Indexed OCR Text
Pages 201-220
۵ · الجواب : بدراسة سند الحديث نجد رجال السند ثقات ، إلا إسماعيل بن مسلم ، فقد تُكُلِّم فيه . قال الإمام أحمد: (( منكر الحديث))، وقال ابن معين: (( ليس بشيء)) ، وضعفه غير واحد من أهل العلم ، وهذا يدلنا على أن ضعفه شديد غير محتمل . وبتتبع الطرق الأخرى المذكورة ، نجد أنه قد اضطرب في رواية هذا الحديث ، فرواه - كما عند ابن فضيل في ((الدعاء)) - عن الحسن وحده ، عن النبي وَلِ مرسلاً. ولا شك أن من كانت حاله مثل إسماعيل بن مسلم لم يُحتمل منه تعدد الأسانيد ، ولا التفرد بحديث عن حافظين كبيرين كقتادة والحسن. ثم بالنظر في رواية أبي داود في ((المراسيل)) نجد أن : إسماعيل بن مسلم قد خولف في روايته المتصلة عن الحسن وقتادة . خالفه هشام بن حسان ، فرواه عن الحسن، عن النبي وَّةٍ مرسلاً. ووافقه في روايته المرسلة الثانية . وهشام أثبت منه ولا شك ، فدلَّ ذلك على أن : المحفوظ في هذا الحديث رواية الحسن، عن النبي وَّل مرسلاً، وأن الرواية الأولى من طريق : إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، وقتادة ، عن أنس منكرة . وهذا دليل على أن إسماعيل بن مسلم قد اضطرب في رواية هذا الحديث . ٢٠١ · التدريب الثاني : ادرس أسانيد الحديث الآتي، وبين الوجه المحفوظ ، والوجه الشاذ. السند: أخرج البزار في ((مسنده)) (كشف: ٣٥٦٨) ، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٠٧٦) من طريق : قطبة بن العلاء بن المنهال العتوي ، حدثنا أبي، عن هشام، عن أبيه ، عن عائشة، عن النبي وَّ أنه قال: (( من طلب محامد الناس بمعصية الله ، عاد حامده له ذامًا )). الطرق: وأخرجه الترمذي (٦١٠/٤)، والبيهقي في ((الزهد)) (٨٨٥) من طريق : محمد بن يوسف ، عن سفيان الثوري ، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة موقوفًا . · الجواب : بتتبع رواة السند الأول ، نجد أن قطبة بن العلاء ، وأباه متكلم فيهما، فأما قطبة، فقد قال فيه البخاري: (( ليس بالقوي))، وقال العقيلي: ((لا يُتابع على حديثه))، وقال ابن حبان: (( كان ممن يخطئ كثيراً ، فعدل به عن مسلك الاحتجاج به )) ، وأما أبوه فذكره العقيلي في ((الضعفاء)، وأورد له هذا الحديث، وقال: (( لا يتابع عليه)). وقد خولفا في سند هذا الحديث كما في السند الثاني ، خالفهما سفيان الثوري ، فرواه عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة موقوفًا، والثوري حافظ كبير ، لا يُقارن به من في مثل حال قطبة وأبيه ، فروايته هي المحفوظة ، ورواية قطبة وأبيه منكرة ، والله أعلم. ٢٠٢ تدريبات للمناقشة · اذكر ثلاثة رواة من الطبقة الأولى من أصحاب الحفاظ التالية أسماؤهم : (١ قتادة بن دعامة السدوسي. (٢ أيوب السختياني . (٣) الزهري. · اذكر الوجه المحفوظ في الأسانيد المختلفة التالية : ■ سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك. خالفه : معمر ، عن قتادة ، عن عبد الله بن سرجس. ■ سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك . خالفه : مالك بن أنس ، عن الزهري، عن النبي نَِّ مرسلاً. ■ حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك. خالفه : محمد بن ثابت البناني ، عن أبيه ، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، عن أبيه . ٢٠٣ الشرط الرابع من شروط الصحة • الشرط الرابع : التحقق من انتفاء العلة : ومعناه : التحقق من انتفاء وجود علة تقدح في صحة السند. فالحديث المعلل هو : الحديث الذي اطُّلع فيه على علة خفية تقدح في صحته ، مع أن ظاهره السلامة منها . والعلة قد تكون في السند ، وقد تكون في المتن . وأهل النقد والتحقيق لا يدرسون أسانيد الأحاديث بمعزل عن متونها، بل يدرسونها اعتبارًا بمتونها . وتُكتشف العلة بجمع طرق الحديث ، وبتتبع الروايات ، والنظر في اختلاف الرواة ، والاعتبار بمكانهم من حيث الحفظ والإتقان ، والنظر في المتون . ● إِعلال المتون المنكرة : وقد يكون المتن منكرًا ، فيتطلب المحقق له علة ، فلا يجد له علة ظاهرة ، فيعله بما ليس بعلة ، كالعنعنة ، ونحوها. قال المعلمي - رحمه الله - في مقدمة ((الفوائد المجموعة)) (ص: ٨): ((إذا استنكر الأئمة المحققون المتن ، وكان ظاهر السند الصحة ، فإنهم يتطلبون له علة ، فإذا لم يجدوا له علة قادحة مطلقًا، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا ، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك ٢٠٤ المنكر ، فمن ذلك : ● إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس . أعلَّ البخاري بذلك خبراً رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن عكرمة ، تراه في ترجمة عمرو من ((التهذيب)). ونحو ذلك : كلامه في حديث عمرو بن دينار في القضاء بالشاهد والیمین . ونحوه أيضًا : كلام شيخه علي بن المديني في حديث: (( خلق الله التربة يوم السبت ... )) إلخ كما تراه في ((الأسماء والصفات)). وكذلك أعلَّ أبو حاتم خبرًا رواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، كما تراه في (( علل ابن أبي حاتم)) (٣٥٣/٢). ومن ذلك : إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين : بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني ، وكان خالد يُدخل على الشيوخ، يُراجع (( معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص: ١٢٠). · ومن ذلك الإعلال : بالحمل على الخطأ، وإن لم يُتبين وجهه . كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشفعة . ● ومن ذلك إعلالهم : بظن أن الحديث أُدخل على الشيخ. كما ترى في ((لسان الميزان)) في ترجمة فضل بن الحباب ، وغيرها . ٢٠٥ وحجتهم في هذا : أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر ، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا ، يغلب على بطلانه فقد يحقق وجود الخلل ، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة ، فالظاهر أنها السبب ، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها . وبهذا يتبين: أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يُحصى من الأحاديث ، مع وجودها فيها ، إنما هو غفلة عما تقدَّم من الفرق ، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منکر )). ٥ الاختلاف بين الفقهاء والمحدثين في الإِعلال : وقد تقدمت الإشارة إلى أن ثمة فرق كبير بين الفقهاء والمحدثين في إعلال الأحاديث ، ذلك لأن كثيرًا من العلل التي يُعِلَّ بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء . قال ابن دقيق العيد - رحمه الله - في ((الاقتراح)) (ص: ١٥٢) : ((إن كثيراً من العلل التي يُعلَّ بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء)). وقد جرى جماعة من المتأخرين ممن لهم اشتغال بالحديث ، ولهم انتساب إلى الفقه كذلك إلى التزام منهج الفقهاء في الإعلال ، فخالفوا جمهور المحدثين في مسائل عدة ، كزيادة الثقة ، والشذوذ ، والإرسال. فإن الفقهاء يُجرون قاعدة قبول زيادة الثقة مطلقًا دون قيد أو شرط ، ٢٠٦ بخلاف ما عليه جمهور المحدثين من قبول الزيادة من الحافظ الكبير ، إذا ثبتت صحتها بالقرائن والدلائل ، وانتفى عنها الشذوذ. وأما الإرسال ، فإن كثيرًا من الفقهاء يرون قيام الحجة بالمرسل ، بخلاف ما عليه جمهور المحدثين من إسقاط الحجة به . وأما الشذوذ ، فإن الاختلاف على الرواة في الأسانيد مما يحتمله الفقهاء ، ويرون أنه من باب تعدد الأسانيد على الرواة ، ولا يقدح في صحة الحديث . وهو بخلاف ما عليه المحدِّثون ، فإن لهم في تصحيح ذلك أو إعلاله قواعد تقدّم الكلام عليها ، والترجيح عندهم دائر على القرائن ومكانة الرواة من الحفظ والإتقان والتثبت. ومن هذا الباب دخل على كثير من المتأخرين التساهل في التصحيح، حتى وصل ببعضهم الحال إلى تقوية الطرق شديدة الضعف والواهية بعضها ببعض ، ثم ادعاء الصحة للمتون المنكرة . وهذا يدلنا على ضرورة الرجوع إلى كتب المتقدِّمين في العلل والسؤالات ومعرفة الرجال ، والنظر في طريقتهم في إعلال الأحاديث ، وتصحيحها . ٢٠٧ أجناس العلل ٥ أجناس العلل عشرة ، وهي : (١) أن يكون السند ظاهره الصحة ، وفيه من لا يعرف بالسماع ممن a روى عنه . وهذا يحتمل أحد وجهين : الأول : عام، وهو الإرسال. · ومثاله : ما أخرجه الترمذي (٢٣١٦) من حديث : حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أنس ، قال : توفي رجل من أصحابه ، فقال - يعني : رجل - : أبشر بالجنة ، فقال رسول الله وَل : ((أولا تدري ، فلعله تكلّم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه )). قلت : وهذا السند ظاهره الصحة ، رواته من العدول الضابطين ، إلا أن الأعمش لم يصح له سماع من أنس بن مالك - رضي الله عنه - وإنما رآه رؤية. وقد أخرج الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤/٩) بسند صحيح إلى الأعمش أنه قال : رأيت أنس بن مالك، وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي. ٢٠٨ الثاني : خاص ، وهو التدليس. إذ مقتضاه الانقطاع حيث مظنة الاتصال. ومثاله : ما أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٢٨٩ و ٣٠٣)، وأبو داود ( ٥٢١٢) والترمذي ( ٢٧٢٧)، وابن ماجة ( ٣٧٠٣) من طريق : أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -قال : قال رسول الله وَالله : ((ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا)). وأبو إسحاق السبيعي هو عمرو بن عبد الله ، ثقة مكثر إلا أنه موصوف بالتدليس ، وسماعه من البراء بن عازب - رضي الله عنه - ثابت فى أحاديث كثيرة ، فظاهر السند الصحة ، إلا أن هذا الحديث بعينه لم يسمعه من البراء ، وإنما سمعه عنه بواسطة أبي داود الأعمى - نفيع بن الحارث - وهو متروك متهم بالكذب . فقد أخرج الحديث: ابن أبي الدنيا فى ((الإخوان)) ( ص : ١٧٢) من طريق : أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي داود ، قال : دخلت على البراء بن عازب ، فأخذت بيده ، فقال : سمعت النبي صَلى الله وسلم . فذكر الحديث . ٠ ٠ ٠ وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤ / ٢٨٩) من طريق: مالك بن مغول ، عن أبي داود ..... بالحديث . فحديث أبى إسحاق هذا عن البراء حديث معلول ، مع أن ظاهره ٢٠٩ السلامة من العلة . (٢) أن يروي الثقات الحفاظ الحديث من وجه مرسل ، ثم يسند من وجه آخر ظاهره الصحة. ° ومثاله : ما أخرجه أبو داود (١٨٥) ، وابن ماجة (٣١٧٩) ، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢٢/١) من طريق : مروان بن معاوية ، عن هلال بن ميمون الجهني ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - : أن النبي وَّل مرَّ بغلام وهو يسلخ شاة، فقال له رسول الله وَله : «تنحّ حتى أريك )). فأدخل يده بين الجلد واللحم ، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ . قلت : هذا السند ظاهره الصحة والاتصال ، ولكن قال أبو داود : (( ورواه عبد الواحد بن زياد ، وأبو معاوية ، عن هلال ، عن عطاء، عن النبي ◌َّ مرسلاً لم يذكرا أبا سعيد)). فوقع الاختلاف في الوصل والإرسال ، ورواية الجماعة أصح. (٣) أن يكون الحديث محفوظًا عن صحابي ، ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته. • ومثاله : ما أخرجه أحمد (٣٤٤/٢ و٤٤٤ و ٤٧٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٣٠)، وأبوداود (٢١٦٢) والنسائي في ((عشرة النساء)) (١٢٩)، وابن ماجة ٢١٠ (١٩٢٣) من طريق : عبد العزيز بن المختار وغيره ، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً : (( لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته فى دبرها)). ورواه إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله به . أخرجه الطحاوي فى ((شرح معاني الآثار)) (٤٥/٣). وإسماعيل بن عياش صدوق فى روايته عن أهل بلده الشاميين ، فإذا روى عن غيرهم أخطأ، وسهيل مدني ، فهذه علة، مع أن ظاهر السند السلامة من العلل . (٤) أن يكون محفوظاً عن صحابي، ويروى عن تابعي، يقع الوهم بالتصريح بما يقتضى صحبته . · ومثاله : ما أخرجه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٤٥) من طريق: زهير بن محمد، عن عثمان بن سليمان ، عن أبيه : أنه سمع النبي ◌َّ يقرأ فى المغرب بالطور . قال الحاكم : ((قد خَرَّج العسكرى وغيره من المشايخ هذا الحديث فى الوحدان ، وهو معلول من ثلاثة أوجه : أحدها : أن عثمان هو ابن أبي سليمان . والآخر : أن عثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه . ٢١١ والثالث: قوله: سمع النبى وَجُلّ ، وأبو سليمان لم يسمع من النبى وَجُلّ ولم يره)). (٥) أن يكون روي بالعنعنة ، وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة . وهذه العلة غالبًا ما ترد على رواية المدلس ، فإنه إنما يروي ما دلسه بالعنعنة عن شيخ سمع منه ولقيه ، ما لم يسمعه منه ، فيدل على الرجل الساقط طريق أخرى محفوظة ، يذكر فيها المدلس الواسطة بينه وبين شيخه في هذا الحديث ، وقد تقدَّم التمثيل له . وقد ترد على روايات الثقات من غير المدلسين ، وإنما يقع ذلك لوهم أحد رواة السند في الرواية الناقصة. ومثاله : ما أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في ((الضعفاء)) (ص: ٥٠) : عن أحمد بن بندار الفقيه، حدثنا أبو بكر أحمد بن أبى عاصم ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبدالله بن عياش، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً : ((من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)) . ورواه الأصبغ بن فرج ، وأبو الطاهر بن السرح، وغيرهما، عن عبدالله بن وهب ، عن عبد الله بن عيَّش بن عباس ، عن أبيه ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي به ، وهو الأصح . ٢١٢ أخرجه ابن حبان فى ((صحيحه)) (موارد: ٩٦)، والحاكم (١٠٢/١)، والخطيب فى ((تاريخه)) (٣٩/٥)، وابن عبد البر فى ((جامع بيان العلم وفضله)) (٥/١). (٦) أن يُختلف على رجل بالإِسناد وغيره ، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإِسناد . وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة في تعدد الأسانيد. (٧) الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. وهذا النوع ينقسم إلى قسمين : الأول : ما يقع من الموصوفين بالتدليس ، من ذكر مشايخهم في السند بنسبة لا يشتهرون بها أو بصفة لا يُعرفون بها تقتضي التجهيل ، ثم يأتي التصريح في رواية أخرى باسم الشيخ. • ومثاله : ما أخرجه أبو داود (٢١٩٦) من طريق : عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبيِ وَّة ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، قال : فذكر حديث طلاق أبي ركانة . وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٩١) من طريق : محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله وَّة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به . فسمَّى شيخه الذي أبهمه بما يقتضي جهالته في السند الأول. ٢١٣ والقسم الثاني : ما يُختلف فيه على عموم الرواة. ويكون الترجيح فيه بالقرائن . (٨) أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة ، فإِذا رواها بلا واسطة ، فعلتها أنه لم يسمعها منه . وهو التدليس ، وقد سبق التمثيل له مرارًا . (٩) أن تكون طريق معروفة ، يروي أحد رجالها حديثًا من غير ذلك الطريق ، فيقع من رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم. وقد تقدَّم التمثيل له (ص: ١٨٧). (١٠) أن يُختلف على الراوي في وقف ورفع الحديث. ° ومثاله : ما أخرجه أبو داود (٤٦٢) من طريق : عبد الوارث ، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَلَّهِ: (( لو تركنا هذا الباب للنساء )). قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. قال أبو داود: ((وقال غير عبد الوارث: قال عمر، وهو أصح)). قلت : هو رواية ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، عن عمر موقوفًا ، عند أبي داود (٤٦٣) . وابن علية أثبت من عبد الوارث في أيوب. فالسند الأول ظاهره الصحة ، والسند الثاني مُعل للسند الأول. ٢١٤ كيف نكتشف علة الحديث ؟ اكتشاف علة الحديث من أعسر ما يواجه الباحث أثناء دراسته للحديث سندًا ومتنًا ؛ لأن اعتماد ذلك إنما يكون على الملكة العلمية المتكونة بطول الدراسة والبحث والممارسة للألفاظ النبوية والأسانيد والطرق، ولذلك فمعرفة العلل من أجلِّ علوم الحديث. قال ابن الصلاح - رحمه الله - (ص: ٩٠): (( معرفة علل الحديث من أجلِّ علوم الحديث ، وأدقها ، وأشرفها ، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب )). قلت : وهذا يظهر جليًا في الأسانيد التي ظاهرها السلامة من أسباب الضعف ، وما كان رجالها من الثقات العدول ، فإنه قد يصعب على الباحث الوصول إلى معرفة علتها ، وقد يقف العارف الناقد أمام بعض المتون المنكرة المروية بأسانيد ظاهرها الصحة موقف الحائر ، فيعتمل في نفسه أن المتن ليس من كلام سيد البشر وَله، إلا أنه لا يعرف لسنده علة يُعلُّ بها ، فتقصر عبارته عن إعلاله ظاهراً ، مع أن متنه بَيِّن النكارة. والطريق إلى اكتشاف العلة في السند، أو في المتن يكون بتتبع المراحل التالية : (١) جمع طرق الحديث ، ورواياته ، وأسانيده ، سواءً المتابعات القاصرة ، أو المتابعات التامة ، أو الشواهد. ٢١٥ (٢) دراسة سند الحديث من حيث تحقق شروط الصحة التي تقدَّم ذكرها . (٣) التثبت من سماعات الرواة بعضهم من بعض ، لا سيما من وصف منهم بالتدليس ، وتفقد ذلك في الأسانيد قيد البحث. (٤) النظر في الاختلاف على الرواة سواءً في الوصل والإرسال ، أو في الوقف والرفع ، أو في تسمية شيخ وتجهيله ، أو في إثبات سماع مدلس ونفيه ، أو في تعدد الأسانيد على الراوي ، وترجيح الوجه المحفوظ ، وما يقابله من الشاذ أو المنكر. (٥) النظر في الاختلاف على الصحابي من جهة الفتوى بخلاف ما يرويه من المرفوع ، فإن أهل العلم يُعلون بمثل هذا الاختلاف. ٦ عدم دراسة سند الحديث بمعزل عن المتن ، بل لابد للباحث من دراسة السند بالنسبة إلى المتن ، فقد يكون السند ظاهره الصحة ، إلا أن المتن فيه نكارة شديدة . (٧) مراجعة أحكام النقاد على الحديث ، لا سيما ما ورد في كتبهم المصنفة في ((علل الحديث)) وفي ((السؤالات)). فإن غالب كتب العلل تذكر الاختلاف على الرواة ، وتبين الوجه المحفوظ وما يقابله ، وتذكر علة الحديث إن وقعت في السند أو في المتن. ٥ أهم الكتب المصنفة في العلل : ومن أشهر وأهم ما صُنِّف في العلل : (١) (( العلل ومعرفة الرجال)» لأحمد . ٢١٦ ومنها برواية عبد الله بن أحمد ، ومنها برواية المرَّوذي ، ومنها برواية الخلال عن أصحاب أحمد . هذا بالإضافة إلى كتب المسائل المروية عن أحمد بن حنبل - رحمه الله - فإنها قد حوت الكلام على كثير من الأحاديث والأخبار من حيث التصحيح والإعلال. (٢) (( العلل)) لابن المديني. (٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم الرازي. (٤) (( العلل الكبير)) للترمذي. (٥) ((العلل)) للدار قطني. وهذه الكتب يستبصر بها الباحث أثناء تحقيقه لسند الحديث للوقوف على علته ، أو للتأكد من صحة ما توصل إليه من نتائج أثناء بحثه . هذا بالإضافة إلى ما ورد من إعلالات أو تصحيحات في كتب التراجم والرجال. • مثال عملي : أخرج أبو إسحاق الفزاري في ((السير)) (٦٣٥) عن موسى بن أبي عائشة ، عن أنس بن مالك ، قال : رأيت النبي وَّ توضأ وخلل لحيته، وقال: ((بهذا أمرني ربي)). ومن طريق أبي إسحاق أخرجه الحاكم (١٤٩/١). وبتتبع طرق هذا الحديث ، نجد : أن ابن عدي قد أخرجه في ((الكامل)) (٢/ ٥٦١) من طريق : أبي ٢١٧ الأشهب ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن زيد الجزري ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس به. قال ابن عدي : (( أبو الأشهب هو جعفر بن الحارث ، وزيد الجزري هو : زيد بن أبي أنيسة )). وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠) : عن وكيع ، عن الهيثم ، عن حماد ، عن يزيد ، عن أنس به. قلت : فمن جمع هذه الطرق ، نجد أنه قد اختلف فيه هذا الحديث على موسى بن أبي عائشة ، وأن المتابعات والشواهد تدل على أن الحديث إنما هو حديث موسى بن أبي عائشة ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن يزيد ابن أبان الرقاشي ، لا سيما وقد توبع عليه موسى كما عند ابن أبي شيبة . وبمراجعة كتب ((العلل))، نجد أن ابن أبي حاتم قد ذكر هذا الحديث في كتابه ((العلل)) (١٦)، وقال : (( سألت أبي عن حديث رواه مروان الطاطري ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن موسى بن أبي عائشة ، أنه سمع أنسًا ، قال : رأيت النبي وَ الّ توضأ فخلل لحيته ، قال أبي : الخطأ من مروان، موسى بن أبي عائشة يحدِّث عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ◌ََّ)). فدلَّ هذا على أن المحفوظ الرواية الزائدة ، لا الرواية الناقصة ، فالرواية الزائدة مُعلة للرواية الناقصة. ٢١٨ التصحيح عند المتأخرين غلب على كثير من المتأخرين اعتماد مذاهب الفقهاء في الرواية ، والسير على منهجهم في التصحيح ، وقد أدى ذلك بدوره إلى هجر طريقة المحدثين - في كثير من الأحيان - في الإعلال ، لاختلاف الأسباب الموجبة للعلة بين المحدِّثين والفقهاء ، كما تقدَّم ذكره وبيانه. وقد أورث هذا المنهج التساهل في التصحيح عند كثير من المتأخرين كما هو مشاهد ملحوظ في مصنفاتهم، لا سيما المنتسب منهم إلى الفقه، كالبيهقي ، والمنذري ، ونور الدين الهيثمي ، والسيوطي ، ونحوهم. بل ظهر هذا جليًا في باب التقوية بالمتابعات والشواهد ، فكثرت التقوية في هذا الباب بالمتابعات، والشواهد الواهية والمنكرة والشاذة ، وهو خلاف ما نصَّ عليه العلماء وأهل الفن . . · تصحيح البيهقي والسيوطي : فمن ذلك : حديث التوسعة على العيال في عاشوراء ، فإنه حديث منكر ، لا يُعرف له طريق صحيح ، ولا حسن ، ولا حتى محتمل الضعف . ولكن وجدت البيهقي قد ذكر طرقه في ((شعب الإيمان)) (٣٦٦/٣) ثم قال : ((هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض ٢١٩ أخذت قوة )). وتبعه السيوطي على ذلك في ((اللالئ)). وأما النقاد كأحمد والعقيلي - رحمهما الله - فضعفوا ما ورد في الباب ، كما بينته في كتابي ((صون الشرع الحنيف)) (٣٧٠). وقد أحسن المعلمي - رحمه الله - إذ تعقب البيهقي والسيوطي ، فقال في تعليقه على ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني (ص: ١٠٠): (( بل يوهن بعضه بعضًا )). ° ومن ذلك أيضًا : حديث: (( اطلبوا الخير عند حسان الوجوه)). قال السيوطي : ((وهذا الحديث في معتقدي حسن صحيح )). وتعقبه العلامة المعلمي (ص: ٧٠) بقوله : (( كذا قال !! )) متعجبًا من قوله. تصحيح المنذري : وأما المنذري - رحمه الله - فإنه أمكن من السيوطي ، بل هو في باب التصحيح والتحسين - وإن كان فيه شيء من التساهل - أكثر تشددًا من السيوطي . وغالبًا ما يعتبر بتوثيق ابن حبان في الراوي ، وإن لم يُتابعه أحد على ذلك التوثيق ، بل لربما يفوته الجرح في بعض الرواة ، فيجري على تصحيح روايته أو تحسينها ، وكذلك فهو يجري في النقد على مذهب ٢٢٠