Indexed OCR Text

Pages 141-160

الكلام على رواة الصحيحين
ثم اعلم :
أن ما ذكره ابن دقيق العيد - رحمه الله - في ((الاقتراح)) (ص:
٣٢٧) عن أبي الحسن المقدسي أنه قال فيمن خُرِّج عنه في (( الصحيحين)) :
هذا جاز القنطرة.
لیس علی إطلاقه.
ففي الصحيحين رواية جماعة من الضعفاء والمتكلم فيهم ، بل فيهم
من تكلم فيه بجرح شدید.
من هؤلاء :
قطن بن نسير عند مسلم، وقد قال فيه ابن عدي : ((يسرق الحديث
ويوصله)). (اريد تفصيل ذلك نفهمه)؟!
وإسماعيل بن عبدالله بن عبدالله بن أويس ، أخرج له الشيخان ،
وقد تُكُلِّم فيه بجرح شديد ، فقال ابن معين في رواية: (( مخلِّط يكذب
ليس بشيء))، وفي رواية اتهمه بسرقة الحديث ، وبعض أهل العلم عدّله،
ولكن ذكروه بالغفلة وعدم الضبط.
قال الحافظ في ((التهذيب)) (٢٧٣/١):
((وأما الشيخان فلا يُظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من
حديثه الذي شارك فيه الثقات)).
قلت : هذا مسلَّم لهما ولا ريب.
١٤١

وقد أبان الإمام مسلم - رحمه الله - عن علة إخراجه لأحاديث
بعض الضعفاء .
فقد روى الخطيب البغدادى - رحمه الله - فى ترجمة أحمد بن
عيسى المصرى من (( تاريخ بغداد)) (٢٧٣/٤) - بسند صحيح - عن سعيد
من هو؟؟
ابن عمرو البرذعي قال :
أسلم )
شهدت أبا زرعة - يعنى الرازى - ذكر كتاب الصحيح الذى ألفه
مسلم بن الحجاج، ثم الصائغ على مثاله ، فقال لى أبو زرعة : هؤلاء قوم
أرادوا التقدم قبل أوانه ، فعملوا شيئًا يتشوفون به ، ألفوا كتابًا لم يسبقوا إليه
ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها. سؤال: الم يكن عتاب البخارى موجود
ف هذا الرقم
علام
وأتاه ذات يوم - وأنا شاهد - رجل بكتاب الصحيح من رواية
مسلم، فجعل ينظر فيه ، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال أبو زرعة : ما
أبعد هذا من الصحيح ، يُدخل فى كتابه أسباط بن نصر !!.
ثم رأى فى كتابه قطن بن نسير ، فقال لى: وهذا أطم من الأول ،
قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ، ثم نظر فقال :
يروى عن أحمد بن عيسى المصرى فى كتابه الصحيح ؟!
قال لى أبو زرعة : ما رأيت أهل مصر يشكون فى أن أحمد بن عيسى
- وأشار أبو زرعة إلى لسانه - كأنه يقول الكذب ، ثم قال لي :
تحدّث عن أمثال هؤلاء وتترك محمد بن عجلان ونظراءه ، وتطرق
لأهل البدع علينا، فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج به عليهم :
لیس هذا فی کتاب الصحیح ؟!
7
ورأيته يذم من وضع هذا الكتاب ويؤنبه .
فلما رجعت إلى نيسابور فى المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج
١٤٢

إنكار أبى زرعة عليه ، وروايته فى كتاب الصحيح عن أسباط بن نصر،
وقطن بن نسير، وأحمد بن عيسى ، فقال لى مسلم :
((إنما قلت صحيح ، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد
ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلىّ عنهم بارتفاع ،
ويكون عندى من رواية من هو أوثق منهم بنزول فأقتصر على أولئك ،
وأصل الحديث معروف من رواية الثقات )) .
قلت : فهذا معناه أن بعض الرواة عنده من الضعفاء ، وإنما صحح
حديثهم لمتابعة الثقات لهم ، لا لأنهم عنده من الثقات المحتج بهم ، وبهذا
ينخرم قول أبي الحسن المقدسي.
وأما البخاري - رحمه الله - فقد يخرج حديث بعض الضعفاء ،
فيتخير من حديثهم ما صح عنده ، وهو لم يصرح بذلك ، وإنما عرفه
العلماء بالسبر والتتبع والبحث والاستقراء .
وقد قدّمت الكلام على صنيع مسلم لأنه صرح بخطته في ذلك ، أما
البخاري فلا.
وأما من خُرّج له في الصحيحين ولم يتعرض له أحد قبلهما بجرح
ولا تعديل ، فإخراجهما - أو إخراج أحدهما - حديثه مما يقوي حاله ،
فهذا محمول على أنهما قد خبراه ، وسبرا أخباره.
فإذا أخرجا لأحد الرواة ، ووجدت في هذا الراوي تجريحًا فإن كان
مفسراً فهو مقدم على احتجاجهما به ، ويحمل الاحتجاج حينئذ على
الاختيار مما صح من حديثه ، وإن كان الجرح مبهما فلا تلتفت إليه ، فإن
التجريح المبهم يرده التعديل المعتبر.
١٤٣

من أخرج له ابن خزيمة وابن حبان
في صحيحيهما
وما ذكرناه إنما هو في حق الصحيحين لا لغيرهما ، لإجماع أهل
العلم قاطبة على صحة ما فيهما ، وتلقيهم لهما بالقبول ، إلا أحرفًا يسيرة
انتقدت عليهما .
/ بامضاها؟
وأما ((صحيح ابن خزيمة))، و((صحيح)) تلميذه ابن حبان -
رحمهما الله - فهما دون الصحيحين في المرتبة ، ذلك لأن ابن خزيمة وابن
حبان من الموصوفين بالتساهل في التعديل ، لا سيما ابن حبان.
فإن المستور عنده ، وهو من لم يرد فيه جرح ولا تعديل ثقة حتى
یتبین خلاف ذلك .
قال - رحمه الله - في مقدمة كتابه ((الثقات)) (١٣/١):
(( فمن لم يُعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده ، إذ لم يكلف الناس
من الناس معرفة ما غاب عنهم ، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير
المغيب عنهم )).
قلت : وفي هذا المنهج اعتبار للعدالة الظاهرة ، وإغفال للضبط ، وهو
من أهم ما يُسبر من حال الراوي.
وقد ذهب بعض أهل العلم من المتأخرين إلى أن من صحح له ابن
خزيمة ، ولم يرد فيه جرح ولا تعديل ، فحديثه جيد .
وهذا منتقد :
فإن ابن خزيمة متساهل في التصحيح، بل إنه يحتج في ((صحيحه))
١٤٤

بحديث جماعة من الضعفاء .
من ذلك :
- أنه خرّج حديث محمد بن عزيز الأيلي في ( الصوم / كفارة من
جامع في رمضان) (٢١١/٣)، والأيلي هذا فيه ضعف.
- وخرّج حدیث مؤمل بن إسماعيل (٢١١/٣) ( ذكر قدر مكيل
التمر لإطعام ستين مسكينًا )، ومؤمل سيئ الحفظ.
- وصحح حديث نا صح بن العلاء (١٧٨/٣) (الرخصة عن
التخلف عن الجمعة في الأمطار)، وناصح ليّن الحديث.
- وصحح حديث أبي بحر البكراوي عبدالرحمن بن عثمان
(١٤٢/٣) (ذكر عدد الخطبة يوم الجمعة) ، والبكراوي ضعيف.
والأمثلة على ذلك كثيرة لمن تتبعها.
فهذا ولا شك دال على تساهله ، فتناول توثيقه والاحتجاج به یکون
بشيء من التأني والبحث والتدقيق واعتبار من وافقه فعدّل ، ومن خالفه
13
فجرح.
وأما خطة ابن حبان في كتابه الثقات ، ومتی یقبل تعديله ومتی یرد
فسوف يأتي الكلام عليها قريبًا إن شاء الله تعالى.
١٤٥

من أخرج له الحاكم في المستدرك
وصحح حديثه
وكذلك فالحاكم من الموصوفين بالتساهل في تصحيح الأحاديث ،
فلا يحسن الاعتماد على تصحيحه في توثيق الراوي المستور .
بل إن ابن حبان على ما وُصف به من التساهل أمكن من الحاكم في
الحديث فيما نقله العراقي عن الحازمي.
وقد وصفه الحافظ الذهبي في (( الموقظة)) (ص: ٨٣) بالتساهل ،
وقال في ((تلخيص المستدرك)) (١٣٠/٣):
١
(( ولقد كنت زمانًا طويلاً أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن
يودعه في مستدركه، فلما علقت هذا الكتاب ، رأيت الهول من
الموضوعات التي فيه ، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء)).
وقال الحافظ ابن حجر: (( الحاكم مشهور بالتساهل في التصحيح)).
فالحاصل : أن الراوي إذا كان مستورًا ، وتفرد الحاكم بتصحيح
حديثه ، فلا بد من اعتبار حديثه ، فإن وجد أنه قد وافق الثقات ، فحديثه
صحيح إن شاء الله ، وإلا كان حديثه منكرًاً مردودًا، والله أعلم.
١٤٦

من وثقه الترمذي أو صحح حديثه
أو حسَّنه
وأما من وثقه الترمذي فهو ثقة صحيح الحديث ، إلا أن يخالف
جرحًا مفسراً ، أو يخالف قول الجمهور .
فإن الترمذي إمام حافظ جهبذ عارف بأحوال الرجال ، ومراتبهم من
الجرح والتعديل ، فهو تلميذ الإمام البخاري وخريجه ، ومن نظر إلى
الصناعة الحديثية التي في ((جامعه)) عرف ذلك ، وأقر له بالفهم والتقدمة
والاعتدال في هذا الشأن.
خلافًا لما ذهب إليه الحافظ الذهبي - وغيره من المتأخرين - من
وصف الترمذي بالتساهل في التصحيح والتعديل.
قال - رحمه الله - في ترجمته من (( السير)):
((يترخص في قبول الأحاديث ، ولا يشدد ، ونَفسه في التضعيف
رخو)).
وانتقده في غير موضع من ((الميزان)) ، ووصفه بالتساهل.
وقد اغتر جماعة من المتأخرين بصنيع الذهبي هذا وبكلامه ، فليّنوا
توثيقات الترمذي وتصحیحاته.
والذي أوقع الذهبي ومن تبعه من المتأخرين في هذه المسألة عدم
اعتبارهم لمدلولات إطلاقات الترمذي في (( جامعه)) ، وحكمه على هذه
الإطلاقات والأوصاف بالجديد المولَّد عندهم ، مما يشابه الحد في الاسم ،
إلا أنه يخالفه في الاصطلاح.
١٤٧

ولو نظرت إلى كتب المتأخرين كالذهبي ، وابن حجر وغيرهما
لوجدتهم يحكمون على بعض إطلاقات الترمذي بالظن ، ويجعلون لمعناها
أكثر من احتمال ، لا سيما قوله: (( حسن صحيح))، ثم بعد ذلك يصفونه
بالتساهل إذا أطلق مثل هذا الوصف على حديث فيه ضعيف أو مجهول ،
و کذا وصفه : « هذا حديث حسن)).
من ذلك مثلاً:
أن الحافظ الذهبي قال في ترجمة کثیر بن عبد الله بن عمرو بن عوف
من (( الميزان)):
(( وأما الترمذي فروى من حديثه ((الصلح جائز بين المسلمين)) وصححه
فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي)).
قلت: إنما وصفه الترمذي بـ: ((حسن صحيح))، وهو من
الإطلاقات التى اختلف العلماء في معرفة المراد منها ، وذكروا فيها تجويزات
عدة، والذي يظهر لي من تتبع هذا الوصف في (( الجامع)) أنه لا يلزم عند
الترمذي إذا أطلق مثل هذا الإطلاق أن يكون الحديث صحيحًا ، وإنما قد
يطلقه علی حدیث المجهول ، أو المستور.
وإنما يقصد بهذا الإطلاق الدلالة على العمل بمدلول الحديث ، فإذا
كان مجمعًا على العمل به عند أهل العلم ، أو عند أكثرهم أطلق هذا
الوصف سواءً كان صحيحًا أو ضعيفًا ، وهذا المعنى الذي ذكرناه قريب من
قول المتأخرين: ((هذا حديث مقبول))، فإنهم قد يطلقون مثل هذا
الوصف ، وإِن لم يرد الحديث من وجه صحيح إذا أجمع أهل العلم على
العمل بمدلوله و معناه.
ومن وجه آخر : فقد صحح البخاري حديثًا لكثير بن عبدالله ، مع
١٤٨

أنه واه ، فهل نصف البخاري بالتساهل لأجل ذلك؟!
لا شك أن ثمة تفسير لمثل هذا الإطلاق يتناسب مع جلالة البخاري
وعلمه الواسع بالرجال ، وسوف نتعرف عليه قريبًا إن شاء الله.
وقال الذهبي في ترجمة يحيى بن يمان من الميزان بعد أن أورد حديثًا
من طريقه :
(( حسنه الترمذي مع ضعف ثلاثة فيه ، فلا يغتر بتحسين الترمذي ،
فعند المحاققة غالبها ضعاف)).
قلت : الترمذي أول من اصطلح الحسن ، وجعل له شروطًا عنده ،
ولم يصرح البتة أنه مما يُحتج به عنده ، وإنما حكم عليه المتأخرون بماولدوه
من اصطلاح متأخر في حد الحسن بمجموع الطرق ، وهو الأصل الذي بنوا
عليه اصطلاحهم ، ثم عادوا ليهدموا الأصل بوصف صاحبه بالتساهل.
وقد استظهر الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أن الترمذي إذا وصف
حديثًا بالحسن لم يكن بالضرورة أن يكون مما يحتج به عنده ، فقال في
((النكت)) (٤٠٢/١):
((ويدل على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم عنده أن
يحتج به أنه أخرج حديثًا من طريق :
خيثمة البصري ، عن الحسن ، عن عمران بن الحصين رضي الله عنه ،
وقال بعده : هذا حديث حسن ، وليس إسناده بذاك)).
فإذا علمت ما تقدّم تبين لك مايلي :
أولاً: أن وصف الترمذي بالتساهل سواءً في الجرح والتعديل أو في
التصحيح دعوى مجردة من الصحة.
ثانيًا : أن الترمذي إمام جهبذ عارف مقبول القول معتمد المذهب
١٤٩

معتدل في أحكامه في الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف ، إلا إذا
خولف من قبل الجمهور ، أو خالف تعديله جرح مفسر.
ثالثًا: أن قول الترمذي : (( حسن صحيح )) لا يلزم منه صحة الحديث،
فلا يعتمد عليه في توثيق الرواة.
رابعًا: أن قول الترمذي: ((هذا حديث حسن))، لا يلزم منه تثبيت
الحديث وتعديل رجاله ، بل قد يطلق هذا الوصف أيضًا على الحديث
الضعيف.
١٥٠

أسئلة للمناقشة
(١) هل كل من احتج به الشيخان ثقات عدول؟
(٢) ماحكم من أخرج له الشيخان - أو أحدهما - والجمهور
علی ضعفه ووهنه؟
(٣) ماحكم من وثقه ابن خزيمة، أو احتج به في ( صحيحه))؟
(٤) هل يُحتج بتوثيق الحاكم وتصحيحه في المستدرك مطلقًا؟
(٥) بعض أهل العلم يصفون الإمام الترمذي بالتساهل ، ناقش
هذه المسألة من خلال دراستك لهذه المذكرة ؟
(٦) هل لصحيح ابن خزيمة نفس مرتبة الصحيحين ؟ ولماذا؟
١٥١

مراتب التعديل
ثم ينبغي لطالب هذا العلم أن يقف على مراتب التعديل ، وألفاظه
وأوصافه.
فمن ذلك : الوصف بالحفظ مع شدة الضبط والتثبت ، وهو الثقة
الحافظ ، والثبت الحجة، والثقة المتقن، والثقة الثقة ، وهي من أعلى
درجات التعديل، وصاحب هذا الوصف مجمع على الاحتجاج به ،
ويحتمل منه تعدد الأسانيد ، فإذا روى حديثًا واحدًا بأكثر من إسناد ، قيل :
له فيه أكثر من سند، واحتمل ذلك منه:، هل لا يحمل من غيره
ودونه الثقة ، وحديثه صحيح إلا أنه دون الأول ، ومثل هذا الراوي
لا يُحتمل تعدد الأسانيد عنه ، فإذا روى حديثًا ، فاختلف فيه عليه ، مع
كون الطرق محفوظة إليه ، حكم عليه بالاضطراب والخطأ.
ودونه الصدوق ، ومن قيل فيه : ليس به بأس ، وحديث هذا الضرب
جید وحسن.
ثم محله الصدق ، وصالح الحديث ، وشيخ وسط ، وصويلح ،
وهؤلاء يكتب حديثهم للاعتبار، فهذه الأوصاف وإن كانت أوصاف
تعديل ، إلا أنها لا ترقي حال الراوي ، نعم ولا تطرح حديثه.
هذا وقد يختلف المراد من الوصف من عالم إلى آخر ، ولذا يجب
تحرير عبارات المتقدمين ، والأئمة النقاد ، وتتبع صنائعهم ، وسبر أقوالهم
وأحكامهم في الرواة.
١٥٢

مسائل هامة في التعديل
المسألة الأولى :
قد يُطلق العالم وصف التوثيق ولا يُريد به الاحتجاج .
وهذه مسألة هامة جدًا ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لها ، وأن
يحررها.
/
فإن بعض العلماء قد يطلقون الحكم بتوثيق راو ، ولا يريدون بذلك
أنه حجة عندهم ، وإنما يريدون بذلك الممايزة بينه وبين راو آخر أشد ضعفًا
منه.
قال أبو الوليد الباجي - رحمه الله - في (( الجرح والتعديل))
(٢٨٣/١) :
(( اعلم : أنه قد يقول المعدِّل: فلان ثقة، ولا يُريد أنه ممن يحتج
بحديثه ، ويقول : فلان لا بأس به ، ويريد أنه يُحتج بحديثه ، وإنما ذلك
حسب ما هو فيه ، ووجه السؤال له ، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في دينه
المتوسط حديثه ، فيُقرن بالضعفاء، فيُقال : ما تقول في فلان وفلان ؟
فيقول : فلان ثقة ، يريد أنه ليس من نمط من قُرن به ، وأنه ثقة بالإضافة إلى
من الضعفاء
المقصود مقارنة
غيره)) بمع من الثقات
قلت : من ذلك ما نقله الدوري ، عن ابن معين أنه سئل عن ابن
إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي أيهما أحب إليك ؟ فقال : ابن إسحاق
ثقة.
٠١٠٠٠
وسُئل عن محمد بن إسحاق وحده ، فقال : صدوق وليس بحجة.
١٥٣

فابن معين أطلق وصف التوثيق بالنسبة إلى موسى بن عبيدة الربذي ،
فإنه شديد الضعف.
وكثيرًا ما يطلق ابن معين وصف الثقة يريد به العدالة دون الضبط ،
وإنما يُعرف ذلك بتتبع كلامه في الراوي الواحد ، وموافقة الجمهور له فيه ،
أو مخالفتهم.
سؤال هام: هل يوجد نظام الآن موحد للتعديل بدلاً من الكلمات
التى تختلف معناها من عالم إلى أخر وهل يمكن أن يضاف ذلك إلى كتب
الحديث المعروفة حتى يسهل الحكم
المسألة الثانية:
قد یصف العالم حديثًا بالصحة ولا یرید به أنه مما يحتج به .
أي أنه يطلق هذا الوصف على غير الاصطلاح.
وقد وقفت على ثلاثة أمثلة تؤيد ذلك .
الأول :
ما ذكره الترمذي في (( العلل الكبير)) (٢٨٧/١):
((سألت محمدًا- [وهو البخاري ] - عن هذا الحديث ؛ يعني
حديث عبدالله بن نافع ، عن كثير بن عبدالله ، عن أبيه ، عن جده : أن
النبي ◌َّ كبّر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة ، وفي الآخرة خمسًا
قبل القراءة .
فقال : ليس في الباب شيء أصح من هذا ، وبه أقول ، وحديث
عبدالله بن عبد الرحمن الطائفي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
جده في هذا الباب هو صحيح أيضًا)»
قلت: أما قول البخاري: ((ليس في الباب شيء أصح من هذا)) فلا
معناها أحمد الوحشين
١٥٤

يقتضي الصحة ، بل هذا الوصف قد يطلق على مافيه ضعف ، وإنما إطلاقه
للمقارنة بينه وبين ماهو أضعف منه .
وكذا إذا قال: ((هذا أحسن شيء في الباب )) أو نحوه.
قال الحافظ الذهبي في (( نقده لبيان الوهم والإيهام))(ص: ٨٩):
(( قال البخاري : أحسن شيء فيه حديث رباح ، فقول البخاري :
أحسن لا يقتضي تحسينه ، فما هو إلا ضعيف)).
قلت : والذي ذكرناه هنا منطبق علی حدیث کثیر بن عبدالله ، فإن
کثیر بن عبدالله هذا واه جدا كذاب ، بل قال فيه ابن حبان: (( روى عن
أبيه عن جده نسخة موضوعة)) ، وهو مجمع على ضعفه ، وقد تحايده
البخاري في (( صحيحه)) أشد التحايد ، فلا احتج به في الأصول ، ولا روى
له متابعة ، ولا ذكره في التعاليق جزمًا ولا تمريضاً ، صفح)
ماهى الاصول
وحديثه هذا لو صح لكان حجة في الباب ، فإنه لا يصح في هذا
الباب حديث صحيح ، وإنما الاحتجاج به بآثار صحابة.
* سؤال مهم: متى تقدم أنه
وقد نقل غير واحد عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال :
على حديث؟
(( ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي ◌َ ◌ّه )).
قلت : وهذا هو المعتمد ، وقد تتبعت مافي الباب فلم أجد ما يصح
فيه، فانظر إن شئت كتابنا ((هدي النبي ◌َّ. في العيدين)).
فلو کان هذا الحدیث صحیحًا عنده لأخرجه في صحيحه ، وما
وسعه أن يغفله لأنه حينئذ سيكون الحجة في الباب.
وأما قوله في حدیث الطائفي : « صحیح ))، أي أنه دون حدیث کثیر
في الدرجة ، فهو أشد ضعفًا عنده من حديث كثير ، فوصفه بالصحة
للمقارنة بما قال فيه أنه أصح.
والدليل على ذلك : سياق الكلام أولاً.
١٥٥

وثانيًا : أن الطائفي هذا قد جرحه البخاري جرحًا شديدًا، فقال: ((فيه
نظر)) ، وأما كثير فلم يتكلم فيه بشيء ، فهذا دال على أن حديث الطائفي
دون حديث كثير في الرتبة ، ولذا عبر عنه البخاري بقوله : ((صحيح)).
وأما المثال الثاني :
فحدیث معان بن رفاعة ، عن إبراهيم العذري ، عن النبي
عدو
(( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ... )).
قال الخلال في (( العلل)) :
((قرأت على زهير بن صالح بن أحمد ، قال : حدثنا مهنا ، قال :
سألت أحمد - يعني ابن حنبل - عن حديث معان بن رفاعة ، عن
إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال رسول الله عَ له :
( يحمل هذا العلم من کل خلف عدوله .. » .
فقلت لأحمد : كأنه كلام موضوع ، قال : لا هو صحيح ، فقلت :
ممن سمعته أنت ؟ قال : من غير واحد ، قلت : من هم ؟ قال : حدثني به
مسكين ، إلا أنه يقول : معان ، عن القاسم بن عبدالرحمن ، قال أحمد :
معان بن رفاعة لا بأس به )).
قلت: فقول أحمد هنا: (( صحيح )) بمعنى أنه معروف من رواية
معان ، ولا يُظن أنه يقصد به أن المتن صحيح ، فإن السند معلول بالانقطاع
بين إبراهيم العذري وبين النبي ◌َّهِ ، فالعذري تابعي .
والظاهر أنه أطلق هذا القول مقارنة بما ورد في الباب من أسانيد
أخرى منكرة جداً غير محفوظة ، فالحديث إنما يُعرف بالسند السابق .
وانظر إن شئت طرق هذا الحديث في تعليقنا على (( شرف أصحاب
الحديث )) للخطيب البغدادي.
كتاب الجولف
١٥٦

وأما المثال الثالث:
فما رواه أبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح ، حدثنا أبو
معاوية، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس مرفوعًا :
(( أنا مدينة العلم ، وعلي بابها)).
قال أبو القاسم بن عبد الرحمن الأنباري : سألت يحيى بن معين عن
هذا الحديث ، فقال : هو صحيح .
قلت : أبو الصلت الهروي ضعيف جدًا كذاب متهم ، والحديث
حكم بوضعه جماعة منهم ابن معين ، ولذا تعقب الخطيب هذا القول
بالتصحيح في ( تاريخ بغداد)) (٤٩/١١) بقوله:
((أراد بهذا أنه صحيح من حديث أبي معاوية ، وليس بباطل ، إذ قد
رواه غیر واحد عنه ».
فهو بهذا أطلق هذا الوصف بمعنى أنه محفوظ من وجه كذا ، لا أن
المتن صحيح، ولذا فقد روى ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))
(٩٩/٣/١) بسند صحيح عن ابن معين أنه قال: (( حديث ليس له أصل)).
وقال - كما في (( سؤالات ابن الجنيد له)) (ص: ٢٨٥) -:
« هذا حدیث کذب ليس له أصل)).
والذي نخلص إليه :
أنه لا بد لطالب العلم من اعتبار وصف التصحيح إذا أطلق بالنسبة إلى
من تكلم في نفس الحديث بالطعن ، ومعرفة هل هذا من قبيل الاختلاف بين
العلماء في التصحيح والتضعيف ، أم أن وصف التصحيح أريد به شيء أخر
غير الاصطلاح.
الأسوانى
١٥٤
هـ
سؤال بخ: مخ الط عل يذهب رحم الكت الـ
مع تق وصف التصحيح بدون التأكد انه أريد به
أط في الاصطلاح ؟!
وهل يستخدمون مصطفات الحديث الحالية ام يكرروا ما قاله
١٥٧

المسألة الثالثة:
إطلاق المتقدمين وصف الحسن على حديث لا يلزم منه الاحتجاج
به أو عدالة رواته .
٢
منه ورفا
وهذه المسألة فصلنا الكلام عليها في كتابنا : (( الحسن بمجموع الطرق
في ميزان الاحتجاج بين المتقدمين والمتأخرين))، ولكن لا بد من التنبيه
عليها هنا ، لئلا يغتر المشتغل بهذا العلم بما يطلقه بعض أهل العلم المتقدمين
من وصف الحسن على بعض الأحاديث، فيظن أن هذا الإطلاق مختص
بالاحتجاج عندهم ، وهي في حقيقة أمرها ضعيفة ، بل ولعلها تكون
منكرة.
فإن المتقدمين قد يطلقون وصف الحسن بخلاف الاصطلاح المعروف
عند المتأخرين ، فمن ذلك :
- حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مرفوعًا:
((إني ممسك بحجز كم عن النار)).
قال علي بن المديني - رحمه الله - في ((العلل)) (ص: ٩٤):
(«هذا حديث حسن الإسناد ، وحفص بن حميد - [ وهو أحد رواة
سند الحديث ] - مجهول ، لا أعلم أحدًا روى عنه إلا يعقوب القمي ، ولم
نجد هذا الحديث عن عمر إلا من هذا الطريق ، وإنما يرويه أهل الحجاز من
حديث أبي هريرة».
وكذا قال يعقوب بن شيبة في «مسنده)) (ص: ٨٢) :
((هو حديث حسن الإسناد ، غير أن في إسناده رجلاً مجهولاً)).
- ومثله صنيع ابن عبد البر النمري .
فقد أخرج في (( جامع بيان العلم وفضله)) (٥٤/١) من حديث معاذ
ابن جبل - رضي الله عنه - مرفوعًا :
١٥٨

((تعلموا العلم ، فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ... )).
قال ابن عبد البر :
( هو حديث حسن جدًا ، ولكن ليس له إسناد قوي)).
قال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ( ص: ٦٠):
(( أراد بالحسن حُسن اللفظ قطعًا، فإنه من رواية موسى بن محمد
البلقاوي ، عن عبد الرحيم بن زيد العمي ، والبلقاوي هذا كذاب ، كذبه
أبو زرعة وأبو حاتم ، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث ،
والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه ، وعبد الرحيم بن زيد العمي
متروك الحديث أيضًا)).
قلت : ومنهم من أطلق الحسن على الحديث الصحيح.
قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٢٥/١):
(( حكم الشافعي على حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - في
استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة بكونه حسنًا خلاف الاصطلاح ،
بل هو صحيح متفق على صحته).
وفي الباب أمثلة أخرى كثيرة.
١٥٩

مراتب المعدلین
والمعدلون على مراتب.
فمنهم المتساهل ، ومنهم المعتدل ، ومنهم المتشدد.
فأما المتساهل فلا يُقبل منه التوثيق إلا إذا علم أنه قد سبر حال الراوي
الذي وثقه بما يخرجه عن حيز التساهل .
وأما المتشدد فيعض على تعديله بالنواجذ ، لا سيما في الرواة المختلف
فيهم .
وأما المعتدل فهو من يُقبل قوله ولا يُرد إلا إذا خالف الجمهور.
فمن الموصوفين بالتساهل في التعديل :
الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة وتلميذه أبو حاتم ابن حبان ،
فإنهما يذهبان إلى أن كل من كان صاحب ستر وعدالة ظاهرة ثقة إلا أن
يظهر خلاف ذلك ، وهذا المذهب يختص بالعدالة ، ولا يتناول الضبط في
... 2
شيء، وهو من أهم ما يُبحث في حال الراوي.
ودون ابن حبان الحاكم أبو عبدالله ، لا سيما في كتابه المستدرك ،
فإنه قد تساهل فيه جدًا ، حتى عدَّ له الحافظ الذهبي أحاديث خرجها في
كتابه وهي موضوعة .
وممن نسب إلى التساهل أيضًا الدار قطني، إلا أنه أفضل حالاً من ابن
حبان ، وكذا البيهقي ، نسبه الذهبي إلى التساهل.
وابن عدي كذلك فيه تساهل ، وانظر كتابه الكامل في (( الضعفاء» ،
فإنه يورد مناكير الراوي الذي ورد فيه الجرح ، ثم يقول ، وهو لا بأس به ،
١٦٠