Indexed OCR Text
Pages 61-78
وعلى هذا ينبغي أن يسير حال الشخص في الرواية بعد ثبوت عدالته فمهما حصل الفهم بحال الراوي على النحو المذكور وكان الراوي محتوياً على الشرائط المذكورة تعين إخراج حديثه منفرداً كان به أو مشاركاً . ولا أعلم أحداً من فرق الاسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة ، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم بن حبان ، فإن قيل فإن كان الأمر على ما ذكرت فإن الحديث إذا صح سنده وسلم من شوائب الجرح فلا عبرة بالعدد والافراد وقد يوجد على ما ذكرت حديث كثير فينبغي أن يناقش البخاري في ترك اخراج أحاديث هي من شرطه وكذلك مسلم ومن بعده. قلت: الأمر على ما ذكرت من أن العبرة بالصحة لا بالعدد ، وأما البخاري فلم يلتزم أن يخرج كل ما صح من الحديث حتى يتوجه عليه الاعتراض وكما أنه لم يخرج عن كل من صح حديثه ولم ينسب إلى شيء من جهات الجرح وهم خلق كثير يبلغ عددهم نيفاً وثلاثين ألفاً لأن تاريخه يشتمل على نحو من أربعين ألفاً وزيادة ، وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس ، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين(١) وكذا لم يخرج كل ما صح من الحديث . ويشهد لصحة ذلك ما أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد أنبأنا ابن طلحة في كتابه عن أبي سعيد الماليني أنبأنا عبد اللّه بن عدي حدثني محمد بن أحمد قال سمعت محمد ابن حمدويه يقول سمعت محمد بن اسماعيل يقول : أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح . (١) وكان القائمون برواية الحديث وحمل السنة في عهده وقبله في الكثرة بمكان. قال الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) حدثنا الحسين بن نبهان حدثنا سهل بن عثمان حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن أنس بن سيرين قال : أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا، وقال حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان حدثنا - - ٦١ - وأنبأنا أبو مسعود عبد الجليل بن محمد في كتابه أنبأنا أبو علي أحمد ابن محمد ابن شهريار أنبأنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن أحمد أنبأنا مذكور بن سليمان الواسطي قال سمعت عفان ( شيخ أحمد ) بقول وسمع قوماً يقولون ۔ نسخنا كتب فلان ونسخنا كتب فلان فسمعته يقول : نرى هذا الضرب من الناس لا يفلحون كنا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند هذا ونسمع من هذا ما ليس عند هذا فقدمنا الكوفة فأقمنا أربعة أشهر ولو أردنا أن نكتب مائة ألف حديث لكتبنا بها فما كتبنا إلا قدر خمسين ألف حديث، وما رضينا من أحد إلا ما لأمة إلا شريكاً فانه أبى علينا، وما رأينا بالكوفة لحاناً مجوزاً. وقال حدثني أحمد بن يزيد السوسي حدثنا محمد بن عبد الرحمن التميمي حدثنا هانئ بن سكين العبسي قال سمعت سفيان الثوري وذكر عنده كثرة المحدثين فقال أو ليس قد يضرب مثل (إذا كثرت الملاحون غرقت السفينة) اهـ وقول أبي زرعة فيمن صنف في الصحيح من أهل عصره سيأتي في كلام المصنف ، ولم يرد هؤلاء الحفاظ جمع جميع الصحاح من السنة في كتبهم ولا حمل الناس على ما في كتبهم فقط بل جمع كل منهم ما تيسر له حسب ما يرى من الشروط، ومنع الامام مالك حين أراد بعض الخلفاء حمل الناس على الموطأ أشهر من أن يذكر. قال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلي في فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنما ثم يجمع الصحابة سنن رسول الله (ص) في مصحف كما جمعوا القرآن لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس اللّه كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين في حروف السنن ونقل نظم الكلام أيضاً مختلفين فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه ، ولو طمعوا في ضبط السنن كما اقتدروا على ضبط القرآن لما قصروا في جمعها ، ولكنهم خافوا إن دونوا ما لا يتنازعون فيه أن تجعل العمدة في القول على المدون فيكذبوا ما خرج عن الديوان فتبطل سنن كثيرة فوسعوا طريق الطلب للأمة فاعتنوا بجمعها على قدر عناية كل واحد في نفسه فصارت السنن عندهم مضبوطات فمنها ما أصيب في النقل حقيقة الألفاظ المحفوظة عن رسول الله ( ص) وهي السنن السالمة من العلل، ومنها ما حفظ معناها ونسي لفظها، ومنها ما اختلف الروايات في نقل ألفاظها واختلف أيضاً رواتها في الثقة والعدالة وهي تلك السنن التي تدخلها العلل فاعتبر صحيحها من سقيمها أهل المعرفة بها على أصول صحيحة وأركان وثيقة لا يخلص منها طعن طاعن ولا يوهنها كيد كائد اهـ. وهذا كلام في غاية المتانة. - ٦٢ - أبو بكر الاسماعيلي قال سمعت من يحكي عن البخاري أنه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً(١) وما تركت من الصحيح أكثر . (١) أي عنده وفي نظره ، ومما يلفت اليه النظر أن الشيخين لم يخرجا في الصحيحين شيئاً من حديث الإمام أبي حنيفة مع أنهما أدركا صغار أصحاب أصحابه وأخذا عنهم ، ولم يخرجا أيضاً من حديث الامام الشافعي مع أنها لقيا بعض أصحابه ، ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين أحدهما تعليقاً والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه ولازمه . ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئاً مع أنه لازمه ونسج على منواله ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثاً ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي- وهو أصح الطرق أو من أصحها - إلا أربعة أحاديث ، وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثاً مع أنه جالس الشافعي وسمع موطأ مالك منه وعد من رواة القديم ، والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقاً وغرباً ، وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها لأنه لا يستغني من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء ، ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة كقول الثوري في أبي حنيفة ، وقول ابن معين في الشافعي ، وقول الكرابيسي في أحمد ، وقول الذهلي في البخاري ونحوها فقد حملهم شططاً ، وهذا البخاري لولا ابراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكاد ينفرد الفربري عنه في جميع الصحيح سماعاً ، كما كاد أن ينفرد ابراهيم بن محمد بن سفيان الحنفي عن مسلم سماعاً بالنظر إلى طرق سماع الكتابين من عصور دون طرق الإجازات فانها متواترة اليهما عند من يعتد بالإجازة كما لا يخفى على من عنى بهذا الشأن، وما قاله العلامة ابن خلدون في مقدمة تاريخه من أن أبا حنيفة لتشدده في شروط الصحة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حديثاً فهفوة مكشوفة لا يجوز لأحد أن يغتر بها لأن رواياته على تشدده في الصحة لم تكن سبعة عشر حديثاً فحسب بل أحاديثه في سبعة عشر سفراً يسمى كل منها بمسند أبي حنيفة خرجها جماعة من الحفاظ وأهل العلم بالحديث بأسانيدهم اليه ما بين مقل منهم ومكثر حسبما بلغهم من أحاديثه، وقلما يوجد بين تلك الأسفار سفر أصغر من سنن الشافعي رواية الطحاوي ولا من مسند الشافعي رواية أبي العباس الإصم اللذين عليهما مدار أحاديث الشافعي ، وقد خدم أهل العلم تلك المسانيد جمعاً وتلخيصاً وتخريجاً وقراءة وسماعاً ورواية فهذا الشيخ محدث الديار المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي صاحب الكتب الممتعة في السير وغيرها يروي تلك المسانيد السبعة عشر عن شيوخ له ما بين قراءة وسماع - - ٦٣ - وأنبأنا أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن الحافظ قراءة عليه أنبأنا المعمر ابن محمد بن الحسين أنبأنا أحمد بن علي الحافظ أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب أنبأنا محمد بن عبد اللّه سمعت خلف بن محمد يقول سمعت ابراهيم بن معقل يقول سمعت أبا عبد الله البخاري يقول : كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا لو جمعتم كتاباً مختصراً لسنن النبي ◌ِ الفعلِ فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب . فقد ظهر بهذا أن (قصد البخاري ) كان وضع مختصر في الحديث وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال ولا في الحديث ، وأن شرطه أن يخرج ما صح عنده لأنه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً ولم يتعرض لأمر آخر ، وما سلم سنده من جهات الانقطاع (١) والتدليس - ومشافهة وكتابة بأسانيدهم إلى مخرجيها في كتابه ( عقد الجمان ) وكذا يرويها بطرق محدث البلاد الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في (الفهرست الأوسط ) عن شيوخ له سماعاً وقراءة ومشافهة وكتابة بأسانيدهم كذلك إلى مخرجيها ، وهما كانا زيني القطرين في القرن العاشر ، وكذلك حملة الرواية إلى قرننا هذا ممن لهم عناية بالسنة . ولإشباع ذلك كله مقام آخر، وإنما ذكرنا هذا عرضاً إزالة لما عسى أن يعلق بأذهان بعضهم من كلام ابن خلدون ، وما تلك المسانيد والكتب من متناول أهل العلم ببعيد وإن كنا في عصر تقاصرت الهمم فيه عن التوسع في علم الرواية. وكتاب ((عقود الجواهر المنيفة)) للحافظ المرتضى الزبيدي شذرة من أحاديث الامام ، وللحافظ محمد عابد السندي كتاب (( المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة)) في أربع مجلدات أكثر فيه جداً من ذكر المتابعات والشواهد ورفع المرسل ووصل المنقطع وبيان مخرجي الأحاديث والكلام في مسائل الخلاف . ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقط فقد ظن باطلا . وقد جرد الحافظ العلامة قاسم بن قطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات ، وهو ممن أقر له الحافظ ابن حجر وغيره بالحفظ والاتقان والله أعلم. (١) قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره قال أبو داود: فاذا لم يكن مسند ضد المرسل ولم يوجد - - ٦٤ - M ٤ ٠ د. وغير ذلك من أسباب الضعف لا يخلو إما أن يسمى صحيحاً أو لا يطلق عليه اسم الصحة فإن كان يسمى صحيحاً فهو شرطه على ما صرح به ولا عبرة بالعدد وإن لم يطلق عليه اسم الصحة فلا تأثير للعدد لأن ضم الواهي إلى الواهي لا يؤثر في اعتبار الصحة ، ولم يذهب إلى هذا أحد من أهل العلم قاطبة . مسند فالمراسيل يحتج بها وليس هو مثل المتصل في القوة اهـ. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين اهـ . قال ابن عبد البر : كل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد ابن سيرين وابراهيم النخعي عندهم صحاح ، ثم ذكر كلام النخعي الذي خرجه الترمذي من أنه إذا قال قال عبد الله وأرسل فسمعه من جماعة بطرق اليه وإذا أسند فبسنده فقط، وقال إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن مرسل الامام مالك أولى من مسنده لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل النخعي أقوى من مسانيده ، وهو لعمري كذلك إلا أن أبراهيم ليس بمعيار على غيره اهـ. من التمهيد، قال العجلي: مرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحاً اهـ. واحتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وكذا الشافعي وأحمد وأصحابها إذا اعتضد بمسند آخر أو مرسل آخر بمعناه عن آخر فيدل على تعدد المخرج أو وافقه قول بعض الصحابة أو إذا قال به أكثر أهل العلم فاذا وجد أحد هذه الأربعة دل على صحة المرسل . ذكره ابن رجب ، ثم قال: واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب فان الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا وهو ليس بصحيح على طريقهم ( ومصطلحهم ) لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي (ص ) ، وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث فاذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف من القرائن ، وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ وقد سبق قول أحمد في مرسلات ابن المسيب أنها صحاح ، ومثله في كلام ابن المديني وغيره اهـ. ورد مرسل التابعي قول بعض الظاهرية ، ومن رد المرسل فقد رد شطر السنة ، ولا يضر الانقطاع في المرسل المقبول ، وتفصيل المذاهب وأدلتها في المرسل في ( جامع أحكام المراسيل ) للحافظ العلائي وغيره . شروط الأئمة م ٥ - ٦٥ - 1 شروط الامام مسلم وأبي داود ومن بعده : وأما (شرط مسلم ) فقد صرح به في خطبة كتابه(١) . وأما (أبو داود ومن بعده) فهم متقاربون في شروطهم فلنقتصر على حكاية قول واحد منهم والباقون مثله : أنبأنا أبو العلاء محمد بن جعفر ابن عقيل البصري عن كتاب أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار أنبأنا (١) حيث قسم الأحاديث ثلاثة أقسام: الأول ما رواه الحفاظ المتقنون ، والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والاتقان، والثالث ما رواه الضعفاء المتروكون وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه. فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم فذهب الحاكم والبيهقي إلى أن المنية اخترمت مسلماً رحمه اللّه قبل إخراج للقسم الثاني، وارتأى القاضي عياض أنه استوفى في كتابه ما وعد واستحسنه النووي ، وعلى هذا يهون أمر ما يورد عليه لجريانه على ما وعد من إخراج حديث الطبقتين المتفاوتتين في الصحة ، إلا أنه تكون الصحة عنده بحيث تشمل الحسن كما هي كذلك عند ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما ولا نص منه على ذلك . قال ابن سيد الناس : أبو داود اجتنب الضعيف الواهي وأتى بالقسمين الأول والثاني فأشبهه مسلم ، يعني أن في مسلم الصحيح والحسن. قال العراقي إن مسلماً التزم الصحة في كتابه فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه فيه بأنه حسن عنده لقصور الحسن عن الصحيح ، وأبو داود قال وما سكت عنه فهو صالح ، والصالح قد يكون صحيحاً وقد يكون حسناً عند من يرى الحسن رتبة دون الصحيح ، ولم ينقل لنا عن أبي داود هل يقول بذلك أو يرى ما ليس بضعيف صحيحاً فكان الاحتياط أن لا يرتفع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يعلم أن رأيه هو الثاني ! هـ. واستقر مصطلح المتأخرين على أن ما يشمل من صفات القبول أعلاها فهو الصحيح لذاته ، وما خف فيه الضبط فان جبر بمساو أو أقوى فصحيح لغيره ، وإن لم يجبر فحسن لذاته ، وإن قامت قرينة ترجح جانب القبول فيما يتوقف فيه فحسن لغيره ، وليس المستور في كلام مسلم هو المستور عند المتأخرين لأنه عندهم المجهول الحال بأن لا يوثق وإن روى عنه اثنان وزال بها جهالة العين ، وشروط الصحة الاتصال والعدالة والضبط مع السلامة من الشذوذ والعلة . قال ابن دقيق العيد والأخير ان زادهما أصحاب الحديث ، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء فان كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء اهـ. نقله العراقي عن اقتراحه . - ٦٦ - أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الغساني يقول سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز الهاشمي يقول سمعت أبا داود في رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم : سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في هذا الباب فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روى من وجهين صحيحين وأحدهما أقدم إسناداً والآخر صاحبه أقوم في الحفظ فربما كتبت ذلك . ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث ، ولم أكتب في الباب إلا حديثاً واحداً أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكبر وإنما أردت قرب منفعته ، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء(١) فإن ذكر لك عن النبي مع الفله سنة ليس فيما (١) قال الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح والحديث الحسن وهو ما نزل عن درجة الصحيح وكان فيه بعض ضعف والحديث الغريب ، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير ولاسيما في كتاب الفضائل ، ولكنه يبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه ، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه حديثاً باسناد منفرد ، إلا أنه قد يخرج حديثاً مروياً من طرق أو مختلفاً في إسناده وفي بعض طرقه متهم ، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبي ، نعم قد يخرج عن سيئٌ الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهم ويبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه ، وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم كاسحاق بن أبي فروة وغيره ، وقد قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ليس في كتاب السنن الذي صنفته من متروك الحديث شيء وإذا كان فيه حديث منكر يبين أنه منكر ، ومراده أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له أو لمتروك متفق على تركه فانه قد خرج لمن قد قيل فيه أنه متروك ولمن قد قيل فيه أنه متهم بالكذب ، وقد كان أحمد بن صالح المصري وغيره لا يتركون إلا حديث من أجمع على ترك حديثه وحكى مثله عن النسائي ، والترمذي يخرج حديث الثقة الضابط ومن يهم قليلا ومن يهم كثيراً ، ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه قليلا ويبين ذلك ولا يسكت عنه ، وقد خرج حديث كثير ابن عبد الله المزني ولم يجمع على ترك حديثه بل قد قواه قوم وقدم بعضهم حديثه على مرسل ابن المسيب . وحكى الترمذي في العلل عن البخاري أنه قال في حديثه في تكبير صلاة العيدين هو أصح حديث في هذا - - ٦٧ - خرجته فاعلم أنه حديث واه إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر فإني لم أخرج الطرق لأنه يكثر على المتعلم ، ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري . وذكر باقي الرسالة . وقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنه قال سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول اللّه صَّ اللم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنت هذا الكتاب ، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه . وذكر تمام الكلام . وهذا القدر كافٍ في الإيماء إلى مرامهم في تأسيس قواعدهم لمن رزق النظر السليم وأعين ببعض الذكاء والفطنة (١) . الباب قال وأنا أذهب اليه ، وأبو داود قريب من الترمذي في هذا بل أشبه انتقاداً ۔ للرجال منه ، وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم ولا لمن فحش خطأه وكثر ، وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط ومن في حفظه بعض شيء وتكلم فيه بحفظه لكنه يتحرى في التخريج عنه ، ولا يخرج عنه إلى ما لا يقال إنه وهم فيه ، وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك وهو أن لا يخرج إلا للثقة الضابط ولمن ندر وهمه ، وإن كان قد اعترض عليه في بعض من خرج عنه . انتهى بحروفه . (١) وأما فرق ما بين الخمسة من القصد : فغرض البخاري تخريج الأحاديث الصحيحة المتصلة واستنباط الفقه والسيرة والتفسير فذكر عرضاً الموقوف والمعلق وفتاوى الصحابة والتابعين وآراء الرجال فتقطعت عليه متون الأحاديث وطرقها في أبواب كتابه . وقصد مسلم تجريد الصحاح بدون تعرض للاستنباط فجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح اختلاف المتون وتشعب الأسانيد على أجود ترتيب ولم تتقطع عليه الأحاديث . وهمة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار وبنوا عليها الأحكام فصنف سنته وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل وهو يقول : ما ذكرت في كتابي حديثاً أجمع الناس على تركه اهـ. وما كان منها ضعيفاً صرح بضعفه ، وما كان فيه علة بينها ، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب، وما سكت عنه فهو صالح عنده ، وأحوج ما يكون الفقيه إلى كتابه. وملمح - - ٦٨ - فإن قيل إن كان الأمر على ما مهدت وأن الشيخين لم يلتزما استيعاب جميع ما صح بل لم يودعا كتابيهما إلا ما صح(١) فما بالهما خرجا حديث الترمذي الجمع بين الطريقتين فكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا رأيها ، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب اليه ذاهب فجمع كلتا الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ، واختصر طرق الحديث فذكر واحداً وأومأ إلى ما عداه ، وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو منكر ، وبين وجه الضعف أو أنه مستفيض أو غريب . قال الترمذي : ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثاً عمل به بعض الفقهاء سوى حديث (( فان شرب في الرابعة فاقتلوه )) وحديث ((جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر)) اهـ. ومعلوم أن أخذ الفقيه بحديث تصحيح له ، ومن الغريب أن ابن حزم أخذ بها بعد دهور وتبجح على جماهير الفقهاء الذين تركوهما مدى القرون وتحامل عليهم ، على أنه يجهل الترمذي وابن ماجه ولم يظفر بسنتها على ما يقال ، ويقول في حديث فيه الترمذي : ومن أبو عيسى ؟ والنسائي على تأخره زمناً ذكره بعضهم بعد الصحيحين في المرتبة لأنه أشد انتقاداً للرجال من الشيخين وأقل حديثاً منتقداً بالنظر إلى من بعد الشيخين ، ويحسن بيان العلل . وكان البخاري نظر في الرأي وتفقه على فقهاء بخاري من أهل الرأي وحفظ تصانيف عبد الله بن المبارك صاحب أبي حنيفة قبل خروجه من بخارى لطلب الحديث ولقي في رحلته فقهاء الفرق حتى اجتهد لنفسه بنفسه ، ولما عاد حسده علماء بلده شأن كل من يرتحل للعلم ويعود إلى أهله بالجم منه حتى أمسكوا له فتوى كان أخطأ فيها فأخرجوه من بخارى بسببها فانقلب عليهم وجرى بينه وبينهم ما جرى كما سبق له مثله مع المحدثين في نيسابور فأخذ يبدي بعض تشدد نحوهم في كتبه مما هو من قبيل ثقته مصدور لا تقوم بها الحجة ويرجى عفوها له ولهم سامحهم الله . وأبو داود تفقه على فقهاء العراق وعظم مقداره في الفقه ، وهما - أعني البخاري وأبا داود - أفقه الجماعة رحمهم الله وأغدق عليهم سجال الرحمة ولهم على الأمة أعظم منة بما خدموا السنة .. (١) أي عندهما وإن انتقد بعض الحفاظ جملة أحاديث مما خرجا، وعدة ذلك سوى المعلق والموقوف مائتان وعشرة أحاديث اشتركا في اثنين وثلاثين حديثاً واختص البخاري بثمان وسبعين ومسلم بمائة ، ووجه الانتقاد من جهة اختلاف الرواة في رجال الاسناد زيادة ونقصاً أو تغييراً لبعض الرجال أو تفرد بعضهم بزيادة في المتن عمن هو أكثر أو أضبط أو تفرد من ضعف مطلقاً أو وهم بعض رجاله ، وألف في تمحيص ذلك الزين العراقي، وبسط ابن حجر في مقدمة الفتح وجه الجواب عنها ، ولا يخفى أن - - ٦٩ - في جماعة تكلم فيهم نحو فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار واسماعيل بن أبي أويس عند البخاري ، ومحمد بن إسحاق بن يسار وذويه عند مسلم ؟ قلت : أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر غير أنه لم يبلغ ضعفهم حداً يرد به حديثهم ، مع أنا لا نقر بأن البخاري كان يرى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لما خرج حديثهم (١) - هذا سوى ما أخرجاه وترجح عند المجتهد خلافه وذلك لا ينافي الصحة عند المحدثين لأن الترجيح راجع إلى فهم المتن وإلى علل لا يعدها المحدث قادحة ، وفي ( الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح ) لسبط ابن الجوزي جملة أحاديث مما لم يأخذ بها الشافعية من أحاديث الصحيحين لما ترجح عندهم مما يخالفها ، وكذا في بقية المذاهب ، وتلك معترك أنظار المجتهدين . (١) وفيمن تكلم فيه من رجالهما كثرة انفرد البخاري بثمانين رجلا ومسلم بمائة وستين رجلا واشتركا في إناس ، ووجه التكلم فيهم إما البدعة أو الجهالة أو الغلط أو المخالفة أو التدليس والإرسال ، وأجابوا عنها بأن هؤلاء في الشواهد والمتابعات دون الأصول أو الرواية عنهم قبل أن يطرأ عليهم سبب الضعف كالاختلاط أو لعلو سندهم مع صحة المتن بطريق لا كلام فيه أو أن الضعف لم يثبت عندهما، وفي مقدمة ((فتح الباري )) بسط تراجم هؤلاء مع دفع ما رموا به من أسباب الضعف قدر المستطاع . وليس يخفض من شأنهما الرفيع وجود بعض أخذ ورد في كتابيها لأنها غير معصومين ، وقد مات البخاري ولم يفرغ من تبييض كتابه تبييضاً نهائياً . قال الحافظ أبو الوليد الباجي في كتابه ( أسماء رجال البخاري ) حدثنا الحافظ أبو ذر الهروي حدثنا الحافظ أبو إسحاق المستملى استنسخت كتاب البخاري من أصله الذي عند الفربري فرأيت أشياء لم تتم وأشياء مبيضة منها تراجم لم ينبت بعدها شيئاً وأحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض . قال الباجي : ومما يدل على صحة ذلك أن رواية المستملى والسر خسي والكشميني وأبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنهم استنسخوها من أصل واحد وإنما ذلك بحسب ما قد رأى كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع فأضافها اليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس - - ٧٠ - ٢ ٠ ٠ ثم ينبغي أن يعلم أن جهات الضعف متباينة متعددة وأهل العلم مختلفون في أسبابه أما الفقهاء فمدارك الضعف عندهم محصورة وجلها منوط بمراعاة ظاهر الشرع ، وعند أئمة النقل أسباب أخر مرعية عندهم وهي عند الفقهاء غير معتبرة(١) ثم أئمة النقل أيضاً على اختلاف مذاهبهم وتباين بينها أحاديث ، قال الحافظ ابن حجر . وهذه قاعدة حسنة يفزع اليها حيث يتعسر - الجمع بين الترجمة والحديث وهي مواضع قليلة اهـ. وترى الشراح يلجأون اليها أيضاً إذا استعصى عليهم وجه الدفع عن وهم أو غلط في الكتاب . ويزيد عدد أحاديث البخاري في رواية الفربري على عدده في رواية ابراهيم بن معقل النسفي بمائتين ، ويزيد عدد النسفي على عدد حماد بن شاكر النسفي ((وهو الصواب)) بمائة كما ذكره العراقي، واختلفوا هل هذه رواية أم فوت . ومما يجب التنبه اليه أنه ساق كثير من المسندين في أثباتهم رواية صحيح البخاري بطريق الحنفية إلى الحافظ المستغفري عن حماد بن شاكر هذا، لكن المستغفري لم يدركه لان وفاة ابن شاكر سنة ٣١١ كما قال ابن نقطة في التقييد قبل أن يولد جعفر بن محمد المستغفري بمدة كبيرة بل يرويه عن أبيه عن أحمد ابن رميح النسوي عنه. (١) ومن هنا قال ابن الهمام بعد أن ذكر ما نقلناه عنه في الترجيح : ثم حكمهما أو حكم أحدهما بأن الراوي المعين مجتمع تلك الشروط مما لا يقطع فيه بمطابقة الواقع فيجوز كون الواقع خلافه ، وقد أخرج مسلم عن كثير ممن لم يسلم من غوائل الجرح ، وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم ، وكذا في الشروط حتى أن من اعتبر شرطاً وألغاه آخر يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه هذا الشرط عنده مكافئاً لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط وكذا فيمن ضعف راوياً ووثقه الآخر ، نعم تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يختبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع عليه الأكثر ، أما المجتهد في اعتبار الشرط وعدمه والذي خبر الراوي فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه فما صح من الحديث في غير الكتابين يعارض ما فيهما اهـ. وقال ابن أمير الحاج في شرح التحرير ما معناه : ثم مما ينبغي التنبه له أن أصحيتهما على ما سواهما تنزلا إنما تكون بالنظر إلى من بعدهما لا المجتهدين المتقدمين عليهما فان هذا مع ظهوره قد يخفى على بعضهم أو يغالط به، والله سبحانه أعلم اهـ. يريد أن الشيخين وأصحاب السنن جماعة متعاصرون من الحفاظ أتوا بعد تدوين الفقه الاسلامي واعتنوا بقسم من الحديث وكان الأئمة المجتهدون قبلهم أوفر مادة وأكثر حديثاً ، بين أيديهم المرفوع والموقوف والمرسل وفتاوى الصحابة والتابعين ، ونظر المجتهد ليس بقاصر على قسم من الحديث، ودونك - - ٧١ - أحوالهم في تعاطي اصطلاحاتهم يختلفون في أكثرها فرب راوٍ هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدي ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان وبالعكس وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث . وأما البخاري فكان وحيد دهره وقريع عصره إتقاناً وانتقاداً وبحثاً وسبراً ، وبعد إحاطة العلم بمكانته من هذا الشأن لا سبيل إلى الاعتراض عليه في هذا الباب ، ثم له أن يقول : هذا السؤال لا يلزمني لأني قلت لم أخرج إلا حديثاً متفقاً على صحته (١) ولم أقل لا أخرج إلا حديث من اتفق على عدالته لأن ذلك يتعذر لاختلاف الناس في الأسباب المؤثرة في الضعف . ثم قد يكون الحديث عند البخاري ثابتاً وله طرق بعضها أرفع - الجوامع والمصنفات في كل باب منها تذكر هذه الأنواع التي لا يستغني عنها المجتهد ، وأصحاب الجوامع والمصنفات قبل الستة من الحفاظ أصحاب هؤلاء المجتهدين وأصحاب أصحابهم ، والنظر في أسانيدها كان أمراً هيناً عندهم لعلو طبقتهم ، لاسيما واستدلال المجتهد بحديث تصحيح له ، والاحتياج إلى الستة والاحتجاج بها إنما هو بالنظر إلى من تأخر عنهم فقط والله أعلم . ومما يلفت النظر هنا أن بعض الحفاظ المتأخرين يتساهلون في عزو ما يروونه إلى الأصول الستة وغيرها على اختلاف عظيم في اللفظ والمعنى . قال العراقي في شرح ألفيته : إن البيهقي في السنن والمعرفة والبغوي في شرح السنة وغيرهما يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم مع اختلاف الألفاظ والمعاني فهم إنما يريدون أصل الحديث لا عزو ألفاظه اهـ. ومن هذا القبيل قول النووي في حديث ((الأئمة من قريش)) أخرجه الشيخان ، مع أن لفظ الصحيح (( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) وبين اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كما ترى . (١) يعني ما يلزم أن يكونوا متفقين على صحته لاتفاقهم على أن ما اجتمع فيه مثل أو صاف رواة هذا صحيح ، قال ابن الصلاح في مثل هذا المقام : أراد والله اعلم أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليها وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم اهـ. يعني متى وجد في رواة حديث العدالة والضبط والاتصال مع عدم الشذوذ والعلة فليس أحد ينفي صحة هذا الحديث ، وأما المرسل بشرطه ونحوه فما اختلفوا في صحته فلا يعرج عليه ، وقول المتأخرين هذا متفق عليه يعنون ( في مصطلحهم ) أنه أخرجه الشيخان .. - ٧٢ - ٠ من بعض غير أنه يحيد أحياناً عن الطريق الأصح لنزوله أو يسأم تكرار الطرق إلى غير ذلك من الأعذار . وقد صرح مسلم بنحو ذلك . قول الحافظ أبي زرعة في الشيخين وإنكاره على الامام مسلم : قرأت على محمد بن علي بن أحمد القاضي أخبرني أحمد بن الحسن ابن أحمد الكرخي إذناً عن أبي بكر أحمد بن محمد البرقاني حدثنا الحسين ابن يعقوب الفقيه حدثنا أحمد بن طاهر الميانجي حدثنا أبو عثمان سعيد بن عمرو قال : شهدت أبا زرعة الرازي ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج يم الفضل الصائغ على مثاله فقال لي أبو زرعة : هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئاً يتسوقون به ألفوا كتاباً لم يسبقوا اليه ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها . وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم فجعل ينظر فيه فإذا حديث عن أسباط بن نصر فقال لي أبو زرعة : ما يعد هذا من الصحيح يدخل في كتابه أسباط بن نصر ! ثم رأى في الكتاب قطن بن نسير فقال لي وهذا أطم من الأول قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ، ثم نظر فقال : يروى عن أحمد بن عيسى المصري في كتاب الصحيح ! قال لي أبو زرعة : ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد ابن عيسى - وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه كأنه يقول الكذب- ثم قال لي أيحدث عن هؤلاء ويترك محمد ابن عجلان ونظراؤه ويطرق لأهل البدع عليها فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج عليهم به ليس هذا من كتاب الصحيح ! ورأيته يذم من وضع هذا الكتاب (١) فلما (١) ذكر الحافظ عبد القادر القرشي في كتاب الجامع من طبقاته فائدة جليلة تتعلق بهذا المقام ننقلها هنا وهي : حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله (ص) يشتمل على أنواع منها التورك في الجلسة الثانية ضعفه الطحاوي لمجيئه في بعض الطرق · عن رجل عن أبي حميد، قال الطحاوي فهذا ينقطع على أصل مخالفنا وهم يردون - - ٧٣ - رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه وروايته في كتاب الصحيح عن أسباط بن نصر وقطن بن الحديث بأقل من هذا . قلت : ولا يتجوه علينا لمجيئه في مسلم فقد وقع في مسلم أشياء - والتجوه لا يقوى عند الاضطرام فقد وضع الحافظ الرشيد العطار كتاباً على الأحاديث المقطوعة المخرجة في مسلم سماه ( الفوائد المجموعة في شأن ما وقع في مسلم من الأحاديث المقطوعة) سمعته على شيخنا أبي اسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله الظاهري سنة اثنى عشرة وسبعمائة بسماعه من مصنفه الحافظ رشيد الدين بقراءة فخر الدين أبي عمرو عثمان المقاتلي وبينها الشيخ محيي الدين في أول شرح صحيح مسلم ، وما يقوله الناس إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة هذا أيضاً من التجوه ولا يقوى فقد روى مسلم في كتابه عن ليث بن أبي سليم وغيره من الضعفاء فيقولون إنما روى عنهم في كتابه للاعتبار والشواهد والمتابعات ، وهذا لا يقوى لأن الحافظ قال الاعتبار والشواهد والمتابعات أمور يتعرفون بها حال الحديث ، وكتاب مسلم التزم فيه الصحيح فكيف يتعرف حال الحديث الذي فيه بطرق ضعيفة، واعلم أن ( أن وعن ) مقتضيان للانقطاع (أي من المدلس) عند أهل الحديث ، ووقع في مسلم والبخاري من هذا النوع شيء كثير فيقولون على سبيل التجوه ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع وما كان في الصحيحين فمحمول على الاتصال ، وروى مسلم في كتابه عن أبي الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة . وقد قال الحفاظ : أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي يدلس في حديث جابر فما كان بصيغة العنعنة لا يقبل ذلك ، وقد ذكر ابن حزم وعبد الحق عن الليث بن سعد أنه قال لأبي الزبير : علم لي علم أحاديث سمعتها من جابر حتى أسمعها منك فعلم له على أحاديث أظن أنها سبعة عشر حديثاً فسمعها منه ، قال الحفاظ : فما كان من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر فصحيح ، وفي مسلم من غير طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر بالعنعنة أحاديث ، وقد روى مسلم أيضاً في كتابه عن جابر وابن عمر في حجة الوداع أن النبي (ص) توجه إلى مكة يوم النحر طاف طواف الإفاضة ثم صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى ، وفي الرواية الأخرى أنه طاف طواف الإفاضة ثم رجع فصلى الظهر بمنى ، فيتجوهون ويقولون أعادها لبيان الجواز وغير ذلك من التأويلات ، قال ابن حزم في هاتين الروايتين : إحداهما كذب بلا شك ، وروى مسلم أيضاً حديث الإسراء وفيه ( ذلك قبل أن يوحى اليه ) وقد تكلم الحفاظ في هذه اللفظة وضعفوها ، وقد روى مسلم أيضاً (خلق الله التوبة يوم السبت ) واتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق وأن ابتداء الخلق يوم الأحد ، وفي مسلم أيضاً عن أبي سفيان أنه قال للنبي ( ص) لما أسلم (يا رسول - - ٧٤ - نسير وأحمد بن عيسى المصري فقال لي مسلم إنما قلت صحيح وإنما أدخلت من حديث أسباط بن نصر وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلى عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول فاقتصر على أولئك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات . معاتبة ابن واره مسلماً على صحيحه ، واعتذار الامام مسلم عن ذلك : وقدم مسلم بعد ذلك الري فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد ابن مسلم بن واره فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب وقال له نحواً مما قال لي أبو زرعة فاعتذر اليه مسلم وقال له : إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل أن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف ، - اللّه أعطني ثلاثاً تزوج ابنتي أم حبيبة وابني معاوية أجعله كاتباً وأمرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين فأعطاه النبي (ص) ما سأله) الحديث . وفي هذا من الوهم ما لا يخفى فأم حبيبة تزوجها رسول الله (ص) وهي بالحبشة وأصدقها النجاشي. والقصة مشهورة ، وأبو سفيان إنما أسلم عام الفتح وبين الهجرة والفتح عدة سنين .. وأ إمارة أبي سفيان فقد قال الحفاظ أنهم لا يعرفونها فيجيبون على سبيل التجوه بأجو. غير طائلة فيقولون في إنكاح ابنته أعتقد أن نكاحها بغير إذنه لا يجوز وهو حديث عهد بكفر فأراد من النبي (ص) تجديد النكاح ، ويذكرون عن الزبير بن بكار بأسانيد ضعيفة أن النبي (ص) أمره في بعض الغزوات وهذا لا يعرف ، وما حملهم على هذا كله إلا بعض التعصب ، وقد قال الحفاظ إن مسلماً لما وضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة الرازي فأنكر عليه وتغيظ وقال سميته الصحيح فجعلت سلماً الأهل البدع وغيرهم فاذا روى لهم المخالف حديثاً يقولون هذا ليس في صحيح مسلم ، فرحم الله أبا زرعة فقد نطق بالصواب فقد وقع هذا، وما ذكرت ذلك كله إلا لأنه وقع بيني وبين بعض المخالفين بحث في مسألة التورك فذكر لي حديث أبي حميد المذكور أولا فأجبته بتضعيف الطحاوي له وقال أو يصح أن تقول الطحاوي يضعف ومسلم يصحح . الله يغفر لي وله آمين اهـ . ولا يحط من مقداره العظيم وجود بعض ما ينتقد فيما خرجه لأنه على جلالته غير معصوم ... - ٧٥ - ولكن إنما خرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعاً عندي وعند من يكتبه عني ولا يرتاب في صحتها ، ولم أقل إن ما سواه ضعيف . أو نحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم فقبل عذره وحدثه . تم كتاب شروط الأئمة الخمسة للحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازمي . صورة ما في آخر الأصل من السماعات قرأت(١) هذا الجزء على الشيخ الإمام العالم الحافظ النسابة شرف الدين أبي محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي عرضاً بأصل سماعه من أبي الحسن السعدي عن مصنفه إجازة وصح ذلك في يوم الاثنين منتصف شوال سنة ثلاث وثمانين وستمائة بالقاهرة وكتب يوسف ابن الزكي عبد الرحمن المزي عفا الله عنه . أخبرنا(٢) به جماعة من شيوخنا إجازة عن ابن البالسي وابن الحرستاني إجازة عن المزي وكتب يوسف بن عبد الهادي . (١) بخط الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي صاحب تهذيب الكمال والأطراف. (٢) بخط الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الهادي المعروف بالجمال بن المبرد . - ٧٦ - الفہرس الموضوع الصفحة ترجمة الحافظ أبي الفضل المقدسي ٥ ترجمة الحافظ الحازمي ٧ تراجم الأئمة الستة الامام البخاري ١٠ الامام مسلم ١٠ الامام أبو داود ١١ الإمام الترمذي ١١ ١٢ الامام النسائي الامام ابن ماجه ١٢ شروط الأئمة الستة : البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي ١٥ والنسائي وابن ماجه فاتحة شروط الأئمة الستة : ١٧ شروط البخاري ومسلم شروط الترمذي ٢١ نقد كلام الحاكم فيما قدره شرطاً للبخاري ومسلم ٢٢ ابن ماجه ٢٤ - ٧٧ - الموضوع الصفحة ٢٦ شروط النسائي شروط الأئمة الخمسة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسوي ٣١ ٣٥ أقسام الحديث الصحيح التي وضعها الحاكم ، ولم يصب فيها ٤٠ الثناء على الامام أحمد في تركه التقليد حيث ذاكر ابن المدني في تفضيل الامام مالك على سفيان باب في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري ... ٤٣ الكلام على حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) ٤٨ ٥٠ اثبات التواتر في الأحاديث عسر جداً باب تذكر فيه شروط المعتبرة المذكورة عند الأئمة ٥١ ٥٦ مذاهب الأئمة الخمسة في كيفية استنباط مخارج الحديث بحث يتعلق بترك البخاري اخراج كثير من الصحيح واعتذاره عن ذلك ٦٠ شروط الامام مسلم وأبي داود ومن بعده ٦٦ ٧٣ قول الحافظ أبي زرعة في الشيخين وانكاره على الامام مسلم معاتبة ابن وارة مسلماً على صحيحه ، واعتذار الامام مسلم عن ذلك ٧٦ صورة ما في آخر الأصل من السماعات ٧٦ - ٧٨ - مقدمة شروط الأئمة الخمسة ٢٩ توثيق الواقدي ٤٠