Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
شرح علل الأحاديث
، الخلاف على أبى الزبير نفسه فى إثباتها من عدمه.
· مخالفة نصوص أخرى لها، ففى بعض الروايات ما يستفاد منه
أنها حسبت تطليقة، ففى بعض الطرق أن بعض الرواة قال لابن عمر :
((أيحسب طلاقه ذلك طلاقًا؟ قال: نعم، أرأيت إن عجز واستحمق؟!)).
فلهذا ولغيره حكم جمهور أهل العلم على هذه الزيادة بالشذوذ
والنكارة، وها هى بعض أقوالهم فى ذلك:
،قال الخطابى رحمه الله (معالم السنن مع سنن أبى داود ٢/ ٦٣٦):
حديث يونس بن جبير أثبت من هذا، وقال أبو داود: جاءت
الأحاديث كلها بخلاف ما رواه أبو الزبير، وقال أهل الحديث: لم يروِ أبو
الزبير حديثًا أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لم يرها شيئًا
بأنَّا يحرم معه المراجعة، ولا تحل له إلا بعد زوج ، أو لم يره شيئًا جائزاً
فى السنة ماضيًا في حكم الاختيار، وإن كان لازمًا على سبيل الكراهة،
والله أعلم.
· أما الإمام الشافعى رحمه الله فقد نقل عنه البيهقى ((السنن
الكبرى)» (٣٢٧/٧) أنه قال:
ونافع أثبت عن ابن عمر من أبى الزبير، والأثبت من الحديثين أولى
أن يقال به إذا خالفه، قال: وقد وافق نافع غيره من أهل الثبت فى
الحديث، فقيل له: أحسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبى وَخيل
تطليقة؟ قال: فمه؟ وإن عجز ، يعنى : أنها حسبت، والقرآن يدل على
أنها تحسب، قال الله تعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بمعروفٍ أو تسرِيح
٥

١٨٢
شرح علل الأحاديث
بإِحسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولم يخصص طلاقًا دون طلاق ، ثم ساق
الكلام إلي أن قال: وقد يحتمل أن يكون: ((لم تحسب شيئًا)) صوابًا غير
خطأ، كما يقال للرجل أخطأ فى فعله، وأخطأ فى جواب أجاب به: لم
يصنع شيئًا، يعنى : لم يصنع شيئًا صوابًا.
• وقال ابن عبدالبر رحمه الله (كما نقل عنه الحافظ فى ((الفتح)»
(٣٥٤/٩):
قوله : ((ولم يرها شيئًا» منكر لم يقله غير أبى الزبير ، وليس بحجة
فيما خالفه فيه مثله ، فكيف بمن هو أثبت منه، ولو صح فمعناه عندى -
والله أعلم - ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنة .
هذا ، وإن كان ابن حزم وابن القيم - رحمهما الله - قد جنحا إلى
تصحيح هذه الزيادة ، فهما محجوجان بما ذكرناه، ثم بمخالفة أهل العلم
الذين هم أجل فى القلب ، وأثبت فى العلم منهما، والله الموفق.
هذا ، وأنبه على أن بعض إخواننا من المصححين الذين تعجّلُوا فى
الحكم على الحديث بمجرد إسناده حكموا على هذا الحديث (مع الزيادة)
بالصحة، وذلك لصحة إسناده، وتعجلوا فى هذا - غفر الله لهم - فكان
من اللائق بهم أن يمعنوا النظر فى الروايات مجتمعة ، ثم يمعنوا النظر فى
أقوال أهل العلم ، وخاصة العلماء بالحديث وعلله، ولكنها العجلة ،
فغفر الله لهم، ثم إن عجلتهم هذه دفعتهم إلى تصحيح ما يضاد هذا
الحديث ، ويخالفه من ناحية المعنى ، فصححوا أيضًا حديثًا بنفس القصة
والواقعة ، وفيه زيادة (فجعلها واحدة) ، ولم يمعنوا النظر إلى المعنيين
المتعارضين فضلاً عن عدم إمعانهم النظر فى الأسانيد ، فلا حول ولا قوة
إلا بالله، فنسأل الله المغفرة والتوفيق والسداد.

ك
١٨٣
ـمــ
شرح علل الأحاديث
وهذا خللٌ وإعلال في بعض المتون.
قد تقتضی قواعد المصطلح العامة تصحیح إسناد حدیث ما
أو تحسينه، ولکن یعلّ متنه لمخالفته لمتون أُخر.
مثال ذلك: ما رواه جماعة عن العلاء بن زهير، عن عبدالرحمن بن
الأسود، عن عائشة خيرَّها، أنها قالت: اعتمر رسول الله وَله، وأنا معه،
فقصر وأتممت الصلاة، فلما دنوت إلى مكة قلت: بأبى أنت وأمى يا
رسول الله! قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصُمتُ! فقال: ((أحسنت يا
عائشة))، وما عابه علىَّ.
((ووقع فى بعض الروايات عند الدارقطنى ، أنها كانت عمرة
رمضان، وهذا الذى روته عائشة ظريّها مخالف لما ورد فى الصحيحين من
حديث أنس ضِّه قال: اعتمر رسول الله وَّ أربع عُمر كلهم فى ذى
القعدة إلا التى مع حجته.
· قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١٤٨/٤):
ثبت بالنقول المستفيضة التى اتفق عليها أهل العلم به أنه إنما اعتمر
بعد الهجرة أربع عمر ، ثلاثة فى ذى القعدة، والرابعة مع حجته .
● ونقل ابن القيم - رحمه الله - فى زاد المعاد (١/ ٤٧٢) قال:
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على
عائشة فيها.
قلت (مصطفى):
والحمل فى هذا الإسناد على العلاء بن زهير، فهو - وإن وثقه ابن
معين - إلا أن ابن حبان قال فيه: كان يروى عن الثقات ما لا يشبه حديث

١٨٤
شرح علل الأحاديث
الأثبات ، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات.
قلت (مصطفى):
فعلى هذا فالرجل وإن كان فى الجملة يُقبل حديثه، إلا أن
الأحاديث التى يرويها مخالفًا فيها غيره يتوقف فيها، وخاصة إذا حملت
معانى مخالفة ، وحكم عليها الحفاظ بالمخالفة، كما هو الحال ها هنا.
ثم إننا بهذا الصنيع - ألا وهو قبول ما وافق فيه الثقات، وما لم
يخالف فيه غيره ، والتوقف فیما خالف فيه، وأُنکر علیہ ـ نكون قد
أعملنا أقوال علماء الجرح والتعديل كلها (الُوَثقين والمُجَرِّحين معًا).
ولهذا الحديث نظائر أخر متعددة.

١٨٥
شرح علل الأحاديث
وهذا إعلالٌ لمتن من المتون.
وهو حديث : ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)).
فقد ورد هذا الحديث بلفظين:
الأول: (١) ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)).
الثانى: (٢) ((ما أذن الله لشىء أذنه لنبى حسن الصوت يتغنى
بالقرآن یجهر به».
أما اللفظ الأول (١) ، فهذا هو الطريق به:
خ عن إسحاق عن أبى عاصم عن ابن جريج عن الزهرى عن
أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى وَلاو «باللفظ (١)».
أما اللفظ (٢) ، فهذه هى الطرق به :
ابن جريج
عقیل
یونس
الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة
عن النبى وَّة «باللفظ (٢)»
عمرو بن الحارث
عمرو بن دينار
عمرو بن عطية
إسحاق بن راشد
معمر
غيرهم

١٨٦
شرح علل الأحاديث
الزهرى
محمد بن إبراهيم
یحیی بن أبي کثیر
غيرهم
عن أبى سلمة عن أبي هريرة عن النبى
((باللفظ (٢))).
ر
فالناظر إلي هذه الطرق يرى أن أكثر الرواة عن أبى سلمة (بما فيهم
الزهرى أيضًا) رووا الحديث باللفظ (٢).
● وكذلك فالناظر إليها يرى أن أكثر الرواة عن الزهرى (بما فيهم
ابن جريج) رووا الحديث أيضًا باللفظ (٢).
فتبين بهذا أن هناك وهما وهمه من روى الحديث باللفظ (١).
وابتداءً هل يُقال - من باب الجمع بين الروايات - : إن للحديث
طریقین؟
مثل هذا يصعب فى مثل هذا المقام؛ إذ المخرج متحد، وقد روى
الحديث من طريق ابن جريج عن الزهرى ، عن أبى سلمة عن أبي هريرة
عن النبى وَله باللفظ (٢).
فمن الذى وهم؟ هل يُقال : إن الذى وهم هو الزهرى؟
هذا بعيد ؛ لأن الزهرى رواه مع الجماعة عن أبى سلمة ، عن أبى
هريرة عن النبى وَلا باللفظ (٢). ثم إن الزهرى ثقة ثبت.
وهل يقال : إن الذى وهم هو ابن جريج؟
هذا أيضًا بعيد؛ لأن ابن جريج رواه مع الجماعة ، عن أبى سلمة ،
عن أبى هريرة عن النبى وَجه باللفظ (٢).
فمن ثمَّ ألحق بعض العلماء - كالدارقطنى رحمه الله تعالى - الوهم

١٨٧
شرح علل الأحاديث
بأبي عاصم ، فقالوا: إنه وهم ورواه باللفظ (١)، ووجه هذا واضح.
ويمكن أن يُقال : إن الذى وهم فيه إسحاق، ولكن وجه استبعاد
ذلك يتم بأن يُقال : إن إسحاق ثقة ثبت، ويُبحث أيضًا : هل هناك رواةٌ
رووا الحديث عن أبی عاصم کما رواه إسحاق ، فإن كان هناك من روی
الحديث عن أبى عاصم كما رواه إسحاق عنه أُلحق حينئذ الوهم بأبى
عاصم ، والله أعلم.
تتمأن وفوائد:
١- كما سبق فعند البحث فى رجال الإسناد ينبغى أن نركز
البحث على من يدور عليه الإسناد أولاً ، فينظر فى حال
أبى سلمة، وفى صحة سماعه من أبى هريرة خِيَّه ، فإن
الحديث يُضعف من كل الطرق المشار إليها إذا كان أبو
سلمة - مثلاً - لم يسمع من أبى هريرة ، وأيضًا يضعف إذا
كان أبو سلمة - جدلاً - ضعيفًا.
٢- إذا تأكدنا أن أبا عاصم وهم فى الحديث، وأورده بلفظ :
((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) ، فلا ينبغى أن نأخذ هذا
المتن الذى حدث فيه وهم، ونجعله شاهدًا لرواية شاذة
مثله ، ولكنه يُهدر ولا يستدل به ، ولا يستشهد ، اللهم
إلا إن وجدنا من طرق أُخرى صحيحة مخارجها أُخر ، ما
يصحح به هذا المتن.
٣- كما هو معلوم فهناك بين اللفظين فرقٌ فى المعنى، فقوله :
((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) يقتضى التهديد ، ويُفيد
الوعيد لمن لم يتغن بالقرآن.

١٨٨
شرح علل الأحاديث
أما قوله وَجلة : ((ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت
يتغنى بالقرآن يجهر به)) فيفيد الحث والترغيب فى تحسين
الصوت بالقراءة.
٤- ذكر بعض أهل العلم منهم الدار قطنى - رحمه الله - ما
حاصله: أن الوهم تسرب إلى أبي عاصم ؛ لأنه قد ورد
هذا اللفظ (١) ((ليس منا .. )) من طريق أبى عاصم، عن
ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبى نهيك، عن
سعد بن أبى وقاص عن النبى وَاخيه.
هذا والله أعلم
وصلِّ اللهم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم.

١٨٩
شرح علل الأحاديث
وهذا مثالٌ أيضًا لخللٍ نشأ فى المتن
وذلك فى حديث: ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)).
فصوَّب فريق من أهل العلم : ((إن الله وملائكته يصلون على الذين
يصلُون الصفوف)) ..
وهذا تفصيلٌ لذلك:
الحديث رواه غير واحد (١)من طريق:
عثمان بن أبى شيبة ، عن معاوية بن هشام: ثنا سفيان، عن أسامة
ابن زيد ، عن عثمان بن عروة، عن عروة ، عن عائشة قالت: قال رسول
الله وَالخلية: ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)).
(١)
وخطأ البيهقى هذا اللفظ ، وصوّب الحديث بلفظ: ((إن الله
وملائكته يصلون على الذين يصلُون الصفوف)) .
(٢)
وأورد إسنادًا بهذا اللفظ (٢) من طريق الأشجعى ، عن سفيان،
عن أسامة بن زيد ، عن عثمان بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة ضح يتها
قالت: قال رسول الله وَله ... باللفظ (٢).
قال: وكذلك رواه أبو أحمد الزبيرى ("عن سفيان يعنى باللفظ (٢).
واستظهر البيهقى أيضًا لرأيه بأن عبدالله بن وهب (٣)، وعبدالوهاب
ابن عطاء رويا الحديث عن أسامة بن زيد ... باللفظ (٢)، وثمَّ أوجه أُخر
mome
(١) منهم أبو داود (حديث ٦٧٦)، وابن ماجة (حديث ١٠٠٥)، والبيهقى فى
((السنن الكبرى)) (١٠٣/٣).
(٢) رواية أبى أحمد الزبيرى هذه عند أحمد (٦/ ١٦٠)، وإن كان فى رواية الزبيرى
عن سفيان بعض الكلام.
(٣) قلت: رواية ابن وهب عن أسامة هذه عند ابن خزيمة فى ((صحيحه)) (١٥٥٠).

١٩٠
شرح علل الأحاديث
صوّب بها البيهقى ما ذهب إليه.
فيمكن صياغة ما سبق فى الآتى:
عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عثمان بن
عروة عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول
معاوية بن هشام
الله وَله ... باللفظ (١)
عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عثمان بن
الأشجعى
عروة عن عروة عن عائشة ، قالت: قال
أبو أحمد
رسول الله وَال .... باللفظ (٢)
ابن وهب
عن أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة عن
عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله عَليه
عبدالوهاب
... باللفظ (٢)
ووجه آخر:
الحسين بن حفص عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عبدالله بن
عروة عن عروة عن عائشة فيّها قالت: قال رسول الله وَّجله، باللفظ (٢).
وكشرح وبيان لما سبق:
نرى أن معاوية بن هشام خالف الأشجعى ، وأبا أحمد فى روايتهما
عن سفيان، فمعاوية روى الحديث بلفظ: ((إن الله وملائكته يصلون على
میامن الصفوف».
والأشجعى ، وأبو أحمد روياه بلفظ: ((إن الله وملائكته يصلون
على الذين يصلون الصفوف)).

١٩١
شرح علل الأحاديث
ومعاوية بن هشام، وعنده بعض الأوهام ، كما قد ورد فى
ترجمته .
ثم إن ابن وهب ، وعبدالوهاب، قد رويا الحديث عن أسامة باللفظ
(٢) موافقين لسفيان فى رواية الأشجعى ، وأبی أحمد عنه.
ثم إنه قد رُوى الحديث من وجه آخر، بإبدال عثمان بن عروة
بعبدالله بن عروة، وإن كان هذا لا يضر كثيراً، فيمكن أن يُقال: إن
أسامة حمل الحديث عن عبدالله بن عروة ، وعن عثمان بن عروة معًا.
فعلى هذا فالصواب ما ذكره البيهقى ، وأن الحديث باللفظ (٢)
أصح منه باللفظ (١) ، والله أعلم.

١٩٢
شرح علل الأحاديث
وهذه لفظة شاذة في حديث حُكم عليها بالرد.
فانظر وجه ذلك.
وذلك فى حديث : ((خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد،
ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب))
[\]
رُوى هذا الحديث بنفس السند والمتن، لكن مع تغاير فى لفظة من
ألفاظه، فروى باللفظ السابق ، ولكن آخره وحلق الشارب بدلاً من
قوله: ((وقص الشارب)).
والحديث مداره على الزهرى عن سعيد عن أبى هريرة عن النبى
صَلى الله
.
محمد بن عبدالله
ابن يزيد المقرئ
سفيان بن عيينة
أخذ الشارب
حلق الشارب
زهير بن حرب
عمرو الناقد
أبوبكر بن أبى شيبة
عن الزهرى عن سعيد
عن أبى هريرة عن النبى
وَخَّر أنه قال : ..
الحديث بلفظ :
مسدد
على
یونس
إبراهيم
معمر
قص الشارب قص الشارب
ـت
٠

١٩٣
ـمـ
شرح علل الأحاديث
فبالنظر إلى التصوير السابق نرى الآتى:
جمهور الرواة عن الزهرى رووا الحديث بلفظ : ((وقص
الشارب)).
● كذلك جمهور الرواة عن سفيان بن عيينة (الراوى عن الزهرى)
رووا الحديث بلفظ: ((وقص الشارب)).
أحد الرواة عن ابن عيينة، وهو عبدالله بن يزيد المقرئ، روى
الحديث عن ابن عيينة بلفظ: ((وحلق الشارب))، ومرة أخرى بلفظ:
((وأخذ الشارب)).
فبلاشك ولا ريب أن رواية الجماعة عن الزهرى تُقدم، وكذلك
رواية الجماعة عن ابن عيينة تُقدم، فعليه فالأصح رواية من روى الحديث
بلفظ: ((وقص الشارب))، وتعتبر رواية من رواه بلفظ: ((وحلق الشارب))
رواية شاذة، والله تعالى أعلم.
ملاحظة:
كما هو معلوم ، فينبغى أن يدرس هذا الحديث - وما على شاكلته
من أحاديث حملت ألفاظًا شاذة - دراسة مقارنة ، أى أننا نقارن الأسانيد
ببعضها ، والمتون ببعضها .
فلو عمدنا مثلاً إلى الحكم على إسناد رواية: ((وحلق الشارب))
استقلالاً ، لوجدناه إسنادًا صحيحًا، ولكن مع الدراسة المقارنة، مقارنة
الأسانيد ببعضها، والمتون ببعضها، والنظر إلى أن المخرج واحد، نجد أن.
رواية : ((وحلق الشارب)) رواية شاذة ، كما قدمناه.

١٩٤
شرح علل الأحاديث
ولهذا فإننا نهيب بإخواننا المحققين المشتغلين بالحكم على الأسانيد
أن يتريثوا فى جمع الطرق ، والنظر فى المتون والأسانيد قبل أن يُصدروا
أحكامًا على الأحاديث بالصحة أو الضعف، والله تعالى الموفق والهادى
إلى سواء السبيل.

١٩٥
شرح علل الأحاديث
وهذا حديث اختصر فأخلَّ الاختصار بالمعنى.
أما الحديث المختصر فهو :
ما رواه الترمذى وغيره، من طريق عبدالرزاق ، أنا معمر عن ابن
طاوس، عن أبيه، عن أبى هريرة ◌ِّه: أن رسول الله وَجله قال: ((من
حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث)).
أما الحديث المُطوَّل فهو :
ما ذكره الترمذى عقب إخراجه لهذا الحديث، إذ قال الترمذى رحمه
الله: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث
خطأ، أخطأ فيه عبدالرزاق، اختصره من حديث معمر، عن ابن
طاوس، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى وَّه قال: ((إنَّ سليمان
ابن داود، قال: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة غلامًا.
فطاف عليهن، فلم تلد امرأة منهن إلا امرأة ، ولدت نصف غلام، فقال
رسول الله ◌َملف: لو قال: إن شاء الله لكان كما قال)). هكذا روى عن
عبدالرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، هذا الحديث بطوله،
وقال: سبعين امرأة، وقد روى هذا الحديث من غير وجه ، عن أبى
هريرة، عن النبى وَّ قال: ((قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة على
مائة امرأة)».
ووجه الإخلال بالمعنى يتلخص فى أن الحديث باللفظ المختصر ((من
حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث)) يقعد قاعدة، ألا وهى: أن
أى شخص حلف فاستثنى لم يحنث (١).
(١) استثنى: أى قال: ((إن شاء الله))، بمعنى أنه قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله.

١٩٦
شرح علل الأحاديث
ولكن الحديث المطوّل فيه : لو قال: إن شاء الله لكان كما قال،
وفى رواية: ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا لحاجته))،
فیحتمل معنیین:
أحدهما : يحتمل المعنى الأول، الذى ذكرناه من تقعيد القاعدة.
ويحتمل معنى آخر: وهو أنه لو قال : إن شاء الله الرزق بالأولاد ،
ولم يقع فى الحنث.
فالاختصار جعلنا نحمل الحديث على وجه واحد، وهذا وجه
الإخلال .
والله أعلم

١
٩١
شرح علل الأحاديث
وهذا اختصار أخلَّ بالمعنى أيضًا.
أورد ابن حزم (١) رحمه الله ، ونقله عنه ابن القيم أيضًا من طريق
عبدالسلام الخشنى: نا محمد بن بشار، نا عبدالوهاب بن عبدالمجيد
الثقفى، نا عبيدالله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر :
أنه قال فى الرجل يطلق امرأته ، وهى حائض ؟ قال ابن عمر : لا يعتد
بذلك
[١]
وهذا الأثر من نفس الطريق - لكن بسند أعلى من ابن حزم - عند
ابن أبى شيبة فى ((المصنف))(٢) أيضًا من طريق عبدالوهاب الثقفى، عن
عبيدالله بن عمر ، عن نافع، عن ابن عمر، فى الذى يطلق امرأته وهى
حائض؟ قال: لا تعتد بتلك الحيضة.
[٢]
فبالنظر إلى اللفظين [١]، [٢] يمكن أن نقرِّب المعنى بوضعهما
على النحو التالى:
[١]
لا يعتد بذلك
[٢]
لا يعتد بتلك الحيضة
والمخرج متحد ، كما هو واضح.
فالأول: ابن حزم ... عبدالسلام الخشنى ، نا محمد بن بن بشار،
نا عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفى، نا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر.
(١) ابن حزم فى ((المحلى)) (١٦٣/١٠)، وانظر ابن القيم فى ((زاد المعاد)) (٢٢١/٥).
(٢) ابن أبى شيبة فى ((المصنف)) (٥/٥).

١٩٨
شرح علل الأحاديث
والثانى ابن أبى شيبة ، عن عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفى، نا
عبيدالله بن عمر ، عن نافع، عن ابن عمر.
لكن الإسناد الأول أنزل، كما هو واضح، والإسناد الثانى أعلى.
والإسناد الأعلى أتم فى متنه، وأوضح، فقدمنا الإسناد الأعلى
لعلوه، وقدمناه أيضًا لوضوحه، فمن المعلوم أن السند كلما نزل ، كلما
كثر احتمال الخطأ فيه؛ لكثرة رواته.
ثم إننا يمكننا أن نجمع بين الوجه [١]، [٢] بشىء من السهولة
واليسر. فقوله: ((لا يعتد بتلك الحيضة)) مفسر لقوله: ((لا يعتد بذلك)).
أى لا يعتد بتلك الحيضة، من أقرائها الثلاثة التى أمر الله المرأة
المطلقة أن تتربصها بقوله تعالى: ﴿ وَالْمَطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ
قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
· أما قول من روى الأثر مختصراً فقط، فقد حمل الأثر على أن
معنى لا يعتد بذلك، أى لا يعتد بذلك الطلاق، وغلط فى ذلك ، إنما
الصواب: أنه لا يعتد بتلك الحيضة على أنها من الأقراء . والله أعلم.
يلاحظ أن الحديث إذا كان موجودًا فى الكتب ذات الأسانيد العالية،
وكان موجودًا أيضًا فى الكتب ذات الأسانيد النازلة البعيدة عن رسول الله
وَله، أن الكتب ذات الأسانيد النازلة تأتى أحيانًا بزيادات فى المتون لا
تصح، وتأتى أحيانًا بنقص فى المتون يسبب خللاً ، والصواب فى أكثر
الأحيان قول أصحاب الكتب ذات السند العالى ، والله أعلم.

d
١٩٩
شرح علل الأحاديث
وهذا مثالٌ لخللٍ نشأ في متن الحديث، خالف فيه راورواة آخرين، هم
أكثر منه عددًا، وأثبت منه رواية، وأتقن منه حفظًا، وأضبط لما رووه.
وهذا فى حديث الزهرى عن عروة ، وعمرة عن عائشة زوج النبى
وَاللّ: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله وحَظ له عن
ذلك، فأمرها أن تغتسل ، فقال: ((هذا عرقٌ))، فكانت تغتسل لكل
صلاة .
فهذا هو اللفظ - أو قريب منه - هو الذى رواه الثقات الأثبات ،
وهو الوجه الأول .
[١]
أما الوجه الثانى [٢] الذي به خلل ، فهو ما رواه ابن إسحاق عن
الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة : أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت
فى عهد رسول الله وَّله، فقال لها النبى وَيلة: ((اغتسلى لكل صلاة)).
ويمكننا أن نصور الخلاف على النحو التالى:
ابن أبی ذئب
الأوزاعى
[١] عمرو بن الحارث
اللیث بن سعد
عن الزهرى عن عروة ، وعمرة عن عائشة
باللفظ [١] فأمرها أن تغتسل ، فكانت
تغتسل لكل صلاة
غیرهم
عن الزهرى عن عروة عن عائشة باللفظ [٢]
E
ابن إسحاق
[٢]
((اغتسلى لكل صلاة)»
(١) ولابن إسحاق متابعة غير محفوظة ذكرها أبو داود، والبيهقى رحمهما الله، وقال
البيهقى : إنها غير محفوظة.

٢
شرح علل الأحاديث
وكما هو واضح ، فبين اللفظين فرقٌ.
فالأول : فأمرها أن تغتسل.
والثانى : (اغتسلى لكل صلاة)).
فليس فى اللفظ الأول [١] أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، إنما أمرٌ
مطلق بالاغتسال ، وإنما اغتسالها كان بناءً على فهمها ، أما اللفظ الثانى
[٢] فيفيد أن النبى وَ ل هو الذى أمرها.
• ولا شك لدينا أن هؤلاء الرواة في الوجه [١] أثبت من ابن
إسحاق، فروايتهم أولى، ومن ثمَّ حكم العلماء بشذوذ الرواية [٢].
قال الليث بن سعد - كما فى صحيح مسلم - : لم يذكر ابن شهاب
أن رسول الله وَل أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة،
ولكنه شىء فعلته هى.
وأورد البيهقى هذا القول في ((السنن الكبرى)) ، وقال: وبمعناه قاله
ابن عيينة أيضًا، ثم ذكر بإسناده إلى الشافعى أنه قال: إنما أمرها رسول
الله وَليلة أن تغتسل وتصلى، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة ،
ولا أشك - إن شاء الله - أن غسلها كان تطوعًا غير ما أُمرت به، وذلك
واسعٌ لها .
قلت:
وهذا الذى ذهب إليه الليث بن سعد ، وابن عيينة، والشافعى -
رحمهم الله - هو رأى جمهور أهل العلم، كما نقله عنهم النووى ، وابن