Indexed OCR Text
Pages 21-40
٦ م شروط الترمذي : وأما أبو عيسى ( الترمذي ) رحمه الله فكتابه وحده على أربعة أقسام : قسم صحيح مقطوع(١) به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلماً، وقسم على شرط الثلاثة دونهما كما بينا ، وقسم أخرجه للضدية وأبان عن علته ولم يغفله ، وقسم رابع أبان هو عنه فقال ما أخرجت في كتابي إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء(٢) وهذا شرط واسع ، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح ، وقد أزاح عن نفسه الكلام فإنه شفى في تصنيفه وتكلم على كل حديث بما يقتضيه. وكان من طريقته رحمة الله عليه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق اليه وأخرج من حديثه في الكتب الصحاح فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه ولا تكون الطرق اليه كالطريق الأول وإن كان الحكم صحيحاً، ثم يتبعه بأن يقول (( وفي الباب عن فلان وفلان)) ويعد جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر . وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة(٣) والله أعلم. (١) إفادة خبر الآحاد غير المحفوف بالقرائن للقطع مذهب شاذ يذهب اليه المصنف لكونه ظاهرياً. بعض أجن طاهر المقربسى (٢) هذا يذكرنا صنيع المجد بن تيمية في ( منتقى الأخبار) حيث جمع فيه كل ما تمسك به فقيه من الفقهاء بل ترك الكلام على تلك الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً باعتبار أن ذلك بالنظر إلى ما يظهر للناقد لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر ، وقد أحسن صنعاً في ذلك لاختلاف شروط قبول الأخبار عند المجتهدين فما يصححه هذا قد يضعفه ذاك. ولم يشرح ((منتقى الأخبار)) بعد على ملمح مصنفه فالشروح الموجودة بالأيدي اليوم مغربة فيما يشرق فيه المصنف . (٣) وقد أوردنا فيما كتبناه على شروط الحازمي ما يشفي غلة الباحث من شرح ابن رجب وغيره في هذا البحث وما يليه فانظره . - ٢١ - نقد كلام الحاكم فيما قدره شرطاً للبخاري ومسلم : قال السائل فإن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري الحافظ ذكر في كتاب ( المدخل إلى معرفة كتاب الاكليل ) شرطاً على غير هذا النحو . قلت نعم أخبرناه أبو بكر أحمد بن علي الأديب الشيرازي بنيسابور قال قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور عن رسول اللّه مع الم وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة . فهذه الدرجة الأولى من الصحيح . ( الجواب ) أن البخاري ومسلماً لم يشترطا هذا الشرط ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك ، والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن . ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجوداً في كتابيهما إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقصة في الكتابين جميعاً فمن ذلك في الصحابة أن البخاري أخرج حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي ((يذهب الصالحون أولاً فأولاً - الحديث)) وليس لمرداس راو غير قيس. وأخرج هو ومسلم حديث المسيب ابن حزن في وفاة أبي طالب ولم يرو عنه غير ابنه سعيد. وأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب ((إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي - الحديث)) ولم يرو عن عمرو غير الحسن هذا في أشياء عند البخاري على هذا النحو، وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغر المزني (( إنه ليغان على قلبي )) ولم يرو عنه غير أبي بردة . وأخرج حديث أبي رفاعة العدوي - ٢٢ - ٣ - ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي . وأخرج حديث رافع بن عمرو الغفاري ولم يرو عنه غير عبدالله بن الصامت . وأخرج حديث ربيعة بن كعب السلمي ولم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن . هذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر (١) لتعلم أن القاعدة التي أسسها منتقضة لا أصل لها ، ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم ولمن روى عنهم إلى عصر الشيخين لأربي على كتابه المدخل أجمع إلا أن الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يفيد فائدة وله في سائر كتبه مثل هذا الكثير عفا الله عنا وعنه . وأما الإمام الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده فأشار إلى نحو ما ذكرناه وخلاف ما رسمه الحاكم . أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب ابن أبي عبد الله بن منده قال قال أبي (( من حكم الصحابي أنه إذا روي عنه تابعي واحد وإن كان مشهوراً مثل الشعبي وسعيد بن المسيب ينسب إلى الجهالة فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به وعلى هذا بنى محمد بن اسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما الصحيحين إلا أحرفاً تبين أمرها فأما الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريباً فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة اشتركوا في حديث يسمى عزيزاً فإذا روى الجماعة عنه حديثاً سمي مشهوراً)). فاستثنى أبو عبد الله بن منده أحرفاً وهو هذا النوع الذي أشرت اليه فقد صح لديك بيان ما قدمته اليك والله أعلم بالصواب . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي (٢) قال سمعت أبا (١) وعلى نور هذا البيان أبان الحازمي الحق في كتابه فكان من واجبه أن ينوه بفضل المصنف عليه لكنه لم يفعل . (٢) هو الحميدي الظاهري صاحب ((الجمع بين الصحيحين)) وهو الذي جذب المصنف إلى مذهب أهل الظاهر . بـ - ٢٣ - محمد علي بن أحمد بن سعيد(١) الحافظ الفقيه وقد جرى ذكر الصحيحين فعظم منهما ورفع من شأنهما وذكر أن سعيد بن السكر اجتمع اليه يوماً قوم من أصحاب الحديث فقالوا له أن الكتب في الحديث قد كثرت علينا فلو دلنا الشيخ على شيء نقتصر عليه منها فسكت ودخل إلى بيته فأخرج أربع رزم ووضع بعضها على بعض وقال هذه قواعد الاسلام كتاب مسلم وكتاب البخاري وكتاب أبي داود وكتاب النسائي . سمعت الامام أبا اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري (٢) بهراة وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه فقال كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس . ابن ماجه : رأيت على ظهر جزء قديم بالري حكاية كتبها أبو حاتم الحافظ المعروف بخاموش قال أبو زرعة الرازي طالعت كتاب أبي عبد الله (بن ماجه ) فلم أجد فيه إلا قدراً يسيراً مما فيه شيء(٣) وذكر قريب بضعة عشر أو كلاماً هذا معناه . ورأيت بقزوين له تاريخاً على الرجال والأمصار من عهد الصحابة إلى عصره وفي آخره بخط جعفر بن ادريس صاحبه : مات أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه المعروف يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعين ومائتين وسمعته يقول (١) هو ابن حزم ولم يجعل لكتاب ابن ماجه ولا لكتاب الترمذي شأناً حيث كان يجهلها كما سيأتي . (٢) هو ابن مت ، وهو الذي أمال المصنف إلى التصوف السالمي المعروف . (٣) الذي نظمه ابن الجوزي من أحاديثه في سلك الموضوعات نحو ثلاثين حديثاً أقل ما يقول، الناقد فيها إنها بالغة الضعف بل أغلبها موضوع . - ٢٤ - ولدت في سنة تسع ومائتين . ومات وله أربع وستون سنة وصلى عليه أخوه أبو بكر وتولى دفنه أبو بكر وأبو عبد اللّه أخواه وابنه عبد الله. ٦ م أخبرنا أبو زيد واقد بن الخليل القزويني الخطيب بالري أنبأنا والدي الحايل ابن عبد الله الحافظ في كتاب قزوين قال أبو عبد الله محمد بن يزيد يعرف بماجه مولى ربيعة له سنن وتفسير وتاريخ وكان عارفاً بهذا الشأن ارتحل إلى العراقين البصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين . أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي الفقيه قدم علينا الري حاجاً أنبأنا علي بن محمد بن نصر الدينوري حدثنا القاضي أبو الحسن علي بن الحسن ابن محمد المالكي حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن أحمد حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق ثنا الصولي قال سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي يقول : كتاب الله عز وجل أصل الاسلام وكتاب السنن لأبي داود عهد الاسلام . د. أخبرنا أبو القاسم علي بن عبد العزيز الخشاب بنيسابور أنبأنا محمد بن .. عبد الله البيع فيما أذن لنا قال سمعت أبا سليمان الخطابي يقول سمعت اسماعيل بن محمد الصفار يقول سمعت محمد بن اسحاق الصغاني يقول ألين لأبي داود السجستاني الحديث كما ألين لداود عليه الصلاة والسلام الحديد . أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمر قندي مناولة ، أنبأنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الادريسي الحافظ قال : محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث صنف كتاب الجامع والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن كان يضرب به المثل في الحفظ . قال - ٢٥ - 1 الادريسي : سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن محمدبن الحارث المروزي الفقيه يقول : سمعت أحمد بن عبد الله بن داود المروزي يقول: سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكة وكنت قد كتبت جزءين من أحاديث شيخ ، فمر بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه، فقالوا فلان، فذهبت اليه وأنا أظن أن الجزءين معي وحملت معي في محملي جزءين كنت ظننت أنهما الجزآن اللذان له، فلما ظفرت به وسألته أجاببي إلى ذلك ، فرأى البياض في يدي ، فقال أما تستحي مني؟ قلت: لا وقصصت عليه القصة ، وقلت أحفظه كله، فقال : إقرأ فقرأت جميع ما قرأ على الولاء فلم يصدقني وقال : استظهرت قبل أن تجيئي ، فقلت : حدثني بغيره فقرأ علي أربعين حديثاً من غرائب حديثه، ثم قال: هات إقرأ فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ ما أخطأت في حرف، فقال لي : ما رأيت مثلك . شروط النسائي : أخبرنا أبو بكر الأديب ، أنبأنا محمد عبد الله البيع إجازة ، قال سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي بمكة يقول سمعت أبا عبد الرحمن ابن شعيب ( النسائي ) يقول : لما عزمت على جمع كتاب السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم . سألت الامام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة فوثقه فقلت إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه فقال يا بني إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم . قرأت على أبي القاسم الفضل بن أبي حرب الجرجاني بنيسابور أخبركم أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي الصوفي فيما أذن لك قال : سألت أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ فقلت : إذا - ٢٦ - 2 ـے ، د ٦ حدث محمد بن إسحاق بن خزيمة وأحمد بن شعيب النسائي حديثاً من تقدم منهما ؟ قال : النسائي لأنه أسند ، على أني لا أقدم على النسائي أحداً وإن كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير ، وقال : سمعت أبا طالب الحافظ يقول : من يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائي كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث بها وكان لا يرى أن يحدث بحديث أبن لهيعة . سمعت أبا زكريا الحافظ يقول ، سمعت عمي أبا القاسم الحافظ يقول : سمعت أبي الامام الحافظ أبا عبد الله بن مندة يقول : ما رأيت في اختلاف الحديث والاتقان أحفظ من أبي علي الحسين بن علي بن داود اليزدي النيسابوري . تم وكمل بحمد الله وعونه وصلواته على نبينا محمد وآله وصحبه وعترته وسلم تسليماً كثيراً . - ٢٧ - 1 ٢ . 6 ٦ شِرُوطُ الأَهْرِ الحَسََّّةِ البَخَارِي وَمُسْلم وَأبي داوود والترمذي والنّسوي للحافظ أبي بكر محمّد بن موسى الخَازِفي المتوفى سنة ٨٥٩٤ رحمه الله تعالى جـ ٠ 1 . ، ٠ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة شروط الأئمة الخمسة قال الشيخ الحافظ زين الدين أبو عبد اللّه (١) محمد بن موسى الحازمي الهمذاني رحمه الله من لفظه: الحمد لله الذي اختار لنا الاسلام ديناً وآزره وأظهره على الدين كله ، وآثره وجعله حصيناً ومنهاجاً مبيناً لا يدرس مناره ولا تطمس آثاره . وصلى الله على محمد النبي المبعوث من أظهر المراتب والمختار من أطهر المناسب وعلى آله وصحبه ذوي السوابق والمناقب . عوفقني اللهوذاك أما بعد ؛ فقد سألتني - وفقك الله لاكتساب الخيرات وجنبني وإياك موارد الملكات - أن أذكر لك شروط الأئمة الخمسة (٢) في كتبهم المعتمد (١) هكذا في الأصل، وفي الذهبي وغيره (( أبو بكر)) وهو المشهور . (٢) أول من ألف في شروط الأمة - فيما نعلم- هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده المتوفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. وقد ألف جزءاً سماه (شروط الأمة في القراءة والسماع والمناولة والإجازة ) ثم الحافظ محمد بن طاهر المقدسي المتوفي سنة سبع وخمسمائة ألف جزءاً سماه (شروط الأمة الستة) وهما موضع أخذ ورد. ثم أتى الحافظ البارع الحازمي فألف هذا الجزء وأجاد وهو جم العلم جليل الفوائد على صغر حجمه يفتح للمطلعين عليه أبواب السبر والفحص وينبههم على نكت قلما ينتبه اليها . قال أبو الفضل بن طاهر المقدسي في جزء شروط الأئمة المذكور: إعلم أن البخاري - - ٣١ - 1 على نقلهم وحكمهم : أبي عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة بن الأحنف بن بردزبه الجعفي مولاهم البخاري . وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري . وأبي داود سليمان بن الأشعث ابن اسحاق بن بشر بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني . وأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي . وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسوي رحمهم الله عز وجل (١) وما قصدوه وغرض - ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم لم ينقل عن واحد منهم أنه قال : شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني ، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم اهـ. يعني غير ما هو معروف من الخلاف بين الشيخين في الاكتفاء بثبوت المعاصرة بين الراوي وشيخه بعد كونهما ثقتين كما هو عند مسلم أو اشتراط ثبوت اللقى بينهما مع ذلك كما هو عند البخاري . وقال النووي ليس الشيخين شرط في كتابيهما ولا في غير هما اهـ. (١) جرى المصنف في ذكرهم على ترتيب وفياتهم ، وهم أصحاب الأصول الخمسة المعروفة بين المحدثين، ولم يجعل بينها الموطأ لاندماج أحاديثه فيها إلا ما قل ولا سنن ابن ماجه لتأخر مرتبتها عنها ، حتى قالوا إن كل من انفرد ابن ماجه بالرواية عنه فهو ضعيف، وإن كان بين زوائد ابن ماجه من الأحاديث صحاح . وعد رزين بن معاوية العبدري في ( جامع الصحاح ) الأصول ستة مع الموطأ وتابعه ابن الأثير في ( جامع الأصول ) وابن طاهر جعل الأصول أيضاً ستة إلا أنه ذكر ابن ماجه سادس ستة وترك الموطأ لما سبق وتابعه عبد الغني المقدسي في الكمال وأصحاب كتب الأطراف والمتأخرون . ولا كلام في تفضيل أحاديث الصحيحين على أحاديث من بعدهما باعتبار الصحة من حيث الجملة وإن كان يوجد فيما سواهما ما يفضل على ما فيهما حيث تتوفر أسباب الترجيح ، ومنهم من جعلهما في مرتبة ، والجمهور على تفضيل أحاديث البخاري المسندة على أحاديث مسلم جملة، وإن كان يفضل مسلم على البخاري في حسن السياق وجودة الترتيب والقصر على الأحاديث المسندة ، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ عند ترجمة الحافظ أبي الوليد حسان بن محمد النيسابوري : قال الحاكم سمعت أبا الوليد يقول قال أبي أي كتاب تجمع قلت أخرج على كتاب البخاري قال عليك بكتاب مسلم فانه أكثر بركة فان البخاري كان ينسب إلى اللفظ قال ابن الذهبي ومسلم أيضاً منسوب إلى اللفظ والمسألة مشكلة اهـ. يشير إلى ما وقع بين البخاري وشيخه محمد بن يحيى الذهلي حين قدم البخاري نيسابور وسألوه عن اللفظ فقال القرآن كلام الله غير مخلوق وأعمالنا - - ٣٢ - * ۔ كل واحد منهم في تأسيس قاعدته وتمهيد مرامه ، وذكرت أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أبي عبد الله الجعفي وأبي الحسين القشيري أن لا يخرجا إلا حديثاً سمعاه من شيخين عدلين وكل واحد منهما رواه - مخلوقة قال أبو حامد الشرقي سمعت الذهلي يقول القرآن كلام الله غير مخلوق ومن زعم ((لفظي بالقرآن مخلوق)) فهو مبتدع لا يجلس الينا ولا نكلم من يذهب بعد هذا إلى محمد ابن اسماعيل . فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة . وبعث مسلم إلى الذهلي جميع ما كان كتب عنه على ظهر جمال وقال الذهلي لا يساكنني محمد ابن اسماعيل في البلد فخشي البخاري على نفسه وسافر منها . ومسلم لم يخرج بعد ذلك لا عن الذهلي ولا عن البخاري ، وأما البخاري فأخرج حديث الذهلي في صحيحه مع ما جرى بينهما إلا أنه كان يقول حدثنا محمد أو حدثنا محمد بن خالد ينسبه إلى جده أخذاً بعلمه ودفعاً لما يتوهم من أن شيخه محق في طعنه لو صرح باسمه . ولا إشكال في المسألة لأن الحق كان بجانب الشيخين في مسألة اللفظ وإن تعصبوا عليهما ، ومن أشرف على سير المسألة بعد محنة الامام أحمد يرى مبلغ ما اعترى الرواة من التشدد في مسائل يكون الخلاف فيها لفظياً ، وعلى تقدير عده حقيقياً يكون المغمز في جانبهم حتماً في نظر البرهان الصحيح فليتهم لم يتداخلوا فيما لا يعنيهم واشتغلوا بما يحسنونه من الرواية ولو فعلوا ذلك لما امتلأت بطون غالب كتب الجرح بجروح لا طائل تحتها كقولهم فلان من الواقفة الملعونة أو من اللفظية الضالة أو كان ينفي الحد عن اللّه فنفيناه أو لا يستثني في الإيمان فمرجئ ضال أو جهمي في غير مسألة الجبر والخلود ونحوهما أو كان لا يقول الإيمان قول وعمل فتركناه أو ينسب إلى الفلسفة أو الزندقة لمجرد النظر في الكلام أو ينظر في الرأي ونحو ذلك مما لبسطه موضع آخر . ومن أخطر العلوم علم الجرح والتعديل ، وفي كثير من الكتب المؤلفة في ذلك غلو وإسراف بالغ ، ويظهر منشأ هذا الغلو مما ذكره ابن قتيبة في ((الاختلاف في اللفظ))؛ ص ٦٢ ولا يخلو كتاب ألف بعد محنة الامام أحمد في الرجال من البعد عن الصواب كما لا يخفى على أهل البصيرة الذين درسوا تلك الكتب بامعان . قال الرامهرمزي في ( الفاصل بين الراوي والواعي) وليس للراوي المجرد أن يتعرض لما لا يكمل له فان تركه ما لا يعنيه أولى به وأعذر له وكذلك كل ذي علم ، فكان حرب بن اسماعيل السير جاني ( يعني الكرماني صاحب المسائل عن إسحاق وأحمد) قد اكتفى بالسماع وأغفل الاستبصار فعمل رسالة سماها ( السنة والجماعة) تعجرف فيها، واعترض عليها بعض الكتبة من أبناء خراسان من يتعاطى الكلام ويذكر بالرياسة فيه والتقدم فصنف في ثلب رواة الحديث كتاباً يلقط فيه كلام يحيى بن معين وابن المديني ومن كتاب - - ٣٣ - شروط الأئمة م ٣ أيضاً عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا القانون برسول الله عَفيِ (١) . ولم يخرجا حديثاً لم يعرف إلا من جهة واحدة أو لم يروه إلا راوٍ واحد وإن كان ثقة . التدليس للكرابيسي وتاريخ ابن أبي خيثمة والبخاري ما شنع به على جماعة من شيوخ العلم خلط الغث بالسمين والموثوق بالظنين .. ولو كان حرب مؤيداً مع الرواية بالفهم لأمسك من عنانه ودرأ ما يخرج من لسانه ولكنه ترك أولاها فأمكن القارة من راماها . ونسأل الله أن ينفعنا بالعلم ولا يجعلنا من حملة أسفاره والأشقياء به إنه واسع لطيف قريب مجيب اهـ. آمين . (١) وما ثبت بهذه الطريقة من الحديث يسميه أهل المصطلح (العزيز) لقلة وجوده أو لقوته كحديث ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) أخرجه الشيخان من حديث أنس وأبي هريرة ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب ورواه عن قتادة شعبة وسعيد ورواه عن عبد العزيز اسماعيل بن علية وعبد الوارث ورواه عن كل جماعة ، وذهب ابن علية ابراهيم بن اسماعيل وجماعة من النظار كأبي علي الجبائي ومن تابعه من متأخري المعتزلة إلى أن هذا شرط الصحيح استدلالا بما روى ابن شهاب الزهري عن قبيصة بن دؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال ما أجد لك في كتاب الله شيئاً وما علمت أن رسول الله (ص) ذكر لك شيئاً ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال سمعت رسول الله (ص) يعطيها السدس فقال له هل معك أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه ، وبما رواه أبو نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال لم رجعت ؟ قال سمعت رسول الله ( ص) يقول ( إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع ) قال لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك فجاءنا أبو موسى منتقعاً لونه ونحن جلوس فقلنا ما شأنك ؟ فأخبرنا وقال فهل سمع أحد منكم فقلنا نعم كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره، وقياساً للرواية على الشهادة، واليه يومىء من جعل الفرد منكراً وشاذاً مطلقاً من المحدثين كالبرديجي وغيره ، وأدلة الجمهور في رد تمسكهم مستوفاة في أصول الفقه . وأما عدم كون الصحيحين على هذه الشريطة فثابت قطعاً بحجج أقامها المصنف وستأتي ، وإن توهم خلاف ذلك جماعة كالحاكم والبيهقي وأبي بكر بن العربي وابن الأثير ، وأبو بكر بن العربي بعد أن وافقهم في أن ذلك شرط البخاري رد لزوم اشتراط ذلك في شرحه على الموطأ . - ٣٤ - ٠ ٠٠ ٠ ٠ فاعلم وفقك الله تعالى أن هذا قول من يستطرف أطراف الآثار ولم يلج تيار الأخبار ، وجهل مخارج الحديث ولم يعثر على مذاهب أهل التحديث . ومن عرف مذاهب الفقهاء في انقسام الأخبار إلى المتواتر والآحاد ووقف على اصطلاح العلماء في كيفية مخرج الاسناد لم يذهب إلى هذا المذهب وسهل عليه المطلب ، ولعمري هذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين . أنبأنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب بن محمد المالكي ، أنبأنا زاهر بن أبي عبد الرحمن المستملي ، أنبأنا أحمد بن الحسين الخسر وجردي ، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قال : والصحيح من الحديث ينقسم على عشرة أقسام خمسة منها متفق عليها ، وخمسة مختلف فيها : أقسام الحديث الصحيح التي وضعها الحاكم ، ولم يصب فيها : فالقسم الأول من المتفق عليها : اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح . ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن الرسول ع له وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخاري ومسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته ، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح (١) ، والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث . (١) قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتابه (شروط الأمة الستة ) إن الشيخين لم يشترطا هذا الشرط ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن . ولعمري أنه لشرط حسن لو كان موجوداً في كتابيهما إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعاً اهـ. وأصاب ابن طاهر في هذا التعقب وإن لم يصب هو أيضاً فيما قدره شرطاً لهما . قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح ألفيته في علوم الحديث عند ذكر مراتب الصحيح: قال محمد - - ٣٥ - ٠ والقسم الثاني من الصحيح المتفق عليها : الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي وليس لهذا الصحابي - ابن طاهر في كتابه في شروط الأئمة شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجتمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور وليس ما قاله بجيد لأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهما اهـ. قال البدر العيني: في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين وهو محمول على أنه لم يثبت جرحهم بشرطه فان الجرح لا يثبت إلا مفسراً مبين السبب عند الجمهور ومثل ذلك ابن الصلاح بعكرمة واسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي وعمرو بن مرزوق وغيرهم قال واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم قال : وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يقبل إلا إذا فسر سببه قلت قد فسر الجرح في هؤلاء، وذكر الجروح فيهم ثم قال وقد طعن الدار قطني في كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع على البخاري ومسلم في مائتي حديث فيهما ، ولأبي مسعود الدمشقي ( صاحب الأطراف) استدراك عليهما وكذا لأبي علي الغساني في تقييده اهـ. وتعب شراح الكتابين في الإجابة عما أورد هؤلاء ووفوا حق البحث والتمحيص جزاهم اللّه عن العلم خيراً . ولا يخفى أن الحاكم إنما جعلهما في أعلى مراتب الصحة على حد سواء باعتباره أنهما على هذه الشريطة وليس الأمر كذلك ، وابن الصلاح ومن تابعه من المتأخرين أخذوا من ذلك أن ما اتفق على إخراجه الشيخان فهو في أعلى مراتب الصحة ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم ، وهكذا من غير نظر إلى الشرط الذي اشترط لهما الحاكم. قال الامام كمال الدين بن الهمام هذا تحكم لا يجوز التقليد فيه إذ الأصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التي اعتبراها فان فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير الكتابين أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم اهـ. وهو كلام متين تابعه عليه المحققون من بعده وسنأتي ببقية كلامه في موضع آخر، ولا يهولنك امتعاض بعض أصحاب الكناشات من أهل عصرنا من هذا الكلام دون تمحيص للبحث ، وستجد في هذا الكتاب ما يشفي غلتك من غير إجهاد ، قال الزين العراقي في شرح ألفيته (( وحيث قال أهل الحديث هذا حديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة هذا هو الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم خلافاً لمن قال أن خبر الواحد يوجب العلم كحسين الكرابيسي وغيره وحكاه ابن الصباغ في العدة عن قوم من أصحاب الحديث. قال القاضي أبو بكر الباقلاني أنه قول من لا يحصل علم الباب انتهى. نعم إن أخرجه الشيخان أو أحدهما - - ٣٦ - ٦ ٠ بيو إلا راوٍ واحد ، ومثاله حديث عروة بن مضرس الطائي أنه قال : ( أتيت النبي مع الم وهو بالمزدلفة ) الحديث ، وهذا الحديث من أصول الشريعة مقبول متداول بين فقهاء الفريقين ورواته كلهم ثقات ، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيحين إذ ليس له راوٍ عن عروة بن مضرس غير الشعبي ، وشواهد هذا كثيرة في الصحابة كعمير بن قتادة الليثي ليس له راو غير ابنه عبيد ، وأسامة بن شريك وقطبة بن مالك على - فاختيار ابن الصلاح القطع بصحته وخالفه المحققون ، وكذا قولهم هذا حديث ضعيف فمرادهم لم يظهر لنا فيه شروط الصحة لا أنه كذب في نفس الأمر لجواز صدق الكذاب وإصابة من هو كثير الخطأ أهـ)). وكلام ابن الصلاح على ضعفه إنما هو فيما لم ينتقده أحد من الحفاظ ما في الكتابين وفيما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما جاء في الكتابين موصولا ، وأما الأحاديث المقطوعة في صحيح مسلم والأحاديث المعلقة والموقوفة في صحيح البخاري فليست بمرادة هنا ، وينظر كلام ابن الصلاح إلى سد باب التصحيح والتضعيف لأهل الاعصار المتأخرة . قال ابن الصلاح تعذر في هذه الاعصار الاستقلال بادراك الصحيح بمجرد الأسانيد لأنه ما من إسناد إلا وفيه من اعتمد على كتابه عارياً عن الاتقان فاذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثاً صحيح الاسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمد عليهم فلا نتجاسر على جزم الحكم بصحته اهـ. لكن استمر بعده أفراد من حفاظ الحديث على التصحيح والتضعيف في أحاديث على خلاف ما ذكره النقاد المتقدمون في تلك الأحاديث فتذرع بذلك أناس ليسوا في العير ولا في النفير إلى الكلام في مراتب الأحاديث كلها من جديد. وهذا تخط معيب فمن الواجب على أهل العلم في كل عصر قمع أمثال هؤلاء بمقامع من الحجج . وأنى لمن تأخر بمئات من السنين عن أهل القرون الفاضلة أن يستدرك عليهم! وغاية ما يمكن للمجتهد في الحديث في القرون الأخيرة معرفة مراتب الحديث كمعرفتهم بها لا أن يصحح ما ضعفوه أو يضعف ما صححوه أو يثبت مالم يثبتوه . وليست الطرق في كتب لم يتحملها أهل العلم بشرطه في عهد المتقدمين مما يجعل للحديث مرتبة فوق ماله في نقد المتقدمين . وقد جفت الصحف ورفعت الأقلام في تصحيح ما صح في القرون الأول من عهد التدوين وإلا لكانت الأمة ضلت عن سواء السبيل. وليست للحديث نوازل لا تنتهي إلى انتهاء حياة البشر في الدنياحتى يكون شأن المجتهد فيه كشأن المجتهد في الفقه بل قصارى ما يعمله المحدث حفظ المروى ومعرفة وصفه كمعرفة الأقدمين بدون ابتداع رأي فلا تغفل. - ٣٧ - اشتهارهما في الصحابة ليس لهما راو غير زياد بن علاقة وهو من كبار التابعين ، ومرداس بن مالك الأسلمي ، والمستورد بن شداد الفهري ودكين المزني كلهم من الصحابة وليس لهم راو غير قيس بن أبي حازم، والشواهد لما ذكرناه كثيرة . ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الصحيح . والقسم الثالث من الصحيح المتفق عليها : أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة - والتابعون ثقات - إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوي الواحد وذكر له مثالاً . والقسم الرابع من الصحيح المتفق عليها : هذه الأحاديث الافراد والغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد بها ثقة من الثقات ليس لها طرق مخرجة في الكتب ، وذكر له مثالاً . والقسم الخامس من الصحيح : أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلا عنهم . قال ؛ وهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها ولم يخرج في الصحيحين منها حديث لما بينا في كل قسم منها . هذا آخر كلام الحاكم (١) ولم يصب في قسم من هذه الأقسام ، وسنبين أوهامه (١) في كتابه المدخل إلى الاكليل. والخمسة المختلف فيها كما ذكره الحاكم : المرسل، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم ، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات. وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين ، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين . وأهمل ذكر خبر المجهول والخلاف فيه مشهور . وهذه الأقسام التي عدها مختلفاً فيها موجودة كلها في الصحيحين فضلا عن كتب السنن وإن سعى الشراح في الإجابة عنها - راجع اختلاف رواة الصحيح للجمال بن عبد الهادي - فلم يصب الحاكم في قسم من تلك الأقسام العشرة . والمآخذ في ( المدخل) و (علوم الحديث ) له في غاية الكثرة فيجب التنبه اليها . - ٣٨ - ٠ فيما بعد وربما لو روجع وطولب بالدليل وكلف البحث والسبر عن مخارج الأحاديث المخرجة في الكتابين بالاستقراء وتتبع الطرق وجمع التراجم والمشايخ وتأليف الأبواب لاستوعر السبيل ولم يتضح له فيه دليل إلا في قدر من ذلك قليل وآفة العلوم التقليد . وبيان ذلك إما إيثار الدعة وترك الدأب ، وإما حسن الظن بالمتقدم ، ولعمري إن هذا القسم الثاني لحسن غير أن الاسترواح إلى هذا غير ممكن لأنه يفضي إلى سد باب الاجتهاد والبحث عن مخارج الحديث وأحوال الرجال . وهذا الحاكم أبو أحمد الحافظ النيسابوري وهو أحد أركان الحديث وممن أخرج التخاريح الكثيرة ، وكتابه المؤلف في الأسماء والكنى يشهد له بتبحره في علم الصنعة ، وقد ذكر في بعض تراجمه حارثة بن مالك الأنصاري في الصحابة مقلداً لآخر تقدمه ، ثم جاء بعده جماعة من المؤلفين في الحديث والتواريخ والمعارف ممن كان ينسب إلى التحقيق والتدقيق نحو أبي عمر بن عبد البر القرطبي والأمير أبي نصر بن ماكولا في كتابه الاكمال وغيرهما قلدوا المتقدم وركبوا في ذلك المجرة (١) ، وأثبتوه في كتبهم على ما رسمه المتقدم ، ولو عدل واحد من هؤلاء الاستاذين إلى كتب السير وتواريخ المحدثين لبرح الخفاء وانكشف الغطاء ، وبان أن حارثة بن مالك الأنصاري لم يكن من الصحابة ولا من أنصار رسول اللّه عَ لفلم ولا من الموجودين في زمنه أو بعده وإنما هو في نسب الانصار وهو عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم جاهلي قديم من ولده بنو زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بطن وبنو بياضة بن عامر بن زريق بطن اليهما ينسب الزرقيون، والبياضيون في الأنصار جماعة منهم صحبوا النبي صَ لّه ولهم رواية وشهدوا معه بدراً ، وفيهم من بينه وبين عبد حارثة الذي سموه حارثة وجعلوا له صحبة تسعة آباء وأقل من ذلك ، والعجب من الحاكم (١) يعني حاولوا المحال كمن يريد ركوب المجرة وهي منطقة في السماء قوامها نجوم كثيرة لا يميزها البصر فيراها كبقعة بيضاء . - ٣٩ - ومن أبي عمر أنهما أحالا بذلك على الواقدي ، وإنما قال الواقدي (١) في تسمية البدريين : ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة . وغيره يقول زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم ثم من بني مخلد بن عامر قيس بن محصن وسمى جماعة . توثيق الواقدي : ١ فلعل الحاكم ظن أن الواقدي انتهى بنسبه لزريق إلى عبد ثم ابتدأ . قال حارثة مرفوعاً وأن حارثة هو المراد بالصحبة ، وإنما هو عبد حارثة مضافاً وهو اسم لشخص واحد كما بيناه وأن أبا عمر بن عبد البر والأمير قلدا أبا أحمد ، وقد أشبعت الكلام في هذا الاسم في ( تهذيب الاكمال وأوهام الأمير) . الثناء على الامام أحمد في تركه التقليد حيث ذاكر ابن المديني في تفضيل الامام مالك على سفيان : وقد أحسن أحمد بن حنبل رحمه الله في ترك التقليد والحث على البحث حيث ذاكر علي بن المديني في أصحاب الزهري وكان أحمد يقدم مالكاً (٢) (١) في أنسابه وهو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي نزيل بغداد . قال ابن حجر متروك مع سعة علمه مات سنة سبع ومائتين اهـ. وذكر الحافظ ابن سيد الناس في ( عيون الأثر ) توثيقه عن جماعة وكذا البدر العيني في شرح البخاري ويثني عليه الحافظ أبو بكر بن العربي في أحكامه ، وله في الإيثار حكاية اتصل بالمأمون بسببها ، لعل الرواة كانوا ينقمون عليه صلته بالمأمون مع تشدده على الرواة . (٢) في الضبط ومعرفة الرجال حتى قال كثير من المحدثين إن مالكاً إذا روى عن مجهول تزول عنه الجهالة ويعد ثقة ، وفي زوائد ابن هاني : ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة كل من روى مالك عنه فهو ثقة ، وقال الميموني سمعت أحمد غير مرة يقول كان مالك من أثبت الناس ولا تبال أن تسأل عن رجل روى عنه مالك ولا سيما مدني . قال القاضي اسماعيل من كبار المالكية إنما يعتبر بمالك في أهل بلده وأما الغرباء فليس يحتج - - ٤٠ - ٢ ٠ ٠ ٠٠