Indexed OCR Text

Pages 41-60

وابن المديني يقدم سفيان . أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الفرج
الوكيل ، أنبأنا عبد القادر بن محمد ، أنبأنا عمر بن أحمد بن ابراهيم ،
أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، أنبأنا أحمد بن محمد بن هارون ، أنبأنا عبد الله
ابن أحمد بن محمد قال : سمعت أبي يقول : كنت أنا وعلي بن المديني
فذكرنا أثبت من روى عن الزهري فقال علي : سفيان بن عيينة ، فقلت
أنا : مالك بن أنس ، وابن عيينة يخطىء في نحو عشرين حديثاً عن الزهري
في حديث كذا وحديث كذا فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً ، وقلت
هات ما أخطأ فيه مالك فجاء بحديثين أو ثلاثة (١) . قال ؛ فنظرت فيما
أخطأ فيه سفيان بن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً . ألا ترى أن
ابن المديني ومحله من هذا الشأن ما قد عرف لما لم يمعن النظر في البحث
عن حديث إمام دار الهجرة حكم بغير ما تقتضيه النصفة حتى ذكره
- به فيهم كما بسطه ابن رجب في شرح علل الترمذي. ولا كلام أن مالكاً من أثبت الناس
برجال المدينة وأعرفهم بهم حتى كان يقول ما من أهل المدينة أحد ألا أعرفه . وهاهنا
نبذة لا بأس في إيرادها وهي ما يرويه الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده إلى مجاشع
أنه قال كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتى الناس فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي
حنيفة وهو حدث فقال ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد ؟ فقال مالك لا يدخل
الجنب المسجد ، قال فكيف يصنع وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء قال فجعل مالك
يكرر ((لا يدخل الجنب المسجد)) فلما أكثر عليه قال له مالك فما تقول أنت في هذا ؟
قال يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد فيخرج فيغتسل ، قال من أين أنت ؟ قال من
أهل هذه - وأشار إلى الأرض - فقال ( ما من أهل المدينة أحد إلا أعرفه) فقال ما
أكثر من لا تعرف ثم نهض ، قالوا لمالك هذا محمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة فقال :
محمد بن الحسن كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة. قالوا إنما قال من أهل هذه
وأشار إلى الأرض قال هذا أشد على من ذاك اهـ. ولا شك أن هذا قبل أن تلقى الامام
محمد الموطأ عن الامام مالك .
(١) فيظهر أن المصنف لم يطلع على الجزء الذي ألفه الدار قطني فيما خولف فيه مالك من
الأحاديث في الموطأ وغيره وفيه أكثر من عشرين حديثاً، وهو من محفوظات الظاهرية
بدمشق .
J
م م
- ٤١ -

أحمد ، وكان السبب فيه أن ابن المديني فاته مالك ومتع بسفيان ، وكان
ربما يعتقد في حديث مالك عن الزهري أنه عرض وحديث سفيان تحديث
حدثه به الزهري ، وإن كان الأمر على خلاف ذلك ، وأحمد لم يكتف
بذلك حتى سبر حديثهما ثم حكم لأحدهما على الآخر .
*
*
- ٤٢ -
X
٠

1
باب
في إبطال قول من زعم ان شرط البخاري
إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا إلى أن يتصل الخبر بالنبي محمد اله
قد تقدم منا القول بأن هذا حكم من لم يمعن الغوص في خبايا الصحيح.
ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة عليه
دعواه ، وأما قول الحاكم في القسم الأول : إن اختيار البخاري
ومسلم اخراج الحديث عن عدلين إلى النبي صَ لتر (١)، فهذا غير
(١) وإن تبعه على ذلك البيهقي فقال في كتاب الزكاة من سننه عند ذكر حديث بهز عن أبيه
عن جده ( ومن كتمها فأنا آخذوها وشطر ماله) الحديث ما نصه : فأما البخاري ومسلم
فانهما لم يخرجاه جرياً على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد
لم يخرجا حديثه في الصحيحين اهـ . ووافقه أيضاً الحافظ أبو بكر بن العربي
في دعوى تحقق هذا الشرط في البخاري وسعى في دفع ما لا مدفع له مما أورد عليه، بل
أول حديث في البخاري أعني حديث ( إنما الأعمال بالنيات ) وآخر حديث فيه أعني
حديث (كلمتان خفيفتان) فردان غريبان باعتبار المخرج كما نص على ذلك الحافظ البرهان
البقاعي وغيره ، بل في الصحيحين ما ينوف على مائتي حديث من الغرائب مما انفرد
به الراوي في طبقة من الطبقات حتى ألف الحافظ الضياء المقدسي في ذلك مؤلفاً سماه
( غرائب الصحيحين ) وذكر فيه ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب والأفراد المخرجة
في الصحيحين . ومعرفة هذا مما يفيد عند التعارض والترجيح لاسيما فيمن يقال فيه أن
انفراده يقبل أو لا يقبل على اختلاف آراء أهل العلم في الأحاديث الأفراد ، وابن
الأثير جارى الحاكم في تلك الأقسام كلها في (جامع الأصول) والظاهر أنه لم يطلع -
- ٤٣ -
1

صحيح طرداً وعكساً ، بل لو عكس القضية وحكم كان أسلم له ، وقد
صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث وهو أبو حاتم محمد بن
حبان البستي .
أخبرني أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن علي الهمداني ، أنبأنا
أبو القاسم المستملي ، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي ، أنبأنا أبو
الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون الزوزني ، حدثنا ابن حبان
البستي قال : وأما الأخبار فانها كلها أخبار الآحاد لأنه ليس يوجد عن
النبي مَ لفلِ خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد
منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول اللّه مع الم فلما استحال هذا
وبطل ثبت أن الأخبار كلها أخبار الآحاد ، ومن اشترط ذلك فقد عمد
إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد . هذا آخر
كلام ابن حبان ، ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان
أقرب إلى الصواب (١) ، وأما قوله : إن الموجود المروي من الأحاديث
على الوتيرة التي لم تسلم يبلغ قريباً من عشرة آلاف فهذا ظن منه بأنهما
لم يخرجا إلا على ما رسم وليس كذلك فإن أقصى ما يمكن اعتباره في
الصحة هو شرط البخاري (٢) ، ولا يوجد في كتابه من النحو الذي أشار
على كتاب الحازمي فتابع الحاكم فيما لا يتابع فيه . ومن الناس من حاول أن يدافع
عن الحاكم بأن مراده أن يكون لكل راو راويان ليخرج عن الجهالة لا أن يكون
لكل حديث خاص راويان يرويانه عن راويين كذلك ، وهذا الدفاع لا يتمشى مع لفظ
الحاكم ونصه السابق .
(١) يوهم ظاهر كلام ابن حبان أنه ينفي وجود قسم العزيز من أقسام الحديث ومن ثمة لم
يقل الحازمي أن ما ذكره هو الصواب ، ويمكن أن يؤول كلام ابن حبان بأن مراده
أن يكون لكل راو راويان فقط من غير زيادة ولا نقصان ، والزيادة غير مضرة في
العزيز وأما رواية اثنين اثنين فقط فما لا يكاد يوجد .
(٢) أي أقصى ما يمكن اعتباره في الصحة فيما دون المتواتر هو شرط البخاري الذي قدره -
- ٤٤ -
1
2

اليه إلا القدر اليسير ، وأما قوله : إن شرط الشيخين إخراج الحديث
عن عدلين وهلم جرا إلى أن يتصل الحديث ، فليس كذلك أيضاً لأنهما
قد خرجا في كتابيهما أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو
واحد وأحاديث لا تعرف إلا من جهة واحدة ، وأنا أذكر من كل نوع
أحاديث تدل على نقيض ما ادعاه فمن ذلك : حديث مرداس الأسلمي
( يذهب الصالحون الأول فالأول ) الحديث ، وهذا حديث تفرد البخاري
بإخراجه ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم رواه البخاري عن يحيى
ابن حماد عن أبي عوانة ، عن بيان ، عن قيس ، عن مرداس ، وليس
لمرداس في كتاب البخاري سوى هذا الحديث ، وقد ذكر الحاكم في
القسم الثاني مرداس بن مالك الأسلمي وعده فيمن لم يخرج عنه في الصحاح
شيء ، وهذا الحديث يرد عليه قوله ويبين خطأه . ومنها ؛ حديث حزن
ابن أبي وهب المخزومي خرج عنه البخاري حديثين أحدهما ؛ ( قال
جاء سيل في الجاهلية فكسا ما بين الجبلين )، والثاني؛ أن النبي عَ ائِ قال
له : ( ما أسمك ) الحديث ، وقد انفرد بهما عنه ابنه المسيب ، وعن المسيب
ابنه سعيد بن المسيب ، ومنهم زاهر بن الأسود الأسلمي خرج عنه البخاري
حديثاً واحداً وهو ( إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي
رسول اللّه ◌ّ ل أن رسول الله بز فافه ينهاكم عن لحوم الحمر)، وقد
تفرد بالرواية عنه ابنه مجزأة بن زاهر ، ومنهم عبد الله بن هشام بن
زهرة القرشي أخرج البخاري عنه حديثين أحدهما: ( كنا مع النبي عد اله
- له الحاكم ولم يسلم له وإلا فدرجات الإمكان متصاعدة لا تنتهي عند ما شرطه البخاري
فمن أثبت حكم التدليس للراوي بمرة كالشافعي ، أو اشترط عدم تخلل النسيان من
زمن التحمل إلى زمن الأداء ، أو عدم التعويل على خط نفسه إذا لم يذكر كأبي حنيفة ،
أو عدم التنافي مع العمل المتوارث في أمصار المسلمين التي حل بها فقهاء الأصحاب
بكثرة مع كون طريق هذا الحديث من هذا المصر كما هو مذهب أهل العراق والليث
بن سعد مطلقاً ومالك في المدينة ونحوهم فشرطهم أضيق ، نعم شرط البخاري في اللقاء
والملازمة والحفظ أقوى من شرط من بعده والله أعلم.
- ٤٥ -
ـ

وهو آخذ بيد عمر فقال له عمر يارسول الله ! لأنت أحب إليّ من كل
شيء ) الحديث . والثاني : ( قال : ذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى
النبي ◌َّ الِ فقالت يارسول الله! بايعه ، فقال هو صغير ) الحديث ،
وقد تفرد بالرواية عنه ابن ابنه زهرة بن معبد ، ومنهم عمرو بن تغلب
أخرج عنه البخاري حديثين أحدهما ( إني لأعطي الرجل وأدع الرجل )
الحديث ، والثاني : ( إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون )
الحديث . وقد تفرد برواية هذين الحديثين عنه الحسن بن أبي الحسن ،
ولا يعرف له راو غيره ، ومنهم عبد الله بن ثعلبة بن صعير أخرج عنه
البخاري حديثاً واحداً موقوفاً تفرد به الزهري عنه ولا يعرف له راو
غير الزهري ، ومنهم سنين أبو جميلة السلمي من أنفسهم أخرج البخاري
عنه طرفاً من حديث ولم يرو عنه غير الزهري من وجه يصح مثله ،
ومنهم أبو سعيد بن المعلى أخرج عنه البخاري حديثاً واحداً ( قال كنت
أصلي في المسجد فدعاني رسول اللّه عَ ال فلم أجبه ثم أتيته فقلت يارسول
الله إني كنت أصلي) الحديث. وقد تفرد به عنه حفص بن عاصم بن عمر
ابن الخطاب ولا رواه عنه غير خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن یساف،
ومنهم أبو عقبة سويد بن النعمان بن مالك بن عامر الأنصاري ، وكان
من أصحاب الشجرة أخرج عنه البخاري حديثاً واحداً : ( خرجنا مع
رسول اللّه مع الفعل عام خيبر حتى إذا كنا بالمهيا وهي من أدنى خيبر ).
الحديث . وقد تفرد به عنه بشير بن يسار ، ومنهم خولة بنت ثامر وقد
أخرج البخاري منفرداً به حديث أبي الأسود عن النعمان بن أبي عياش
عن خولة بنت ثامر عن النبي مع الله (إن رجالاً يتخوضون في مال اللّه
بغير حق ) قال الدارقطني : ولا تعرف خولة بنت ثامر إلا من هذا
الحديث ، ولم يرو عنها غير النعمان بن أبي عياش . وهذا اللفظ يشبه
لفظ عبيد سنوطا عن خولة بنت قيس بن قهد امرأة حمزة عم النبي عد اله
فإن كانت هي التي روى عنها النعمان بن أبي عياش ونسبها إلى ثامر ،
- ٤٦ -
٤
.

٦
فالحديث مشهور ، وإن كانتا امرأتين فابنة ثامر لم يرو عنها غير النعمان
ابن أبي عياش .
وممن تفرد مسلم باخراج حديثه على النحو المذكور عدي بن عميرة
الكندي ، أخرج مسلم له حديثاً واحداً وهو : ( من أستعملناه على عمل
فكتمنا مخيطاً فما فوقه ) الحديث ، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم ،
وقد ذكر الحاكم في القسم الثاني المستورد بن شداد الفهري في مفاريد
قيس بن أبي حازم وزعم أنه لم يخرج البخاري ولا مسلم حديثه ، ولا
حديث من كان على هذا الوزن من المفاريد . وهذا مسلم بن الحجاج
قد خرج للمستورد حديثين أحدهما من رواية قيس بن أبي حازم
قال، قال رسول الله صل اته: (( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم
أصبعه هذه - وأشار بالسبابة - في اليم فلينظر بم ترجع ) . والثاني ؛
أخرجه من حديث موسى بن علي عن أبيه علي بن أبي رباح . قال ،
قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول اللّه عد اله
يقول: ((تقوم الساعة والروم أكثر الناس )) الحديث ، وقد روى عنه
غير واحد من المصريين والشاميين ، ومنهم قطبة بن مالك أخرج عنه
مسلم حديثاً واحداً: ( قال: صليت وصلى بنا رسول اللّه عَ له فقرأ
ق والقرآن المجيد ) الحديث . ولم يرو عنه غير زياد بن علاقة ، وقد
زعم الحاكم أن قطبة هذا لم يخرج حديثه في الكتابين لما توهمه ، ومنهم
أبو عبد الله طارق بن أشيم والد أبي مالك ، أخرج عنه مسلم حديثين
أحدهما؛ سمعت رسول اللّه تع الى يقول: ((من قال لا إله إلا اللّه وكفر
بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله)). الثاني ( كان
الرجل إذا أسلم علمه النبي مع لم الصلاة ) الحديث ، وقد تفرد بالرواية
عنه ابنه أبو مالك سعد بن طارق ، ومنهم نبيشة الخير بن عبد اللّه بن عتاب
أخرج عنه مسلم حديثاً واحداً في أيام التشريق ، وقد أخرج له البرقاني
- ٤٧ -

في كتابه المخرج على الصحيحين حديثاً آخر في العتيرة ، ولم يوجد في
أكثر النسخ سوى الحديث الأول وليس له راو سوى أبي المليح عامر بن
أسامة .
الكلام على حديث ((إنما الأعمال بالنيات)).
ومن مفاريد التراجم في الكتابين حديث ( الأعمال بالنية ) فإن البخاري
استفتح كتابه به . رواه عن الحميدي عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد
الأنصاري ، عن محمد بن ابراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي عَ الِ الحديث، وقد
أخرج في الكتابين في عدة مواضع وهو من غرائب الصحيح مدني المخرج
ولم يرو عن النبي صَ لِّ من وجه يصح مثله، إلا من حديث عمر، فهو
في الحقيقة من مفاريده ولا يثبت عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقاص
ولا رواه عن علقمة إلا التيمي ، تفرد به يحيى بن سعيد وقد رواه عن
يحيى خلق كثير (١) .
وهذا باب لو استقصيته لأفضى إلى الاكثار وتجاوز حد الاختصار .
ومن طالع تراجم حديث الشاميين والمصريين وجد لما ذكرناه نظائر كثيرة
فإن حديث الحمصيين ومن يدانيهم ضيق المخرج جداً ، ولهذا قلما يوجد
(١) حتى قال ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار) أن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم
مردوداً لأنه حديث فرد اهـ .
قال الخليلي أن الذي عليه الحفاظ أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة
أو غيره فما كان من غير ثقة فمردود وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به ، وقال
الحاكم أنه ما انفرد به ثقة وليس له أصل يتابع . ومذهب الجمهور أن الشاذ انفراد
ثقة بما يخالف رواية الثقات لا انفراده مطلقاً ، وهذا الحديث أصل من أصول الدين
ولا يشك في صحته لما بسطه البدر العيني وغيره وإن لم تخرجه المتابعات الضعيفة عن
الفردية .
- ٤٨ -
-
٢

للشاميين والمصريين حديث يعتني بجمع طرقه ويذاكر به في السير من حديث
الشاميين الدمشقيين وذاك لضيق مخرج حديثهم .
ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الاقسام
التي ذكرها الحاكم .
وإذ قد فرغنا من ابطال هذه الدعوى فلنذكر التحقيق في قبول الأخبار
من الثقات الموصوفين بالشرائط التي يأتي ذكرها : فمهما كانت تلك
الشرائط موجودة في حق راو كان على شرطهم وغرضهم وله منهم قبول
خبره تفرد بالحديث أو شاذه غيره فيه ، نعم يفيد هذا في باب الترجيحات
عند تعارض الأخبار حالة المذاكرة بين المتناظرين وذلك من وظيفة الفقهاء(١)
لأن قصدهم اثبات الأحكام ومجال نظرهم في ذلك متسع ، وقد أورد
بعض أئمتنا في باب الترجيحات نيفاً وأربعين (٢) وجهاً في ترجيح أحد
الحديثين على الآخر .
(١) وما أجل وظيفتهم وأخطرها ، ومن التهجم خفوف بعض المتهوسين إلى الأخذ بأول
حديث يبلغهم في المسائل الخلافية من غير نظر إلى أنه هل هناك معارض أقوى أو ما هو
طريق الترجيح بين المتعارضين أو ما هو وجه الجمع بينهما ، وربما يسارع إلى نفي
ما لم يبلغه وهو يدعي في ذلك كله أنه أخذ بقول الأمة الفقهاء حيث نقل عن كل منهم
أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي ، ولكن ذلك فيما إذا لم يكن معارض هناك وأين
له معرفة ذلك ، والموفق من وقف عند حده ولم ينازع الأمر أهله ، على أن الرواة مهما
برعوا قلما يصيبون في تفقهاتهم ، وليس أدل على ذلك مما رد على أبي عبد الله البخاري
من تفقهاته في صحيحه مع جلالة مقداره في الحفظ وعظمة في النفوس ، ولقد أنصف
الأعمش حين قال لأبي يوسف أنتم الأطباء ونحن الصيادلة - على ما رواه ابن عبد البر
في جامع العلم ، وفي التلبيس لابن الجوزي جملة تفقهات للرواة يحكيها عنهم ليعتبر
بما فيها من العبر ، وفيما ذكره المصنف إشارة إلى ما قلنا ..
(٢) وأبلغها المصنف إلى خمسين وجهاً في كتابه (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)
ونقلها برمتها العراقي في شرح تبصرته ، وليس بين تلك الوجوه كون أحد الحديثين
مما رواه البخاري أو مسلم مثلا دون الثاني ، وإنما ذكر فيه أو صافاً ترجع إلى نفس -
شروط الأئمة م ٤
- ٤٩ -
٠٠

إثبات التواتر في الأحاديث عسر جداً .
ثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر أو من قبيل
الآحاد ، وإثبات التواتر في الأحاديث عسر (١) جداً سيما على مذهب
من لم يعتبر العدد في تحديده ، وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء توجب العمل
دون العلم فلا تعويل على مذهب الكوفيين (٢) في ذلك ، وقد ذهب بعض
أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم ، وتفاصيل مذاهب الكل مذكورة في
كتب أصول الفقه ، وعلى الجملة فقد اتفقوا أنه لا يشترط في قبول الآحاد
العدد قل أو كثر والله أعلم .
الرواة لا المخرجين أصحاب الكتب .. ووجوه الترجيح والجمع مما اختلفت فيه آراء
--
فقهاء الأمصار واعتركت فيه أنظار النظار ، وأما ما يقال من وجوب العمل بما في
الصحيحين من غير توقف على النظر فيهما بخلاف غيرهما فقد رد بأن ظاهره غير مستقيم
لأن المراد إن كان أعم من المجتهد وغيره ففيه أن المجتهد لا يجب عليه أن يقلد غيره ،
وإن كان المقصود المقلد فليس له إلا أن يتبع مجتهده .
(١) وقد تساهل كثير ممن ألف في الحديث في دعوى التواتر في أحاديث غاية ما ثبت فيها
· انجبار ما فيها من الضعف بطرق تسرد .
(٢) من نفاة خبر الآحاد .
- ٥٠ -
1
٠

وهذا باب
تذكر فيه الشروط المعتبرة المذكورة عند الائمة
التي من احتوى عليها وتحلى بحليتها لزم قبول خبره
واستحق اخراج حديثه في الصحيح ، ثم نردفه بذکر
قصد البخاري في وضع کتابه و کذلك نذ کر شرط من
عداه من الأئمة الذين ذكرناهم أولا . فهاتان مقدمتان
من حيث الاجمال والتفصيل ذكرتهما مجملا ، ثم
أذكرهما مفصلا فأقول :
اعلم وفقك الله تعالى أنه لما كان كل مكلف من البشر لا يكاد يسلم
من أن تشوب طاعته معصية لم يكن سبيل إلى أن لا يقبل إلا طائع محض
الطاعة لأن ذلك يوجب أن لا يقبل أحد ، وهكذا لا سبيل إلى قبول كل
عاص لأنه يوجب أن لا يرد أحد ، وقد أمر الله تعالى بقبول العدل ورد
الفاسق في نص القرآن فاحتيج إلى التفصيل : فكل من ثبت كذبه رد
خبره وشهادته لأن الخبر ينقسم إلى الصدق والكذب ، فالصدق هو الخبر
المتعلق بالمخبر على ما هو عليه والكذب عكسه ، وقد اختلف العلماء في
حد الخبر فقالت طائفة : الخبر ما دخله الصدق والكذب وقيل ما جاز أن
يكون صدقاً وأن يكون كذباً ، وقيل ما كان صدقاً أو كذباً . وهذه حدود
رسمية لا تكاد تسلم عن النقوض والكلام فيها يليق بالأصول . ثم الخبر
منقسم إلى متواتر وآحاد فالمتواتر ما يخبر القوم الذين يبلغ عددهم حداً
يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب منهم محال والتواطؤ
- ٥١ -

منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر ، فمتى تواتر
الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع عند ذلك بصدقه وأوجب حصول العلم
ضرورة . وأما الآحاد فما قصر عن حد التواتر ولم يحصل به العلم ولكن
تداولته الجماعة .
ثم الأخبار كلها على ثلاثة أضرب : فضرب منها تعلم صحته ،
وضرب منها يعلم فساده ، وضرب منها لا سبيل إلى العلم بكونه على
واحد من الأمرين دون الآخر . أما الضرب الأول فالطريق إلى معرفته
إن لم يتواتر أن يكون مما تدل العقول على موجبه كالأخبار عن حدث العالم
وإثبات الصانع ، وأما الضرب الثاني وهو ما يعلم فساده فهو الذي تدفع
العقول صحته بموضوعها والأدلة المنصوبة فيها نحو الأخبار عن اجتماع
المتضادين أو أن الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين ، أو مما يدفعه
نص القرآن أو السنة المتواترة ، أو أجمعت الأمة على رده تكذيباً له وغير
ذلك ، وأما الضرب الثالث الذي لا يعلم صحته من فساده فإنه يجب الوقف
عن القطع بكونه صدقاً أو كذباً وهذا الضرب لا يدخل إلا فيما يجوز أن
يكون ويجوز أن لا يكون وهي الأخبار التي يؤثرها علماء الاسلام في
اثبات الأحكام الشرعية المختلف فيها بين الأمة ، وإنما وجب التوقف
فيما هذه حاله من الأخبار لعدم الطريق إلى العلم بكونها صدقاً أو كذباً
فلم يكن الحكم بأحد الأمرين فيها أولى من الحكم بالآخر إلا أنه يجب
العمل بما تضمنته من الأحكام إذا وجدت فيها الشرائط التي نذكرها بعد .
فإذاً ثبت أن الحاجة داعية في تصحيح الخبر إلى اعتبار أوصاف في
المخبر فلنذكر الآن ما وعدنا به من حصر الشرائط التي إذا قامت بشخص
لزم قبول خبره :
الشرط الأول : الاسلام وهو المقصود الأعظم فرواية أهل الشرك
- ٥٢ -
*

مردودة ، ومستند ذلك الكتاب والسنّة والاجماع ، وليس هذا موضع
احصائها ، وإنما نشير إشارة عارية عن الأدلة : فإن تحمل الرواية وهو
مشرك ثم أداها في الاسلام فلا بأس بذلك .
والشرط الثاني ؛ العقل وبه يتوجه الخطاب ومنه يتلقى الصواب ،
والمفقود عقله لا يخلو إما أن يكون مجنوناً أو صبياً وكلاهما لا تقبل روايته
ولا شهادته ، والأصل فيه قوله عليه السلام ( رفع القلم عن ثلاثة عن
النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل ) ،
والحديث مشهور من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا حاجة
بنا إلى ذكر إسناده ، ولأن حال الراوي إذا كان مجنوناً دون حال الفاسق
من المسلمين وذلك أن الفاسق يخلف الله ويرجوه لما فيه من الاستعداد
فإذا رد خبر الفاسق فخبر المجنون أولى بذلك ، والصبي عند عدم التمييز
بمثابة المجنون . وأما حالة التحمل فقد ذهب قوم إلى المنع إذا لم يكن مميزاً
وخالفهم في ذلك آخرون ، وأما من زال عقله بأمر طارىء كالاختلاط
وتغيب الذهن فلا يعتد بحديثه ، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت
اختلاطه (١) ، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طرح حديثه بالكلية
لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين ،
فإذا تميز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحته جاز له الرواية عنه وصح
العمل بها .
( شرط آخر ) الصدق وهو عمدة الأنباء وعدة الأنبياء وشيمة الأبرار
وأرومة الأخيار والبرزخ بين الحق والباطل والفيصل بين الفاضل والجاهل
فمن تحلى بغير حليته فلا يخلو كذبه(٢) إما أن يكون في حديث رسول
(١) وللحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي جزء لطيف فيهم سماه (الاغتباط فيمن رمى
بالاختلاط ) مفيد في بابه .
(٢) ومن ينسب إلى الكذب في كتب الجرح قد لا تكون نسبته اليه بالمعنى المراد هنا لأن -
- ٥٣ -

الله ع الفحم أو في أحاديث الناس فإن كان كذبه على رسول اللّه ◌َ له بوضع
الحديث أو ادعاء السماع أو ما شاكل ذلك فقد ذهب غير واحد من
الأئمة إلى رد حديثه وإن تاب . نقلنا ذلك عن سفيان الثوري وابن المبارك
ورافع بن الأشرس وأبي نعيم وأحمد ابن حنبل وغيرهم ، فأما إذا قال :
كنت أخطأت فيما رويته ولم أتعمد الكذب فإن ذلك يقبل منه ، وأما
الذي يكذب في أحاديث الناس فإنه متى جرب عليه ذلك وظهر فإنه يرد
حديثه ، وكذا من عرف بقبول التلقين وتكرر ذلك منه واشتهر به فلا
يقبل حديثه ، وكذا من عرف بالتساهل في رواية الحديث وقلة المبالاة
في تعاهد الأصول في حالتي التحمل والأداء يرد خبره .
(شرط آخر ) أن لا يكون مدلساً والتدليس وإن كان أنواعاً بعضها
أسهل من بعض ، وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مولعين
به ممن حديثه مخرج في الصحاح غير أن شرط الصحيح لا يحتمل ذلك(١).
الواهم المخطئ كاذب لعدم مطابقة خبره للواقع فينسب الرجل إلى الكذب من جهة
أنه كان يهم سيما في لغة أهل المدينة ، والقادح في الراوي تعمد الكذب وهو المراد هنا
فمجرد نسبة الراوي إلى الكذب لا يكون قادحاً لأنه جرح غير مفسر ، أما الواهم
فله أحكام .
(١) قال الحافظ أبو سعيد صلاح الدين العلائي في ( جامع التحصيل لأحكام المراسيل) بعد
أن سرد أسماء من ذكر بالتدليس من الرواة .. هؤلاء كلهم ليسوا على حد واحد بحيث
أنه يتوقف في كل ما قال فيه واحد منهم ( عن ) ولم يصرح بالسماع بل هم على طبقات
أولها : من لم يوصف بذلك إلا نادراً جداً بحيث أنه لا ينبغي أن يعد فيهم كيحيى بن
سعيد وهشام بن عروة وموسى بن عقبة ، وثانيها : من احتمل الأمة تدليسه وخرجوا
له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع وذلك إما لامامته أو لقلة تدليسه في جنب ما روى
أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة وذلك كالزهري وسليمان الأعمش وابراهيم النخعي واسماعيل
ابن أبي خالد وسليمان التيمي وحميد الطويل والحكم بن عتبة ويحيى بن أبي كثير
وابن جريج والثوري وابن عيينة وشريك وهشيم ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث
الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع ، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا
على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ (عن) ونحوها من شيخه وفيه تطويل -
- ٥٤ -
٠
هـ

( شرط آخر ) العدالة وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر
العدل وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبيعز له لم يلزم
العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي
الذي رفعه إلى رسول اللّه ◌َ الله لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل
الله تعالى لأصحاب النبي صَ لّم واخباره عن طهارتهم ، وصفات العدالة
هي اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه وتجنب الفواحش
المسقطة وتحري الحق والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة ، وليس
يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الاصرار على الصغائر ، فمتى
وجدت هذه الصفات كان المتحلى بها عدلاً مقبول الشهادة . ومنها أن
يكون الشخص بعد أن ثبتت عدالته وجانب ما ينافي العدالة نحو السفه
وغيره معروفاً عند أهل العلم بطلب الحديث وصرف العناية اليه(١).
- والظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم آنفاً من الأسباب اهـ. موسى بن عقبة ذكره ابن حبان
والاسماعيلي بالتدليس قال الاسماعيلي يقال أنه لم يسمع من الزهري شيئاً وروايته عن الزهري
في صحيح البخاري ، وأبان ابن عثمان له عن أبيه في صحيح مسلم قال أحمد : ما سمع
من أبيه، وأبو إسحاق الفزاري له عن أبي طوالة في البخاري ولم يسمع منه ، ذكره ابن
مردويه ، وزهرة ابن معبد توقف ابن أبي حاتم في روايته عن ابن عمر وهي في البخاري
وسليم ابن عامر قال أبو حاتم لم يدرك المقداد بن الأسود وحديثه عنه في صحيح مسلم ،
وعامر الشعبي أنكر أحمد سماعه من أبي هريرة وخرجا في الصحيحين حديثه عنه ،
وأبو عبيدة ما سمع أباه ابن مسعود وقد أدخلوا حديثه في الصحيح، إلى غير ذلك مما تجده
وأمثاله في الكتاب المذكور وغيره ، وهو كتاب جليل جم الفوائد في بابه ، فقبول
تلك الأحاديث على فرض انقطاعها لأحد الأسباب المتقدمة قبول للمرسل وتصحيح له
كما هو مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم على اختلاف بينهم في شرط الأخذ بالمرسل ،
وإن خالف ذلك مصطلح المحدثين بعدهم. وأما عد تلك الأحاديث - في غير ما ورد
فيه صريح السماع بطريق صحيح- مسموعة خاصة فتجوزه دون إثباته خرط القتاد،
ومعرفة أمثال تلك المواضع من الصحاح تجدي عند التعارض والترجيح .
(١) وهذا الشرط مما اشترطه الحاكم واختلفوا فيه قال ابن حجر: والظاهر من تصرف
الشيخين اعتبار ذلك إلا إذا كثرت مخارج الحديث فيستغنيان عن اعتباره كما يستغنى -
- ٥٥

ومنها أن يكون حفظه مأخوذاً عن العلماء لا عن الصحف . ومنها أن
يكون ضابطاً لما سمعه وقت سماعه متحققاً على شيخه في روايته من أن
لا يدلسه إن كان ممن يعرف بالتدليس . وكان يحيى بن سعيد يقول ينبغي
في هذا الحديث غير خصلة ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ
ويكون يفهم ما يقال ويبصر الرجال ثم يتعاهد ذلك ، وقال أبو نعيم
لا ينبغي أن يؤخذ العلم إلا عن ثلاثة : حافظ له أمين عليه عارف بالرجال
ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره حتى يستقر له حفظه. ومنها أن يكون
متيقظاً سليم الذهن عن شوائب الغفلة . ومنها أن يكون قليل الغلط والوهم
لأن من كثر غلطه وكان الوهم عليه غالباً رد حديثه وسقط الاحتجاج
به . ومنها أن يكون حسن السمت موصوفاً بالوقار غير مشهور بالمجون
والخلاعة إذ ارتكاب هذا مفض إلى السفه . ومنها أن يكون مجانباً للأهواء
تاركاً للبدع فقد ذهب أكثرهم إلى المنع إذا كان داعية واحتملوا رواية
من لم يكن داعية . فهذه جوامع الأوصاف ولها توابع ولواحق لا يمكن
إحاطة العلم بها إلا بعد الممارسة والمطالعة للكتب المصنفة في هذا الشأن .
مذاهب الأئمة الخمسة في كيفية استنباط مخارج الحديث :
ثم اعلم أن لهؤلاء الأئمة مذهباً في كيفية استنباط مخارج الحديث نشير
إليها على سبيل الإيجاز وذلك أن مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال
الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضاً وحديثه
عن بعضهم صحيح ثابت يلزمهم إخراجه وعن بعضهم مدخول لا يصلح
- بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام. قال ويمكن أن يقال إن اشتراط الضبط يغني عن
ذلك إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى
كونه ضبط ما روى اهـ. على أن دعوى كون الراوي معروفاً بطلب الحديث وبصرف
العناية اليه تكون مردودة بأول نظرة فيما إذا لم يرو إلا حديثاً واحداً أو حديثين عن
رجل واحد .
- ٥٦ -
مـ
ء

إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات (١) . وهذا باب فيه غموض وطريقه
معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح
ذلك بمثال : وهو أن نعلم مثلاً أن أصحاب الزهري على طبقات خمس
ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت فمن كان في ( الطبقة الأولى )
فهو الغاية في الصحة وهو غاية ( مقصد البخاري ) .
( والطبقة الثانية ) شاركت الأولى في العدالة غير أن الأولى جمعت
بين الحفظ والاتقان وبين طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم من
يزامله في السفر ويلازمه في الحضر ، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا
مدة يسيرة فلم تمارس حديثه وكانوا في الاتقان دون الطبقة الأولى وهم
(شرط مسلم ) .
( والطبقة الثالثة ) جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى غير
أنهم لم يسلموا عن غوائل الجرح فهم بين الرد والقبول ، وهم (شرط
أبي داود والنسوي ) .
( والطبقة الرابعة ) قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل
وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري لأنهم لم يصاحبوا الزهري كثيراً ،
وهم ( شرط أبي عيسى ) ، وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط
أبي داود لأن الحديث إذا كان ضعيفاً أو مطلعه من حديث أهل الطبقة
الرابعة فإنه يبين ضعفه وينبه عليه فيصير الحديث عنده من باب الشواهد
والمتابعات ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة ، وعلى الجملة فكتابه
مشتمل على هذا الفن فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود (٢).
(١) المتابعة : أن توجد موافقة راو لراو ظن انفراده بحديث عن شيخه لفظاً. والشاهد:
أن يوجد متن يشبهه ولو معنى من طريق صحابي آخر وتتبع الطرق لذلك اعتبار في
مصطلحهم .
(٢) وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالباً، -
- ٥٧ -
٠٠

( والطبقة الخامسة) نفر من الضعفاء والمجهولين(١) لا يجوز أن يخرج
الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد
عند أبي داود فمن دونه فأما عند الشيخين فلا .
وليس ذلك بعيب فانه رحمه الله يبين ما فيها من العلل ثم يبين الصحيح في الاسناد ،
-
وكان قصده رحمه اللّه ذكر العلل، ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ
بما هو غلط ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له ، وأما أبو داود رحمه الله فكانت
عنايته بالمتون أكثر ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها والزيادات المذكورة في
بعضها دون بعض فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد فلهذا يبدأ
بالصحيح من الأسانيد وربما لم يذكر الاسناد المعلل بالكلية ، ولهذا قال في رسالته
إلى أهل مكة : سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت
في الباب فاعلموا أنه كذلك إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين وأحدهما أقوى
إسناداً والآخر صاحبه أقوم في الحفظ فربما كتبت ذلك ، ولا أرى في كتابي من هذا
عشرة أحاديث ، ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين ، وإن كان في الباب أحاديث
صحاح فانه يكثر ، وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فانما هو من زيادة
كلام فيه وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث ، وربما اختصرت الحديث الطويل لأنه
لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك ،
إلى أن قال : وما في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته ومنه ما لم يصح مسنداً
وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح ، وبعضها أصح من بعض ، إلى أن قال والأحاديث
التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير وهو عند كل من كتب شيئاً من الحديث
إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير فانه لا يحتج بحديث
غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ولو احتج
بحديث وجدت من يطعن فيه ، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث
غريباً شاذاً فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده علينا أحد .
قال ابراهيم النخعي كانوا يكرهون الغريب من الحديث ، إلى آخر ماذكره ابن رجب
في شرح علل الترمذي، وسيذكر المصنف بعض رسالة أبي داود على اختلاف يسير
في اللفظ .
(١) قال ابن رجب في شرح العلل: اختلف الفقهاء وأهل الحديث في رواية الثقة عن رجل
غير معروف هل هو تعديل أم لا ، وحكى أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين ،
والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان -
- ٥٨ -

:
فأما أهل الطبقة الأولى فنحو مالك وابن عيينة وعبيد الله بن عمر
ويونس وعقيل الايليان وشعيب بن أبي حمزة وجماعة سواهم .
وأما أهل الطبقة الثانية فنحو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي والليث
- تعديل له ، ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل ، وصرح بذلك طائفة من المحققين
من أصحابنا وأصحاب الشافعي ، قال أحمد في رواية الأثرم : إذا روى الحديث
عبد الرحمن بن مهدي فهو حجة ، وفي رواية أبي زرعة ، مالك بن أنس إذا روى
عن رجل لا يعرف فهو حجة ، قال يعقوب ابن شيبة قلت ليحيى بن معين متى يكون
الرجل معروفاً إذا روي عنه كم. قال إذا روي عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي
وهؤلاء أهل علم فهو غير مجهول فقلت فاذا روي عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي
إسحاق ؟ قال هؤلاء يروون عن مجهولين انتهى. وهذا تفصيل حسن ومخالف لاطلاق
محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه المتأخرون أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية
رجلين فصاعدا عنه، وابن المديني يشترط أكثر من ذلك فانه يقول فيمن يروي عنه
كثير وزيد بن أسلم معاً أنه مجهول ، ويقول فيمن يروي عنه شعبة
يحيى بن أبي
وحده أنه مجهول ، وقال فيمن يروي عنه ابن المبارك ووكيع وعاصم هو معروف ،
وقال فيمن روى عنه عبد الحميد بن جعفر وابن لهيعة ليس بالمشهور، وقال فيمن روى
عنه ابن وهب وابن المبارك معروف ، وقال فيمن روى عنه مالك وابن عيينة معروف.
قال ابن عبد البر في استذكاره : إن من روى عنه ثلاثة فليس بمجهول قال وقيل اثنان
١ هـ. والرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم ولو روى عنه جماعة ثقات - يعني أنه
مجهول الحال - وقد ردوا عليه، ويتكلم أبو الحسن بن القطان فيمن لم يوثقه إمام عاصر
ذلك الرجل أو أخذه عمن عاصره ويعده مجهولا ولم يوافقوا عليه . وفي الصحيحين جماعة
جهلهم أبو حاتم وعرفهم غيره كأحمد بن عاصم البلخي وأسباط أبو اليسع وبيان بن
عمرو وعبيد الله بن واصل والحكم بن عبد اللّه المصري وعباس القنطري ومحمد بن
الحكم المروزي ، وجهل ابن القطان ابراهيم بن عبد الرحمن المخزومي ، وجهل أبو
القاسم اللالكائي أسامة بن حفص المديني كما في تدريب السيوطي، قال الذهبي في الميزان
عند ترجمة مالك الزبادي : قال ابن القطان هو ممن لم تنبت عدالته ، يريد أنه ما نص
أحد على أنه ثقة ، وفي رواة الصحيح عدد كثير ما علمنا أن أحداً وثقه ، والجمهور
على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه
صحيح . وقال أيضاً عند ترجمة حفص بن بعيل : وفي الصحيحين من هذا النمط خلق
كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل اهـ .
- ٥٩ -
م

ابن سعد والنعمان بن راشد وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم .
والطبقة الثالثة نحو سفيان بن حسين السلمي وجعفر بن برقان وعبد الله
ابن عمر بن حفص العمري وزمعة بن صالح المكي وغيرهم .
والطبقة الرابعة نحو إسحاق بن يحيى الكلبي ومعاوية بن يحيى الصدفي
وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني وابراهيم بن يزيد المكي والمثنى
ابن الصباح وجماعة سواهم .
والطبقة الخامسة نحو بحر بن كنيز السقا والحكم بن عبد الله الايلي
وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي ومحمد بن سعيد المصلوب وغيرهم ،
وهم خلق كثير اقتصرت منهم على هؤلاء ، وقد أفردت لهم كتاباً استوفيت
فيه ذكرهم .
بحث يتعلق بترك البخاري إخراج كثير من الصحيح واعتذاره
عن ذلك .
وقد يخرج البخاري أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية ، ومسلم عن أعيان
الطبقة الثالثة ، وأبو داود عن مشاهير الطبقة الرابعة ، وذلك لأسباب
تقتضيه ، وليس غرضي في هذا المثال ترتيبهم على وزن ما قد خرجوا
في الصحاح وإنما قصدي التنبيه والتعريف ، وعلى هذا يعتذر لمسلم في
إخراجه حديث حماد بن سلمة فإنه لم يخرج إلا رواياته عن المشهورين
نحو ثابت البناني وأيوب السختياني وذلك لكثرة ملازمته ثابتاً وطول صحبته
إياه حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت
قبل الاختلاط ، وأما حديثه عن آحاد البصريين فإن مسلماً لم يخرج منها
شيئاً لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب ، وذلك لقلة ممارسته
حدیثهم.
- ٦٠ -
٢٠