Indexed OCR Text

Pages 241-260

شيخه، فهو وإن كان ضعيفًا في الجملة إلا أن حديثه الذي وافق فيه الثقات
حديث صحيح ، إذ ثبت فيه أنه قد ضبطه ، كما في حالة الثقة ، فإنه قد
يُوصف حديثه بالشذوذ إذا خالف من هو أضبط منه، أو من هم أكثر منه
عددًا .
وتلخيص ذلك : أنه متى قامت القرينة على ضبط الراوي للمروي
كان حديثه صحيحًا .
ولقائل أن يقول : فلماذا خصَّ أهل العلم هذه التقوية بمحتمل
الضعف دون الشديد الضعف ؟
فالجواب : إن الضعف المحتمل لا يوهن حال الراوي، ولا حال
حديثه ، وإنما يقع الشك فيه هل ضبط روايته هذه أم لا ؟ وهذا يوجب
التوقف إلا أن يرجح أحد جانبي القبول والرد ، بخلاف شديد الضعف ،
فإن شدة ضعفه توهن أمره وحديثه ، لاسيما إن كان ضعفه من قبل عدالته
، كأن يكون متهمًا ، أو موصوفًا بالكذب، أو بوضع الحديث ، فمثل
هؤلاء لا يُستبعد عنهم إنشاء الأسانيد ، وسرقة الأحاديث ، ووضع المتون
والأسانيد ، فإذا تأيد ذلك بالتفرد أو بنكارة المتن وسماجة ألفاظه ، كان
هذا دليلاً قويًا على سقوط الراوي والمروي جميعًا.
والشاهد مما ذكرناه : أنه متى وقف الباحث على متابعة أحد الثقات
للراوي الضعيف كان هذا سببًا في تقوية رواية الضعيف المحتمل الضعف،
وارتقائها من الضعف إلى الحُسن ، ولربما إلى الصحة.
٢٤١

· مثال على التقوية بمتابعة الثقة :
أخرج أحمد (٤٥١/٦-٤٥٢)، والترمذي (٢٠٠٢) من طريق :
ابن أبي مليكة ، عن يعلى بن مملك ، عن أم الدرداء ، عن أبي
الدرداء: أن النبي وَلِلّه قال:
(( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلق حسن ، وإن
الله ليبغض الفاحش البذيء )).
قلت : هذا السند رجاله ثقات إلا يعلى بن مملك ، تفرد ابن حبان
بتوثيقه ، وقال الحافظ : ((مقبول))، ولم يرو عنه غير ابن أبي مليكة ،
فأقرب أحواله أن يكون مجهول الحال .
ولكنه قد توبع على هذه الرواية .
فقد أخرجه أحمد (٤٤٦/٦ و ٤٤٨) ، وأبو داود (٤٧٩٩) من طريق:
شعبة ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن عطاء الكيخاراني ، عن أم
الدرداء ، عن أبي الدرداء به دون الشطر الأخير منه.
وهذا السند صحيح ، فمتابعة عطاء الكيخاراني وهو ابن نافع - أحد
الثقات - ليعلى بن مملك تدل على أن يعلى قد ضبط هذه الرواية في
القدر المشترك بينهما من المتن ، وعليه فهذا القدر من رواية ابن مملك حسن
لغيره ، والله أعلم.
٢٤٢

أخطاء شائعة في التقوية بالمتابعات والشواهد
بعد أن تعرفنا في الفصلين السابقين على التقوية بالمتابعات والشواهد
الصحيحة ، والمحتملة الضعف ، لزم التنبيه على عدة أخطاء شائعة كثيرًا ما
تقع من المشتغلين بتحقيق الأسانيد في هذا الباب ، مع ضرب الأمثلة
عليها .
فمن هذه الأخطاء الشائعة :
١ التقوية بالطرق شديدة الضعف .
وقد تقدَّم الكلام على أن الطرق شديدة الضعف لا تزيد الحديث إلا
وهنا .
قال ابن الصلاح - رحمه الله - (ص: ٣٤) :
(( ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك
يتفاوت ، فمنه ضعف يزيله ذلك ، بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف
حفظ راويه ، مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد
جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ، ولم يختل فيه ضبطه له ،
وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال ، زال بنحو ذلك ، كما في
المرسل الذي يرسله إمام حافظ ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه
آخر .
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف ، وتقاعد هذا
٢٤٣

الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي
متهمًا بالكذب ، أو كون الحديث شاذًا )).
وقد علَّق العلاَّمة أحمد شاكر - رحمه الله - على هذا الكلام في
((الباعث الحثيث)) (ص: ٣٨) بقوله :
(( وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن
الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن
أو الصحيح ، فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه
بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ؛ازداد ضعفًا إلى ضعف،
لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه
غيرهم يرفع الثقة بحديثهم ، ويؤيد ضعف روايتهم ، وهذا واضح )).
وقال الشيخ الألباني - رحمه الله- في مقدمة ((تمام المنة)) (ص: ٣١):
(( القاعدة العاشرة : تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس على إطلاقه.
من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طُرق متعددة فإنه
يتقوّى بها ، ويصير حجة ، وإن كان كل طريق منها على انفراده ضعيفًا ،
ولكن هذا ليس على إطلاقه ، بل هو مقيَّد عند المحققين منهم بما إذا كان
ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئًا من سوء حفظهم ، لا من تهمة في
صدقهم أو دينهم ، وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه .... وعلى هذا
فلابد لمن يريد أن يقوِّي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق
منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ، ومن المؤسف أن القليل جدًا من
العلماء من يفعل ذلك ، ولاسيما المتأخرين منهم ، فإنهم يذهبون إلى
٢٤٤

تقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقًا دون أن يقفوا عليها ،
ويعرفوا ماهية ضعفها)).
· ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما سبق ذكره من حديث التوسعة في عاشوراء .
وقد تقدَّم نقل قول البيهقي فيه :
(( هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض
أخذت قوة )).
وفي الحقيقة هي أسانيد ما بين منكرة ، وموضوعة ، وشديدة
الضعف، وانظر تحقيق القول فيه في كتابي (صون الشرع الحنيف)) (٣٧٠).
(٢) تقوية رواية مجهول العين أو المبهم بغيرها ، أو تقوية غيرها بها.
من الأخطاء الشائعة في التقوية بالمتابعات والشواهد تقوية حديث
مجهول العين - ومن في حكمه كالمبهم - بالمتابعة ، أو تقوية غيره به ،
وهذا خلاف ما تقرر في المصطلح.
فإن جهالة العين من أسباب الضعف الشديد كما تقدَّم بيانه ، بل
كثيرًا ما يكون الراوي مجهول العين لا وجود له ، وإنما نشأ اسمه عن
تصحيف، أو وهم من أحد رواة الحديث ، كما سبق التمثيل له.
ولم أجد أحداً من أهل العلم ممن نص على التقوية بالمتابعة يذكر أن
التقوية تكون بحديث مجهول العين ، وإنما خصّوا ذلك - فيما يتعلق
بالجهالة - بحديث المستور ومجهول الحال ، وهو ظاهر مما تقدَّم نقله عن
الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ، ومن قبله ابن الصلاح.
٢٤٥

وقد نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على رد رواية مجهول
العين إلا ما كان من احتجاج أبي حنيفة برواية بعضهم من التابعين.
ولذا قال الحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٩٢):
(( أما المبهم الذي لم يسم ، أو من سمي ولا تُعرف عينه ، فهذا ممن
لا يقبله أحد علمناه ، ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود
لهم بالخير فإنه يُستأنس بروايته ، ويُستضاء بها في مواطن)).
قلت : بل الراجح ترك الاحتجاج برواية هذا الصنف مطلقًا ، وترك
التعضيد له أو به .
· ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه أحمد (٤٢٨/٣ و٤٤٤)، وأبو داود (٨٦٢) ، والنسائي
(٢١٤/٢)، وابن ماجة (١٤٢٩) من طريق :
تميم بن محمود ، عن عبد الرحمن بن شبل ، قال :
سمعت رسول الله وَليه ينهى عن نقرة الغراب، وافتراش الشبع، وأن
يوطن الرجل المكان كما يوطن البعير.
وله شاهد من حديث عثمان البتي ، عن عبد الحميد بن سلمة ،
عن أبيه مرفوعًا بنحوه.
أخرجه أحمد (٤٤٦/٥-٤٤٧).
وهذا الحديث قد حسَّنْه الشيخ الألباني - رحمه الله - في
((الصحيحة)) (١١٦٨) بمجموع الطريقين.
وبدراسة الطريقين نجد :
٢٤٦

أن في الطريق الأول : تميم بن محمود ، وقد قال فيه البخاري :
((في حديثه نظر))، وضعفه العقيلي، والدولابي، وابن الجارود ، وقال
العقيلي: (( لا يتابع على حديثه )).
وفي الطريق الثاني : عبد الحميد بن سلمة ، وأبوه ، قال فيهما
الدارقطني: ((لا يُعرفان)).
وقال الشيخ الألباني - رحمه الله - :
((عبد الحميد هذا مجهول كما في التقريب)).
قلت : قد تفرد بالرواية عنه عثمان البتي ، وليس له راوٍ عنه غيره ،
فالجهالة هنا تنصرف إلى جهالة العين ، لا سيما وأنه قد اختلف عليه في
هذا السند كما في ترجمته من ((التهذيب)).
فإذا تقرر ذلك ، فلا يصح تقوية حديثه بالطريق الأول ، إذ لو أننا
سلمنا بأن الضعف في الطريق الأول ضعف محتمل ، فالطريق الثاني قد
تفرد به مجهول عین ، ومن ثم فلا یقوی به.
(٣) التقوية بالشواذ والمناكير .
فإن من شروط الصحة انتفاء الشذوذ والنكارة ، وكذا هو من شروط
الحسن كما تقدَّم النقل عن الترمذي - رحمه الله - ، فإن الشذوذ والنكارة
من أسباب الضعف الشديد.
وكثير من الباحثين اليوم يقوَّون بما لا يصلح به التقوية من مناكير
الرواة الضعفاء ، أو شواذ الرواة الثقات.
٢٤٧

· ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، والحاكم (٤٩٣/١) من طريق :
صالح المري ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَالجيه:
((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً
من قلب غافل لاه )).
قال الترمذي :
(( هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).
وأما الحاكم فقال :
(( هذا حديث مستقيم الإسناد ، تفرد به صالح المري ، وهو أحد
زهاد أهل البصرة ، ولم يخرجاه)).
وتعقبه الذهبي بقوله :
(( صالح متروك )).
قلت : صالح هو ابن بشير المري ، أحد الزهاد البكَّائين إلا أنه
ضعيف جداً من جهة الرواية ، يروي المناكير والبواطيل عن الثقات ، وهو
في حيز الترك ، وقد تفرد به من هذا الوجه عن هشام بن حسان ، ولم
يتابعه عليه أحد من أصحاب هشام الثقات ، ولا حتى الضعفاء ، ولذا
قال الترمذي : ((غريب)) وهو بمعنى المنكر.
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - عند
أحمد (٢/ ١٧٧) إلا أنه من رواية حسن بن موسى الأشيب عن ابن
٢٤٨

لهيعة، والحسن سماعه متأخر من ابن لهيعة ، وكذلك ففي السند بكر بن
عمرو المعافري وفيه جهالة .
فشاهد عبد الله بن عمرو وإن كان محتمل الضعف ، إلا أن السند
الأول منكر ، ومن ثم فلا يصح تقوية السندين أحدهما بالآخر كما فعل
بعض أهل العلم من المعاصرين - وفقهم الله أجمعين - .
(٤) تقوية الوجه المحفوظ أو المعروف بالوجه الشاذ أو المنكر .
وهذا شائع جداً في تحقيقات المعاصرين ، ومردّ ذلك إلى عدم اعتبار
الاختلاف في الطرق على الراوي ، واعتبار أن كل طريق من هذه الطرق
حديث مستقل ، مع أن المحفوظ يقابله الشاذ ، والمعروف يقابله المنكر ،
فالمحفوظ أو المعروف هو الرواية الراجحة ، والشاذ أو المنكر هو الرواية
المرجوحة ، فلا يصح تقوية الراجح بالمرجوح ؛ لأن مرد الروايتين إلى
أصل واحد ، ورواية واحدة.
· ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
حديث : ((إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)).
هذا الحديث أخرجه الترمذي (٢٩١٢) : حدثنا إسحاق بن منصور،
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية ، عن العلاء بن الحارث ،
عن زيد بن أرطأة، عن جبير بن نفير، قال: قال النبي وَّة ... فذكره
مرسلاً.
فإن جبير بن نفير من التابعين ، ولذا قال البخاري - رحمه الله -
في ((خلق أفعال العباد)) (٥٠٩) :
٢٤٩

((هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه)).
قلت : وقد أخرجه الحاكم (٥٥٥/١)، والبيهقي في ((الأسماء
والصفات)) (٥٠٣) من طريق :
سلمة بن شبيب ، حدثني أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن
مهدي بسنده ، إلا أنه قال : عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - فرواه
مرفوعًا متصلاً.
فلأول وهلة قد يظن الباحث أن المخالفة إنما وقعت بين إسحاق بن
منصور ، وبين أحمد بن حنبل ، وكلاهما من الثقات الحفاظ ، وليس
الأمر كذلك.
بل الوصل في رواية الحاكم والبيهقي وهم من الراوي عن أحمد بن
حنبل وهو سلمة بن شبيب ، فهو وإن كان من الثقات إلا أنه قد خولف
في وصل هذا الحديث.
فقد رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه عن ابن مهدي به مرسلاً كما في
((السنة)) (١٠٩)، وكما في ((الزهد)) (ص: ٣٥).
وتابعهم على الإرسال محمد بن يحيى بن فارس ، عن عبد الرحمن
ابن مهدي كما عند أبي داود في ((المراسيل)) (٥٣٨).
وقد أخرجه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٥٠٢) من طريق :
عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، فذكره بسنده إلا أنه قال:
عن عقبة بن عامر الجهني.
وعبد الله بن صالح كثير الغلط ، كانت تُدس له أحاديث فيحدِّث
بها بسلامة باطن ، وقد خالفه الأكثر والأحفظ ، فلا شك أن الرواية
٢٥٠

المرسلة هي المحفوظة ، وأن الروايتين الموصولتين شاذتان .
وللحديث شاهد من رواية أبي أمامة - رضي الله عنه - عند أحمد
(٢٦٨/٥)، والترمذي (٢٩١١) من طريق :
بكر بن خنيس ، عن ليث بن أبي سليم ، عن زيد بن أرطأة ، عن
أبي أمامة، قال: قال النبي وَله:
(( ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما ، وإن البر
ليُذَرُّ على رأس العبد ما دام في صلاته، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما
خرج منه )).
قال الترمذي :
(( هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وبكر بن خنيس
قد تكلّم فيه ابن المبارك وتركه في آخر عمره ، وقد روي هذا الحديث عن
زيد بن أرطأة، عن جبير بن نفير، عن النبي (وَّل﴿ مرسلاً)).
قلت : فهذا الشاهد ليس إلا رواية منكرة أخرى من السند الأصلى
المرسل ، والحمل في هذه الرواية على بكر بن خنيس فإنه شديد الضعف
منكر الحديث ، وليث بن أبي سليم ضعيف ، وقد تغير بأخرة تغيراً
شديدًا ، وقد خولفا في رواية هذا الحديث كما تقدَّم ، والمرسل الأول هو
الأصح ، ولا يصح الحديث إلا مرسلاً.
إلا أن بعض أهل العلم من المعاصرين قد صحح الحديث بمجموع
الطرق السابقة ، مع أنها ما بين محفوظ، وشاذ ، وليس فيها شيء محتمل
الضعف ، وقد ظهر من إعلال البخاري والترمذي للحديث ما يدل على
٢٥١

عدم صحته ، أو حتى حسنه على أقل الأحوال.
(٥) تقوية الحديث برواية مجموعة من الرواة المبهمين .
قد يروي أحد الرواة حديثًا عن جمع من المبهمين ، كأن يقول :
حدثني جماعة من الأشياخ ، أو من عمومتي ، أو من الأنصار.
. فذهب بعض أهل العلم إلى أن مثل هذه الجماعة من المبهمين تقوي
بعضها البعض ، وتنجبر الجهالة بعددهم ، ومن ثم يحسن الحديث إن كان
باقي رواة السند ممن يُحتج بهم ، أو يُصحح.
وقد سار على هذه الطريقة الشيخ الألباني - رحمه الله - كما يظهر
ذلك جليًا فيما علقه في ((الإرواء)) (١٢٨/٥)، وفي ((الصحيحة))
(١٢٣٠).
قال في ((الصحيحة)) (١٢٣٠):
(( ( إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله ).
أخرجه أحمد (٣١٠/٤) عن أبان بن عبدالله البجلي ، حدثتني
عمومتي ، عن جدهم صخر بن عيلة : إن قومًا من بني سليم ....
قلت : وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى ، أبان هذا مختلف
فيه، والأكثر على توثيقه ، وقال الذهبي : ((حسن الحديث))، وقال
الحافظ : (( صدوق في حفظه لين )) .
وعمومته جمع ينجبر جهالتهم بمجموع عددهم ، وقد روى عن
عمه عثمان بن أبي حازم وهو من المقبولين عند الحافظ في ((التقريب))،
وكأنه لذلك سكت عليه الحافظ في ((الفتح)) (١٣١/٦)، وجعله موافقًا
٢٥٢

القول البخاري في ((صحيحه)) : إذا أسلم قوم في دار الحرب ، ولهم مال
وأرضون فهي لهم )).
قلت : واحتج في ((الإرواء)) لصحة هذا المذهب بما أخرجه البخاري
في ((صحيحه)) (٥٣٩/٢):
من طريق : سفيان بن عيينة ، حدثنا شبيب بن غرقدة ، قال :
سمعت الحي يتحدثون عن عروة: أن النبي وَّ أعطاه دينارًا يشتري له به
شاة ، فاشترى له به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فجاء بدينار وشاة ،
فدعا له بالبركة في بيعه ، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
قال سفيان : كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه ، قال :
سمعه شبيب من عروة ، فأتيته ، فقال شبيب : إني لم أسمعه من عروة ،
قال : سمعت الحي يخبرونه عنه.
ولكن سمعته يقول : سمعت النبي ◌َّ يقول :
((الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة)).
قال : وقد رأيت في داره سبعين فرسًا .
قلت : وقد أورد البخاري هذا الحديث ضمن مجموعة أخرى من
الأحاديث في فضل الخيل في سبيل الله ، فالحجة عنده السند الثاني الذي
صرح فيه شبيب بالسماع، لا السند الأول ، فالسند الأول ليس على شرط
البخاري ، وإنما خرجه في ((صحيحه)) لتتمة الحديث التي فيها حديث
الخيل ، وهو حديث متصل سمعه شبيب بن غرقدة من عروة البارقي
-رضي الله عنه - .
٢٥٣

وهذا يَرِدُ كثيرًا في البخاري ، فلا غرابة ، فإنه قد يروي حديثًا ليس
على شرطه لاتصاله برواية أخرى على شرطه .
ثم وجدت الشيخ الألباني - رحمه الله - يشير إلى أن هذا المذهب
قد سار عليه السخاوي من قبله ، وهو كما قال ، فقد قال السخاوي في
((المقاصد الحسنة)) (١٠٤٤) - حديث: ((من آذى ذميًّا فأنا خصمه)) -:
(( أبو داود من حديث : ابن وهب ، عن أبي صخر المدني ، عن
صفوان بن سليم، عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله وَ ظله ، عن
آبائهم دنية، عن رسول الله وَله ، قال:
((ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه ، أو كلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه
شيئًا بغير طيب نفس ، فأنا خصمه يوم القيامة )).
وسنده لا بأس به ، ولا يضره جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة ،
فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم ، ولذا سكت علیه أبو داود )).
قلت : حكم المبهم حكم مجهول العين ، وكما أن التعديل على
الإبهام لا يُعتد به ، فكذلك الجهالة الناتجة عن الإبهام لا ترتفع بالمجموع،
ولا تحصل لها التقوية بالعدد والكثرة ؛ لما في ذلك من الإحالة على
الجهالة، ولو كان ذلك كذلك ، للزم منه أن مجهول العين يقوِّي غيره ،
ويتقوَّى بغيره ، وقد تقدَّم بيان ما في ذلك من التوسع والترخص غير
الصحيح .
بل الذي صحّ من صنيع الأئمة أن الحديث إذا انفرد بروايته المجاهيل
أعلوه بذلك ، وجعلوه قادحًا فيه ، ولم يذهب أحد منهم بتقوية مثل هذا
٢٥٤

الحديث بمجموع الطرق المجهولة أو المبهمة الإسناد ، فتنبه فإنها مسألة مهمة
جدًا ، قد تورد على الباحث والمحقق كثيرًا من التساهل في التصحيح ،
والأصل الاعتدال بالتزام القواعد التي نصَّ عليها المحققون وأئمة النقد.
(٦) تقوية المرفوع محتمل الضعف بالموقوف .
وهذه المسألة من المسائل المهمة جدًا ، ذلك لأن المذهب الذي بنى
عليه العلماء القول بالتقوية إنما كان تقوية المرفوع بالمرفوع ، وأما تقوية
المرفوع بالموقوف فلم يذكره إلا الشافعي - رحمه الله - في مسألة
الاحتجاج بمراسيل كبار التابعين ، والاحتجاج بالخبر شيء ، وتصحيحه
شيء آخر .
ثم إنه خصه بمراسيل كبار التابعين ولم يطرده في غيرها .
وغالب ما يقع من المعاصرين في هذا الباب ليس تقوية المرفوع
بالموقوف فحسب بل تقوية المحفوظ بالشاذ، أو المنكر ، لأنه غالباً ما يكون
الموقوف وجهًا آخر عن المرفوع ، قد اختُلِف فيه على أحد رواة المرفوع ،
وأنا أذكر مثالاً يجلِّي ذلك أيما تجلية .
· مثال مهم على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه أبو داود (٢٦٥٦) من طريق : هشام - وهو الدستوائي -
عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عباد ، قال :
كان أصحاب النبي ◌ُّ يكرهون الصوت عند القتال.
وهذا السند رجاله ثقات ، وهو صحيح ، لولا أن بعض المعاصرين
قد أعله بعنعة الحسن جريًا على وصفه بالتدليس .
٢٥٥

وجعل هذه العنعنة من أسباب الضعف المحتمل .
ثم أورد ما أخرجه أبو داود (٢٦٥٧) من طريق:
همام ، قال : حدثنا مطر ، عن قتادة ، عن أبي بردة ، عن أبيه ،
عن النبي وَجَلّ بمثل ذلك ، أي أنه مرفوع، وليس بموقوف.
قال هذا المعاصر :
(( وهذا إسناد حسن ، رجاله ثقات ، غير مطر وهو الوراق ،
وحديثه يحتمل التحسين على ضعف فيه ، وخاصة أنه من رجال مسلم.
فإذا انضم هذا الحديث إلى الموقوف الذي قبله ، ازداد قوة )).
قلت : فمثل هذه التقوية لا تصح جملة، ولا تفصيلاً من جهتين :
الأولى : أنه قوَّى المرفوع بالموقوف ، وقد تقدَّم ما فيه .
الثانية : أن المرفوع والموقوف وجهين لرواية واحدة ، فلا بد من
الترجيح بينهما ، فقد وقع الاختلاف في الوقف والرفع والسند على قتادة
ابن دعامة السدوسي ، فرواه هشام الدستوائي- وهو من الحفاظ الثقات ،
ومن الطبقة الأولى من أصحاب قتادة - على الوجه الأول الموقوف.
ورواه مطر الوراق - وهو صاحب أغلاط ومناكير - عن قتادة
السدوسي بالسند الثاني مرفوعًا .
وقد تقدَّم بيان منهج متقدمي أهل الحديث في الترجيح وأنهم لا
يقبلون الزيادة في السند ، وإنما يرجحون بالقرائن ، فرواية هشام
الدستوائي هي الأصح.
فمن ثم تكون هذه التقوية من باب تقوية الراجح بالمرجوح والمحفوظ
٢٥٦

بالمنكر أو الشاذ ، ولم يقل بهذا أحد من أهل العلم.
· التقوية بالموقوف لفظًا المرفوع حكمًا :
وأما التقوية بالموقوف لفظًا إلا أن له حكم الرفع كما في الإخبار عن
بعض الغيبيات ونحوها مما لا مجال فيها للاجتهاد ، فقد رأيت الشيخ
الألباني - رحمه الله - يذهب إلى التقوية بها كما في ((الصحيحة))
(١٣٥١).
ولم أقف على أحد ممن تقدَّم يقوون بعموم الموقوف ، نعم قد
يذكرون الموقوفات عند الكلام على طرق الحديث ، إلا أن تقوية المرفوع
بالموقوف استقلالاً لم يذكرها أحد ضمن أسباب التقوية وأنواعها لاسيما
الحافظ ابن حجر ، ومن قبله ابن الصلاح - رحمهما الله -.
وأما السخاوي فرأيته في ((فتح المغيث)) (١٢٣/١) يذهب إلى أن
الموقوف، بل والمقطوع أحد ما يعتضد به المرسل ، ولم يطرده في غير
المرسل من أسباب الضعف المحتمل الأخرى ، وهو توسع غير مرضيٍ ،
والظاهر اعتماده في ذلك على كلام الشافعي ، وقد تقدَّم أن كلامه
مخصوص بمرسل كبار التابعين ، وأن ذلك من أجل قيام الحجة ، لا من
أجل إثبات الصحة وفرق بينهما كبير ، وإلا فيلزم على ذلك تعضيد
المرسل بفتوى العلماء كما ورد في شروط الشافعي ، ولم يقل بذلك أحد
من أهل الرواية والنقد والتحقيق .
(٧) عدم اعتبار نكارة المتن عند التقوية بمجموع الطرق .
كذلك من الأخطاء الشائعة في التقوية بمجموع الطرق عدم اعتبار
٢٥٧

المتن بالنسبة للأسانيد ، فمتى كان المتن منكرًا ظاهر النكارة ، كان ذلك
دليلاً على عدم صحته ، وإن ورد من طرق محتملة الضعف .
فإن الذي صح عن العلماء وأهل النقد اعتبار المتون بالنسبة إلى
الأسانيد عند البحث والتحقيق.
بل لربما يُعلون بعض الأسانيد التي ظاهرها الصحة بعلة غير قادحة
إذا كان المتن منكرًا ، ولم يجدوا له علة ظاهرة ، وقد نصَّ على ذلك
الشيخ المعلمي - رحمه الله - كما تقدّم النقل عنه فيما سبق.
· ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه البزار في ((مسنده)) (كشف الأستار: ٣٠١٣) من طريق:
عبد الله بن عبد الملك الفهري ، عن ليث، عن مجاهد ، عن ابن
عباس: أن امرأة أتت النبي ◌َّ تبايعه، ولم تكن مختضبة، فلم يبايعها حتى
اختضبت .(١)
قال البزار: ((لا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد،
والفهري ليس به بأس، وليس بالحافظ)) .
قلت: فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف الحديث، وقد تغير واختلط
اختلاطاً شديداً بأخرة، وعبد الله بن عبد الملك الفهري منكر الحديث كما
قال العقيلي ، وقال ابن حبان: ((لا يشبه حديثه حديث الثقات، يروي
العجائب))، وضعفه أبو زرعة ، والدارقطني ، وأما قول البزار: ((ليس به
بأس)) فالظاهر أن هذا متعلق بعدالته، لأنه أردفه بعد ذلك بقوله: ((ليس
(١) نقلاً عن كتابي ((جلباب المرأة المسلمة)) (ص: ١١٢).
٢٥٨

بالحافظ)) فهذا تليين لحفظه، وقد ذكر الحافظ في ((اللسان)) (٣٨٤/٣) عدة
مناكير، لا يحكم إلا بوضعها من روايته عن نافع، عن ابن عمر، فمثل
هذا ضعفه شديد جداً .
وقد ضعَّف ابن القطان هذا الخبر في ((أحكام النظر)) (ص: ١٦٣)
بليث بن أبي سليم ، وقال:
(وفيه نكارة، فإن النبي وَّه لم يكن تصافحه المبايعات، إلا أن يكون
معناه أنه أنكر عليها أن لا تكون مختضبة، فأمسك عن إجابتها )).
قلت: وعلى هذا التقدير الثاني أيضاً ففيه نكارة أن يمتنع النبي
صَلى الله
وسلم
عن مبايعة من أتت تريد الإسلام حتى تختضب ، فلو أنه ورد في الخبر
أنه بايعها ثم أمرها بالخضاب لكان محتملاً، فهذا وجه نكارة لا يزول إن
زال الأول .
فالحديث كما ترى منكر السند والمتن جميعًا .
ولكن ورد له شاهد من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنه -
من طريقين ، وبلفظين :
الأول: ما أخرجه أبو داود (٤١٦٦)، والنسائي (١٤٢/٨)، والبيهقي
من طريق :
مطيع بن ميمون، عن صفية بنت عصمة ، عن عائشة ، قالت:
أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتابًا إلى رسول الله وَالخلال ، فقبض
النبي ◌َّ يده، فقال: ((ما أدري؛ أيد رجل أم يد امرأة)»، قالت : بل
امرأة، قال: ((لو كنت امرأة لغيرت أظفارك)).
قلت: وهذا سند ضعيف جداً، فإن مطيع بن ميمون هذا منكر
٢٥٩

الحديث، تفرد بالقليل من الأحاديث غير المحفوظة، قال ابن عدي: ((له
حديثان غير محفوظين))، قال ابن حجر: ((أحدهما في اختضاب النساء
بالحناء .... )) وهو هذا الحديث، وصفية بنت عصمة مجهولة العين ،
تفرد بالرواية عنها مطيع ، فالحديث منكر من هذا الوجه .
والثاني : ما أخرجه أبو داود (٤١٦٥) ومن طريقه البيهقي (٨٦/٧)
من طريق :
غبطة بنت عمرو المجاشعية ، قالت: حدثتني عمتي أم الحسن ، عن
جدتها ، عن عائشة - رضي الله عنها - :
أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعنى ، قال:
(لا أبايعك حتي تغيري كفيك كأنهما كفا سبع)) .
قلت: وهذا السند كسابقه في شدة الضعف، فغبطة بنت عمرو
مستورة، وعمتها وجدتها مجهولتان .
ولذا قال ابن القطان في ((أحكام النظر)) (ص: ١٦٢).
((هما - أي حديثي عائشة - في غاية الضعف)).
ويبقى شاهد ثالث وهو من رواية مسلم بن عبد الرحمن ، قال:
رأيت رسول الله وحمّ له يبايع النساء، عام الفتح على الصفاء، فجاءته
امرأة يدها كيد الرجل، فلم يبايعها حتى ذهبت فغيَّرت يدها بصفرة، أو
بحمرة، وجاءه رجل عليه خاتم ، فقال:
((ما طهر الله يداً فيها خاتم من حديد)).
أخرجه البزار (كشف: ٢٩٩٣)، والطبراني في ((الأوسط)) (١١١٤)
٢٦٠