Indexed OCR Text
Pages 21-40
دراسة : تسمية مشايخ النسائي ٢٣ ـيب الدراسة أولاً: إثبات نسبة الكتاب إلى النّسائي : للنسائي كتابٌ جمع فيه أسماءَ شيوخه وبيَّنَ أحوالهم من الجرح والتعديل، وقد نصَّ العلماء عليه، ووصفوا مضمونه باقتضاب(١). فقد ذكره المالكي في تسمية ما ورد به الخطيب دمشق(٢) . وأكثر الخطيبُ البغدادي النقل منه في «تاريخ بغداد))(٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)»(٤)، وابن العديم في ((بغية الطلب))(٥)، والحافظ ابن حجر في ((التهذيب)) (٦). بل إن ابن عساكر قد استوعب مشيخة النَّسائي في كتابه الذي خصَّه بشيوخ أصحاب الأمهات الست، ألا وهو كتابه «المُعجم المشتمل (١) ومن ذلك أنَّ الخطيب في (تاريخ بغداد) ربما وصف كتاب النسائي بقوله: ((ذكره النسائي في جملة شيوخه الذين بيَّن أحوالهم». (٢٧٥،٢٤٢/٤). (٢) انظره ضمن كتاب الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث، للدكتور محمود الطحان (٢٩٨ رقم ٤١٣). (٣) انظر: موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد للدكتور أكرم العُمري (٤١٤). (٤) انظر: تاريخ دمشق، ترجمة: عبدالسَّلام بن عتيق، ومحمد بن إدريس الرَّازي، ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، ومحمد بن خليل الدِّمشقي، ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم، ومحمد بن العلاء أبي كريب، ومحمدبن المصفي بن بهلول، ومحمود بن خالد الدمشقي، ونوح بن حبيب القومسي، ويحيى بن عثمان، ويزيد ابن محمد بن عبدالصمد. (٥) انظر: بغية الطلب لابن العديم (٩٤٦/٢) (٢٣٠٤/٥). (٦) انظر: التهذيب لابن حجر (١٠/١، ١٥، ١٨، ٤٨، ٨٦، ٨٨، ٨٩، ٠٠٠١٧٠). ٢٤ دراسة : تسمية مشايخ النسائي على أسماء شيوخ الأئمة النُّبْل)). فلا يكاد يذكر شيخًا للنسائي إلاَّ وينقل عبارة النسائي فيه، وعن أكثر من رواية للمشيخة، كما يترجَّح لديَّ (١). ثم تأتي نسخة كتابنا من رواية عالم ثقةٍ عن النسائي، منسوبةٌ صراحةً إلى النسائي، وأنَّها من إسماعه وإملائه، حيث يقول راويها في أولها: ((حدَّثنا أبوعبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، قال :... )"، وسرد الأسماء. وناسخ النسخة عالمٌ متقن (كما يأتي). ثم بمقابلة نصوص هذه النسخة بالمنقول عن مشيخة النسائي تبيّنَ لي التطابقُ البالغُ بينهما، ممَّا يؤكّد على أصالة هذه النسخة وصحّتها. وذلك ما سيظهر لقارىء النَّصِّ مع ما علَّقته عليه في الحواشي. ثانيًا: عنوان الكتاب: جاء في أوَّل الجزء تسميته بـ«الجزء فيه: معرفةُ من روى عنه الشيخ الإمام أبوعبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي - رحمةٌ الله علیه - وغير ذلك)). في حين جاء في مقدّمتها: («حدَّثنا أبوإسحاق إبراهيم بن (١) نصَّت محققة (المعجم المشتمل) الأستاذة سكينة الشهابي على الأثر الواضح والكبير لمشيخة النسائي على كتاب ابن عساكر، وعدَّته ضمن أهمِّ مصادره؛ لكنَّها لمَّا وقفت على أن ابن عساكر ربَّما نقل أكثر من عبارة عن النسائي يقولها في شيخٍ من شيوخه، مع النَّص من ابن عساكر أنَّ العبارتين مأخوذتان من موطنين مختلفين، استشكلت ذلك، وظنَّت أنَّ إحدى العبارتين مأخوذةٌ عن المشيخة، والأخرى من كتاب آخر للنسائي؛ فانظر مقدمة تحقيق المعجم المشتمل، ص (١١). ولو تنبهت إلى أنَّ لمشيخة النَّسائي أكثر من رواية، لاتضح عندها الأمر تمامًا .. ٢٥ دراسة : تسمية مشايخ النسائي = محمد بن أحمد بن بسام، قال: تسمية مشايخ أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي الذين سمع منهم. حدَّثنا أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي قال ... )). فواضح من هذا أن الاسم الثاني الوارد في مقدّمة الكتاب هو الاسم الذي كان يذكره تلميذ النسائي وراوي الكتاب عنه، بخلاف العنوان الذي جاء على واجهة الجزء، فإنه من الواضح أيضًا أنه من وضع الناسخ، فإنَّ المؤلف لن يُسمِّي کتاب نفسه: «معرفة من روی عنه الشيخ الإمام ... رحمةُ الله عليه))، ثم تنبَّهْ إلى خاتمة العنوان: ((وغير ذلك))، فهو يريد بذلك الإشارة إلى ما جاء في آخر النسخة من ((ذكر من يُعرف من القُضاة بالحديث)) وغيره ممَّا أُلحق بها. كل ذلك يدل على أن هذا العنوان من وضع الناسخ، تمييزًا لهذا الجزء عن غيره من الأجزاء التي ضمَّها المجموعُ الذي نسخه، وبيانًا لشيء من مضمونه . وفي حين يُسمّيه المالكي في ((تسمية ما ورد به الخطيبُ دمشق)) بـ((شيوخ أبي عبدالرحمن النسائي)) (١) = يُسمِّيه الخطيبُ نفسه في ((تاريخ بغداد)) بـ((تسمية شيوخ النسائي))(٢). أمَّا ابن عساكر فينقل عن المشيخة بالإسناد، الذي جاء فيه قولُ تلميذ النسائي وراوي المشيخة عنه: ((أملى علينا أبوعبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي أسماءَ شيوخه الذين روى عنهم، فقال ... ))(٣). (١) انظر التعليقة رقم (٢) في ص (٢٣). (٢) تاريخ بغداد (٣٣٠/٧)، في ترجمة الحسن بن الصبَّاح. (٣) انظر: التعليقة رقم (٤) ص (٢٣). ٢٦ دراسة : تسمية مشايخ النسائي وأما مُغُلْطاي فكان ربما سمَّاه بـ(مشيخة النسائي))(١)، أو ((أسماء شيوخ النسائي)) (٢)، أو ((أسماء شيوخ أبي عبدالرحمن النسائي))(٣)، أو ((أسماء شيوخه الذين روى عنهم))(٤) . وأمَّا الحافظ ابن حجر فكان كثيرًا ما يُسمّيه بـ((أسماء شيوخ النسائي))(٥)، أو بـ(شيوخه))(٦)، وسمّاه أيضًا بـ((أسماء شيوخه الذين لقيهم))(٧). ولذلك رجَّحتُ عنونتَه بما جاء فى مقدّمة الكتاب، من تسمية راويه له بـ(«تسمية مشايخ أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي الذين سمع منهم))؛ لكونه الاسم الصادر من راوي الكتاب عن مصنّفه، وهو موافق - إلى حدٍّ بعيدٍ - لتسميةِ الخطيب له، ومشابهٌ لتسمية ابن عساكر ومغلطاي وابن حجر. ثالثًا: دراسة نسخة الكتاب وبيان منهجها وأهميتها: النسخة الخطيّة المعتمدة هي نسخةٌ نفيسة، تحتفظ بها مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، تحت رقم (١٢٨٠/ ٢)(٨). (١) إكمال تهذيب الكمال (١١/١). (٢) إكمال تهذيب الكمال (٤٠/١) و(٣٧،٢١/١، ١٤٨، ١٥٥،١٥١). (٣) إكمال تهذيب الكمال (٢٩٠/١). (٤) إكمال تهذيب الكمال (٤٥/١، ٦٨، ٢٩٩). (٥) انظر: التهذيب (١٨/١ ... وغيرها). (٦) انظر: التهذيب (١٠/١ ... وغيرها). (٧) التهذيب (٥٥/٩). (٨) وهُنا لا أنسى أن أشكر أخي هشام بن عبدالعزيز الحلاف، الذي أخبرني بوجود جزء فيه أسماء شيوخ للنسائي، اطلع عليه في الجامعة المذكورة. ومن لحظة أنْ أخبرني به وقع في نفسي أنَّه هو كتاب النسائي الّذي صنَّفه في شيوخه، وطلبت منه= ٢٧ دراسة : تسمية مشايخ النسائي وهي عبارةٌ عن مجموع يقع في (١١٩) ورقة، يتضمَّنُ اثني عشر کتابًا . وقد نُسخ هذا المجموع في سنة (٦٣٣هـ)، وانتُهي من نسخه - كما جاء في آخره - لخمس ليالٍ خلون من شعبان من سنة (٦٣٣ هـ). أمَّا ناسخ الكتاب، فهو عالمٌ معروفٌ، حيث سمِّى نفسه بآخر المجموع. ألا وهو: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن إبراهيم بن محمد البغدادي الأديب الكاتب، المعروف بـ((ابن كَرِيم» وبـ((الماسح)). وُلد سنة (٥٧٩هـ)، وتوفي سنة (٦٣٧هـ). وهو أديب ولغوي، وعالمٌ من علماء الحساب والهندسة، وله في ذلك مصنّفات . وهو محدِّثٌ أيضًا، سمع من جماعة، وروى عنه جماعة. قال عنه المنذري: ((حدَّث بدمشق، ولنا منه إجازة، وله شعرٌ جيّدٌ، وكان فاضلاً في العربيَّة والحساب)). وقال عنه ابن الشعَّار في ((عقود الجمان)»: «كان ذا أدبٍ وافٍ وفضل زاهرٍ)). وقدَ نصَّ الذَّهبي على أنه كان ينسخ الكتب، حيث قال عنه: ((وكتب الكثير من الأجزاء)). وانظر ترجمته في الكتب التالية: التكملة لوفيات النقلة للمنذري (٥٣٨/٣ رقم ٢٩٤٤)، ومجمع الآداب لابن الفُوَطي (٢٧٤/٢ - ٢٧٥ تصويره، فما أنْ وقعت عيني على أوَّل صفحةٍ فيه حتَّى أيقنت بما كان في نفسي؛ = فله الفضل في وقوفي على هذا الجزء، وفي اكتشافي لهذا الكتاب النفيس. فشكر الله له ذلك، وجزاه الله خيرًا . ٢٨٦ دراسة : تسمية مشايخ النسائي رقم ١٤٥٨)، وتاريخ الإسلام للذهبي - ٦٣١ هـ ٦٤٠ هـ - (٣٤١)، والعبر له (٢٣٠/٣)، والعسجد المسبوك للملك الأشرف الرسولي (٤٩٤). ويأتي كتابنا هذا في أوَّل هذا المجموع، واقعًا في عشر صفحات، في كل صفحة نحو عشرين سطرًا . وقد كُتب بخطُّ نسخيٍّ واضحٍ، منقوطٍ غالبًا، كثير الضَّبْطِ. وقد قوبل بالأصل الذي نُقلّ منه، كما جاء صريحًا في آخره، وكما يدل عليه وجود بعض الألحاق والتصحيحات في حواشيه بخطّ ناسخه . وظاهر البداية التي بُدى بها الجزء أن الأصل الذي نُسخت عنه نسختنا وقوبلت عليه أصلٌ عتيق، يرقى إلى القرن الرابع الهجري. حيث إن ذلك الأصل كان من رواية الراوي للكتاب عن تلميذ النسائي، حيث جاء في أوله: ((حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن بسّام قال: تسمية مشايخ أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي الذين سمع منهم. حدَّثنا أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي)). وراوي هذه النسخة، الذي هو تلميذ النسائي وراوي المشيخة عنه: هو أبوإسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن بسّام الهاروني الرَّشيدي (نسبةً إلى هارون الرشيد)، المصري. وُلد سنة (٢٦٨هـ)، وتوفي سنة (٣٥٤هـ). قال عنه الماليني: ((هو ثقة)). أمَّا الذهبي فقال: «لا أعرفه)». وانظر ترجمته في: تاريخ علماء أهل مصر لابن الطَّخَان الحضرمي (رقم ٦)، والأنساب للسَّمعاني (٣٧٩/١٣)، وتاريخ الإسلام للذَّهبي - ٣٥١ هـ ٣٨٠هـ ــ (١٠٩)، والمقفى الكبير للمقريزي (٢٧٨/١ رقم ٣٢٨)، ٢٩ دراسة : تسمية مشايخ النسائي وتوضیح المشتبه لا بن ناصر الدين (١٣٥/٩). ومما يحسن التنبيه عليه أن لمشيخة النسائي عدّة روايات، تختلف فيها ألفاظ النسائي في حکمه علی شیوخه اختلافًا لیس بالكثير، ثم هو اختلافٌ لفظيٌّ غالبًا. كما أن بعض تلك الروايات أوسع من رواية نسختنا من ناحية استيعابها لأكثر شيوخ النسائي، على ما يظهر من نُقُول العلماء عنها . وقد تقدَّم عند سياقنا لتلامذة النسائي خلال ترجمته أن ذَكَرْنَا (في ذلك المسرد) تلامذته الذين رَوَوْا عنه مصنفاته، فكان منهم رواةُ مشيخةٍ النسائيّ، وهم (بعد راوي نسختنا): ١ - حمزة بن محمد الكناني (٣٥٧هـ): وهي إحدى الروايات التي كانت من مصادر مغلطاي في ((إكمال تهذيب الكمال))(١)، والحافظ ابن حجر في ((التهذيب))(٢). ٢- عبدالله بن محمد بن حكيم بن عبدالصمد الأصم الصيرفي: وروايته هي التي نقل عنها عبدالغني بن سعيد الأزدي المصري من مشيخة النسائي (٣). ٣- عبدالرحمن بن إسماعيل بن عبدالله بن سليمان الخولاني النحوي الخشَّاب أبوعيسى العروضي: وهو ممَّن اشتهرت مشيخة النسائي عن طريقه، فروايته للمشيخة نقل عنها الخطيب البغدادي في (١) إكمال تهذيب الكمال المغلطاي (٢٩٠/١). (٢) التهذيب لابن حجر (٦٩/١). (٣) جاء في ترجمة زكريا بن يحي بن إياس السجزي ، في كُلِّ من تاريخ دمشق لابن عساكر - المطبوع - (١٩/ ٧٢)، وبغية الطلب لابن العديم (٣٨٢٨/٨)، أنَّ عبدالغني ابن سعيد روى عن أحد شيوخه أنَّه قال: «ذكر لي عبدالله بن محمد بن حكيم أنَّ أبا عبدالرحمن أحمد بن شعيب أخرج إليهم كتابَ شيوخه، فيه: زكريا بن يحيى .. ). ٣٠ دراسة : تسمية مشايخ النسائي مصنفاته، واعتمدها ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)). ٤- عبدالكريم بن أبي عبدالرحمن النسائي: وروايته عن أبيه هي أكثر روايةٍ اعتمد عليها الخطيب في ((تاريخ بغداد)) للنقل عن مشيخة النسائي(١) . أمَّا ما يتعلَّق بمنهج النسائي في مشيخته فظاهرٌ من النظر في الصفحة الأولى منه، وهو عبارةٌ عن سَرْدٍ لأسماء شيوخه، يظهر في هذا المسرد أنه كان لديه شيءٌ من العناية بجمع الأسماء المتناظرة تباعًا في موطنٍ واحدٍ، وإن لم يلتزم بذلك. وبعد إيراده الاسم الذي يُميّز الشيخ عن غيره غالبًا، يُتبعه بذكر بلده، وفي المشيخة حرصٌ واضحٌ على ذكر البلد. ثم يختم ذلك بمنزلة الشيخ جرحًا أو تعديلاً، وإن كان كُلّ من ذكرهم من شيوخه قد حكم بقبولهم على وجه الإجمال، إلاّ أربعة شيوخ(٢) جرحهم، وواحدًا اختلف قَوْلُهُ فيه(٣)، وآخر قد يكون كلامه الوارد عند ذكره لا يُقصد به الشيخ " على أن هذا المسرد قد جاء فيه أيضًا ذِكْرُ أربعة من الرواة يُصرِّح النسائي بأنهم ليسوا من شيوخه وأنه لم يسمع منهم (٥) . وممَّا يحسن التنبيه عليه: أن إيراد النسائي لاسم شيخ من شيوخه في هذه المشيخة (بجميع رواياتها)، لا يلزم منه أنه قد روى عنه في كتاب ((السنن)) أو في غيره من مصنفاته. وذلك ما نبّه عليه الحافظ في (١) انظر: موارد الخطيب في تاريخ بغداد للدكتور أكرم العمري (٥٣٢). (٢) هم الذين برقم (١١٢،٦٥، ١٧٤، ١٩٢). (٣) انظر: رقم (٩٩). (٤) انظر: رقم (٢٧). (٥) انظر: رقم (٩٧، ٩٨، ١٠٥، ١٧٥). ٣١ = دراسة : تسمية مشايخ النسائي ((التهذيب))، حيث قال في ترجمة أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي: ((ذكره النسائي في شيوخه، وقال: كتبنا عنه شيئًا يسيرًا، صدوق. لكن لا يلزم منه أنه روى عنه في كتاب السنن)) (١)، وقال الحافظ أيضًا في ترجمة سلم بن جنادة بن سلم: ((وقد ذكره النسائي في شيوخه، لكن لا يلزم منه أنه روى عنه في كتبه المذكورة)) (٢). ثم إن آخر النسخة قد تضمَّن ثلاثة موضوعات غير داخلة في موضوع المشيخة : - الأول: تعقُّبٌ للنسائي على أحمد بن صالح المصري في مسألتين. - الثاني: جزءٌ صغيرٌ (ككثير من أجزاء النسائي) باسم: ذِكْرُ من يُعرف من القُضاةِ بالحديث. ذكر فيه سبعةً ممن وُلِّيَ القضاء بالعراق من الرواة، لكن هؤلاء القضاةَ الرواةَ كلَّهم مجروحون، بل كلّهم مُتَّهمون بالكذب . - الثالث: سمَّى اثنين هما أثبت الناس في الزهري. ومع أنَّي كنتُ قد ذكرتُ في مبحث «إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه)) أن بعض المصادر استوعبت أو كادت جميعَ أحكام النسائي في شيوخه، كـ((المعجم المشتمل)) لابن عساكر، و((التهذيب)) لابن حجر = إلاّ أن ذلك لا يُقلِّل من قيمة إخراج هذا الكتاب؛ لأسبابٍ: أولها: أن هذا هو مصدر تلك الُّقُول الأول، ولا يخفى ما لأصالة المصدر من الأهميّة عند العزو إليه في إثباتها وتصحيح نسبتها. ولو كان (١) التهذيب (١٥/١)، وانظر عبارة نحوها في ترجمة رجاء بن محمد العذري (٢٦٩/٣). (٢) التهذيب (١٢٩/٤). ٣٢ دراسة : تسمية مشايخ النسائي كل كتاب استُوعِبَتْ معلوماتُه في مصدر آخر ناقلٍ عنه يُصبحُ لا قيمة لإخراجه، لصحَّ ذلك في كثيرٍ من المصادر الأصيلة كـ((ضعفاء البخاري)) و((النسائي)) وغيرها من الكتب. ثانيها: أن إخراج الكتاب كما بلغنا يجعل منه وثيقةً تاريخيّةً وحضاریَّةٌ لا يُستهانُ بها. ثالثها: أننا بغير الوقوف على الكتاب في صورته الأصليّة لا یمکننا أن نأخذ تصوُّرًا واضحًا صحيحًا عنه. رابعها: ثم تأتي أهميّة كتابنا هذا وإخراجه على صورته الأصليّة من جهة جلالة مؤلِّفه وكونه من أوائل كتب المشيخات. خامسها: أن استيعابَ الكتب المتأخّرة لغالب عبارات النسائي في الجرح والتعديل لا يعني أنها استنزفت جميع فوائدها، بل لم تزل تكتنز بعضَها! فمن فوائدها التي لم تزل مختبئةً في طيّاتها: ١ - هناك عبارات جرح وتعديل تُستفاد من هذه المشيخة لم تنقلها المصادر : * ففي الترجمة (رقم ٥٢) يقول النسائي: ((محمد بن عبدالله بن عبدالحكم: صدوق ثقة، وبني عبدالحكم كلهم ثقات)). فمع نقل المصادر لحكم النسائي هذا في محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، إلاّ أنها لم تنقل الحُكْمَ الآخر الذي تناول جميع إخوته، وهم ثلاثةٌ سواه: أولهم: عبدالرحمن، وهو من رجال ((التهذيب))، وقد نُقل فيه حكمٌ آخر للنسائي ولغيره(١). وثانيهم: سعد، ترجم له ابن أبي (١) التهذيب (٢٠٨/٦). = ٣٣ دراسة : تسمية مشايخ النسائي حاتم في ((الجرح والتعديل))، وقال عنه هو وأبوه: ((صدوق))، ولم يرد فيه حكمٌ آخر عنده (١). وثالثهم: عبدالحكم، وقد سُئِلَ عنه ابن معين فقال: ((لا أعرفه))(٢)، ولم ينقل ابن أبي حاتم فيه شيئًا(٣)، في حين اكتفى الحافظ في ((اللسان)) بإيراد العبارة السابقة عن ابن معين؛ لتأتي عبارة النسائي بعد ذلك، لترفع من شأنه ولا شك. * وفي الترجمة (رقم ٦٩) يقول النسائي: ((أحمد بن محمد، يروي عن ابن [عايشة]: لا بأس به)). وقد ترجَّح عندي أن المقصود بهذه الترجمة: أحمد بن محمد بن هانيء الأثرم، ولم تنقل المصادر فيه هذه العبارة. * وفي الترجمة (رقم ١٠٥) قال النسائي: ((يعقوب بن إبراهيم الدورقي ثقة، وأخوه أحمد لا بأس به)). وأحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي من رجال ((التهذيب))، ولم ترد فيه عبارة النسائي(٤). * وفي الترجمة رقم (١٧٢) قال النسائي: ((أبو مصعب الزهري: لا بأس به». (١) الجرح والتعديل (٩٢/٤)، وقد وثَّقه أيضًا الخليلي في ترجمة والده (٤٢٦/١ - ٤٢٧)، وأرَّخ ابن زبر وفاته بسنة (٢٦٨ هـ) (٥٨٥/٢). (٢) نقله الحافظ في اللسان عن طريق الدَّارمي عن ابن معين (٣٩٣/٣)، ولم أجده في تاريخ الدَّارمي المطبوع! (٣) الجرح والتعديل (٣٦/٦). (٤) التهذيب (١٠/١-١١). ٣٤ دراسة : تسمية مشايخ النسائي وهو من رجال ((التهذيب))(١)، ولكن لم يُعَدّ في شيوخ النسائي، ولذلك لم يذكر أحدٌ عبارة النسائي فيه، ولا عَدُّوه في شيوخه؛ فاستفدنا من المشيخة أنه من شيوخه وحُكْمَ النسائي فيه . * وفي الترجمة (رقم ١٧٤) يقول النسائي: ((المسيّب بن واضح، هو عندي ضعيف)) . لم يذكره أحدٌ في شيوخ النسائي، ولا نقلوا عبارة النسائي فيه، إلاَّ أن النسائي كان حسن الرأي فيه ويقول عنه: ((الناس يؤذوننا فيه))(٢) !. * وفي الترجمة رقم (١٧٥) يقول النسائي: ((حرملة بن يحيى: ما أعلم به بأسًا، دخل مصر وهو مريض، لم أكتب عنه)). وهو من رجال «التهذيب))(٣)، لكن لم يذكر قول النسائي فيه؛ لكونه ليس من شيوخ النسائي. * وفي الترجمة (رقم ١٩٢) يقول النسائي: ((أبوهشام الرفاعي محمد بن یزید: ليس بثقة)). ومع كونه من رجال («التهذيب)»، إلاّ أنه لم يُعَدّ في شيوخ النسائي، ولذلك لم يُذكر حكم النسائي فيه من مشيخته، وإنَّما نقلوا قول النسائي عنه في ((الضعفاء)): ((ضعيفٌ)). فاستفدنا مع العبارة الأخرى، أنَّ النسائي لقيه وسمع منه . ٢- زادت لنا المشيخة اثنين من شيوخ النسائي أخل بهما ابن عساكر والمزّي وابن حجر، وهما الترجمتان اللتان برقم (١٧٢، ١٩٢). (١) التهذيب (٢٠/١). (٢) انظر ترجمته: في المشيخة . (٣) التهذيب (٢٢٩/٢ -٢٣١). ٣٥ دراسة : تسمية مشايخ النسائي ٣- للنسائي شیخان بصریان (کلاهما)، ويُقال لكل واحدٍ منهما: محمد بن عثمان، وليس له شيخٌ آخر يقال له محمد بن عثمان أصلاً، لا بصريٌّ ولا غير بصريٍّ. فذكر النسائي في هذه المشيخة، وفي موطنين متفرقين: ((محمد بن عثمان، بصريٌّ: لا بأس به». فالذي نستفيده من المعطيات السابقة، أن هذا الحكم المتكرّر حكمٌ من النسائي على كل واحدٍ من شیخیه البصریین بأنه: ((لا بأس به)). لكن ((التهذيب)) قد خلا من حكم النسائي في أحدهما. ٤- جاء في الترجمة (رقم ٢٧) قول النسائي: ((محمد بن عُزِيز، أَيْلي، يروي عن سلامة، وسلامة ضعيف ليس بثقة)). وظاهر هذه العبارة: ((ضعيف ليس بثقة)) من خلال هذا السياق أنها حکم للنسائي في سلامة بن روح، لا في محمد بن عزیز . لكن جاء في ((التهذيب)» أن النسائي قال هذه العبارة في شيخه محمد بن عُزيز، مع نقله عن النسائي أيضًا أنه قال عن شيخه هذا في موضعٍ آخر: ((لا بأس به))، وفي آخر: ((صويلح))(١). وأحكام النسائي في محمد بن عزيز بالتعديل تؤيد ظاهر السياق المستفاد من نسخة مشيختنا، وهو أن تضعيفه ليس لشيخه، وإنما هو السلامة بن روح. بل تؤيد ذلك أيضًا أحكامُ الأئمة في محمد بن عزيز وسلامة بن روح، حيث إن الأول عامتهم على توثيقه، وهو الراجح فيه، وأمَّا الثاني فهو متردَّدٌ فيه بين آخر مراتب التعديل وبين التضعيف. وعليه .. فالذي أراهُ: أن تُنقل عبارة النسائي من ترجمة محمد (١) التهذيب (٣٤٤/٩ - ٣٤٥). ٣٦ دراسة : تسمية مشايخ النسائي بن عزيز إلى ترجمة سلامة بن روح. ٥- ثم إن وجود هذه المشيخة حَرَّر لنا عبارات النسائي في شيوخه . ففي الشيخ (رقم ١٦١)، وهو عبدالرحمن بن إبراهيم بن عَمرو الدمشقي، نقل الحافظ أن النسائي قال عنه: «ثقة مأمون لا بأس به)) بينما نقل ابن عساكر أنه قال عنه في موطنٍ: ((ثقةٌ مأمون))، وفي آخر: ((لا بأس به)). فجاءت المشيخة لتثبت عن النسائي قوله: («ثقة مأمون)»، لتُرَجِّحَ بذلك تفصيل ابن عساكر، وأن ابن حجر جمع بين العبارتين المتفرّقَتین. رابعًا: منهج التحقيق: ١- قمت بنسخ الجزء بدقّة حسب الطاقة، دون التدخّل فيه بشيءٍ، حتى في تسهيله الهمزة، وفي ضبطه. وقد التزمت لذلك بضبط النسخة، حتى لو كان خطأً أو رأيًا مرجوحًا، لكن مع بيان ذلك في الحاشية صراحةً أو تلميحًا (بذكر الضبط الصحيح). ٢- لم أضف للنَّصِّ شيئًا، حتى الضبط بالحركات والسكنات لم أضفه إليه، وكل ما في النَّصِّ من الضبط وغيره فإنما هو ممَّا جاء في الأصل. إلاّ أني قمتُ بترقيم التراجم، ووضعت الرقم بين معكوفتين. ٣- أمَّا بالنسبة لحواشي الكتاب، المتضمّنَة لخدمة النَّصِّ، فسرت في خدمته وَفْقَ الخطة التَّالية : (أ) اعتمدت ((تقريب التهذيب)) لابن حجر في الترجمة الشيوخ النسائي(١). (١) لم أكتب رقم الترجمة في (التقريب)، بل لم أنُصَّ على تسميته في تراجم الكتاب جميعها، اكتفاءً بهذا البيان؛ طلبًا للاختصار، ولأنَّ دَّة ترتيب ((التقريب)) على حروف المعجم تُغْني عن بيان العزو إليه بذكر الصفحة أو رقم الترجمة . ٣٧ دراسة : تسمية مشايخ النسائي (ب) إن كان الراوي قد سُمِّيَ بما يكفي لتعيينه في المشيخة، أزيدُ على ذلك في الحاشية تاريخ وفاته (إن وجدت) مع الحكم الذي استخلصه الحافظ ابن حجر فيه من جرحٍ أو تعديلٍ. فإن لم يكن الراوي قد سُمِّيَ بما يكفي لتعيينه وتمييزه عن غيره، أضفُتُ على ما سبق تسميته الكاملةَ من ((التقريب)). (ج) أمَّا توثيق أحكام النسائي في شيوخه، فاعتمدت لذلك كتابين، هما: ((المعجم المشتمل)) لابن عساكر، ورمزت له بالحرف (م)، و ((تهذيب التهذيب» لابن حجر، ورمزت له بالحرف (ت). ولذلك حالتان : فإن كان ما في النسخة قد اتَّفق على نقله هذان الكتابان، اكتفيتُ بما أنقله عن ((التقريب)) في الترجمة للشيخ. وعليه .. فكل شيخ لم أذكر في الحاشية عنه إلاّ ما جاء في ((التقريب))، فإن ذلك يعني أن ابن عساكر وابن حجر قد نقلا حكم النسائي فيه بلفظه الذي معنا هنا. وإن وقعت زيادةٌ أو اختلافٌ في حكم النسائي في هذين الكتابين عن هذه النسخة من المشيخة، بيّنتُ وجه الاختلاف أو الزيادة بعد ترجمته المنقولة من («التقريب)»، مقدِّمًا ذلك بنجمة (*). ٤ - قمتُ بعمل ثلاثة ملاحق للكتاب : الأول: تسمية شيوخ النسائي الذين لم يردوا في رواية ابن بسّام للمشيخة (وهي رواية نسختنا)، في حين ذكرهم ابن عساكر في ((المعجم المشتمل))، أو استدركهم عليه الضياء المقدسي في جزء (الأوهام في المشايخ النبل». ٣٨ دراسة : تسمية مشايخ النسائي وقد بلغ عدد هؤلاء الشيوخ في هذا الملحق واحدًا وخمسين ومائتي شيخ. ومنهجي في الملحق هو ما يلي : ( أ) أُسمِّي الشيخ الذي ذكره ابن عساكر أو استدركه عليه الضياء تسميةً واضحةً، معتمدًا على ((التقريب)) في هذه التسمية. (ب) وأُتبع الاسمَ بحُكم النسائي في ذلك الشيخ، الذي نقله ابن عساكر. وقد سبق بيان عناية ابن عساكر بنَقْلِ أحكام النسائي في شيوخه من مشيخته، وأنه كان مُطَّلِعًا على أكثر من روايةٍ لها . (ج) وإن لم ينقل ابن عساكر حكمًا للنسائي في شيخ من شيوخه، حرصت على استدراكه من مصدر آخر، مع وضع العبارة بين معكوفتين، وبيان المصدر في الحاشية . (د) استدراكات الضياء على ابن عساكر قدَّمتُها بنجمة (*) تمييزًا لها، وهي قليلة، لم تتجاوز سبعة استدراكات لأسماء شيوخ النسائي، هي التي برقم (١١، ٢٣، ٥٢، ٧٨، ٩٠، ٢٠٣، ٢٢٥). (هـ) رتَّبْتُ الأسماء على حروف المعجم، على منهج ((تقريب التهذيب» . (و) وضعتُ في حواشي هذا الملحق، ممَّا يتعلق بالترجمة: تاريخ الوفاة (إن وُجِدّ)، وحُكمَ الحافظ على صاحب الترجمة، من كتاب ((التقریب)). الملحق الثاني: أسماء أحد عشر شيخًا للنسائي، لم يردوا في ٣٩ دراسة : تسمية مشايخ النسائي نسخة كتابنا، ولا أوردهم ابن عساكر في ((المعجم المشتمل))، ولا استدركهم الضياء عليه . الملحق الثالث: أسماءٌ ثمانيةٌ، ذُكرت بما يُوحي أنها أسماء شيوخٍ للنسائي، وإنما أوقع هذا الظَّنَّ وَهمٌ أو تصحيفٌ. ٥- ثم قمت بعمل كشَّافٍ لأسماء الشيوخ، مع ترتيبهم على حروفِ المعجم، على منهج ((تقريب التهذيب)) في ذلك. جمعتُ في هذا الكشّاف: بين الأسماء الواردة في نسختنا الخطيّة، وما أوردته في ملاحقه الثلاثة؛ تيسيرًا على الباحثين. لكن ميَّزت العزو في هذا الكشّاف، بأن أذكر رقم الترجمة وحدها، إذا كان الاسم واردًا في النسخة الخطيّة، فإن كان واردًا في الملحق الأول قدَّمتُ الرَّقم برقم (١) وبعده خطٌّ مائل، ثم أذكر رقم الترجمة. فإن كان في الملحق الثاني قدمتُ الرقم بـ(٢/)، وإن كان في الثالث قدَّمته بـ(٣/). فإذا وجدتَ رقم (٣) وحده، فهذا يعني أنك ترجع إلى النَّصِّ المحقق. وإن وجدت (٣/١) فهذا يعني أن ترجع إلى الملحق الأول والترجمة رقم (٣). وإن وجدت (٣/٢)، فهذا يعني أن ترجع للملحق الثاني والترجمة الثالثة فيه .. وهكذا في الملحق الثالث (٣/٣). وبذلك شمل هذا الكشّافُ جميعَ شيوخ النسائي على التحقيق أو على سبيل الوهم، في نسقٍ واحدٍ، مرتبين على حروف المعجم ترتيبًا دقيقًا. وهذه وحدها خدمةٌ لا تخفى أهميَّتها عند المعتنين بعلوم السُّنَّةِ، وبخدمة تراثنا فيه. فإذا انضاف إلى ذلك أن غالب هذه الأسماء وجُلَّها قد حكم النسائيُّ على أصحابها جرحًا أو تعديلاً، وهو أعرف الناس بهم ٤٠ دراسة : تسمية مشايخ النسائي = تزداد هذه الخدمة أهميَّةً بزيادة إفادتها إلى هذا الحدِّ، فإذا تُوّجت هذه الخدمة بنبش كتاب النسائي في ((تسمية شيوخه)) من بين كنوز تراثنا، وهو الكتاب الذي كان يُظَنُّ أنه مفقودٌ = فإني أبلغ غاية حمد الله تعالى أن يسَّر لي هذا العمل، ووفقني إلى الاهتداء إليه، وأعانني على خدمته. فالحمد لله أولاً وآخرًا، والصَّلاة والسَّلام على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه . وكتب الشريف حاتم بن عارف العوني في مكة (زادها الله تشريفًا وتعظيمًا) نماذج المخطوطة الـ أَجْرَ امِهِ مِفِرْ فِثُمَرٌ رَوَيْ عَنْهُ لازانيا اج احمنت ثنائي رحمة الله عليه ٢٠٢١ نموذج صفحة العنوان