Indexed OCR Text

Pages 161-180

التعريف بكتاب ((ميزان الاعتدال)) للحافظ الذهبي
من أهم ما صنّف في سرد أسماء الضعفاء والمجروحين ومن تُكُلِّم
فيه وذكر أقوال أهل العلم من المجرحين والمزكين فيهم كتاب: (( ميزان
الاعتدال)» للحافظ الذهبي - رحمه الله - .
وهو كتاب عظيم الفائدة غزير المادة حوى كثيرًا من أسماء المجروحين
والمتكلم فيهم ، ولم يتقيد بكتب معينة ، بل ذكر جماعة من المتأخرين ،
ممن ورد فيهم الجرح.
وصاحبه عالم من أهل الاستقراء التام والمعرفة بأحوال الرجال ،
وصاحب تحقيق وتحرير لعبارات الأئمة المتقدمين ، ومذاهبهم ،
وأقوالهم، وهذا كله يرفع من قيمة كتابه الذي يعد من الموسوعات العلمية
التي لا يستغنى عنها طالب علم.
وقد آثرت الكلام عليه وقدمته على كتب المتقدمين، لأنه أجمع من
تلك الكتب ، فإنه قد جمع ما فيها جميعًا ، وأورد أقوال المجرحين ،
وكذا أقوال المعدلين ، فهو من هذه الناحية أجمع ، وكذلك لأنه لم يقف
عند طبقة معينة ، بل ذكر كل من تُكُلِّم فيه بأدني جرح ، وإن لم يثبت
فیه .
وخطته في كتابه أنه يورد تراجم من تُكُلِّم فيه وإن كان ثقةً ،
واستثنى منه ذكر الأئمة المتبوعين في الفروع لجلالتهم في الإسلام
١٦١

وعظمتهم في النفوس ، فإن ذكر أحدًا منهم فعلى الإنصاف ، وقد رتب
تراجم رجاله - حتى في الآباء - على حروف المعجم ، وإن كان الراوي
من رجال الكتب الستة رمز له بما يدل على من خرَّج له من الستة ،
واستخدم لذلك الرموز التي تقدَّم ذكرها في ((الكاشف)) ، إلا أنه رمز
للأربعة بالرمز: (( عو)).
قال - رحمه الله - (١/ ٢):
(( الساعة فقد استخرت الله عز وجل في عمل هذا المصنف ، ورتبته
على حروف المعجم حتى في الآباء ، ليقرب تناوله ، ورمزت على اسم
الرجل من أخرج له في كتابه من الأئمة الستة ....
وفيه من تُكُلِّم فيه مع ثقته وجلالته بأدنى لين ، وبأقل تجريح ،
فلولا أن ابن عدي أو غيره من مؤلفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما
ذكرته لثقته ، ولم أر من الرأي أن أحذف اسم أحد ممن له ذكر بتليين ما
في كتب الأئمة المذكورين ، خوفًا من أن يُتعقب عليَّ ، لا أني ذكرته
لضعف فيه عندي
وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدًا لجلالتهم
في الإسلام ، وعظمتهم في النفوس ، مثل أبي حنيفة ، والشافعي ،
والبخاري ، فإن ذكرت أحدًا منهم ، فأذكره على الإنصاف ، وما يضره
ذلك عند الله، ولا عند الناس ... )).
قلت : وهو كتاب عظيم الفائدة لا غنى لطالب العلم عنه إن شاء
الله ، وقد قدَّم فيه بمقدمة نافعة ، ذكر فيها مراتب الجرح والتعديل .
فجزى الله مؤلفه خير الجزاء ، وأسكنه فسيح جنانه .
١٦٢

• تنبيهات هامة على كتاب ((ميزان الاعتدال)»:
إلا إنه لا بد من التنبيه على بعض المسائل التي قد تفيد طالب العلم
أثناء بحثه في كتاب (( ميزان الاعتدال)) للحافظ الذهبي ، باعتباره من أهم
ما صنف في أسماء الضعفاء والمجروحين ومن تُكُلِّم فيه من الرواة.
التنبيه الأول :
إن هذا الديوان العظيم في أسماء الضعفاء لم يحتو على مجرد
الضعفاء والمتروكين والمجروحين ، بل ضم كل من تُكُلِّم فيه ولو كان ثقة،
وكان الكلام فيه بغير حجة.
قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - في مقدمة كتابه (١/ ٣):
(( وقد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين والوضاعين ..... ))
حتى قال: (( ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة ، أو الثقات
الذين تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة لكونه تعنت فيه ،
وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير )).
ولذلك فقد صنّف الذهبي كتابًا في ذكر من تُكُلِّم فيه وهو موثّق .
، التنبيه الثاني :
إن الحافظ الذهبي - رحمه الله - قد ينقل بعض العبارات في الجرح
أو التعديل بالمعنى، فإذا رجعت إلى الأصل المنقول عنه، وجدته بلفظ مغاير
وهذا قليل إن شاء الله .
من ذلك أنه نقل في ترجمة أبي سعد البقال - سعيد بن المرزبان -
(١٥٨/٢) عن أبي زرعة الرازي أنه قال: ((صدوق مدلس)).
١٦٣

وهذا مما قد يعجب له الباحث عند بحثه ، فإن أبا سعد البقال هذا
متفق على جرحه ، بل أكثرهم جرحوه بشدة ، فكيف يعدله حافظ كبير
مثل أبي زرعة ؟!
وعند الرجوع إلى ((الجرح والتعديل)) (٦٣/٢/١) يتبين لك أن
الذهبي قد نقل القول بالمعنى .
قال ابن أبي حاتم : سئل أبو زرعة عن أبي سعد البقال ، فقال :
(لين الحديث، مدلس))، قلت: هو صدوق؟ قال: (( نعم ، كان لا
یكذب)) .
فقصد بـ: ((صدوق)) هنا : العدالة وعدم الكذب ، إلا أنه لينه
في الرواية والحفظ ، فتنبه.
التنبيه الثالث :
٦
إن الحافظ الذهبي - رحمه الله - قد لا يورد كل ماورد في الراوي
من جرح ، فقد يخفى عليه بعض الأقوال ، وقد يكتفي بسرد البعض
استغناءً بها عن الكل .
ولذا ينبغي على الباحث أن يرجع إلى المتمم لهذا الكتاب ، ألا وهو
(لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - فإنه يورد الترجمة كما
في الأصل - أي: ((الميزان)) - ثم يتبعها بزيادات تدل على حال الراوي ،
سواءً جرحًا أو تعديلاً.
التنبيه الرابع :
قد يقع للحافظ الذهبي أوهام في بعض التراجم ، فيجمع بين
١٦٤

ترجمتين، ويجعلهما واحدة.
مثال ذلك :
قال في ((الميزان)) (٤٩/١) :
((إبراهيم بن عقبة ، عن كبشة بنت كعب ، وعنه حماد بن زيد، لا
/
يُعرف ، قال أبو حاتم : مجهول)).
فتعقبه الحافظ ابن حجر في ((اللسان)) (٧٧/١)، فقال: ((قد
خلط المؤلف رحمه الله هنا ترجمتين فجعلهما واحدًا ... )).
ثم أورد مايدل على ما ذكره.
التنبيه الخامس :
قد يقع منه الوهم ، فيفرق بين راويين - أو أكثر - ، وهما واحد.
مثال ذلك :
الوليد بن موسى الدمشقي ، والوليد بن الوليد الدمشقي ، والوليد
ابن الوليد بن زيد القيسي الدمشقي أبي العباس.
فرَّق بينهم الحافظ الذهبي ، وتعقبه ابن حجر بأن ثلاثتهم واحد،
وهو الصحيح ، فلابد للباحث في هذا الكتاب:
أن يدقق النظر ، ولا يتسرع في الحكم، وأن يعضد بحثه فيه ببحثه
في كتاب ((اللسان)) لابن حجر - رحمه الله - ، وإذا شك في قول من
الأقوال، وجب عليه التثبت من صحته بالرجوع إلى المصدر الذي نقل منه
الذهبي ، وأكثر مصادره مطبوعة، ولله الحمد والمنّة .
١٦٥

التعريف بكتاب ((لسان الميزان)» للحافظ ابن حجر
كتاب ((لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - من
التهذيبات المحققة ، لما فيه من العبارات المحررة ، في اختصار عن أصله
-وهو ((ميزان الاعتدال)) للحافظ الذهبي - غير مخل ، وتطويل في بعض
التراجم غير ممل ، بل قد استوفى فيه مصنفه الكلام على الرواة تحريراً
وتحقيقًا ، دراسةً وتدقيقًا .
· الباعث على تأليفه ، وخطة المؤلف فيه :
وكان الباعث عنده على تصنيف هذا الكتاب ، أنه لما أراد نسخ
كتاب ((الميزان)) ، طال عليه ، وخشى أن تفوت المصلحة عليه بترك نسخه
لما فيه من كثرة التراجم ، فعزم على حذف من ذُكر في ((الميزان)» ممن تُكُلِّم
فيه من رجال الأئمة الستة ، واستعاض عن تراجمهم في ((الميزان)) بما ورد
في ((التهذيب)) ، ثم زاد على ما ورد من كلام الذهبي ما وقف عليه من
أقوال أهل العلم في تجريح الرواة المترجمين أو تعديلهم ، ويفصل بين
كلامه وكلام الحافظ الذهبي بقوله: ((انتهى)) .
وزاد زيادات كثيرة ليست في الأصل - (الميزان))- ، وجعل قبالته
حرف (ز) ، دلالة على أنه من زياداته.
وما وقع من هذه الزيادات له من كتاب شيخه أبي الفضل بن
العراقي في تذييله على ((الميزان)) جعل قبالته حرف (ذ) دلالة على أنه من
١٦٦

استدراکات شیخه .
وقدَّم كتابه بفصول نافعة جدًا في الجرح والتعديل.
· مثال على ترجمة من تراجم («اللسان»:
إبراهيم بن إسماعيل المكي.
لا يكاد يُعرف ، قال يحيى : ليس بشيء . انتهى.
وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم ،
وذكره ابن الجارود ، وابن شاهين في الضعفاء .
١٦٧

تدريبات عملية على ما سبق
· التدريب الأول
ادرس ترجمة : عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي الغطفاني من كتاب
(تهذيب التهذيب)) مستبصراً بما ورد في ترجمته من كتاب ((الكاشف))
للحافظ الذهبي ، وكتاب ((تقريب التهذيب)) للحافظ ابن حجر.
· الجواب :
ورد في ترجمة الراوي من ((التهذيب)» أن ابن حبان قد ذكره في
((الثقات))، وقال ابن القطان: ((مجهول الحال)).
وقال الحافظ الذهبي في ((الكاشف)): ((وُثِّق)).
وقال الحافظ في ((التقريب)): ((مقبول)).
والظاهر من هذا أن الأقوال جميعًا قد اتفقت على أن في هذا
الراوي جهالة من جهة حاله ، وهذا ما دل عليه قول ابن القطان ، وقول
الذهبي: ((وثق)) بصيغة التمريض دلالة على أن توثيقه إنما ورد من طريق
غير معتبر ، وهو ذكره عند ابن حبان في ((الثقات)) ، وابن حبان مشهور
بالتساهل ، وكذا قول الحافظ: ((مقبول)) أي إذا توبع ، وإلا فلين الحديث،
ومن وصف بهذا الوصف قد لا ينفك عن جهالة حال كما بيناه فيما
تقدّم.
فالذي نخلص له من حال هذا الراوي أنه : مجهول الحال.
١٦٨

· التدريب الثاني :
تتبع ترجمة : شيبان بن زهير بن شقيق السدوسي من كتب الرجال ،
وحقّق حاله من حيث الجرح والتعديل.
· الجواب :
أول ما نبدأ به : الكشف عن هذا الراوي في كتاب ((تقريب
التهذيب)) حتى نعلم هل هو من رجال الكتب الستة ، أم لا ؟
وبالكشف في ((تقريب التهذيب)) نجد أن الحافظ لم يورد اسم هذا
الراوي ، فدل ذلك على أنه ليس من رجال ((التهذيبَيْن)) ، ومن ثمَّ فلابد
من الرجوع إلى كتب التراجم العامة كـ: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي
حاتم .
وعند الرجوع إلى هذا الكتاب ، نجد أن ابن أبي حاتم قد ترجم له
في كتابه (٣٥٥/٢/١)، وذكر عن أبيه أنه قال فيه : ((هو ثقة قديم من
أصحاب قتادة))، ونقل عن أبي زرعة الرازي أنه قال: ((صالح
الحديث)) .
وبالكشف عن الراوي في ((ثقات ابن حبان)» ، نجد أن ابن حبان قد
ذكره في ((الثقات)) (٤٤٨/٦) ، ولكن لم يورد فيه وصفًا يدل على أنه قد
سبر حاله .
فظاهر ما تقدَّم يدل على أن الراوي صدوق حسن الحديث، إذ قد
وثقه أبو حاتم وهو مشهور بتشدده، وأما قول أبي زرعة : ((صالح
الحديث)) فليس هو بموهن لحاله ، ففيه تعديل ، وفيه تليين ، وهذا يدل
١٦٩

على أنه في نفسه ثقة ، إلا أنه ربما أخطأ أو تفرد .
ثم لابد من النظر في كتاب ((لسان الميزان)) للتأكد من أن الراوي لم
يرد فيه جرح يخرجه عن الوصف الذي ذكرناه آنفاً ، وبالكشف عنه
هنالك نجد أنه لم يُذكر ضمن الضعفاء ، فهذا يدل على ثبوت صدقه ،
وأنه حسن الحديث على أقل تقدير إن شاء الله تعالى.
· التدريب الثالث :
تتبع ترجمة : سلمة بن موسى الذي يروي عن سعيد بن جبير من
کتب الرجال ، وحقّق حاله من حيث الجرح والتعديل.
· الجواب :
بالكشف عن هذا الراوي في ((التقريب)) لا نجد له ذكراً هناك ، ثم
بالرجوع إلى ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم نجد أنه قد ورد ذكره هناك
(١٧٢/٢/١)، وقال :
أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليّ ، قال : سألت أبي
عن سلمة بن موسى الذي روى عنه ابن عيينة ، فقال : ما أرى به بأساً .
وقد ترجم له الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)» (٤٠٢)، وأورد
قول أحمد المتقدم ، وقال: (( وذكره ابن حبان في الثقات)).
قلت : على هذا التقدير فسلمة بن موسى لا ينزل عن درجة
الصدوق ، بل إذا تابعه الثقات كان حديثه صحيحًا إن شاء الله تعالى.
١٧٠

تدريبات للمناقشة
حقّق حال الرواة التالية أسماؤهم:
(١ عبد الله بن محمد بن عقيل .
(٢) عبد الرحمن بن هنيدة العدوي.
(٣) أبو خالد الدالاني.
(٤) معاوية بن إسحاق بن طلحة.
• اذكر أسماء كتب الرجال التي ترجمت للرواة التالية
أسماؤهم :
(١) أبو إسماعيل الترمذي.
(٢ سليك بن مسحل الرازي.
(٣) معاوية بن بعجة بن عبد الله .
(٤) عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن عيسى أبو القاسم
الفارسي .
١٧١

المصنفات في أسماء الصحابة والفائدة منها
معرفة الصحابة من أهم علوم الحديث ، إذ به يتردد الخبر بين أن
يكون مرسلاً أو متصلاً ، ولذلك فقد اهتم جماعة من أهل العلم
بالتصنيف في أسماء الصحابة وذكر بعض تراجمهم.
• حد الصحابي :
وقد اخْتُلف في تعريف الصحابي، فمنهم من قال: كل من رأى
رسول الله وَله فهو صحابي ، وهو قول أحمد، والبخاري، وجماعة من
أهل العلم بالحديث.
ومنهم من اشترط الصحبة لسنة أو سنتين ، وهو مروي عن سعيد
ابن المسيب ، وبه يخرج بعض صغار الصحابة كجرير بن عبد الله البجلي
من حدِّ الصحبة .
والمعتمد في الرواية الأول.
قال الإمام البخاري - رحمه الله - في (صحيحه)) (٥/٣):
((من صحب النبي وَ ل أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه)).
قلت : وهو بخلاف من عاصره، أو ولد في زمانه، أو كان جاهليًا
ولم يره ، أو أسلم بعد وفاته ، فلا يلتحق بالصحابة ، بل يُقال عليه :
مخضرم .
ومن رآه ولم يسمع منه ، أو لم يع منه؛ لصغره ، فأهل العلم
١٧٢

يقولون فيه : له رؤية.
· معرفة الصحابة :
ويُعرف الصحابي بعدة أمور ، منها :
(١) التواتر بالتنصيص على صحبته وإثباتها .
(٢) الاستفاضة القاصرة عن التواتر ، ولكن مع عدم ورود ما يرد
الإثبات.
(٣) أن يرد بسند صحيح ما يُثبت صحبته سواءً بإخبار أحد الصحابة
عنه ما يدل على ذلك ، أو بإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته .
· ثبوت عدالة الصحابة :
والصحابة عدول بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ولا يضرهم
ما شجر بينهم ، فإنما هم أحد اثنين: إما مجتهد مصيب فله أجران ، وإما
مجتهد مخطئ فله أجر واحد ، ولا يُقال فيهم جميعًا إلا الحُسنى ، ولا
تُرد رواية أحد منهم ، ولا يُطعن في أي منهم ، ولا تُذكر المحن التي
دارت بينهم على وجه العيب والنقص كما يفعل أهل الأهواء.
قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص: ٢٩٥):
(( للصحابة بأسرهم خصيصة ، وهي : أنه لا يُسأل عن عدالة أحد
منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق مُعدَّلين بنصوص
الكتاب والسنة ، وإجماع من يُعتد به في الإجماع من الأمة)).
وقال :
(( ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في
١٧٣

الإجماع ، إحسانًا للظن بهم ، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر)).
ومن أهم الكتب المصنفة في أسماء الصحابة ، والتي لا يستغنى عنها
طالب العلم، أو الباحث في بحثه وتحقيقه :
(١) (( معرفة الصحابة)) لأبي نعيم الأصبهاني.
(٢) ((الآحاد والمثاني)) لابن أبي عاصم.
٣ ((الاستيعاب)) لابن عبد البر.
(٤) (( أُسد الغابة في معرفة الصحابة)) لابن الأثير.
(٥) (( الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن حجر.
(٦) (( تجريد أسماء الصحابة)) للحافظ الذهبي.
وقد صُنَّفت هذه الكتب على إحدى طريقتين :
الأولى : طريقة أهل الحديث ، وهي الإسناد.
وهذه الطريقة يعتمد فيها المؤلف على إسناد ما يثبت صحبة المترجم
له ، فيروي بسنده الأخبار الدالة على ذلك ، وهي الطريقة التي اتبعها كل
من ابن أبي عاصم ، وأبي نعيم ، ومن سار على منوالهما من المحدِّثين.
الثانية : السرد وتخريج الروايات.
وهي تعتمد على ذكر ما ورد في كتب الحديث من أخبار تُثبت
صحبة المترجم له ، مع عزو القول بإثبات الصحبة، أو نفيها إلى أهل
العلم، وهي الطريقة التي اتبعها ابن الأثير وابن حجر - رحمهما الله -.
وقد يقتصر بعضهم على ذكر أسماء الصحابة فقط كما فعل الذهبي
في ((التجريد)).
١٧٤

التعريف بكتاب ((معرفة الصحابة)» لأبي نعيم الأصبهاني:
كتاب (( معرفة الصحابة)) لأبي نعيم الأصبهاني من أشهر الكتب
المصنفة في أسماء الصحابة ، ومن أهمهما عند الباحثين .
وقد قدَّم المؤلف لكتابه بمقدمة بيَّن فيها الباعث على تأليف كتابه
هذا، ثم ذكر عدة فصول في خصوصيات الصحابة وأفضالهم ،
وخصوصيات المهاجرين والأنصار ، وفضيلة القرن الذي بُعث فيه النبي
صَلىالله
وسام
ثم بدأ بسرد أسماء الصحابة جريًا على حروف المعجم ، مع عدم
الالتزام بترتيب أسامي كل حرف .
وقدَّم ذكر العشرة المبشرين بالجنة وتوسع في تراجمهم ، ثم عقَّب
ذلك بذكر ((المحمدين))؛ توقيرًا لاسم النبي وَجُل كما هو عادة كثير من
المترجمين .
ثم بدأ في ذكر تراجم النساء مقدمًا تراجم أهل بيت النبي وَّ من
نسائه وبناته - رضي الله عليهن أجمعين - .
وهو يترجم للصحابي مُبتدِءًا بذكر اسمه وكنيته ، ونسبته ، وقد
يذكر موطنه ، أو مهجره ، ويسوق بعض مرويات الصحابي.
وله في سرده نقد وتحقيق ، ورربما ألمح إلى أوهام ابن منده في
كتابه، والعداوة بينهما معروفة مشهورة.
• التعريف بكتاب ((الإصابة في تمييز الصحابة)):
وهو من أغنى الكتب المؤلفة في هذا الباب ، ومن أكثرها تحقيقًا
١٧٥

وتنقيحًا .
فقد اعتنى به مؤلفه أيما اعتناء، وتتبع ما صنّف قبله في هذا المضمار،
فنقد ، وحقق ، ونكَّت ، واستوعب ، وحرر الإثبات من النفي ، حتى
أصبح كتابه هذا من أشمل الكتب وأكثرها تحقيقًا وتحريرًا.
فهو محط أنظار العلماء ، وبغية الطلاب في كل زمان ومكان .
وقد رتبَّه مؤلفه على حروف المعجم ، ورتب أسماء الرجال ، ثم
كناهم ، ثم أسماء النساء ، ثم كناهن.
وقسّم كل حرف إلى أربعة أقسام ، قال - رحمه الله - (٦/١):
(( فالقسم الأول : فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه ، أو عن
غيره سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ، أو وقع ذكره بما
يدل على الصحبة بأي طريق كان ...
القسم الثاني : فيمن ذُكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في
عهد النبي وَخّ لبعض الصحابة من النساء والرجال ممن مات مَخله وهو في
دون سن التمييز ، إذ ذكر أولئك في الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق،
لغلبة الظن على أنه وقَّه رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم
أولادهم عنده عند ولادتهم؛ ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم ، والأخبار
بذلك كثيرة شهيرة ... لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند
المحققين من أهل العلم بالحديث ، ولذلك أفردتهم عن أهل القسم الأول.
القسم الثالث : فيمن ذُكر في الكتب المذكورة من المخضرمين الذين
أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي وَّه
١٧٦

ولا رأوه ، سواءً أسلموا في حياته أم لا ، وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق
من أهل العلم بالحديث ، وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم في كتب
معرفة الصحابة ، فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا بمقاربتهم بتلك
الطبقة ، لا أنهم من أهلها .
القسم الرابع : فيمن ذُكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم
والغلط ، وبيان ذلك البيان الظاهر الذي يعوَّل عليه على طرائق أهل
الحديث ، ولم أذكر فيه إلا ما كان الوهم فيه بينًا ، وأما مع احتمال عدم
الوهم ، فلا إلا إن كان ذلك الاحتمال يغلب على الظن بطلانه)).
وقد أجاد الحافظ - رحمه الله - في هذا الكتاب إذ ناقش كثيرًا من
أقوال أهل العلم في إثبات صحبة بعض الرواة أو نفيها ، بتتبع الروايات
الواردة في ذلك .
١٧٧

تدريبات للمناقشة
· حقِّق القول في ثبوت صحبة كل من :
حكيم بن معاوية النميري.
٢ عبد خير بن يزيد الهمداني.
(٣) عبد الله بن جابر البياضي.
(٤ كعب بن عاصم الأشعري.
١٧٨

الشرط الثالث من شروط الصحة
الشرط الثالث : التحقق من انتفاء الشذوذ أو النكارة
.
ومعناه : التحقق من أن هذه الرواية - قيد البحث - محفوظة سنداً
ومتنا .
ولتوضيح ذلك لابد من مراجعة حدِّ الشذوذ والنكارة.
فالشذوذ : هو مخالفة الثقة من هو أوثق منه ، أو تفرد الثقة بما لا
يُحتمل منه سنداً أو متنا.
والنكارة كالشذوذ إلا أنها مختصة بالضعيف ، وقد تختص بالثقة أو
الصدوق في حالات خاصة تقدَّم بيانها في كتابنا : (( تيسير علوم
الحدیث)) .
والشذوذ والنكارة قد يتعلقان بالسند ، وقد يتعلقان بالمتن ، كما
سوف يأتي التمثيل لهما.
ومقتضى هذا الشرط التحقق من أن كل راو من رواة السند - قيد
البحث - لم يغلط في رواية هذا الحديث ، بل روايته هذه تكون موافقة
الرواية الثقات ، وإن تفرد بالرواية يكون تفرده محتملاً منه ، فلا ينفرد بما
يُستنكر عليه.
فمن أوجه الشذوذ أو النكارة : أن يروي الراوي حديثًا عن أحد
الحفاظ الكبار لا يشاركه فيه أحد من أصحاب هذا الحافظ من الثقات
١٧٩

الأثبات المشهورين ، فينفرد به عنه ، ولا يكون لهذا الحديث أصل آخر
يعضده .
أو أن ينفرد بأصل جديد من أصول الشريعة ، أو يروي ما يفيد
تخصيص عموم أجمع أهل العلم على بقائه على أصله ، أو يروي من
المتون ما فيه مبالغة في الترغيب والترهيب ، فمثل هذا قد لا يُقبل منه إذا
لم يتابع عليه من غير وجه ، فإن تفرد كان تفرده شاذًا أو منكرًا .
أو يروي حديثًا يتابع الثقات في متنه ، ولكن يروي زيادة فيه لا
يتابعه عليها غيره ، ولا يروي الثقات ما يشهد لها ، فحينئذ يكون تفرده
شاذًا ، وقد يكون منكراً.
أو يروي حديثًا قد اشتهر بسند معين ، لا يُحفظ من طريق غيره ،
فيرويه هو من وجه آخر لا يتابع عليه فيه ، فيخالف كل من رواه من
الثقات على الوجه الأول ، فيكون حديثه من هذه الجهة شاذًا.
والعلماء قد يختلفون في الحكم على الحديث بالنكارة أو بالشذوذ ،
بحسب اختلافهم في حال الراوي المخالف أو المنفرد ، وبحسب وقوفهم
على ما يعضد الرواية من عدمه ، وبحسب اعتبارهم لحد الشذوذ
والنكارة .
مثال :
قد احتج الإمام البخاري - رحمه الله - في (صحيحه)) (١٦٨/٤)
بالحديث الذي رواه عبد الرحمن بن أبي الموال ، عن محمد بن المنكدر ،
عن جابر - رضي الله عنه - في ذكر صلاة الاستخارة ، والدعاء فيها ،
١٨٠