وهو من ألفاظ التعديل فى الجملة لا من ألفاظ التجريح،
ومعلوم أن كثيراً من ألفاظ مراتب الشواهد فى مراتب التعديل يكثر ورودها فى
مراتب الشواهد من مراتب التجريح مع فروق بسيطة والأمر سهل لأن الجميع
من ألفاظ الشواهد والمتابعات لا من ألفاظ الاحتجاج أو الرد.
O ومن ذلك قولهم: ((فلان يقع فى قلبى أنه صدوق)) فالظاهر أن هذا
معنی أن محله الصدق، وأن الراجح عند قائل ذلك أن الراوی صدوق وهذا دون
جزمهم بلفظ (( صدوق))، وقد قال أحمد فی محمد بن عباد المکی: ((حديثه حدیث
أهل الصدق وأرجو ألا يكون به بأس))، وذكره مرة أخرى فقال: ((يقع فى قلبى
أنه صدوق)). انظر (ص ٢٠٧) ((ثقات ابن شاهين)).
(١) به خللاً فهو سداد بالكسر، وعن التضر بن شميل: سداد
- ١٤٣ -

O وقولهم: ((أرجو أن يكون صدوقاً)).
O وقولهم: ((فلان حديثه يشبه حديث الثقات أو حديث الأثبات)) أى
أنه مقارب الحديث أما قولهم: ((حديثه يشبه حديث أهل الصدق)) فإن كان
المقصود بأهل الصدق الأثبات فى الرواية فهو فى هذه المرتية، وإن كان بمعنى
أهل الصدق فى الدين غير المتهمين فهو بمعنى ((ليس بالقوى)) وقد قال أبو زرعة
فى سويد أبى حاتم بصرى عن قتادة: ((ليس بالقوى حديثه يشبه حديث أهل
الصدق)) (٢٣٧/٤) ((الجرح والتعديل)).
O. وأما قولهم: ((حديثه حديث أهل الصدق)) فله حالات سأذكرها بعد
إن شاء الله.
O ومن ذلك قولهم: ((فلان مقارب الحال أو حاله مقارب أو لم يزل
حديثه مقارباً أو قريب الأمر)).
O وقولهم: ((فلان صدوق فى حفظه ضعف)) وهذا بمعنى ((له أوهام)
ومعلوم أن مراتب التجريح الخفيفة أهلها أهل صدق لكن فى حفظهم ضعف غير.
أنه يطلق فيهم الضعف كقولهم: ((لين أو فيه ضعف أو ضُعِّف أو ضعيف))
إلخ. ولا يقال ((صدوق فيه ضعف)) فهذا اللفظ محله هنا، والأمر سهل كما قلت،
فقولهم: ((صدوق فيه ضعف أو ضعيف الحفظ)) أقل من قولهم: ((صدوق)) وأعلى
من قولهم: ((فيه ضعف أو ضعيف)) والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان عندى فى جملة من ينسب إلى الصدق)) وهذا اللفظ
قاله ابن عدى فى سعيد بن زيد أخى حماد بن زيد بعد أن قال: ولسعيد بن زيد
غير ما ذكرت من أحاديث حِسان، وليس له متن منكر لا يأتى به غيره وهو
عندى فى جملة من ينسب إلى الصدق (١٢١٥/٣) ((الكامل)).
O وقول ابن مهدى: ((رجل صالحٌ الحديثُ يغلبه)) قال أحمد بن سنان
الواسطى: «سمعت ابن مهدى وربما ذكر رجلاً صدوقاً فى حديثه ضعف فيقول:
"رجل صالحٌ الحديثُ يغلبه يعنى أن شهوة الحديث تغلبه فيحدث)) اهـ. قلت:
- ١٤٤ -

واعلم أن الصالحين منهم من هو ثَبْت فى حديثه كالأئمة المشاهير والعلماء الأعلام،
ومنهم من هو وسط فى حفظه يهم فى الشىء بعد الشىء، ومنهم من يفحش خطؤه
ويروى المناكير والبواطيل دون أن يميز لأن العبادة تشغلهم عن الإتقان والتنقيح
والمذاكرة، لأنه قد يرى فى التحديث شهرة ورياء، حتى قال بعضهم: من قال:
((حدثنا) فكأنما قال: افسحوا لى الطريق أو بهذا المعنى، فقد يدفن أحدهم كتابه
وهو ليس من أهل الحفظ ثم يحتاج إلى التحديث فيحدث فى حديثه الاضطراب
والتخليط، أو قد يضطره الطلبة إلى التحديث فيحدث بما علق في ذهنه فيخلط،
وعلى هذا يحمل قول ابن مهدى: (الحديث يغلبه)) لا كما يظهر أو يتبادر إلى البعض
من كلام ابن سنان أنها شهوة مذمومة شرعاً وإلا لاختل صلاحهم، والأمر مع.
وضوحه إلا أننى نبهت عليه خشية اللبس.
- ١٤٥ -

---
(المرتبة الخامسة من مراتب التعديل)
عند ابن أبى حاتم وابن الصلاح: ((صالح الحديث)) وعند العراقى كما فى
((التقييد)): ((فلان روى عنه الناس وفلان وسط وفلان مقارب الحديث وما أعلم
به بأساً)) وذكر السيوطى عنه: ((صدوق إن شاء الله وأرجو أن لا بأس به
وصويلح)). وعند السخاوى كما فى ((فتح المغيث)): ((يعتبر حديثه ويكتب حديثه
وما أقرب حديثه)). وعند شيخه الحافظ ابن حجر كما فى ((التقريب)): ((مقبول)
أى حيث بتابع وإلا فلين الحديث.
فأما قول الحافظ ((مقبول)) فقد عرّفه بقوله: ((من ليس له من الحديث إلا
القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإِشارة بلفظ ((مقبول)) حيث
يتابع .... )) إلخ. ومعلوم أن كثيراً من الأئمة يقولون: ((مقبول)) على من يحتج به
كما سبق فى المرتبة الثانية، والحافظ رحمه الله أدخل فى المرتبة السادسة وهى هذه
المرتبة حسب ترتيب هذا الكتاب مرتبتين فجعلها آخر مراتب التعديل وأولى
مراتب التجريح، فالأصل فى أهل هذه المرتبة عنده أن حديثهم لين لا يحتج به
إلا إذا توبع فيكون مقبولاً بمعنى أنه يعمل به، والله أعلم.
وأما السيوطى فقد تردد فى قولهم: ((ما أعلم به بأساً)) هل هو هنا أم فى
الأولى من التجريح والصواب أنه هنا كما فعل العراقى رحمه الله لأن عدم العلم
بالبأس لا يلزم منه وجوده، ومراتب التجريح يشترط فيها ثبوت الجرح مجملاً
أو مفسراً لا عدم العلم به، ونحوه قول إسماعيل بن على الخطبى فى على بن أحمد بن
النضر أبى غالب الأزدى: ((لا أعلمه ذُمَّ فى الحديث)) (٣١٦/١١) «تاريخ بغداد)».
O وأما قولهم: ((صالح فى الحديث)) فأحيانا يأتى فى الثقات، وأحياناً فيمن
يستشهد بهم وهو الأصل فى هذا اللفظ، وقولهم: ((صويلح)) فمحله هنا وهو تصغير
لقولهم: ((صالح)) كما سبق ..
-ـ ١٤٦ _

وقد سبق الكلام على قولهم: «وسط ومقارب وصدوق إن شاء الله وما
أقرب حديثه)).
O وقولهم: ((أرجو أن لا بأس به)) دون قولهم: ((لا بأس به)) لأن رجاء
الشىء لا يلزم منه تحققه.
O وقولهم: ((روى عنه الناس وحمل عنه الناس)» يفيد رفع جهالة العين،
ثم ينظر فى هؤلاء الذين رووا عنه فإن كانوا من المشاهير الحذاق الذين يتحفظون
فى الرواية نفعه ذلك على تفاصيل ستأتى إن شاء الله، وقد يكون ذلك لثقته
وصلاحه کما تقدم، و کما قال ابن المنادى فى محمد بن الحسين الأنماطی: «حمل الناس.
عنه لثقته وصلاحه)) (٢٢٨/٢) ((تاريخ بغداد)) ولكن الأصل فى هذا اللفظ هذه
المرتبة، والله أعلم.
O ونحوه قولهم: ((قد احتمله الناس)) وأما قولهم: ((تحتمل رواياته)) فإنه
يدل على أن فى رواياته المناكير الكثيرة، لكن لا يترك حديثه وهذا من ألفاظ
التجريح كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
O وقولهم: ((يكتب حديثه)) أى وينظر للاعتبار، قال أبو حاتم فى الوليد بن
كثير المزنى: يكتب حديثه. فقال الذهبى فى ((ميزانه)): ((مع أن قول أبى حاتم هذا
ليس بصيغة توثيق وليس بصيغة إهدار)) (٣٤٥/٤) وقال الذهبى فى ترجمة
هشام بن حسان القردوسى: «قد علمت بالاستقراء التام أن قول أبى حاتم فى رجل
(يكتب حديثه)) معناه أنه عنده ليس بحجة)) (٣٦٠/٦) ((النبلاء))، وقد عد البعض
هذا اللفظ فى عبارات التجريح، والذى يظهر لى أنه من عبارات التعديل التى
يستشهد بأهلها فقد ذكر الذهبى فى ((مقدمة المغنى فى الضعفاء) وبيَّن من احتوى
كتابه عليهم فقال: ((وكذا لم أذكر فيه من قيل فيه: ((محله الصدق)) ولا من قيل
فيه: ((يكتب حديثه)) ولا من قيل فيه: ((لا بأس به)) ولا من قيل فيه: ((هو شيخ))
أو (صالح الحديث) فإن هذا باب تعديل .... )) اهـ وعبارته فى ديباجة ((الميزان))
بعد أن ذكر أكثر هذه العبارات: (( .... فإن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف
- ١٤٧ _

المطلق)) (٤/١)، ومعلوم أن مراتب التعديل التى لا يحتج بأهلها لا يطلق عليها
الضعف المطلق. ومع ذلك فالظاهر لى أن قولهم فى الراوى ((يُروى عنه أو يُروى
حديثه)» أرفع فى المعنى من قولهم: (١) ((يُكتب حديثه)) لما علم من قولهم: ((إذا كتبت
فقمِّشْ وإذا رويت ففتش)).
وأما قول ابن عدى كما فى ((الميزان)): ((معنى قول ابن معين ((يكتب حديثه)»
أنه فى جملة الضعفاء)) (٧٠/١) وانظره فى ((الكامل)) (٢٤٣/١) فيحمل على التسامح
فى العبارة، فلا شك أن حديث أهل هذه المرتبة لا يحتج به وهذا لضعف فيهم
وإن كان لا يطلق عليهم الضعف المطلق وهل قولهم: ((يكتب حديثه)) بمعنى قولهم:
((كتبنا عنه))؟ جاء فى الرسالة الفذة ((رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح
والتعديل)) لعداب الحمش حفظه الله: فْق بين الكتابة عن الراوى والسكوت عنه
فالكتابة أقل درجاتها أن الكاتب يعرف عين المكتوب عنه ..... ثم قال: ((و كلمة.
((كتبنا عنه)) تعنى (يكتب حديثه)) وكذا كلمة ((شيخ)) اهـ (ص ١٤٢) واستدل:
بقول أبى زرعة لما سئل عن الحسن بن مدرك السدوسى: ((كتبنا عنه))، ولما سئل
عنه أبو حاتم قال: ((شيخ)) اهـ قلت: كذا قال وفيه تأمل لأن من عادة الأئمة.
المجتهدين فى هذا الفن أنهم فى بداية طلبهم يكتبون عن كل أحد كما سبق، ومعلوم.
أن الحديث يكتب على ثلاثة أوجه، إما للعمل به وإما للنظر فيه هل له ما يقويه.
أم لا؟، وإما للمعرفة والبيان، بل قد يحفظ بعضهم النسخ المنكرة أو الباطلة كى:
لا يقلب الكذابون إسنادها بالثقات كما فعل ابن معين رحمه الله، وقد نص.
أبو زرعة، وأبو حاتم رحمهما الله فى تراجم کثیرة کما فی کتاب (الجرح والتعديل»
لابن أبى حاتم على ضعف رواةٍ ضعفاً شديداً مع ذكر أنهما أو أحدهما قد كتب
عنه، ولست فى حاجة إلى جمع عدة تراجم تشهد لما قلته بل أذكر ما ذكره الأخ
عداب حفظه الله فى نفس كتابه فقال: ((حتى لا يُغتر بقول التهانوى بأن كل من
كتب عنه أبو حاتم وأبو زرعة ثقة، فقد وقفت على تراجم كثيرة فيها التصريح:
بالكتابة عنه ومع ذلك فقد صرحا أيضاً بأنهم غير ثقات أو أشارا إلى عدم معرفتهما
بهم، أو سكتا عنهم وجرحهم غيرهما كما أنهما أدركا أناساً ثقات ولم يكتبا عنهم.
(١) (يُكتب عن أو
- ١٤٨ _

كما لم يكتبا عن كثير ممن أدركاه من الضعفاء .... )) وذكر أمثلة: فمنها: ((ما جاء
فى ترجمة أحمد بن عمران الأخنس كتب عنه أبو زرعة وسئل عنه فقال: كتبت
عنه ببغداد وكان كوفياً وتركوه)). قال عداب: ((فهذا أبو زرعة قد كتب عنه
مع أنه متروك الرواية فالكتابة شىء والتحديث والرواية شىء آخر)) اهـ
(ص ٣٩ - ٤٠).
ولولا وضوح هذا لذكرت عدة تراجم تشهد لهذا لأن قولهم: ((يكتب
حديثه)) إخبار بمعنى أنه لا يترك حديثه وليس ممن يرد حديثه بخلاف قولهم: (( كتبنا
عنه)) فلا ندرى على أى الوجوه كتبوا عنه، نعم إن لم يثبت فيه جرح أو توثيق
فهو رافع لجهالة العين - على تفاصيل فى ذلك - ويكون مع هذا أقل من قولهم:
(يروى عنه ويكتب حديثه)) والعلم عند الله تعالى.
ومن ألفاظ هذه المرتبة:
((فلان يعتبر به وفلان شويخ)) تصغير قولهم شيخ.
٥
O ((وفلان حديثه من أقسام الحسن)) قاله الذهبى فى شريك بن عبد الله
النخعى (٢٢٢/٥١) ((تذكرة الحفاظ)) قال هذا رداً على الجوزجاني فى قوله: ((كان
شريك سىء الحفظ)).
O وقولهم: ((فلان ليس ببعيد من الصواب)) وهذا أقل من قولهم:
((مقارب)) لأن نفى البعد لا يلزم منه ثبوت القرب وقد قال اللكنوى رحمه الله
فى كتابه ((الرفع والتكميل فى الجرح والتعديل)): ((من أدنى مراتب التعديل وما
أُشعَرَ بالقرب من التجريح قولهم: ((ليس ببعيد من الصواب))) اهـ (ص ٧٧).
O ومن ذلك قول الدارقطنى فى عبد الملك بن أبى زهير الثقفى: ((يُخَّج
حديثه)) (ص ٤٥) من ((سؤالات البرقانى للدار قطنى)) وهذا بمعنى أنه يخرّج اعتباراً
ولا يترك ، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان يستدل به)) أول ما تبادر لى من هذا اللفظ أنه من
ألفاظ الاحتجاج ثم بان لى خلافه، فقد قال أبو زرعة الدمشقى: «قلت لأحمد:
- ١٤٩ _

صالح - أى ابن أبى الأخضر اليمامى- يحتج به؟ قال: يستدل به ويعتبر به))
(٣٨١/٤) ((تهذيب التهذيب))، وقال نعيم بن حماد: ((رأيت عند ابن عيينة كتاباً
لمقاتل - أى ابن سليمان البلخى صاحب التفسير- فقلت: يا أبا محمد تروى المقاتل
فى التفسير؟ قال: لا ولكن أستدل به وأستعين به)) (٢٧٩/١٠) (تهذيب
التهذيب)). وقال ابن رجب الجنبلى فى شرحه ((لعلل الترمذى)): ((وقال أحمد فى
رواية ابن القاسم: ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك وما أكتب حديثه إلا للاعتبار
والاستدلال إنما قد أكتب حديث الرجل كأنى استدل به مع حديث غيره یشده
لا أنه حجة إذا انفرد)» (ص ٨٥) فمن هنا يتضح أن معنى قولهم : (يستدل به))
أنه يكتب حديث الراوى ثم يبحث هل ورد معناه من طريق أخرى أم لا. ولكن
جاء فى ((تهذيب تاريخ دمشق)) أن أحمد قال فى صالح بن أبى الأخضر: ((حديثه
فى الشفعة يستدل به ويحتج به)) (٣٦٧/٦) والظاهر لى أن صوابه ((يستدل به
ولا يحتج به)) فسقطت كلمة ((لا)) لِمَّا سبق عن أحمد من استعماله لهذا اللفظ
ومن قوله فى صالح بن أبى الأخضر نفسه: ((يستدل به ويعتبر به))، وكذا أقوال
غيره من النقاد شديدة الجرح فى صالح، فقد قال ابن معين: ((ليس بشىء))، وقال
أحمد بن صالح: ((لا يكتب حديثه وليس بالقوى))، وقال القطان: «سمعت حديثه
كله ثم رميت به))، وقال السعدى: ((هو متهم فى أحاديثه .... )) فلعل أحمد ذُكر.
له أن غيره يضعفه جداً فقال: ((حديثه فى الشفعة يستدل به ولا يحتج به)) بمعنى
أنه لا يترك، والله أعلم.
:
- ١٥٠ -

ثانياً: ذكر مراتب التجريح
المرتبة الأولى:
عند ابن أبى حاتم وابن الصلاح رحمهم الله: ((لين الحديث)).
وعند العراقى كما فى ((التقييد»: ((ليس بذاك وليس بذاك القوى وفيه ضعف
وفى حديثه ضعف وفيه مقال وتعرف وتُنكر وليس بالمتين وليس بحجة وليس
بعمدة وليس بالمرضى وللضعف ما هو وسىء الحفظ وفيه خلف وتكلموا فيه)).
وزاد السيوطى عنه كما فى ((التدريب)): ((فيه لين وضُّعِّف)) ((وذكر ابن الوزير)):
((يقال فيه وليس بالقوى وفيه خلاف ومطعون فيه ولين)).
وعند الذهبى كما فى ((الميزان)): ((صدوق لكنه مبتدع)) وعند السيوطى ((ما
أعلم به بأساً)).
وهاك بيان بعض ما ذكروه:
O فقولهم ((لين الحديث)) قال حمزة بن يوسف السهمى: ((سألت
أبا الحسن الدارقطنى: إذا قلت: ((فلان لين)) إيش تريد به؟ قال: لا يكون ساقطاً
"متروك الحديث ولكن يكون مجروحاً بشىء لا يسقط عن العدالة)). اهـ ولكن قد يقف
الباحث على بعض ألفاظ خفيفة الجرح وتطلق فى مواطن الجرح الشديد كما يظهر
من السياق، فمن ذلك أن ابر عدى رحمه الله قد يقول: ((فلان لين)) على من
هو شديد الجرح فقد قال فى جعفر بن أحمد بن العباس البزاز: ((كتبنا عنه ببغداد
وكان يسرق الحديث ويحدث عمن لم يرهم .... )) وساق له حديثاً ثم قال: ((وهذا يوصم
حديث كان يقال: إن ابن إسحاق الأنصارى ينفرد به عن أبى كريب سرقه جعفر
هذا)). قال الشيخ ابن عدى: ((ولجعفر هذا أحاديث مما أنكرت عليه وهو
عندى لين)) (٥٨١/٢) ((الكامل))، وقال فى ترجمة موسى بن أبى كثير الأنصارى:
- -
- ١٥١ -

((وحفص بن سليمان الأسدى لين ..... )) ثم رجعت إلى ترجمته فى ((الكامل)
فوجدت الجرح فيه شديداً وقال ابن عدي: ((وعامة ما يرويه غير محفوظ))، وهو
غالباً ما يقول هذا على من لا يصلح فى الشواهد انظر (٧٨٨/٢ - ٧٩١)
((الكامل)). وإن كان ذكر هذا اللفظ فى بعض التراجم على من يستشهد به كما
فى ترجمة يزيد بن عطاء اليشكرى (٢٧٢٨/٧) ويزيد بن عبد الرحمن بن هند
الدالانى (٢٧٣٢/٧) وقاله فى ابن لهيعة فى ترجمة منصور بن عمار أبى السرى
(٢٤٧٢/٤) وفى غير ذلك فعلى طالب العلم أن يتأمل فى إطلاق الحافظ ابن عدى
لهذا اللفظ، والله أعلم.
O. وقولهم: (ليس بذاك أو ليس بذلك)) معناه أن من قيل فيه هذا فهو
ليس فى حد القوة المعهودة التى نالها الحفاظ والتى يبحث عنها المعتنى بهذا الفن
والمشتغل بالبحث فى أحوال الرجال، وقد يكون هذا نفياً للجلالة فقط، وكذا
قولهم: «ليس هو كما يتوهم الناس)) أو ((هو ليس كما يتوهمون)) فقد قال أبو داود
فى أحمد بن صالح المصرى أبى جعفر: ((ليس هو كما يتوهم الناس)) - يعنى ليس
بذلك فى الجلالة - اهـ (١٨٤/١) ((الكامل)).
وكثير من ألفاظ هذه المرتبة والتى تليها تحتمل نفى الجلالة فقط وإن كان الراوى
ثقة فى الجملة، لكن الأصل فى هذه الألفاظ أنها عبارات تليين إلا إذا قامت قرينة
تفيد نفى الجلالة دون أصل القوة فيعمل بها، والله أعلم.
O وقولهم: (تعرف وتنكر)) قرىء بياء الغيْية على البناء للمجهول ورجح
اللكنوى رحمه الله أن يكون بتاء الخطاب فيهما أى تعرف أيها الناقد من حديثه
ما وافق الثقات وتنكر ما تفرد به أو خالف الثقات، ونحوه: «كنا نعرفه ونتكره
و كان يخطىء ویصیب».
O وقولهم: (للضعف ما هو)) أى قريب من الضعف كما سبق الكلام فى
قولهم: ((إلى الصدق ما هو)) فراجعه.
O وقولهم: (فيه خلف)) ((أو مختلف فيه)) أى أنه ليس متفقاً على توثيقه
- ١٥٢ -

أو تجريحه، وهو من عبارات الجرح الخفيفة التى يصلح أهلها فى الشواهد والمتابعات
خلافاً لمن يحتج بذلك، والتهانوى يحتج بالمختلف فيه من الرواة جرحاً أو تعديلاً
ومن الأحاديث تصحيحاً أو تعليلاً وهذا ليس بسديد، فمن قال: ((فلان مختلف
فيه)) فمعنى ذلك أنه لم يترجح عنده أقوال من وثقه ولا من ضعفه.
O وأما قولهم: ((ضُعِّف - وفيه ضعف - وضعفوه - وضعيف))- فهو
على الترتيب هذا من جهة الجرح يبدأ بالأخف جرحاً وينتهى بأشدها جرحاً وهذا
ظاهر، لأن اللفظ الأول على البناء للمجهول بخلاف الثانى ففيه جزم من القائل،
وأما ((ضعفوه)) فأخف من قولهم ضعيف لأن إسناد الكلام إلى الغير فيه هروب
من العهدة وكثيراً ما يفعل هذا الحافظ ابن حجر فى ((التقريب))، والله أعلم.
O ومن جملة ألفاظ هذه المرتبة: ((فلان ضُعِّف قليلاً وفلان غير حجة
وليس هو ممن يتكل عليه ويخالف فى بعض حديثه - بفتح اللام وكسرها -
ولين ويلين وما ذا بحجة وله أفراد وغرائب وله أوهام وله أشياء لا يتابع عليها
ويعرف بغير حديث لا يرويه غيره - ما لم يكثر هذا منه أو يفحش - وله
مناكير وإلى اللين ما هو ويهمز فى الشىء بعد الشىء أو يهم فى الشىء بعد
الشىء وليس بالثبت أو ليس بثبت)) وقد ذكر الشيخ المعلمى اليمانى رحمه الله
أن قولهم: ((ليس بالثبت)) مفاده نفى أن يكون راويه غاية فى التثبت ويفهم من
ذلك أنه ثبت فى الجملة (ص ٤٦٥) ((التنكيل)- وما قاله الشيخ رحمه الله محتمل
من حيث اللغة ومن حيث استعمالهم أحياناً، أما الكثير من استعمالهم لهذا أنه
نفى للاحتجاج به بمفرده، بل قد يقولون: ((ليس بثبت)) فى أشد من ذلك جرحاً
كما جاء فى ((لسان الميزان)) ترجمة أحمد بن عبد الواحد بن شاذان: قال صالح بن
أحمد فى ((طبقات همذانٍ)): ((سمعت منه وتركت الرواية عنه وليس بثبت وهو شيخ
أخذ حديث قوم لم يكن الحديث من شأنهم رأيت سماعه فى كتب أبيه مع موضع
سماع أخيه فقط وقد ألحقوا به سماع هذا الشيخ ولم يميز بين ذلك، وسمعت
أبى يقول: لا يؤتى من تستر ولا أدرى كيف خلط ونعوذ بالله من خذلانه))
(٢١٧/١ - ٢١٨). فقولهم: ((ليس بثبت)) الأصل فيه نفى الاحتجاج كما قال
- ١٥٣ -

الساجى فى حكيم بن جبير الأسدى: ((غير ثبت فى الحديث وفيه ضعف)
(٤٤٦/٢) (تهذيب التهذيب))، إلا إذا قامت قرينة تدل على أن الراوى أرفع من
ذلك أو أقل فيعمل بها، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان فى حديثه بعض الإنكار أو فى أحاديثه ما ينكر عليه))
وهذا يقدح فيه إذا كانت العهدة عليه، أما إذا رواها أو دلسها فله حكم آخر،!
فقد قال الخطيب فى عبد الرحيم بن واقد: ((فى حديثه مناكير لأنها عن ضعفاء
ومجاهيل)) (١٠/٤) ((لسان الميزان)) وانظر ((تاريخ بغداد)) (٨٥/١١). وكما قال أحمد
لما سئل عن عتاب بن بشير: ((أرجو أن لا يكون به بأس روى أحاديث ناخرة
منكرة وما أرى إلا أنها من قبل خصيف - أى ابن عبد الرحمن الجزرى - وهو
شيخ عتاب)) (١٤٤/٣) ((تهذيب التهذيب)).
O ومن ذلك قولهم: ((يستضعف)) قاله عباس عن يحيى فى عمرو بن
أبى عمرو مولى المطلب (٢٨٢/٣) («الميزان».
O وقولهم: (ليس بذاك لم يكن من النقد الجيد)) قاله أحمد فى قابوس بن
أبى ظبيان (٣٦٧/٣): ((الميزان)). ولكن وقع فى ((ضعفاء العقيلى)): قال جرير: ((لم
يكن من الثقة الجيد))، بالثاء المثلثة، وهو تصحيف، والذى فى ((تهذيب التهذيب)).
بالنون أيضاً والدال (٣٠٦/٨).
O وقولهم: ((لم يكن بالصافى)» - «ولیس کأقوى ما يكون وليس بأقوى
ما يكون-)) قاله أبو زرعة فى العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب المدينى (٣٥٨/٦)
:((الجرح والتعديل))، وهذا تضعيف نسبى أى بالقياس إلى غيره، كما نبّه على ذلك
الحافظ ابن حجر فى ((مقدمة الفتح)) ترجمة إبراهيم بن يوسف السبيعى، وهذا القول
أعلى من قولهم: ((غيره أوثق منه))، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ليس هناك)) قاله مسلمة بن قاسم فى الجارود بن معاذ:
السلمى، ونحوه لما سئل مالك الحديث عن يزيد بن عبد الله بن قسيط فى القصاص.
فامتنع وقال: ((ليس رجله عندنا هناك)) (٧٥١/٢) ((المغنى فى الضعفاء))، فهذا.
- ١٥٤ -

اللفظ بمفرده بمعنى قولهم: ((ليس بذاك)) ولكن قد يذكر فى الجرح الشديد كما قال
مسلمة بن قاسم فى جعفر بن غزوان: ((ليس هناك كان يشترى الكتب فيحدث
بها)) (١٢٦/٢) ((لسان الميزان)). وهذا اتهام فى عدالة الراوى لا فى حفظه لأنه
يحدث بأحاديث ليست من سماعه ولم يتحملها عن الشيوخ بالطرق المعروفة فى
التحمل من سماع أو عرض إو إجازة ....... إلخ، والله أعلم.
O وقولهم: ((ليس بالقوى عندهم)) ((أو لم يكن بالأستاذ)) قاله الطيالسى
فى زائدة بن قدامة وقيده بحديثه عن أبى إسحاق (٣٠٧/٣) ((تهذيب التهذيب)).
O وقولهم: ((فلان ليس بالحافظ أو ليس ممن يلزم بزيادته حجة)) قاله
أبو بكر البزار فى كتاب ((السنن)) فى سليمان بن حيان ثم قال: ((باتفاق أهل العلم
بالنقل أنه لم يكن حافظاً) (١٨٢/٤) ((تهذيب التهذيب)).
O وقولهم: ((فلان لم يكن بالماهر» قال جعفر بن أبان: «ذكرت لأبى الوليد
الطيالسى أبا هلال - يعنى محمد بن سليم الراسبى - فى قتادة فقال: لم يكن بالماهر
فيها)) (٢٨٣/٢) (المجروحين)) لابن حبان، وهذا معناه أنه ليس بالمتقن الفهم
لأحاديث قتادة، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ليس من أهل الحفظ والإتقان أو ليس بالمتقن أو ليس
ممن يوصف بالضبط للحديث أو ليس بذاك الحافظ)) فهذه الألفاظ تستعمل
للدلالة على لين فى حديث الراوى، إلا أنه قد يقال: ((فلان ليس من أهل الحفظ»
ويقصد بذلك نفى الكمال، ففى ترجمة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن .
مروان الأموى قال أحمد: ((ليس هو من أهل الحفظ)). فقال الحافظ: ((يعنى بذلك
سعة المحفوظ وإلا فقد قال يحيى بن معين: هو ثبت روى شيئاً يسيراً)). اهـ (ص
٤٢٠) ((مقدمة الفتح)). ثم اعلم أن قولهم: ((فلان حافظ)) له عدة معان فقد
يقصدون بذلك أنه ضابط متقن وإن لم يكن واسع الرواية كما هاهنا، وقد يقصدون
بذلك أنه بحر من بحور الرواية وكثير العلم وإن لم يكن بالمتين كما تجد ذلك بكثرة
فى تراجم (تذكرة الحفاظ)) للذهبى، وقد يكون للجمع بين الأمرين كما هو فى
- ١٥٥ -

الأئمة المشاهير، إذا علمت هذا فقد يكون قولهم: ((فلان ليس بالحافظ)) نفياً لأحد
هذه الوجوه ولا يلزم من نفى بعضها نفى أصل القوة لكن هذا خلاف الظاهر
من إطلاق اللفظ، والله أعلم.
فإن قيل: نفى كون الراوى من الحفاظ لا يلزم منه الوهم مطلقاً، لأن
((اللام) التى دخلت على قولهم: ((حافظ)) تدل على أن المنفى أن يكون من كبار
الحفاظ وعلى أقل أحواله أن يكون حديثه حسناً لذاته، فالجواب أن هذا بخلاف
عرفهم فإنهم يطلقون ذلك فى الغالب على من يهم ويخطىء، كما جاء فى ((تهذيب.
التهذيب)) ترجمة عبد ربه بن نافع الكنانى الحناط، قال أحمد: ((ما بحديثه بأس))،
فقال ابنه عبد الله: ((إن يحيى بن سعيد قال: ليس بالحافظ، فلم يرض ذلك))
(١٢٩/٦) ولو كان الأمر كما قال القائل لما كانت هناك منافاة بين قول أحمد وقول
القطان فما وجه الإنكار من أحمد وعدم رضاه لقول القطان؟ والله أعلم.
O قولهم: ((فلان لم يكن بالسِّكَّة)) أى لم يكن بذاك الصافى الخالص،
((السكة)) فى اللغة: العملة من الدنانير والدراهم المضروبة، وفى العرف تطلق على
الطريق، وقد يكون سبب ذلك الضعف فى الرواية أو البدعة، فقد قال يحيى بن
سعيد فى الحسن بن صالح بن صالح بن حى الفقيه: ((لم يكن بالسكة)»، وفى
(تهذيب التهذيب)): (لم يكن بالسكة مثله وكان يرى الخروج على الولاة، وذكر
الذهبى أن فيه تشيعاً قليلاً وكان يترك الجمعة)) (٤٩٧/١) («الميزان)).
O قولهم: ((فلان لم يبلغ درجة الصحيح)) إن قصدوا بذلك أن حديثه
لا يبلغ درجة أن يقال فيه ((صحيح)) فيحتمل أن يكون حسناً، وإن قصدوا أن
حديثه لم يبلغ درجة الصحيح والصحيح هو ما قابل الضعيف فمحله هنا، وقد
صرح الذهبى غير مرة أن الحديث الحسن من جملة الحديث الصحيح وأن الحديث
عند أهله ينقسم إلى صحيح وضعيف، والله أعلم. فينظر إلى قائل ذلك هل هوٍ
ممن يرى التفرقة بين الصحيح والحسن فى الاصطلاح عند قوله: ((صحيح)) أم أنه
لا يرى ذلك ولكل حكمه ولهذا تتمة (ص ١٨٣) والله أعلم.
- ١٥٦ -

O قولهم: ((فلان ليس محله محل المسمعين أو المتسعين فى الحديث)) قاله
أبو حاتم فى إبراهيم بن خالد أبى ثور الكلبى أحد الفقهاء، وتعقبه الذهبى لتوثيق
غيره له (٢٩/١) («الميزان)).
O وقولهم: ((فلان ليس من البابة)) أى ليس بذاك، وقد تطلق على أشد
من ذلك جرحاً انظر ((تاريخ بغداد)) (٢٨١/٥) ترجمة محمد بن زياد بن زبار
الكلبى، ((والجرح والتعديل)) ترجمة بشر بن الحسين (٣٥٥/٢).
ومعنى ((البابة)) كما فى ((اللسان))، يقال: هذا من بابتك أى يصلح
لك ..... وهذا بابة هذا أى على شرطه. (٢٢٤/١).
O وقولهم: ((فلان ليس من جمال المحامل أو ليس من أهل المحامل أو
ليس من الإِبل التى تحمل المحامل أو ليس من أهل القباب أو ليس من إبل
القباب)) وقد سبق بيان هذا من جهة اللغة فى المرتبة الأولى من مراتب التعديل
فارجع إليه، ووجه الجرح بهذه الألفاظ أن الراوى ليس ممن يعتمد على حديثه
بمفرده وأنه ليس بالقوى المتين.
O وقولهم: ((فلان ليس من أحلاس الحديث)) أى ليس من أهل الاشتغال
والملازمة التامَّيْنٍ لهذا الشأن، وقد سبق تفسيره لغة فى المرتبة الأولى من مراتب
التعديل.
° قوهم: «فلان لم یکن بمحکم الحدیث» أی لیس من المتقنین، قال أحمد
فى هشام بن سعد أبى عباد المدنى: ((لم يكن بالحافظ))، وقال مرة: ((لم يكن محكم
الحديث))، وقال ابن معين: ((ليس بذاك القوى وليس بمتروك)) (٢٩٨/٤ - ٢٩٩)
(الميزان))، ولكن جاء عن أحمد هذا اللفظ مرة أخرى على سبيل الجرح الشديد
كما فى ترجمة عبيد الله بن الوليد الوصافى فقد قال فيه: ((ليس بمحكم الحديث إنما
أكتب حديثه لأعرفه)) (١٦٣٠/٤) ((الكامل)). وبقية الأقوال فيه شديدة الجرح،
وقد قال فيه ابن عدى: ((ضعيف جداً)، فاللفظ هنا انتقل عن أصله لقرينة.
O قولهم: ((فلان ليس ممن تريد)» أى ليس بالثبت، قال يحيى بن سعيد
- ١٥٧ -

وقد سئل عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثى: ((ليس ممن تريد كان
يقول أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) (٣١/٨) ((الجرح
والتعديل))، يعنى بذلك أنه لقلة ضبطه يقول حدثنا فلان وفلان ويجمع فى الإسناد
وقد يكون حديث أحدهما مخالفاً لحديث الآخر ولا يفصل بينهما، والقدح بهذا.
له شروط ستأتى فى محلها إن شاء الله، ولكن اللفظ بمفرده منزلته هاهنا.
O قولهم: ((فلان ليس من أكابر أصحاب الزهرى مثلاً) وقد سبق أن
تقسيم أصحاب أحد الأئمة باعتبار إتقان الراوى حديثه والتثبت فيه لا کبر سنه،
وهذا معناه أن أهل الطبقة الثانية لو اختلفوا فى حديث الزهرى فيعتبر كلامهم
بكلام أهل الطبقة الأولى فمن وافق الطبقة الأولى فالقول قوله، وقد سئل ابن .
معين عن سفيان بن حسين الواسطى فقال: ((ليس به بأس وليس من أكابر
أصحاب الزهرى))، وقال مرة: «ثقة وحديثه عن الزهرى فقط ليس بذاك إنما سمع
منه بالموسم)) (٣٠٣/٧) ((النبلاء) فقوله الثانى فسر قوله الأول وأن الرجل ليس
بذاك فى الزهرى، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان لم يكن بجيد العقدة)) أى ليس بالمتثبت، واللفظ قاله.
أبو داود فى الحسن بن أبى جعفر عجلان، واللفظ بمفرده محله هنا، وإن كان
أبو داود قال فيه مرة أخرى: «ضعيف لا أُکتب عنه) (٢٦١/٢) اتهذیب
التهذيب».
O وقولهم: ((فلان لا يجىء بحديثه كما ينبغى)) أى كما يأتى به الأثبات
المتقنون، واللفظ قاله البخارى فى يوسف بن أسباط الشيبانى الزاهد الواعظ كما
فى ((النبلاء)) (١٧١/٩). والسبب فى ذلك أنه دفن كتبه وحدث من حفظه، والله
أعلم.
- ١٥٨ -

(المرتبة الثانية: من مراتب التجريح)
عند ابن أبى حاتم وابن الصلاح رحمهم الله تعالى: ((ليس بقوى)).
وعند الحافظ ابن حجر: ((مستور أو مجهول الحال)) وهو عنده من روى
عنه أكثر من واحد ولم يوثق.
وعند السخاوى: «فيه مقال وأدنى مقال وضُعِّف وفلان فيه وليس من
إبل القباب وليس بمأمون وليس من إبل المحامل وليس من جمازات المحامل وليس
يحمدونه وليس بالحافظ وغيره أو ثق منه وفى حديثه شیء وتكلموا فيه وسكتوا
عنه وفيه نظر - إذا كانا من غير البخارى - ونزكوه ومجهول عند أبى حاتم
إن كان بمعنى مجهول الحال وفيه جهالة ولا أدرى ما هو)).
واعلم أن ألفاظ هذه المرتبة تشابه ألفاظ المرتبة الأولى، ولذا تجد الحافظ
السخاوى لم يذكر شيئاً فى السابقة وذكر كثيراً مما سبق فى الأولى هنا، وأما
قول السخاوى: ((ليس بمأمون)) فالظاهر لى أنه جرح من قبل العدالة ولذا فمحله
لیس هاهنا، وأما قوله: «ليس يحمدونه)) ونحوه «ليس بمحمود) وإن كان محله هاهنا
إلا أنى وقفت على تراجم كثيرة ذُكر فيها هذا اللغط على سبيل الجرح الشديد،
فقد قال الجوزجاني فى نهشل بن سعيد بن وردان: ((غير محمود فى حديثه، وكلام
غيره فيه شديد الجرح كقولهم: ليس بثقة وليس بشىء ومتروك ..... )) إلخ. انظر
(٢٥٢١/٧) ((الكامل))، وكذا قول الجوزجانى فى أبى صالح مولى أم هانىء
ويحيى بن عبد الله الجابر (ص ٦٣) من ((أحوال الرجال)) وانظر ترجمة الوازع بن
نافع (ص ٨٨) (أحوال الرجال))، وقول الجوزجانى فى عثمان بن أبى العاتكة، وغير
ذلك تجد أن أكثر كلام أهل العلم فى هذه التراجم بالجرح الشديد، فإما أن يكون
هذا مصطلحاً خاصاً للجوزجانى وإما أن يحمل على أن الأصل فى قولهم: ((ليس
يحمدونه)) الجرح الخفيف إلا إذا قامت قرينة تدل على الجرح الشديد فيعمل بها،
والله أعلم.
- ١٥٩ -

۵ وأما قوله: «غیرہ أوثق منه» فهو جرح خفيف إلا من قول الجریری
المعافى بن زكريا فهو جرح شديد كما سيأتى إن شاء الله. وأما قوله: ((سكتوا.
عنه)) فقد ذكر الذهبى فى ((الموقظة)) أن هذا اللفظ بمعنى أنهم لم يتكلموا فيه بجرح
أو تعديل، وهو وقولهم: ((فيه نظر)) من البخارى جرح شديد، وكذا فى بعض
المواضع من كلام غيره كما سيأتى.
O وأما قوله: ((مجهول)) عند أبى حاتم بمعنى مجهول الحال)) ففيه تفصيل،
فکما سیأتی أن أُبا حاتم یقول ذلك أعنى قوله: «مجهول)) على ثلاث حالات: يقوله
فى مجهول العين الذى لم يزو عنه إلا واحد ولم يعرف، ويقوله فيمن هو مجهول
الحال أو الوصف وإن روى عنه جماعة، ويقوله فى الصحابى الذى لم يرو عنه
كبار أئمة التابعين كما سيأتى تفصيله فى فصل المصطلحات الخاصة لبعض الأئمة
إن شاء الله تعالى.
O وأما قوله: ((لا أدرى ما هو)) أى لا أدرى ما حاله وإن كان الذهبى
رحمه الله قد يقول فى الراوى: ((لا أدرى ما هو؟)) على ((مجهول العين)»، ولكن
الذهبى قد يقول: ((مجهول الحال)) فيمن لم يرو عنه إلا واحد، والله أعلم.
وأنت تلاحظ أن أهل هذه المرتبة من جهة سبب الضعف ينقسمون إلى.
قسمين: قسم من قبل حفظه وقسم من قبل جهالة حاله إما فى الظاهر والباطن
وإما فى الباطن فقط، ولا يظن ظان أن قول الأئمة: ((فلان مجهول العدالة الظاهرة
والباطنة أو الباطنة فقط)) معناه أنهم يريدون معرفة علم الغيب كما فهم الصنعانى
رحمه الله تعالى، بل المقصود بذلك الالتزام بالإِسلام فى المعاملات والأخلاق وهذا
أمر لا يعرف إلا بمعاملة واحتكاك بخلاف الشعائر الظاهرة من صلاة وحجِّ، والله
أعلم.
ومن ألفاظ هذه المرتبة:
O قولهم: ((قلما يُحتاج إلى فلان فى الحديث الذى يحتج به)) أى أن
أحاديث الأحكام لا يحتاج إليه فيها، ولكن يؤخذ عنه الترغيب والترهيب والمناقب
- ١٦٠ -