Indexed OCR Text

Pages 1-20

حاشية لقط الدّرز
بشرح متنتخبَة الفكر
تأليف
عبد الله بن حسين خاطر السمين
العدوى المالكى الشاذلى الأزهرى
من علماء القرن الرابع عشر الهجرى
وبالهامش :
شرح نخبة الفكر فى مصطلح أهل الأثر
لشهاب الدین أجد بن على بن حجر العسقلانى
وبذيل صحائفه بعض تعليقات لصاحب الحاشية
ـبـ
الطبعة الأولى
كَيْعَ بَطَبَعَةٍ مشتركة
١٣٥٦ هـ / ١٩٣٨ ٢/ ٨٠١
VAVIEWAY

مطلب : المقدمة .
نضَّر أَلُهُ أَمْرَأْ سَمِع مَقَالَتِى فَوَجَاهَاَ.
(( حديث شريف)
باسم الرحمن الرحيّية
الحمد لله الذى نور بمعارف عوارف السنة النبوية قلوب أحبابه، وروح بسماع أحاديثها أرواح
أهل وده ووداده، أحمده على أن وضع أساس نبوته، على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالته ،
على لواحق أبديته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الفرد التفرد فى صمدانيته بعز
كبريائه ، واصل من انقطع اليه الى حضرة قربه وولائه، ومدوجه فى سلسلة خاصته وأحبائه.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المرسل بصحيح القول وحسنه، رحمة لأهل أرضه وسمائه،
صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأمته، الذين هم خير أمة أخرجت للناس، فرفع منابر
تشريفهم على منائر صفحات الدهور ثابتة الأساس، ووضع عنهم الاصر والأغلال ، ومنعهم
الاجتماع على الضلال.
[أما بعد]: فيقول العبد الفقير المتوكل على المولى المعين «عبد الله ابن المرحوم حسين خاطر
السمين» إنه لما كان فى سنة ألف وثلاثمائة وثمانية قد تلقينا على من هو للخيرات داعى، مولانا
وأستاذنا الشيخ أحمد الرفاعى (« متن نخبة الفكر فى علم مصطلح أهل الأثر)) مع شرحه للعلامة خاتمة
الحفاظ والمحدثين ، ونادرة المحققين والمدققين ، العالم العامل الربانى، الشيخ شهاب الدين أحمد بن
على العسقلانى، بفتح العين وسكون السين المهملة وفتح القاف نسبة إلى بلد بساحل الشام الشهير
بابن حجر روح الله روحه وفتح لنا فتوحه، ولم أطلع لهما على كتابة سوى شرح ملاعلى قارى على
هذا الشرح وهو عمدتنا فعنّ لى أن أجمع مماظهرلى من تقرير شيخنا المذكور، وما ذكره بعض
الفضلاء فى السطور، حاشية منيفة، وتحقيقات شريفة. وسميتها:
لقط الدرر بشرح متن نخبة الفكر
لتسكون تبصرة لأولى الألباب، وتذكرة للأصحاب والأحباب، جعلها الله خالصة لوجهه
الكريم، وسببا للفوز بمجنات النعيم آمين .
مقدمة
أعلم أنه دارت ألفاظ بين المحدثين ينبغى الوقوف على معانيها لغة واصطلاحا، وهى الحديث
والخبر والأثر والسنة والمقن والمسند بفتح النون والمسند بكسرها والمحدّث والمفيد والحافظ والحجة.
فأما الحديث : فهو لغة ضدّ القديم، واصطلاحا أضيف إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من قول
أوفعل أو تقرير أووصف خلقى بكسر الحاء المعجمة وسكون اللام ككونه ليس بالطويل ولا بالقصير
صرة
او

TI
أو خلقى بضمها ككونه لا يواجه أحدا بمكروه، ويعبر عن هذا بعلم الحديث رواية أى من جهة الرواية
والنقل، ويحدّ بأنه علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا
أى مسائل جزئية تشتمل على رواية ذلك وضبطه وتحريرالفاظه .
وموضوعه: ذات النبى لى الله عليه وسلم من حيث أقواله وأفعاله وقة ريراته إلى آخر ماتقدم
وفائدته : العصمة عن الخطأ فى قر ذلك .
وغايته : الفوز بسعادة الدارين.
وفضله: أنه من أشرف العلوم لأنه يعرف به كيفية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فى
أقواله وأفعاله وتقريراته .
ونسبته : أنه من العلوم الشرعية .
وواضعه: ابن شهاب الزهرى فى خلافة سيدنا عمر بن عبد العزيز بأمره بعد موت النبي صلى
الله عليه وسلم بمائة عام لأنه المجدد لهذه الأمة أمر دينها فى المائة الثانية وقد أمر أتباعه العالمين
بالحديث بجمعه ولولا هو لضاع الحديث ولذلك دخل الضعيف والشاذ ولو كتب فى زمن النبي صلى
الله عليه وسلم السكان مضبوطا مثل القرآن.
وحكمه : الوجوب العينى على كل من انفرد به، والكفائى عند التعدد.
واسمه علم الحديث رواية .
واستعداده : من أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته أى عدم إنكاره على
ما فعل بحضرته ، أوهمه أو عزمه على مافعل فى غيبته عند بلوغه إياه:
ومسائله : قضايا التى تطلب نسب محمولاتها إلى موضوعاتها كقولك قال عليه الصلاة والسلام
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فهذه مسائل جزئية لاقواعد كلية فلا يكون
علم الحديث رواية قواعد وأصولا والله أعلم .
وأما علم الحديث تراية: أى من جهة الدراية والتفكر وهو المراد عند الاطلاق كما قال شيخ
الاسلام قال العلامة الأمير: قلت لعل هذا فى الماضى والافالآن لا يطلق عليه إلا مقيدا بالمصطلح انتهى
فأحسن ماقيل: في تعريفه: إنه على بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن من محة وحسن وضعف
ورفع ووقف وقطع وعلو ونزول وكيفية التحمل والأداء وصفات الرجال وغير ذلك، وأخصر منه أن
يقال : إنه علم يعرف به أحوال الرازى والمروى من حيث القبول والرد .
وموضوعه : الراوى والمروى من حيث القبول والرد .
وفائدته : معرفة مايقبل وما يرد من ذلك.
وغايته : عدم الخطأ من الكاف فى نقل ذلك.
وفضله : أنه من أشرف العلوم إذ به يعرف الاقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم فى أقواله وأفعاله.
وأسبته إلى غيره: أنه من العلوم الشرعية .
وواضعه : ابن شهاب الزهرى المتقدم ،
واسمه : علم الحديث دراية .
واستمداده : من أحوال الراوى والمروى من حيث القبول الخ.
وحكمه : الوجوب العبنى أو الكفائي على ما تقدم.
ومسائله: قضاياه التى تطلب نسب محمولاتها إلى موضوعاتها كقولك ما أضيف إلى النبي صلى
1
1
٦
1

1
٤
الله عليه وسلم قولا أوفعلا أو تقريرا حديث وكمقولك ما اتصل إسناده ولم يشذولم يعل صحيح والحل
فى الأولى حمل على نفس الموضوع لأن ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى المروى وفى الثانية
على نوع الموضوع وهكذا يقال فى الباقى فهذه قضايا باحثة عن العرض الذاتى الموضوع تجعل
کبری لصغرى موضوعها جزئى من جزئيات موضوعها.
وأما الخبر: فهو مرادف الحديث على الصحيح وهما ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم
قبل أو إلى صحابى أو إلى من دونه ، وقيل الخبر أعم، وقيل متباينان فالحديث ماجاء عن النبي صلى الله
عليه وسلم والخبر ماجاء عن غيره ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وماشا كلها الأخبارى والمشتغل
بالسنة النبوية المحدث ويطلقون السنة فى أحد استعمالاتها على الحديث .
وأما الأثر : بفتح الهمزة والمثلثة فهولفة البقية ، واصطلاحا الحديث مطلقا مرفوعا أو موقوفا
وان قصره بعض الفقهاء على الوقوف .
وأما السنة : فهى لغة الطريقة واصطلاحا مرادفة للحديث بالمعنى المتقدم الذى هو كل
ما أضيف النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل الحديث خاص بقوله وفعله، والسنة أعم .
وأما المقن : بفتح الميم وسكون المثناة من فوق فهو الكلام المنقول من المماتنة وهى المباعدة
فى الغاية لأنه غاية السند أومن متفت الكبش إذا شققت جلدة بيضته واستخرجتها فكأن المسند
بكسر النون وهو الراوى استخرج المقن بسنده أومن تمتين القوس أى شدها بالعصب لأن المسند
يقوى الحديث ويشده بالسنة أو من المقن بضم الميم وسكون المثناة من فوق وهو لغة ماصلب
وارتفع من الأرض واصطلاحا ما ينتهى اليه غاية السند من الكلام سمى بذلك لأن الشخص المسند
يقوّيه بالسند ويرفعه إلى قائله، وفى الألفية للحافظ جلال الدين السيوطى:
یدری بها أحوال مآن وسند
علم الحديث ذو قوانين تحد
أن يعرف المقبول والمردود
فذاتك الموضوع والمقصود
والسند الاخبار عن طريق
والمتن ماانتهى إليه السند
بما أضيف للنبيّ قولا او
متن كالاسناد لدى الفريق
من الكلام والحديث قيدوا
فعلا وتقريرا ونحوها حكوا
بل جاء للوقوف والمقطوع
وقيل لا يختص بالمرفوع
فهو على هذا يرادف الخبر
وشهروا شمول هذين الآثر
إلى محيح وضعيف وحسن
والأ كثرون قسموا كل السان
وأما السند: فهو لغة المعتمد من قولهم فلان سندى: أى معتمدى، واصطلاحا الطريق الموصلة
إلى المتن يعنى الرجال الموصلين اليه.
وأما : الاسناد بكسر الهمزة فهو رفع الحديث لقائله، وقال بعضهم ان السند والاسناد
شىء واحد .
وأما : المسند بفتح النون اسم مفعول فهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا
متصلا أو منقطقا، وقيل مااتصل سنده من أوله إلى منتهاه ولو كان موقوقا، وقيل ما أضيف إلى النبيّ
صلى الله عليه وسلم باتصال السند، ويطلق المسند أيضا على الكتاب الذى جمع فيه مستدات
الصحابى أى مرويانه .
اما

وأما المسند: بكسر النون اسم فاعل فهو من يروى الحديث باسناده سواء كان عن عالم به أو
ليس له إلا مجرد الرواية .
وأما المحدّث: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الدال المهملة مكبسورة اسم فاعل فهو العالم
بطرق الحديث وأسماء الرواة والمتون فهو أرفع من المسند بالكسر فى الرقبة، وأرفع منهما المفيد
وهو دون الحافظ . وقال العلامة الجزرى الراوى ناقل الحديث بالاسناد، والمحدث من تحمل الحديث
رواية واعتنى به دراية، والحافظ من روى مايصل اليه ووعى ما يحتاج لديه. وقال العراقى: المحدث
فى عرف المحدّثين من يكون كتب وقرأ وسبع ووعى ورحل إلى المدائن والقرى وحصل أصولا
من متون الأحاديث وفروعا من كتب الأسانيد والعلل والتواريخ التى تقرب من ألف تصفيف
انتهى وكأنه تعريف المنتهى.
وأما الحجة: فهو أرفع من المثبت بضم الميم وسكون المثلثة وكسر الموحدة اسم فاعل من أثبت
والسلف يطلقون الحافظ والمحدث بمعنى والحق أن الحافظ أخص لأنه المكثر من حفظ الحديث المتقن
لأنواعه ومعرفته رواية ودراية المدرك للمعلل منها والسالم غالبا، ولذلك قال الزهرى لا يولد الحافظ
إلا فى كل أربعين سنة . ورأيت فى بعض الكتب منقولا عن المناوى أن لأهل الحديث مراتب
أولها الطالب وهو المبتدئ. ثم المحدث وهو من يتحمل الحديث ويعتنى به رواية ودراية. ثم الحافظ
وهو من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا ولو بطرق متعددة ووعى ما يحتاج اليه. ثم الحجة وهو
من أحاط (١) بثلاثمائة ألف حديث. ثم الحاكم وهو من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية
متنا واسنادا وجرحا وتعديلا وتاريخا كما قاله جمع من المحققين .
واعلم أن هذه اصطلاحات لأهل الفن فلا مشاحة فى معارضة بعضها ، وفى هذا القدر كفاية .
(قوله بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ بها اقتداء بالكتاب العزيز وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم
( كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه يبسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)) وفى رواية أقطع وفى رواية أجذم
والمعنى أنه ناقص وقليل البركة أو مقطوعها فهو وان تمّ حسا لايتم معنى وإيماء بالاستعانة به تعالى
إلى التبرى عن الحول والقوة وأشار إلى رتبة جمع الجع بين الجع الصرف والفرق الـلا يؤدى إلى
الغفلة والزندقة وإشعارا إلى الرد على المعتزلة والمرجئة وارادة للخلاص عن ضيق ربقة السمعة والرياء
إلى فضاء الاخلاص الذى هو أجل مقام أهل الاختصاص ولا شك أن هذه المعافى المنطوية فى هذه
المبانى محتاج اليها فى أول كل من المتن والشرح فى الحال الأول والثانى وكأن المصنف جمع بينهما
لفظا واكتفى بأحدهما كتابة أو نزل المتن والشرح منزلة كتاب واحد. وقولنا واشارة الخ. اعلم
أن لهم مقاما يقال له الفناء ومقاما يقال له البقاء والجمع والفرق ومقاما يقال له جمع الجمع ومقاما يقال
له الفرق الثانى ومقاما يقال له الوصل ومقاما يقال له وصل الوصل. فأما المقام الأول الذى هو الفناء
فهو استغراق العبد فى الله حتى لا يشهد شيئا سوى ذات الله ويقال لصاحبه غريق فى بحار الأحدية
وأما المقام الثانى وهو البقاء فهو الرجوع بعد الفناء إلى ثبوت الآثار بشهود ذات وصفات المؤثر
فيها ويقال لصاحبه غريق فى عين بحر الوحدة فشاهد الأحدية مشاهد للذات متصفة بالأسماء
والصفات مثبتًا للآثار جامعا بين الحق والخلق وهذا هو الكار بعينه فلذلك قالوا لابد لكل فناء
من بقاء ومقام البقاء هذا هو المسمى بالجمع والفرق جمعه شهوده لربه وفرقه شهوده لصنعه.
(١) قوله وهو من أحاط الخ الاحاطة أدراك الشىء بكمانه ظاهرا وباطنا اه مؤلفه.
عندك طوير
(بسم الله الرحمن الرحيم)
الكلام على البسملة
1
T

٦
وأما جمع الجمع فهو مقام أعلى من البقاء وهو أن يأخذه الحق بعد بقائه فيساره فى شهود ذاته
تعالى فيصير مستهاكا بالكلية عما سوى الله تعالى فنهم من يبقى بهذه السكرة إلى الموت كالسيد
البدوى رضى الله عنه ولذلك قاء العارفون أنه جذب جذبة استغرقته الى الأبد ، ومنهم من يرد
إلى الصحو عند أوقات الفرائض والقيام بأمور الخاق كالسيف الدسوقى وأضرابه ومنهم أبو البركات
الشيخ الدردير رضى الله عنهم فيكون رجوعالله بالله لا للعبد بالعبد وهذا الرجوع يسمى بالفرق
الثانى . وأما الوصل فهو تلذذ القلب بشهود الحق بعد زوال الحجب الظلمانية والنورانية فان دام له
الشهود يقال له وصف الوصل أى الوصل الكامل كمقولهم سرّ السرّ وعين العين مبالغة فى كمال
الشىء، والشهود على ثلاثة أقسام شهود أفعال وشهود أسماء وصفات وشهود ذات وهو أعلى الرقب
قال السيد البكرى رضى الله عنه:
كم لذة فاقت على اللذات
تجلى علينا فى تجلى الذات
وقال ابن الفارض رضى الله عنه :
فيارب بالخلّ الحميد محمد
أنلنا مع الأحباب رؤيتك التى اليها قلوب الأولياء تسارع
وقال أيضا :
نيك وهو السيد المتواضع
اتہی
وإذا سألتك أن أراك حقيقة فاسمح ولاتجعل جوابى انترى
ذكره الصاوى فى شرح صلوات الدردير. وخرج بذى البال المحرم والمكروه وفى وصف
الأمر بذى البال فائدتان: الاولى رعاية اسم الله حيث يبدأ به فى الأمور التى لها بال وشأن
وخطر . والثانية التيسير على الناس فى عدم طلبها فى محقرات الأمور. وأورد أن البسملة أمر
ذو بال فتحتاج الى سبق مثلها ويتسلسل. وأولى ما يجاب به أن يقال انها كما تحصل البركة لغيرها
تحصل مثل ذلك لنفسها كالشاة من أربعين تزكى نفسها وغيرها.
والباء للاستعانة على جهة التبرك متعلقة بمضمر يحتمل أن يكون اسما وأن يكون فعلا، وفى
كل إما أن يكون عاما أو خاصا، وفى كل إما أن يكون مقدما أومؤخرا ، فالحاصل ثمانية أوجه
والاولى أن يكون فعلا، وأن يكون خاصا، وأن يكون مؤخرا . أما أولوية الفعلية فلأن العمل
للأفعال بالأصالة، وأما أواوية كونه خاصا فلأن التالى لحافى كل محل يعين العامل المحذوف، ولذا
يضمر كل فاعلى لفظ ماجعلت التسمية مبدأ له فيضمر المسافر أسافر والآ كل آكل وهمّ جرّا.
وأما أولوية التأخير فلأن المقصود الأهم البداءة باسمه تعالى ردا على الكفار في ابتدائهم بأسماء
آلهتهم ولأنه أدل على الاختصاص أى يفيد قصر التبرك فى التأليف على اسمه تعالى الباء داخلة
على المقصور عليه وهو إما قصر قلب ردّاً على من يعتقد من الكفار أن لا يبدأ إلا باسم غيره
تعالى. وإما قصر إفراد ردًا على من يعتقد الشركة منهم. وإما قصر تعبين بالنسبة لمن عنده
شك فى ذلك منهم ..
وإنما بدئت البسملة بالباء دون سائر الحروف مع أن الألف أفضل منها لكونها أول حرف
من اسمه الشريف لأنها أول مانطقت به بنوآدم فى عالم الأرواح يوم - ألست بر بكم قالوا بلى -
وقيل تفيها بما فيها من الكسر على أنه لايقدم الا المنسكسر المتواضع كما قال بعضهم :
من أخل النفس أحياها وروحها ولم يبت طاويا منها على ضجر
ان
1.

٧
ان الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترحم سوى العالى من الشجر
وقيل إن الكتب المنزلة مائة وأربعة: صحف شيت ستون، وصف ابراهيم ثلاثون، ومحف موسى
قبل القوارة عشرة والتوراة والانجيل والزبور والفرقان ومعانى كل المكتب مجموعة فى القرآن ،
ومعانى القرآن مجموعة فى الفاتحة، ومعانى الفاتحة مجموعة فى البسملة، ومعانى البسملة مجموعة فى
بائها ومعناها فى كان ما كان وبى يكون ما يكون، زاد بعضهم ومعانى الباء فى نقطتها وفى ذلك اشارة
إلى الوحدة وهى عدم التعدد .
والاسم عند البصريين: أصله سمو بضم أوله أو بكسره مع سكون الميم فهو من الأسماء التى
حذفت أواخرها لكثرة الاستعمال وبنيت أوائلها على السكون وأدخل عليها مبتدأ بها همزة
الوصل لأن من دأبهم أن يعتدلوا بالمتحرك ويقف! على الساكن واشتقاقه من السمو أى بضم
السين وكسرها وهو العلو. وأما عند الكوفيين فأصله وسم بفتح الواو وسكون المهملة حذفت الواو
وعوض عنها همزة الوصل واشتقاقه عندهم من السمة وهى العلامة وأيد مذهب البصريين
بأن الحذف من الأواخر أولى. قال أبو العباس بن عطاء: الباء برّه لأ وراح أنبيائه بالهام الرسالة
والنبوّة والسين سره مع أهل المعرفة بالهام القدرة والأنس والميم منته على المؤمنين بدوام النظر
إليهم بعين الشفقة والرحمة. وقال أبو بكر بن طاهر: الباء برّه العارفين والسين سلامه عليهم والميم
محبته لهم . وقال جعفربن محمد: الباء بقاؤه والسين سناؤه والميم ملكه. واضافته الجلالة من
اضافة العام الخاص.
والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد وهو أعرف المعارف والاسم
الأعظم الذى اذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى، والرحمن المنعم بجلائل النعم كما وكيفا، والرحيم
المنعم بدقائقها كذلك وهما صفتان مشبهتان بنيتا المبالغة وفعله رحم بالمكسي كغضبان من غضب
وهو متعة كرحك انته والصفة المشبهة إنما تبنى من اللازم كظريف وشريف من ظرف وشرف
لتنزيل رحم المنعدى منزلة اللازم أو يجعله لازما بنقله إلى فعل بالضم والفرق بين ماتنزل منزلة
اللازم وماجعل لازما أن الأول متعد المفعول لكن بقطع النظر عن مفعوله لفظا وتقديرا كما فى
فلان يعطى، والرحمة فى الأصل رقة القلب والعطاف يقتضى التفضل والاحسان وهذا المعنى محال فى
حقه تعالى والقاعدة أن كل صفة استجالت عليه تعالى باعتبار مبدئها تطلق عليه باعتبار غايتها
فهى فى حقه بمعنى الانعام أو ارادته فهى صفة فعل على الأول وصفة ذات على الثانى .
تنبيه: قال أبو بكر بن عبد الله المزنى: الرحمن بنعم الدنيا من المال والأهل والولد، والرحيم بسم
الدين من المعرفة والإيمان والشهادة. وقال جعفربن محمد الصادق: الرحن للمرادين ، والرحيم
للمريدين، وقيل الرحمن بنعمه الباطنة، والرحيم بنعمه الظاهرة، وقيل الرحمن بالدفع، والرحيم
بالنفع .
فائدة : نقل الدمامينى عن بعض المتأخرين أنه قال صفات الله تعالى التى على صيغة المبالغة
كرحيم وغفور كلها مجازات إذ هى موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها لأن المبالغة هى أن تثبت
للشىء أكثر ماله وإنما يكون ذلك فيما يقبل الزيادة والنقص، وصفاته تعالى منزهة من ذلك
قال وهى فائدة حسنة انتهى ، ولاشك أن هذا انما يتأتى تفريما على أن هذه الأسماء مغات.
فان قلنا انها أعلام فلا يرد ذلك لان العلم لا يقصد مدلوله الأصلى من مبالغة ولا غيرها. ثم لا يخفى
1
1
:
/

٨
أن الكلام على البسملة قد أفرد بالتأليف واشتهر فلا نطيل به لكن لا بأس بذكر نبذة تتعلق
يفضلها باعتبار الفن المشروع فيه وهو علم الحديث أى لأنهم قالوا ان ترك التكلم عليها أصلا
قصور أو تقصير فاذا تكلمت عليها من خصوص الفن المشروع فيه فقد أنيت بالحقين وشريت من
الكاسين والا فقد أتيت بحق البسملة وتركت حق الفن. فنقول: قد جاء فى فضلها أحاديث كثيرة
وآثار شهيرة. منها ماروى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : خير الناس وخير من يمشى على وجه الأرض المعلمون فانهم كما خلف الدين جددوه
أعطوهم ولا تستأجروهم فان المعلم إذا قال للصبى قل بسم الله الرحمن الرحيم فقالها كتب الله براءة
للمبيّ وبراءة المعلم وبراءة لأبويه من النار. وقوله فى الحديث خلق بضم اللام من باب سهل
بمعنى على وضعف كما فى المختار والمصباح أهـ . ومنها ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه التقى
شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر سمين دهين لابس وإذا شيطان المؤمن
مهزول أشعث عار فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن مالك على هذه الحالة؟ فقال أنا مع رجل
إذا أ كل سمى فأظل جائعا واذا شرب سمى فأظل عطشانا وإذا ادهن سمى فأظل شعثا وإذا
لبس سمى فأظل عريانا. فقال شيطان الكافر أنا مع رجل لا يفعل شيئا مماذكرت فأنا أشاركه
فى طعامه وشرابه ودهنه وملبسه، وقوله فى الحديث شعثا بكسر العين وفعله شعث بكسرها من
باب آعب وطرب بمعنى تغير يقال رجل شعث وسخ الجسد قاله فى المصباح والمختار . ومنها ماروى
عن عكرمة قال سمعت عليا رضى الله عنه يقول: لما أنزل الله تبارك وتعالى بسم الله الرحمن
الرحيم ضجت جبال الدنيا كلها حتى كنا نسمع دويها فقالوا سحر محمد الجبال فبعث الله تعالى
عليهم دعانا حتى أظلّ على أهل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مامن مؤمن يقرؤها الا
سبحت معه الجبال غير أنه لا يسمع ذلك . وقوله ضجت من باب ضرب يقال ضحّ ضجيجا اذا
فزع من شىء أخافه فصاح قاله فى المصباح. ومنها ماروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من
رفع قرطاسا من الأرض فيه بسم الله الرحن الرحيم إجلالاله كتب عندالله من الصديقين وخفف
عن والديه وان كانا مشركين .
وحكى أن بشرا الحافى كان مارًا فى الطريق فرأى قرطاسا مكتوبا عليه بسم الله الرحمن
الرحيم قال فطار اليه قلبى وتبليل عليه أى فتناوات المكتوب وقد رفع الحجاب وظهر المحجوب
وكنت أملك درهمين فاشتريت بهما طيباً وطيبته وحجبته عن العيون وغيبته فهتف بى هاتف
من الغيب لاشك فيه ولا ريب بابشر طيبت اسمى وعزتى وجلالى لأطيبنّ اسمك فى الدنيا والآخرة
فائدة: ذكر سيدى ابن عراق فى كتابه الصراط المستقيم فى خواص بسم الله الرحمن الرحيم
أن من كتب فى ورقة فى أول يوم من المحرم البسملة مائة وثلاث عشرة مرة وجلها لم يفله ولا أهل
بيته مكروه مدة عمره، ومن كتب الرحمن خمسين مرة وجلها ودخل بها على سلطان جائر أو
حاكم ظالم أمن من شرّه.
وروى عن ابن مسعود قال من أراد أن ينجيه الله من الزبانية القسعة عشر فليقرأ بسم الله
الرحمن الرحيم فان بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا وخزنة جهنم تسعة عشر كماقال تعالى عليها
تسعة عشر فيجعل الله تعالى بكل حرف منها جنة من كل أحد منهم ولم يسلطهم عليه ببركة بسم الله
الرحمن الرحيم. وعن جابر رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا دخل الرجل
بيته فذكراته عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لامبيت لكم ولاعشاء واذا دخل فلميذكر الله
تعالی

٩
تعالى عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت واذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال
أدركتم المبيت والعشاء. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال يا أبا
هريرة إذا توضأت فقل بسم الله الرحمن الرحيم فان حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تفرغ
واذا غشيت أهلك فقل بسم الله الرحمن الرحيم فات حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تقتل
من الجناية فإن حصل لك من تلك الواقعة ولد كتب له حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد
وبعدد أنفاس عقبه حتى لا يبقى منهم أحد، يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل بسم الله والحمدللة
يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة وإذا ركبت السفينة فقل بسم الله والحمد لله يكتب لك
الحسنات حتى تخرج منها. وفى مسالك الحنفاء أن من قال إذا ركب دابة بسم الله الذى لا يغبر"
مع اسمه شيء سبحانه ليس له سمىّ سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا
لمنقلبون والحمد لله رب العالمين وصلى اله على سيدنا محمد وعليه السلام قالت الدابة بارك الله
عليك من مؤمن خففت عن ظهرى وأطعت ربك وأحسفت إلى نفسك بارك الله فى سفرك
وأنجح حاجتك. وعن علىّ رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من كتاب
يلقى بمضيعة من الأرض فيه اسم من أسماء الله تعالى إلا بعث الله تعالى ملائكة يحفونه بأجنحتهم
حتى يبعث الله اليه وليا من أوليائه فيرفعه من الأرض.
وحكى : أن بعض العارفين اتهم بذنب فسجنه السلطان ودخل تلميذه معه السجن وقيد
الشيخ بقيد عظيم فقال بسم الله الرحمن الرحيم فطار عنه قيده باذن الله تعالى وقام يعلى فلما فرغ
من صلاته سأله تلميذه فقال يا أستاذنا ماحقيقة المعرفة فقال إذا جاء غد ومدوا الشيخ على الخشب
وقطع يده ورجله فاساً لنى عن هذه المسئلة ففشى على التلميذ من كلام الشيخ فلما طلع النهار
قطعت يد الشيخ ورجله ومدّوه على الخشبة فلم يقطر من الدم على الخشبة قطرة إلا انكتب منها
الله فلما نظر الشيخ إلى تلميذه قال هات ماسألت يا تلميذ فسأله فقال أن تشكر الله على النقمة
والمحن كما تشكره على النعمة والمنى، ثم قال الله الله فانفك عنه قيده ثم طار الشيخ فى الهواء
حتى غاب عن أبصار الناس فلمير بعد ذلك لاحيا ولاميتا رجه اللّه.
وحكى: أن قيصر ملك الروم كتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن بى صداعا لا يسكن
فابعث إلىّ شيئا من الدواء فاً نفذ اليه فلفسوة فكان إذا وضعها على رأسه سكن مابه من الصداع
واذا رفعها عن رأسه عاد الصداع اليه فتعجب من ذلك فأمر بفتحها ففقشت فإذا فيها رقعة
مكتوب فيها بسم الله الرحمن الرحيم فقال ماأكرم هذا الدين وأعزه حيث شفانى الله تعالى باية
واحدة فأسلم وحسن إسلامه.
وحكى: أن يهوديا أحب امرأة يهودية وكان لايهناً له الطعام والشراب فصار كالمجنون من
حبه لها فقصد عطاء الا كبر فقصّ عليه القصة فكتب عطاء فى ورقة صغيرة بسم الله الرحمن
الرحيم ثم أعطاه إياها وقال له ابتلعها حتى ينجيك اللّه فلما ابتلعها قال باعطاء ظهر فى نور يوجدت
فى قلبى حلاوة الإيمان ونسبت المرأة اعرض علىّ الاسلام فعرض عليه الاسلام فأسلم ببركة بسم
الله الرحمن الرحيم فسمعت تلك المرأة بإسلامه جاءت مسرعة إلى عطاء وقالت يا إمام المسلمين ان
الرجل الذى أسهم عندك ونسى حب المرأة أنا تلك المرأة التى يحبها ثم قالت إنى كنتِ البارحة بين
اليقظة والنوم إذ أنانى آت فقال أيتها المرأة إن أردت أن ترى موضعك فى الجنة فاذهبى إلى عطاء
فانه يريك فارفى الجنة فقال إن أردت رؤية الجنة فعلك أوّلا أن تفتحى بابها ثم تدخلى فقالت
(٢ - لقط الدرر)

١٠
----
---
كيف أفتح بابها قال قولى بسم الله الرحمن الرحيم فقالت بسم الله الرحمن الرحيم ثم قالت ياعطاء
تنور قلبى ورأيت ملكوت السموات والأرض اعرض على الاسلام فعرض عليها الاسلام فأسلمت
ببركة بسم الله الرحمن الرحيم ثم ذهبت إلى بيتها ونامت تلك الليلة فرأت فى منامها كأنها دخلت
الجنسة ورأت فيها قصورا ورأت فيها قبة خلقها الله من المؤلؤ مكتوبا على بابها بسم الله الرحمن
الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله وسمعت مناديا ينادى ياقارئ" بسم الله الرحمن الرحيم إن الاله
أعطاك كما رأيت فانقبهت المرأة وقالت كنت دخلت فاخرجتنى منها اللهم نجنى من غمّ الدنيا
ببركة بسم الله الرحمن الرحيم فما فرغت من قولها حتى سقطت ميتة. وفى الحسن الحسين للامام
الجزرى عن ابن ماجه القزوينى وأبى داود والنسائى قالوا يارسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال
فلعلكم ناكلون متفرّقين قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم
فيه. قال وفى رواية الترمذى وأبى داود والنسائى وابن حبان وإن أكل مع مجذوم أوذى عاهة
قال بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه، وفى رواية إن الشيطان إنما يمكن من الطعام إذا لم يذكر
اسم الله تعالى عليه. وفى بعض شراح المختصر أن أبا مسلم الخولانى كان له جارية وكانت تسقيه
السم ولم يؤثر فيه فسألته عن ذلك فقال مالك على ذلك قالت لأنك صرت شيخا كبيرا
فاعتقها ثم قال لها إنى أقول عند كل أكل أوشرب بسم الله الرحمن الرحيم فلا يضرّ فى شىء.
وورد أيضا عنه صلى الله عليه وسلم لايردّ دعاء أوّه بسم الله الرحمن الرحيم . وفى اليواقيت القطب
الشعرانى أن سيدنا خالد بن الوليد حاصر قوما من الكفار فى حصن لهم فقالوا تزعم أن دين
الاسلام حق فارنا آية لفسلم فقال اجملوا إلىّ السمّ القائل فأنوه به فأخذه وقال بسم الله الرحمن
الرحيم فشر به ولم يضرّ فقالوا هذا الدين هو الحق وأسلموا. وعن بعض العارفين من استيقظ
من منامه وقال: بسم الله الرحمن الرحيم رزقه الله رضوانه الأكبر. وقال العارف بالله سيدى
عبد الله اليافعى رضى الله عنه ما نقله بعض العارفين لقضاء الحوائج من كانت له حاجة مهمة
فليكتب فى رقعة بسم الله الرحمن الرحيم من عبده الذليل إلى ربه الجليل - انى مسنى الضرّ
وأنت أرحم الراحمين - ثم يرمى بالرقعة فى ماء جار ويقول إلهى بمحمد وآ له الطيبين اقض ماجتى
ويذكرها فإنها تقضى باذن الله تعالى. وقال بعض شراح حزب القطب الشعرانى انه ورد عن
بعض أكابر الصالحين أن من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم اثنى عشر ألف مرة آخر كل ألف
يصلى ركعتين ثم يصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ويسأل الله حاجته ثم يعود إلى القراءة فإذا
بلغ الألف فعل مثل ذلك إلى انقضاء العدد المذكور من فعل ذلك قضيت حاجته كائنة ما كانت.
والكلام على البسملة من الأسرار والعجائب واللطائف لا يدخل تحت حصر كيف وقد قال الامام
على بن أبى طالب رضى الله عنه لوشئت لأوقرن لكم ثمانين بعيرا من معنى بسم الله الرحمن
الرحيم ، وفى هذا القدر كفاية. والتحقيق أنها بهذا الترتيب والتركيب العربى من خصوصيات
هذه الأمة، وأما قوله تعالى حكاية عن سليمان فى كتاب بلقيس - إنه من سليمان وإنه بسم الله
الرحمن الرحيم - فباعتبار معناها الأصلى لابهذا التركيب وكذلك ماورد عنه عليه الصلاة
والسلام بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب. وعن الحافظ أبى نعيم قال حدثنا أبو بكر بن
محمد المقرى قال أجمع علماء كل أمة على أن الله تبارك وتعالى افتتح كل كتاب أنزله بسم الله
الرحمن الرحيم . ولما أوحى الله تعالى إلى آدم بسم الله الرحمن الرحيم قال بإجبريل ما هذا الاسم
الذى افتح الله به الوحى قال يا آدم هذا هو الاسم الذى قامت به السموات والأرض وأجرى به
יִרְזִי

الماء وأرسى به الجبال وثبت به الأرض وقوّى به أفئدة المخلوقين. وبظاهر هذه الرواية استدل
من نفى الخصوصية والذى عليه أهل التحقيق أن الخلف افظى وأن الخصوصية باعتبار هذا
التركيب العربى ومن ذفى الخصوصية نظر إلى المعنى الأصلى لابهذا التركيب (قوله الحمد لله ) جوز
فى لام التعريف أن يكون للجنس أو الاستغراق أو العهد وقد سأل الشيخ أبو العباس المرسى ابن
النحاس النحوى عن الألف واللام فى الحد أجفسية هى أم عهدية فقال ياسيدى قالوا إنها
جنسية فقال له الذى أقول إنها عهدية وذلك أن الله تعالى لما علم مجز خلقه عن كنه حمده وحقه
حد نفسه بنفسه فى أزله نيابة عن خلقه قبل أن يحمدوه فقال ابن النحاس أشهدك أنها للعهد
انتهى، وآثره على الشكر لقوله صلى الله عليه وسلم ماشكر الله من لم حمده، وثنی بالحمد
لاستحباب الانيان به فى الأمور ذوات البال، ولما روى مرفوعا ان الله يحب الحمد يحمد به
ليثيب حامده وجعل الحمد لنفسه ذكرا ولعباده ذخرا . وفى الحصن الحصين للامام الجزرى عن
صحيح ابن حبان جلس رجل فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحمديته جدا كثيرا
طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى فقال صلى الله عليه وسلم والذى نفسى بيده لقد ابتدر
عشرة أملاك كلهم حريص على أن يكتبوها فما دروا كيف يكتبونها حتى رفعوها إلى ذى العزة
فقال اكتبوها كما قال عبدى ، قال شارحه ملا على قاری وتعجل بعضهم بعضا فى كتبه لك
الكلمات ورفعها إلى حضرة رب العزة لعظم قدرها وكثرة أجرها انتهى . وللامام مسلم والنسائى
فى حديث مسيره صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر إلى بيت أبى الهيثم وأكلهم الرطب واللحم
قوله صلى الله عليه وسلم ان هذا هو النعيم لتسألن عنه يوم القيامة فلما كبر على أصحابه قال إذا
أسبتم مثل هذا وضر بتم بأيديكم فقولوا بسم الله وعلى بركة الله فاذا شبعتم فقولوا الحمد لله الذى
هو أشبعنا وأروانا وأنعم علينا وأفضل فان هذا كفاف هذا . وروى البخارى ومسلم والترمذى
والفسائى كان صلى الله عليه وسلم يقول عقب الأكل الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا من
المسلمين اهـ وهذا إرشاد منه صلى الله عليه وسلم الأمة الاقتداء به صلى الله عليه وسلم ولاستجلاب
ذلك لدوام النعمة - لئن شكرتم لأزيدنغم -. وروى أيضا حمد الله أمان للنعمة من زوالها.
وروى أيضا من لبس ثوبا فقال الحمد الله الذى كانى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوّة
غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وفى شرح الامام السحيمى على الفضائل وأفضل المحامد أن
يقال الحمد لله حمدا يوافى نعمه ويكافىء مزيده لما ورد أن الله تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض قال
يارب علمنى المكاسب وعلمنى كلمة تجمع لى فيها المحامد فأوحى الله تعالى اليه أن قل ثلاث
مرات عند كل صباح ومساء الحمد لله حمدا يوافى نعمه ويكافئ مزيده فقد جمعت لك فيها جميع
المحامد. ولهذا لوحلف انسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد أو بأجلّ التحاميد فليقل هذا.
وأما لوحلف ليثنى على الله أحسن الثناء وأعظمه فليقل لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على
نفسك ، وزاد بعضهم فلك الحمد حتى ترضى .
[ تقبيهان: الأوّل] قال ابن ناجى الحمد لله ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية فمن قالها فتحت
له أبواب الجنة الثمانية. الثانى قال ابن عطية اختلف العلماء هل الأفضل قولى العبد الحدث
رب العالمين أوقول لا إله إلا الله فذهبت طائفة إلى الأوّل لأن فى ضمنه الوحيد ففى قوله الحمد لله.
توحيد وحد ، وفى قوله لا إله إلا الله توحيد فقط واحتجوا بما روى من حديث أبى هريرة
وأنى سعيد الخدرى رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله كتب له
(الحمد لله
i
7

١٣
عشرون حسنة وحط عنه عشرون سيئة ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة
وحط عنه ثلاثون سيئة، وذهبت طائفة إلى الثانى لأنها تنفى الكفر وعليها يقاتل الخلق واحتجوا
بقوله صلى الله عليه وسلم مفتاح الجنة لا إله إلا الله. قا ابن عطية بعد أن اختار هذا والحاكم
بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ماقلته أنا والندون من قبلى لا إله إلا الله وحده
لاشريك له. ثم ان الحمد مصدر حمد بفتح الحاء الهملة وكسر الميم، وهو لغة الوصف بالجميل على
الفعل الجميل الاختيارى على وجه التعظيم سواء كان فى مقابلة نعمة أم لا وسواء تعلق بالفضائل أى
الصفات التى لا يتعدى أثرها للغير كالحسن والاظافة م بالفواضل أى الصفات المتعدى أثرها اليه
كالانعام والتعظيم والشجاعة. وعلم من قولنا الوصف أنه لا يكون إلا بالكلام لأن الوصف قول
الواصف فمورده أى محله خاص وهو اللسان ومتعلقه أى السبب الباعث اليه عام، وأورد على
قيد الاختيار وصفه تعالى بصفاته الذاتية كالعلم والقدرة والإرادة لأن تلك الصفات ليست بأفعال
ولا يوصف ثبوتها بالاختيار، ويجاب بأنها لما كانت منشاً لأفعال اختيارية كان الحمد عليها
باعتبار تلك الأفعال. وأما الجد عرف فهو فعل يفيء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما سواء
كان ذلك الفعل قولا باللسان بأن يفنى عليه به أو اعتقادا بالقلب بأن يعتقد انصافه بصفات
الكمال أو عملا وخدمة بالأركان والجواح بأن يجهد نفسه فى طاعته فمورده عام وهو اللسان
وغيره ومتعلقه خاص وهو النعمة كما قيل :
أفادتكم النعماء منى ثلاثة يدى ولسانى والضمير الحجبا
وهذا هو الشكر لغة لكن بإبدال الحامد بالشاكر. وأما اصطلاحا فهو صرف العبد جميع
ما أنعم الله به عليه من سمع وبصر وغيرهما الى ماخلق لأجله من الطاعات كأن يصرف البصر الى
الاطلاع على مافى مصنوعاته من دقائق الصنع العجيب والحكمة البالغة ويصرف القلب الى
التفكر فيها والاستدلال بها على وجود الصانع وصفاته بأن يستدل بوجود الأثر على وجود المؤثر
وبإتقان الأثر وإحكامه على على المؤثر وقدرته، وكان يصرف السمع إلى تلقى ما يفيء عن مرضاته
من الأوامر والنواهى وقس على ذلك سائر النعم الظاهرة والباطنة ولمزة هذا المقام قال تعالى
- وقليل من عبادي الشكور - ثم أعلم أن النسبة بين الشكر الاصطلاحى وبين كل من الحد
اللغوى والاصطلاحى والشكر اللغوى عموم وخصوص مطلقي فالشكر الاصطلاحى أخص من
الجميع فهذه نسب ثلاثة ، والنسبة بين الشكر لغة والحمد اصطلاحا الترادف والنسبة بين الحد
اللغوى وكل من الحمد الاصطلاحى والشكر اللغوى العموم والخصوص الوجهى فهاتان نسبتان
تضم الى ماقبلهما مع الثلاثة السابقة االة ستة كما قال سيدى على الأجهورى :
إذا نسبا الحمد والشكرومتها بوجه له عقل الايب يؤلف
وفى الغنة الحمد عرفاً يرادف
فشكرادی عرف أخص جميعها
فذی نسب ست لمن هو عارف
عموم لوجه فى سواهن نسبة
وأقسامه أربعة: حمد قديم القديم وهو حمده تعالى نفسه بنفسه أزلا ، وحد قديم لحادث وهو
جد الله لأنبيائه وأصفيائه، وحمد حادث لحادث وهو حمد العباد بعضهم لبعض وحد حادث القديم
وهو حدنا الله تعالى واللام الداخلية على لفظ الجلالة إما للاستحقاق أو للاختصاص أو للملاح
وأل فى الحد إما للجنس أو الاستغراق أو للعهد، فتحصل من هذا احتمالات تسعة قائمة من ضرب
ثلاثة

١٣
ثلاثة فى ثلاثة الممنوع منها واحد وهو جعل اللام للملك مع جعل أل العهد إذا جعل المعهود
الحد القديم فقط لأن القديم لايملك بخلاف ما إذا جعل الحد العهود حد من يعتد بحمده كحمده
تعالى وجد أنبيائه وأصفيائه لأن المعهود حيفئد هو المجموع المركب من القديم والحادث وماتركب
منهما فهو حادث وأما ان جعلت ألى الاستغراق فيصح جعل اللام لذلك لتحققه بالنظر للأفراد
--
الحادثة أو للاستحقاق أو الاختصاص بالنظر للأفراد القديمة وإن لوحظ المجموع صح جعلها الملاء
أيضا، وإن جما تلاجفى صح جعلها الملك بالنظر لتحقق الجفس فى ضمن الإفراد الحادثة أو
--- مـ
للاستحقاق أو الاختصاص بالنظر لتحققه فى الأفراد القديمة مالم يلاحظ المجموع كما فى الذى قبله.
نقمة: وما ينبغى النفبه له كما قال بعضهم ان الحمد القديم هو الكلام القديم باعتبار دلالته
على الكالات لأن الكلام القديم وإن كان واحدا بالذات لكن يقنوع بالاعتبار إلى أنواع
كثيرة كما هو مشهور فيقنوع إلى أمر ونهى ووعد ووعيد وخبر واستخبار وقصص وأمثال
إلى غير ذلك .
وأركانه خمسة : حامد ومحمود ومحمود به ومحمود عليه وصيغة فإذا أثنيت على زيد لكونه
أكرمك مثلا كأن قلت زيد عالم فأنت يقال لك حامد وزيد يقال له محمود ونبوت العلم محمود به
والاكرام محمد عليه وقولك زيد عالم هو الصيغة ثم إن المحمود به والمحمود عليه فى هذا المثال اختلفا
ذانا واعتبارا. وقد يتحدان ذاتا ويختلفان اعتبارا كأن يكون كل منهما الا كرام غير أنه من
حيث كونه مدلول الصيغة يقال له محمود به ، ومن حيث كونه باعثا على الحمد يقال له محمود عليه
(قوله الذى) اسم موصول جزئى وضعا واستعمالا كما قاله العضد والسيد خلافا لقول السعد كلى
وضعا جزئى استعمالا يذكر ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل وحق الجهد الموصول بها أن
تكون معلومة الانتساب عند الخاطب إلى المشار إليه بحسب الذهن وهو هنا فعت لاسم الجلالة
باعتبار صلته لوروده فى القرآن كذلك جىء به للمدح مع زيادة تقرير الغرض المسوق له
الكلام من استحقاقه تعالى الحمد وانفراده به وبيان نعمه الموجبة لحده بمقتضى أمره بشكر
المنعم (قوله لم يزل) إشارة إلى قدم الصفات ولم يقل ولا يزال للزوم لأنه إذا كانت الصفات قديمة
يكون الموصوف قديما وذكر من صفات المعانى العلم والقدرة والسمع والبصر والحياة ولم يتهم الكلام
على بقية الصفات وهى الارادة والكلام إشارة إلى أن الانسان إذا أراد أن يتلبس بحديث النبي
صلى الله عليه وسلم لابد أن يعلم هذه الصفات فكأنه يقول احذر أن تنقل شيئًا من الأحاديث على
خلاف ماورد فهذه الصفات بها المؤاخذة فلا بد لراوى الحديث من أن يكون على معرفة وإتقان
وذكر الحياة لأنها الأصل للصفات ولم يقدم الحياة على العلم وإن كانت هى الأصل لأنها من كلام
الشارح والمفن لم يذكرها لأنه قال الحمد لله الذى لم يزل عالما قديرا وكان الأنسب أن يقول عليا
لمناسبة قديرا (قوله عالما) العلم صفة ينكشف بها المعلوم على ماهو به انكشاذا لا يحتمل الفيض
بوحه ومعنى ينكشف يتضح فرج الظن والشك والوهم لأن احتمال نقيض المظنون مثلا يمنع
انكشافه، وعلى ماهو به تأكيد وتصريح باخراج الجهل المركب فانه لا ينكشف به المعلوم على
ماهو به وخرج بلايحتمل النقيض الاعتقاد الجازم لأنه يحتمل القيض بتشكيك مشكاء والمعلوم
ما شأنه أن يعلم وهو كل واجب وكل جائز وكل مستحيل وإنما تعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات
لأنه ليس من صفات التأثير (قوله قديرا) القدرة الأزلية عبارة عن صفة يتأتى بها إيجاد كل مكن واعدامه
الذى لم يزل عالما قيديرا)
-----
2
..---

١
على وفق الارادة فالأزلية احترازا عن الحادثة فلا تأثيرلها فيما قارنها ومعنى يتأتى بها أى يتحصل بها
إيجاد كل ممكن، والايجاد اخراج الممكن من العدم إلى الوجود وكل تمكن يقناول أفعالنا الاختيارية
كحركاتنا وسكناتنا وتناول ماله سهب كالاحراق الموجود عند ماسة النار الشيء المحرق ومألا سبب
له كخلق السموات والأرض، والاعدام بكسر الهمزة هو تصير الشىء لاشىء كما كان أولا وهذا على
المذهب المختار ومعنى على وفق الارادة أن الله تعالى لايخلق ويوجد بقدرته إلاما أراد أى الاما
خصصه بإرادته ، والارادة صفة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض مايجوز عليه ومعنى التخصيص
ترجيح بعض الجائز عليه على البعض الآخر والذى يجوز عليه الممكنات المتقابلات وهى
الوجود والعدم والمقادير والصفات والأزمنة والأمكنة والجهات فالممكن يجوز عليه الوجود والعدم
فتخيصه بالوجود دون العدم تأثير للارادة فيه وابجاده هو تأثير القدرة فيه ومعنى التعلق طلب
الصبغة أمرا زائدا على قيامها بمحلها فالصفة تستلزم محملا أى ذاتا تقوم بها فإن اقتضت أمرا
زائدا على ذلك سميت متعلقة كالقدرة التى تقتضى الممكنات فتخصيصها ببعض ماجاز عليها إلى
آخرها والحياة لا تطلب أمرا زائدا على قيامها بمحلها فليست متعلقة (قوله حيا) الحياة صفة
تصحيح لمن قامت به الادراك أى تثبت أن يكون عالما سميعا بصيرا وهى شرط فى الجميع يلزم
من عدمها عدم جميع صفات المعانى ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم وهذا حقيقة الشرط
◌ٌ (قوله قيوما) وزنه فيعول من القيام وحيفئذ فأصله قيووم بواوين قبلهما ياء ساكنة فاً بدلت
الواو الأولى ياء وأدغمت فى الياء الساكنة فصار قيوما. واختلفوا فى معناه، فقال قتادة معناه القائم
بتدبير خلقه وقال سعيد بن جبير معناه القائم على كل نفس بما كسبت وقال ابن عباس معناه
الدائم الموجود الذى لا يحول ولا يزول وقيل العالم بالأشياء . وقال القشيرى معناه الدائم القائم
بتدبير خلقه وحفظهم وهو أحسن الأقوال وأجمعها. قال تعالى - إن ابنته يمسك السموات
والأرض أن تزولا - وعليه فمعنى القيوم فى وصفه تعالى أنه المدبر والمتولى لجميع الأمور التى
تجرى فى العالم والحافظ لها ومعنى قيوم السموات والأرضين مقيمهما وموجدهما وحافظهما. وقال
الشيخ عبد القاهر ان أخذنا القيوم من معنى القيام على النفوس بأرزاقها وآجالها والجزاء
لهما على اكتسابها كما قال عز وجل - أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت - كان من أوضافه
المشتقة من أفعاله ولم يكن من صفائه الأ زلية، وإن أخذناه من معنى الدائم لقوله عز وجل - إلا
مادمت عليه قائما - أى مواظبا مديما للقيام كان من صفاته الذاتية لأنه يكون من معنى الباقى
وبقاؤه صفة أزلية انتهى ، وفيه أربع لغات قيوم بقشديد الياء وقيثوم بالهمزة وقيم وقيام وبهما
قرئ شاذا ذكره الشبرخيتى على الأربعين ( قوله سميعا بصيرا) هما فى حقه تعالى صفتان
وجوديتان قائمتان بذاته تعالى يتعلقان بكل موجود على وجه الاحاطة تعلقا زائدا على تملق
العلم وهذا هو التحقيق عند السنوسى والأشعرى لا بالمسموعات والمبصرات فقط خلافا السعد،
وأما فى حق الحوادث فالسمع قوة مودعة فى العصب المفروش فى مقعر الصماخ والبصر قوة
مركوزة فى العسبتين المتلاقيتين فى مقدم الدماغ على وجه التقاطع الصليبى هكذا !- أو
على هيئة دالين ظهر كل فى ظهر الأخرى هكذا جد وهذا تعريفهما عند الحكماء. وأما عند أهل
السنة فالسمع قوة خلقها الله تعالى فى الأذنين والبصر قوة خلقها الله تعالى فى العينين والصحيح
أن السمع أفضل من البصر فى حق الحوادث وقيل البصر أفضل لأنه يدرك به الأجسام
حيافيونا سميعا بصيرا
والالوان

١٥
والألوان والهيات بخلاف السمع فإنه قاصر على الأصوات، وردّ بأن كثرة هذه المتعلقات
فوائد دنيوية لاتعتبر ألا ترى أن من جالس أصم فكأنما بالس حجرا ملقى وأما الأعمى فنى
غاية الكمال الفهمى والعلم الذوقى (قوله وأشهد) هذا معطوف على متعلق الجار والمجرور فى
البسملة أو على معنى الحمد لأنه على معنى أحمد الله جدا وليست هذه الجملة حالا من واحد منهما
لأن الجلة الحالية إذا كانت مضارعية مثبتة واشتملت على ضمير صاحبها يمتنع دخول الواو عليها
وأما نحو قمت وأصك وجهك فشاذ أو مؤول كما فى كتب العربية والشهادة لغة الاخبار بصحة
الشىء عن مشاهدة وتجىء بمعنى أداء الشهادة وبمعنى الحضور وبمعنى القسم بفتح القاف والسين
المهملة أى الخلف. وأما القسم بفتح أوله وسكون ثانية فهو المصدر الذى هو فعل الفاعل وهو
تمييز الانعباء بعضها عن بعض، وأما القسم بكسر أوله وسكون ثانيه فهو التصبب والمراد بها هذا
الاقرار باللسان والاذعان بالقلب أى أقر بلسانى وأذعن بقلبى أنه أي الحال والشأن لا إله الا الله
لكن استعمالها فى اقرار اللسان وإذعان القلب مجاز أقوى صار حقيقة عرفية والاقرار بدون
إذعان لا يكفى كما وقع لكثير من المنافقين قرره الشيخ العدوى. وأنى بالشهادة لقوله صلى الله عليه
وسلم كل خطبة ليس فيها تشهد فهى كاليد الجذماء أى فى النقص (قوله أن لا إله إلا الله) أن مخففة
من الثقيلة واسمها ضير الشأن وجلة لا إله إلا الله خبرها ولانافية للجنس وإله اسمها مبنى معها على
الفتح فى محل نصب وإلا حرف استثناء والله يصح فيه الرفع على أنه بدل من الضمير المستتر فى
خبرلا أى موجود أو يمكن أو أنه بدل من محل لامع اسمها لأن محلهما رفع بالابتداء عند سيبويه
ولا يصح رفعه على أنه خبرلا لما يلزم عليه من كون لا علمت فى معرفة ولا إنما تعمل فى
النكرات ويصح فيه النصب على الاستثناء لا على انه بدل من اسم لا باعتبار محله لأن البدل
على نية تكرار العامل فيلزم عليه إعمال لا فى المعرفة وهى لا تعمل فيها كما علمت ومعناها
الحقيقى لامعبود بحق إلا الله ويلزم من ذلك كونه مستغنيا عن كل ما سواء ومفتقرا اليه كل
ماعداه ( قوله إلا الله) بالرفع بدل من الضمير فى الخبر المحذوف ويجوز نصبه على الاستثناء
(قوله وحده) منصوب على الحال من لفظ الجلالة. فإن قلت شرط الحال أن يكون نكرة ووحده
معرفة بالاضافة . قات هو مؤول بنكرة أى متوحدا أى منفردا قال ابن مالك :
والجال ان عرّف لفظا فاعتقد تفكيره معنى كوحدك اجتهد
وقوله وحده أى فى ذاته وصفاته وأفعاله فيكون نافيا للكم المتصل فى الذات والصفات والمكم
المنفصل فى الذات والصفات والأفعال وقوله لاشريك له أى فى أفعاله فهى حال مؤكدة
والأظهر أن قوله وحده أى فى ذاته وصفانه وقوله لا شريك له أى فى أفعاله فهى حال مؤسسة
والتأسيس أولى من التأكيد لأن الافادة خير من الاعادة وأما ما اشتهر من أن الخطب محل
إطناب لكونها ثناء أو دعاء أو تشهدا أو بيان الحامل على التأليف فينبغى فيها البسط فهو
أمر بعد الوقوع والنزول يرتكب إذا لم يمكن خلافه أفاده الشيخ العدوى ( قوله وأكبره
تكبيرا) أى أعظمه وأعتقد أنه أكبر من أن يحاط بكنه كبريائه تعظيما فالتكبير وصفبه
تعالى بالكبرياء عقدا وقولا. روى أنه لما نزل ور بك فكبر كبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأيقن أنه الوحى، وذلك أن الشيطان لا يأمر بذلك (قوله وصبلى اللّه) قال الامام
الشافعى رضى الله عنه أحب أن يقدم المرء بين يدى خطبته وكل أمر طلبه حمد الله والثناء
ـة :
٠٠ -- ٠
وأشهد أن لا إله الا الله
وحده لاشريك له
وأكبره تكبيرا (وصلى
الله

١٦
عليه سبحانه وتعالى والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقل الفا كهانى فى شرح
الرسالة عن العلماء أن حكم الابتداء بالحمد والثناء على الله والصلاة على رسول الله صلى الله
عليه وسلم الاستحباب لكل مصنف ودارس ومدرس وخاطب وخطيب ومستزوج ومزوج
وبين يدى سائر الأمور المهمة امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم من على علىّ فى كتاب لم تزل
الملائكة تستغفرله مادام اسمى فى ذلك الكتاب ولقوله تعالى - ورفعنا لك ذكرك - أى لا أذكر
الا وتذكرمعى والمشهور فى هذه الجملة أنها خبرية لفظا انشائية معنى ومعناها طلب رحمة أى
انعام مقرون بتعظيم من الله تعالى. فان قلت الرحمة حاصلة له عليه الصلاة والسلام فطلبها طلب
لما هو حاصل قلت المقصود بصلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم طلب رحمة لم تكن حاصلة له فانه
مامن وقت الاوهناك نوع من الرحمة لم يحصل له فلا يزال يترقى فى السكالات الى ما لانهاية له إذ
ما من كمال الا وعند الله أكمل منه كما يشير لذلك قوله تعالى والآ خرة خير لك من الأولى بناء
على ماقاله أهل التحقيق من أن المعنى ولا اللحظة المتاخرة خيرلك من اللحظة المتقدمة
فهو صلى الله عليه وسلم ينتفع بصلاتنا عليه على الصحيح لكن لا ينبغى للمسيلى أن يقصد
ذلك بل يقصد أنه مفتقر اليه صلى الله عليه وسلم وأنه يتوسل به الى ربه فى نيل مطلوبه لأنه
الواسطة العظمى فى إيصال النعم الينا ولذا طلب الدعاء له بالصلاة بعد الثناء على الله تعالى لكن
لما تعلقت هذه الجملة بالمخلوق وما قبلها بالخالق أتى بالعاطف بخلاف جملة البسملة والحدلة.
واعلم أن للصلاة ثلاث معان الأول لغوى فقط وهو الدعاء مطلقا وقيل بخير والثانى شرعى
فقط وهو أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالقسليم بشرائط مخصوصة والثالث لغوى
وشرعى وهو عند الجمهور بالنسبة لله الرحمة وبالنسبة للملائكة الاستغفار وبالنسبة لغيرهم
ولو حجرا وشجرا الدعاء فهى مستعملة فى معانيها حقيقة فعلى هذا تكون من المشترك
اللفظى وضابطه أن يتحد اللفظ ويتعدد المعنى كما فى لفظ عين فإنه واحد ومعناه متعدد لأنه وضع
المباصرة بوضع والجارية بوضع والذهب والفضة بوضع الى غير ذلك ، وعند ابن هشام أن معناها
العطف بفتح العين ثم يتضمن المعانى بحسب ما أسند اليه فبالنسبة بته الرحمة الخ وعليه فتكون
من المشترك المعنوى وضابطه أن يتحد كل من اللفظ والمعنى لكن يكون لذلك المعنى أفراد
مشتركة فيه كما فى لفظ أسد فانه واحد ومعناه واحد وهو الحيوان المفترس لكن لذلك المعنى
أفراد مشتركة فيه .
تغبيه: يكره الدعاء له صلى الله عليه وسلم بالرحمة فى غير ماورد لأنه كاخوانه من النبيين
والمرسلين خصوا بالصلاة والسلام، والصحابة بالترضى، وبقية المؤمنين بالرحمة (قوله على سيدنا)
ان قلت ان الدعاء ان كان بخير تعدى باللام وإن كان بشرّ تعدى بعلى. قلت أنه ضمن الصلاة
معنى العطف وهو يتعدى بعلى والأولى فى الجواب أن يقال محمل ذلك مالم يكن بعنوان الصلاة
والسلام فان كان به تعين تعديته بعلى الفرق بين صليت له وصليت عليه وسلمت له وسلمت
عليه فاو تعدى باللام لأوهم معنى فاسدا لأن صليت له معناه عبادته وسلمت له معناه فوضت له
الأمر ولأنه خلاف الوارد فى القرآن والأحاديث، والسيدمن ساد قومه حلما وكرما كما قال بعضهم :
ببذل وحلى ساد فى قومه الفتى وكونك إياه عليك يسير
ويطلق على من يفزع الناس اليه فى الخطوب أى الشدائد وعلى من كان فاضلا فى نفسه مهذبا
علی سیدنا

L
١٧
حلا وعلى من كثر سواده أى جيشه وكل هذا موجود فيه صلى الله عليه وسلم، والطلاق السيد
على غير اللّه تعالى جائز كما دلت عليه الأحاديث، وأما حديث: لا تسيدونى انما السيد الله أو كما
قال عليه الصلاة والسلام فمعناه أن السيد على الاطلاق على وجه الحقيقة هو الله تعالى دون
غيره وأصله سيود اجتمعت الواو والياء وسبقت احداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى
الياء فصار سيد والضمير لمعاشر المخلوقات من إنس وجن وملك وغيرهم قال عليه الصلاة والسلام
أناسيد ولد آدم يوم القيامة ولانفر: أى ولا فرأعظم من ذلك أولا أقول ذلك فرا بل إخباراً بالواقع
وتحدثنا بالنعمة عملا بقوله تعالى - وأما بنعمة ربك حدث - وييدى لواء الحمد أى رايته ولا
نفروما من في يومئذ آدم فمن سواء الا تحت لوائى وأنا أول من تفشق عنه الأرض ولا نخر
وأنا أول شافع وأول مشفع: أى مقبول الشفاعة ولا غفر وخص السيادة بيوم القيامة لأن
الخلق يتفقون عليها فيه حين يرون كرامته عند الله تعالى، وأما فى الدنيا فيثبتها المسلمون
وينفيها الكفار وإذا ساد ولد آدم ساد غيرهم بالأولى ومن جلة ولد آدم أولو العزم وهم أفضل
من آدم فيكون سيد آدم أيضا بالأولى وسيادته صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقات ثابتة
بالاجماع ولا اعتبار بتفضيل الزمخشرى جبريل عليه صلى الله عليه وسلم فإنه غارق للاجماع،
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوا بين الأنبياء ولا تفضلونى على يونس بن متى فالجواب
عنه أنه نهى عن تفضيل يؤدى الى نقص فى مراتبهم العلية فان ذلك كفر صريح أو نهى عن
تفضيل فى أصل النبوة إذ لايتفاوتون فيه وان تفاوتوا فى الخصائص، وقد قال تعالى - تلك الرسل
فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات - (قوله محمد) علم منقول
من اسم مفعول الفعل المضعف: أى المكرر العين مشتق من الحد الذى هو ضد الذم وهو
مجرور بدل أوعطف بيان لسيدنا والبدل وان كان يفيد شيئين أحدهما بطريق القصد وهو
تقرير النسبة والثانى بطريق التبع وهو توضيح ماقبله لكن المراد منه هنا الثانى وهو ايضاح
السيد لما فيه من الابهام لاحتماله لمحمد وغيره لا الأول لاقتضائه أن المقصود تعلق الصلاة
بتلك الذات الشريفة من حيث تسميتها بمحمد وأن الوصف بالسيادة مطروح: أى غير
مقصود بالذات لأن المبدل منه فى نية الطرح مع أنه ليس كذلك لأن ذلك الوصف مقصود
أيضا وغير مطروح ، ولذا قال بعضهم والبدلية وان جوزوها فى مثله لكن المراد هنا هو
ايضاح السيد وتقرير النسبة تبع والبدلية تستدعى العكس انتهى ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدا
محذوف وهو أولى لما فيه من الاستقلال وعدم التبعية على البدلية أو غيرها فيكون مناسبا لمقامه
عليه الصلاة والسلام فكما أن ذاته الشريفة مرفوعة الرقبة وغير تابعة لغيرها بل مستقلة يفبغى
أن يكون اللفظ الدال عليها كذلك وهو على على نبينا صلى الله عليه وسلم سماه به جده عبدالمطلب.
روى البيهقى عن أبى الحسن التنوخى أنه لما كان يوم السابع من ولادته صلى الله عليه وسلم ذج
عنه جده المذكور ودعا قريشا فلما أكلوا قالوا ماسميته قال سميته محمدا قالوا لم رغبت به عن أسماء
أهل بيتك قال رجوت أن يحمده الله فى السماء وخلقه فى الأرض وذلك بالهام من الله تعالى.
ليكون على وفق تسمية الله تعالى له به قبل الخلق بألفى عام على ماورد عند أبى نعيم وليطابق اسمه
صفته لكثرة خصاله المحمودة ورجاء أن يحمده أهل السموات والأرض وقد حقق الله رجاءه، وقيل
لرؤيا رآها وهو أنه رأى مناماً كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره ولها طرف بالسماء وطرف
محمد
(٣ - لقط الدرر)
!

١٨
بالأرض وطرف بالمشرق وطرف بالمغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور واذا أهل
المشرق وأهل المغرب يتعلقون بها فقصها ففسرت بمولود يكون من صلبه يقيمه أهل المشرق
وأهل المغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض مع ماحدثته به أمه من أنها أناها آت وهى بين
النائم واليقظان وقال لها إذا وضعتيه فسميه محمدا، ولما قرب زمنه صلى الله عليه وسلم وبشر أهل
الكتاب به مى قوم أولادهم به ربجاء النبوّة لهم والله أعلم حيث يجعل رسالته ومنع الله كلامنهم
أن يدعى النبوّة أو يدعيهاله أحد أوظهر عليه سبب يشكك أحدا فى أمره وعدتهم إما خسة
أوستة أوأربعة عشر أوخمسة عشر أوسبعة عشر والذى اقتصر عليه الهيتمى أنهم خسة عشر
كمابينه بعض المحققين وكلهم ماتوا صغارا قال شيخ الاسلام وأما أحد فلم يسم به أحد قبله فيما أعلم
انتهى ومحمد أبلغ من محمود باعتبار فعليهما وان تساوى الاسمان فى عدد الحروف اذالأوّل من
الثلاثى الضعف والثانى من الثلاثى المجرد وذكر المؤلف هذا الاسم دون غيره لأنه أشهر أسمائه
وأفضلها ولذكره فى القرآن متكررا دون غيره ولشرفه إذهو مشتق من اسمه تعالى كماقال
حسان رضي الله عنه :
قذو العرش محمود وهذا محمد
وشق له من اسمه ليجله
وأستحب القسمية باسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم لمارواه أبو نعيم من الحديث القدسى قال
الله تعالى: وعزتي وجلالى لا أعذب أحدا سمى باسمك بالنار، وفى رواية قال الله تعالى: انى آليت على
نفسى أن لا يدخل النار من اسمه أحمد أو محمد. وذكر الامام ابن الحاج فى كتابه المدخل عن الحسن
البصرى إن الله ليونف العبد الذى اسمه أحمد أو محمد بين يديه فيقول ياعبدى أما تستحى
أن تمصينى واسمك على اسم حبيبى فينكس العبد رأسه حياء ويقول اللهم إنى قد فعلت فيقول
الله عز وجل ياجبريل خذ بيد عبدى وأدخله الجنة فانى أستجى أن أعذب من اسمه اسم حبيبى،
وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار أن آدم وجد اسم محمد صلى الله عليه وسلم مكتوباعلى
ساق العرش وفى السموات وعلى كل قصر وغرفة فى الجنة وعلى تحور الحور العين وعلى كل
ورق شجرة طوبى وسدرة المنتهى وأطراف الحجب وبين أعين الملائكة ، وروى لما خلق
الله العرش كتب عليه بالنور لا إله إلا الله محمد رسول الله فلما خرج آدم من الجنة رأى على
ساق العرش كا رأى فى الجنة اسم محمد صلى الله عليه وسلم مقترنا باسم الله تعالى فقال يارب
محمد من هو فقال الله تعالى ولدك الذى لولاه ماخلقتك فقال يارب بحزمة هذا الولد ارحم الوالد
فنودى يا آدم لواستشفعت الينا بمحمد فى أهل السموات والأرض شفعناك (قوله الذى أرسله إلى
الناس كافة) أى جميعا أى الذى أرسله الله لجميع الطوائف حتى الجمادات فاًّمنت به فصارت آمنة
مما كان يعتريها فى الأمم السابقة من المسخ والحسف وصارت الحجارة آمنة من جعلها من
الحجارة التى يعذب بها أهل النار لكن إرساله الثقلين أى الانس والجن إرسال تكليف
ولغيرهما إرسال تشريف أى إرسال يثبت به شرفه على جميع الخلق فيكون له السيادة عليهم
لحديث : بعثت إلى الخلق كافة ولامانع من تركيب ادراكات عقلية فى غير أنواع العقلاء الثلاثة
لتؤمن به وتخضع له كماركب فى جبل أحد ذلك حين سعده صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر
وعنمان فتحرك فضربه صلى الله عليه وسلم برجله وقال اثبت فانما عليك فى وصديق وشهيدان
والرسول انسان ذكر حرا كمل معاصريه غير الأنبياء عقلا وفطنة وقوة رأى وخلقا بفتح
أوّله وسكون ثانيه وعقدة موسى عليه السلام أزيلت بدعوته عند الارسال كمافى الآية - واحلل
عقدة
بده
الذى أرسله إلى الناس كافة
--

١٩
عقدة من لساني، معصوم ولو من صغيرة سهوا ولو قبل النبوّة على الأصح سليم، من دناءة أب
وخناء أُمّ وإن عليا ومن منفر كعمى وبرص وجذام ولا يرد بلاء أيوب وعمى يعقوب بناء على
أنه حقيقي لطرّه بعدالانباء بكسر الهمزة والكلام فيما قارنه والفرق أن هذا منفر خلافه فيمن
استقرت نبوته ، ومن قلة مروءة كا كل بطريق ومن دناءة صنعة كحجامة، أوحى إليه بشرع
وأمر بتبليغه وان لم يكن له كتاب ولا نسخ كيوشع فان لم يؤمر فنيّ فقط فبينهما محموم وخصوص
مطلق وهو أفضل من النبى إجماعا لتميزه بالرسالة التى هى أفضل من النبوة على الأصح خلافا
لابن عبد السلام ووجه تفضيل الرسالة على النبوّة كما قال القرانى أن الرسالة ثمر هداية الأمة
والنبوّة قاصرة على النبى ففسيتها إلى النبوّة كنسبة العالم إلى العابد. ثم إن محل الخلاف فيهما
مع اتحاد محلهما وقيامهما معا بشخص واحد أمامع تعدد المحل فلاخلاف فى أفضلية الرسالة على
النبوّة فقط ضرورة جمع الرسالة لها مع زيادة. وقوله بشيرا أى مبشرا لأهل طاعته بالجنة
وما اشتملت عليه من النعيم المقيم وقوله ونذيرا أى منذرا ومخوفا أهل المعاصى بالعقاب (قوله
وعلى آل محمد) الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور الأول وأتى بعلى ثانيا إماردا على الشيعة
الزاعمين ورود حديث دال على عدم جواز الفصل وهو لانفصلوا بينى وبين آلی بعلى وهو لا أصل
له ، وإما للإشارة إلى أن الهدية المطلوب اعطاؤها له صلى الله عليه وسلم أعظم من الهدية المطلوب
اعطاؤها لغيره. والآل يفسر فى كل مقام بمنا يناسبه ففى مقام الزكاة عندنا معاشر المالكية بنوهاشم
دون المطلب على الصحيح وكذا عند الحنابلة وعند الشافعية بنوهاشم والمطلب معا وعند الحنفية
فرق خس آل على وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب ، فإذا قيل
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا يفسر
باك البيت واذا قيل اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذين اجتبيتهم وقر بتهم
ووفقتهم لطاعتك وباعدتهم عن معصيتك يفسر بأنقياء الأمة، وفى مقام الدعاء كاهنا يفسر بجميع
أمة الاجابة فيشمل الطائعين والعاصين لأن مقام الدعاء يطلب فيه التعميم والعاصى أحوج إلى
الدعاء من غيره لمافى الحديث: إذا دعوتم فعمموا فقمن أى حقيق أن يستجاب لكم فلا يطلق
القول فيهم وأصله أول بفتح الهمزة والواو كجمل تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا بدليل
تسغيره على أويل، وقيل أصله أهل أبدات الهاء همزة فتوالت همزتان فقلبت الثانية ألفا بدليل
تصغيره على أهيل ورد هذا باحتمال أن يكون أهيل تصغير أهل. وأجيب بأن أئمة العربية الموثوق
بهم حكموا بأنه تصغيرآل وهذا الحكم لا يقدمون عليه إلااذا علموا ذلك من العرب بقرائن تفيده.
فان قلت الاستدلال بالمصغر على المكبر فيه دور لأن المصغر فرع المكبر وقد يتوقف العلم بأصالة
ذلك الحرف فى المكبر على أصالته فى المصغر قلت توقف المصغر على المكبر توقف وجود إذلا يوجد
إلا بعد وجود المكبر وتوقف المكبر على المصغر توقف علم إذ لا نعلم أصالة الحرف فى الأوّل إلا
بعد معرفتها فى الثانى فلم تتحدجهة التوقف ولا يضاف إلا لمن له شرف من العقلاء الذكور
فلا يقال آل الاسكاف ولا آل مكة ولا آل فاطمة، وأما قوله تعالى - أدخلوا آل فرعون -
الآية فلشرفه الدنيوى كذاقيل، والحق أن القيود كلها أغلبية لقولهم آل الله وآل البيت وقول
عبد المطلب :
وانصر على آل الصلي ب وعابديه اليوم آلك
بشيراونذيراوعلى آل محمد

٣٠
والصحيح جواز إضافته للضمير ومنه حديث اللهم صل على محمد وعلى آله وقول عبد المطلب
المتقدم. قال الشنوانى لكن الأولى اضافته للمظهر قيل ولا يضاف إلى نكرة ولا إلى مؤنث ورد
الثانى بقول زهير فى مطلع بعض قصائده: عنا (١) عن آل فاطمة الجواء. والجواء هو الحرقة وشدة
الوجد من عشق أوحزن ولا يدخل المضاف اليه فيه كفعل آل فلان كذا إلا بقرينة كقوله
عليه الصلاة والسلام الحسن إنا آل محمد لاتحمل لنا الصدقة (قوله وصحبه) اسم جمع لصاحب
عند سيبويه وهو الراجح بمعنى الصحابى، وقيل جمع له أى نظير ركب ورا كب وهو قول
الأخفش وردّ هذا لأن فعلا لا يكون جما لفاعل قياساً مطردا لأنه ليس من أبفية الجوع بل
من أبنية المصادر والمفردات كضخم وضخام وخصم وخسام وقياس جمع صاحب صحب بضم
الساد وتشديد الحاء المفتوحة كعاذل وعذل، وهو لغة من بينك وبينه مداخلة، واصطلاحا
التابع لغيره الآخذ بمذهبه كأصحاب مالك والشافعى والمراد به هنا الصحانى كمامن ، وهو من
اجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم فى اليقظة ولولحظة اجتماعا متعارفا بأن يكون فى الأرض وفى حال
الحياة بعد النبوّة مؤمنا به ولو كان أعمى ولو أحدهما نائما وأن لم يشعر به أو كان غير ميز كمجنون
وصبى لم يميز أورأى النبى أورآء النبى مع بعد المسافة كأهل حجة الوداع وفمل قولنا من اجتمع
الانس والجن والملائكة، ودخل فى قولنا اجتماعا متعارفا مالوكان بينهما حائل لا يمنع الاجتماع ومن
رآه مع مروره إلى غير جهته من غير مكت علم به أم لا تفرج من اجتمع به مناما أو بعد موته
ولو يقظة ومن اجتمع به بعد النبوّة غير مؤمن به ثم آمن ولم يجتمع به بعد ذلك ومن اجتمع
به قبل البعثة مؤمنا بأنه سيبعث كبحيرا الراهب بخلاف ورقة بن نوفل فنه صحابى فمن الصحابة
سيدنا عيسى عليه السلام لأنه اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فى بيت المقدس ليلة الاسراء وهو
أفضل الصحابة ومعدود من الأمة المحمدية لأنه ينزل آخر الزمان حا كما بالشريعة المحمدية والظاهر
أن الخضر عليه السلام اجتمع به فى الأرض على الوجه المعتاد ودخل فى الصحابة الملائكة الذين
اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ليلة الاسراء ومن رآه منهم فى الأرض فمنهم
جبريل وإسرافيل وعزرائيل وجن نصيبين ونحوهم من اجتمع به فى الأرض اجتماعا متعارفا
والموت على الإيمان ليس شرطاً لأصل الصحبة بل لدوامها فان الردة والعياذ بالله تعالى تبطلها
كباقى الأعمال، وقولنا ولو لحظة بخلاف ما قالوه فى التابعى مع الصحابى فلا ثابت التابعية إلا بطول
الاجتماع معه عرفا على الأصح عند أهل الأصول والفقهاء والغرق عظم منصب النبوّة ونورها
فبمجرد مايقع بصر المصطفى صلى الله عليه وسلم على الأعرابى الجلف ينطق بالحكمة الشرف
منزلة النبى صلى الله عليه وسلم فالاجتماع به يؤثر من النور القلبى أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل
بالصحابي وغيره ( قوله وسلم تسليما) السلام معناء الأمان والمراد تأمينه صلى الله عليه وسلم مما
يخاف على أمته لأنه معصوم فكيف يخاف على نفسه نعم يخاف خوف مهابة واجلال
إذ المرء كما اشتد قربه من الله اشتد خوفه منه وبعضهم فسره بالتحية والمراد بها فى حقه تعالى
مع رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبه بكلامه القديم دالا على رفعة مقامه العظيم وقوله تسليما
مصدرمؤ كد. فإن قيل لم أكد سلموا دون صلوا فى قوله تعالى - ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه
وسلموا تسليما - قلت لتأكيدها بان ولتقدم ذكر الصلاة من الله والملائكة أولا ولأن الصلاة من
الله رجة ومن الملائكة استغفار وذلك واقع منهم بلاتردد. وأما البشر، فلما صدر من بعضهم
ومحبه وسلم تسليما كثيرا
(١) قوله عنا: أى خلا، والجواء ككتاب اسم موضع اهـ مؤلفه.
ما