Indexed OCR Text
Pages 21-40
وتحايد البخاري حديثه إلا في عدة مواضع أخرج له مقرونًا بغيره ؛ احترازًا مما ذكره علي بن المديني - رحمه الله - في ((العلل الكبير)) قال: ((أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث)). قال الحافظ في ((التهذيب)) (٢٥/٥): (( لم يخرِّج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر ، وأظنها التي عناها شيخه علي بن المديني ، منها حديثان في الأشربة، قرنه بأبي صالح، وفي الفضائل : حديث اهتز العرش كذلك ، والرابع في تفسير سورة الجمعة ، قرنه بسالم بن أبي الجعد )). قلت : قد سمع أبو سفيان من جابر بن عبد الله كثيراً ، وجاوره عدة أشهر، أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٤٦/٢/٢) بسند صحيح، وهذا كاف لإثبات سماعه ، ولا شك. وقد صاحبه في سماعه من جابر سليمان اليشكري ، فكان سليمان يكتب ، وكان هو يحفظ . كما أخرج أحمد في ((العلل)) - برواية عبد الله - (٢/ ٢٤٨) : حدثنا هشيم ، قال: أخبرنا أبو بشر جعفر بن أبي وحشية ، قال: قلت لأبي سفيان: ما لي لا أراك تحدِّث عن جابر كما يحدِّث سليمان اليشكري ؟ قال: إن سليمان كان يكتب ، وإني لم أكن أكتب . فروى بعد ذلك ما سمعه هو وسليمان اليشكري من جابر من كتاب سليمان . فقد أخرج الحاكم في (( معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٢٩) عن على ابن المديني قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : كان شعبة يرى ٢١ أحاديث أبي سفيان عن جابر ، إنما هو كتاب سليمان اليشكرى . وهذا ولا شك بخلاف الوجادة ، فإنما روى من كتاب غيره ما وقع له سماعه هو وصاحب الکتاب . (٧) دراسة سماع من تكلّم في سماعه من شيخ معين على التمريض لا ٩ الجزم . قد يعترض الباحث أثناء بحثه كلام في سماع أحد الرواة من شيخ معين ، فيرد نفي السماع بصيغة التمريض ، كـ ((قيل: إنه لم يسمع منه ))، فهذا الراوي لابد للباحث أن ينظر في صحة سماعه من شيخه أو عدمه ، ولا يُسلِّم لمثل هذا القول دون عناية بدراسته . • مثال ذلك : محفوظ بن علقمة ، وسلمان الفارسي - رضي الله عنه - . بتتبع رواية محفوظ عن سلمان ، وكلام أهل العلم فيها ، نجد أن البوصيري قد أعلَّها في (( مصباح الزجاجة)) (١/ ١٢٠) بالإرسال ، فقال: (( إسناده صحيح ، رجاله ثقات ، وفي سماع محفوظ من سلمان نظر)). قلت : إنما بنى البوصيرى هذا القول على ما ذكره المزي في ((تهذيب الكمال)» (٢٨٨/٢٧) في ترجمة محفوظ بن علقمة ،. قال: ((روى عن سلمان الفارسي، يُقال: مرسل)). قلت : هذا تمريض ، والتمريض لا ينفك عن وهن أو ضعف ، فكأنما مرَّض القول بالإرسال ، لعدم وجود الدليل عليه ، وقد تتبعت كتب المراسيل ، فلم أجد من ذكر هذه الترجمة ، إلا ولي الدين أبي زرعة ٢٢ في كتابه (تحفة التحصيل)) نقلاً عن المزي في ((التهذيب)). والمعاصرة بين محفوظ بن علقمة وسلمان - رضي الله عنه - ثابتة ، فلا مانع من الحكم عليها بالاتصال. (٨) التثبت من تدليس من وصف بالتدليس من الرواة . فإن بعض أهل العلم يُطلقون التدليس على الإرسال ، لا سيما وإن كان إرسالاً خفيًا ، مع ما بينهما من فرق يفرق في الحكم. ومن هؤلاء العلماء : النسائي ، وابن حبان ، والحافظ الذهبي. ولذلك فلابد من الرجوع إلى أقوال أهل العلم في وصف الراوي بالتدليس ، لمعرفة إذا ما كان المقصود بوصفه بالتدليس هو : التدليس الذي شرطه اللقاء والسماع من الشيخ ، أو المقصود به : الإرسال ، سواء كان خفيًا أو جليًا . ولعل القاريء الكريم يتلمح هذا الفرق من تعريف الحافظ الذهبي - رحمه الله - للتدليس ، فإنه قال في ((الموقظة)) (ص: ٤٧) : (( المدلس : ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه ، أو لم يدركه )). قلت : فهذا ظاهر على ما ذكرته لك ، من أن الذهبي يطلق التدليس على الإرسال ، ومثله ابن حبان فإنه قال في ترجمة بشير بن المهاجر: (( دلَّس عن أنس ولم يره )). وأما النسائي - رحمه الله - فقد وصف جماعة من الرواة بالتدليس لم يصفهم به غيره من أهل العلم . (٩) ترك التحقق من سماع المدلس إِذا كان الراوي عنه هو شعبة بن الحجاج - رحمه الله - . ٢٣ فإنه كان يتتبع السماع من الرواة ، لا سيما المدلسين منهم ، وكان يُراجعهم في سماعاتهم ، ولذا ذهب الحافظ ابن حجر - رحمه الله - إلى أن من روى عنه شعبة ممن وُصف بالتدليس ، وكانت روايته معنعنة ، فهي محمولة على السماع ؛ لأنه لا يروي عنهم إلا ما ثبت لهم سماعه. ■ نتيجة التحقق من الشرط الأول : فإذا تحقق الباحث من الشرط الأول من شروط الصحة ، وهو اتصال السند ، فقد جاز القنطرة الأولى ، وأما إن تبين له أن ثمة انقطاع في السند ، فلابد له من أن يتبين هذا النوع من الانقطاع ، حتى يستطيع الحكم عليه بوصف ملائم . (١) فإن كان الانقطاع في طبقة الصحابي : فهو مرسل. كأن يقول التابعي الذي سمع من جماعة من الصحابة ولقيهم : قال رسول الله وَ له . فيقول الباحث : (( هذا إسناد مرسل)). (٢) إذا كان الانقطاع في طبقة غير طبقة الصحابي ، فهو عمومًا : منقطع . فيقول الباحث : ((هذا إسناد منقطع)). (٣) إذا كان الانقطاع في موضعين على التوالي ، فهو : المعضل. فيقول الباحث : (( هذا إسناد معضل)). (٤) إذا كان الانقطاع في رواية معنعنة لراوٍ موصوف بالتدليس فهي على قسمين : القسم الأول : أن يثبت فعلاً أنه قد دلَّس الرواية ، بأن يُروى من ٢٤ وجه آخر صحيح عنه مصرحًا فيه بالواسطة بينه وبين شيخه الذي في السند الأول ، فهذا : هو المدلّس حقيقة . فيقول الباحث: ((هذا إسناد مدَّس))، أو ((قد دلَّسه فلان)). القسم الثاني : أن تأتي جميع الروايات عن هذا الراوي الموصوف بالتدليس ، ولا يصرح في شيء منها بالسماع ، مع عدم ورود رواية تدل على أنه قد دلَّس هذا السند ، فهو حينئذ مردود لاحتمال التدليس، لا لوقوعه ، والباحث في هذه الحالة يصف ذلك بقوله : (( هذا السند فيه فلان ، وهو موصوف بالتدليس ، وقد عنعنه )). فإن وصف الراوي بالتدليس بمنزلة الجرح الذي يمنع من الاحتجاج بروايته إلا إذا صرَّح بالسماع . (٥) أن يكون السقط في مبتدأ السند ، فهذا هو : المعلّق. فيقول الباحث : ((هذا الحديث - أو السند - قد علَّقه فلان)). · درجات الانقطاع : ثم اعلم - علَّمك الله - أن الانقطاع في السند على درجات من حيث القوة والضعف . فأقواها ، وأقلها ضعفًا : المرسل ، لأنه مختص بسقوط الصحابي، وهو من مبتدأ السند ، لا من وسطه ولا من آخره ، ومن احتجَّ بالمرسل فطائفة من أهل الفقه ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، وأما الشافعي فخصَّه بمرسل كبار التابعين إذا عضدته شروط ذكرها في كتابه ((الرسالة)) ، ولم يطرده في الطبقة الوسطى ، ولا من دونهم في الطبقة . وأما أهل الحديث ، فقد نقل مسلم ما يشبه الاتفاق عنهم في عدم ٢٥ الاحتجاج به ، فقال في ((مقدمة الصحيح)) (١/ ٣٠): (( المرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة )). وفصَّل ابن أبي حاتم هذه المسألة في مقدمة كتابه ((المراسيل)). ثم أشد ضعفًا من المرسل : المنقطع ؛ لأن السقط في غير مبتدأ السند، فلربما وقع في وسطه أو في آخره ، وهو أوهن من حيث تفشي الكذب وعدم الضبط في الطبقات المتأخرة عنه في الطبقات المتقدمة . وأشدها ضعفًا : المعضل ، فإن السقط فيه في موضعين على التوالي، ولذا فإن المتأخرين من المحققين إنما يُعضدون الطرق في الحسن لغيره بالمنقطع أو المرسل ، وأما المعضل فلا ؛ لأن ضعفه شديد غير محتمل ، بخلاف بعض الأخطاء الشائعة التي تقع من بعض المعاصرين في التعضيد بالمعضل وشديد الضعف والواهي. قال الجورقاني - رحمه الله - في ((الأباطيل والمناكير)) (١ / ١٢): ((المرسل عندنا لا يقوم به الحجة ، .... ، المنقطع عندنا أسوأ حالاً من المرسل ، .... ، المعضل عندنا أسوأ حالاً من المنقطع)). ٢٦ كيف نبحث في مصنفات أهل العلم لدراسة اتصال سند أو انقطاعه في الفصل السابق تعرفنا على مهمات الشرط الأول من شروط الصحة ، وهو : اتصال السند ، وهو الجانب النظري ، ويبقى الجانب العملي الذي ترتكز عليه دراسة الأسانيد ، وهو الهدف من هذا الكتاب. ونقصد بالجانب العملي : الطريقة التي يتبعها الطالب للتحقق من اتصال السند أو انقطاعه ، وهذه الطريقة تعتمد على ما تقدَّم ذكره من مهمات ، ثم على تسلسل البحث في مصنفات أهل العلم . وتيسيرًا على الباحث يمكن أن نلخص هذه الطريقة في عدة مراحل يتبعها الباحث أثناء بحثه : · المرحلة الأولى : النظر في المصنفات التي ترجمت للراوي بحسب تخریج حديثه . • دراسة الاتصال بدلالة ((تهذيب الكمال))، و(تهذيب التهذيب)): فإذا كان الحديث - قيد البحث - من أحاديث الكتب الستة ، فيُراجع أول ما يراجع الباحث ترجمة الراوي في (( تهذيب الكمال)) للحافظ المزي؛ لأنه غالبًا ما يستوعب ذكر أسماء مشايخ الراوي ، وتلاميذه، وأين وقعت روايته عنهم في الكتب الستة . *هم النجار- مسلم- ابى داود- الشرغرى). أستافى - ج عاهه فإذا وجد الباحث رواية الراوي عن شيخه في ((الصحيحين)) أو في أحدهما ، فهذا دليل على الاتصال ، إلا أن يجد في الترجمة ما يدل على ٢٧ خلاف ذلك . وأما إن كانت رواية الراوي عن شيخه في غير ((الصحيحين)) ، ولم يرد في ترجمته من (تهذيب الكمال)) ما يدل على الانقطاع أو الإرسال ، فلا بد له من أن ينظر ترجمته في (( تهذيب التهذيب )) للحافظ ابن حجر، فإنه غالبًا ما يورد بعض الزيادات والاستدراكات على ((تهذيب الكمال))، وبعضها يكون مختصًا بالاتصال وثبوت السماع من عدمه. • مثال : رواية الأسود بن يزيد النخعي ، عن عبد الله بن مسعود رَضِاثْنَهُ. هذه الترجمة من تراجم الكتب الستة ، فينظر الباحث ترجمة الأسود ابن يزيد النخعي في (( تهذيب الكمال )» للمزي ، فسوف يجد فيها : (رَوَىَ عن : بلال بن رباح (س) ، وحذيفة بن اليمان (خ س) ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن مسعود (ع) .... )). فدل هذا على أن رواية الأسود بن يزيد ، عن ابن مسعود في الكتب الستة - البخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة - فالرمز (ع) يشير إلى الكتب الستة . وهذا معناه أن الشيخين قد احتجا برواية الأسود عن ابن مسعود ، فهو دليل على الاتصال. · مثال آخر : رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رَضِلُنَّهُ. بالنظر في ترجمة علي بن أبي طلحة من ((تهذيب الكمال)) ، نجد ما يلي : ٢٨ (( روى عن : أبي الوداك جبر بن نوف الهمداني (م) ، وراشد بن سعد المقرائي (د س ق ) ، وعبد الله بن عباس (فق) مرسل ، بينهما مجاهد .... )). الرمز : (فق) إشارة إلى ابن ماجة في ((التفسير)). فدل ذلك على أن روايته عن ابن عباس لم يحتج بها أحد الشيخين، وإنما هي عند ابن ماجة في ((التفسير)) ، وتبيَّن من كلام المزي أن رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسلة ، وإنما يروي عنه بواسطة مجاهد ابن جبر. وبتتبع ترجمته نجد عند المزي نقلين هامين في نفي السماع ، بل ونفي الرؤية. الأول : (( قال أبو حاتم : عن دحيم : لم يسمع من ابن عباس التفسير )). الثاني: ((وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال : روى عن ابن عباس الناسخ والمنسوخ ولم يره ». • تنبيه مهم : لا بد هنا من التنبيه على ضرورة مراجعة حواشي ((تهذيب الكمال)) بتحقيق الدكتور بشار عواد ، لأنه غالبًا ما يورد نقولاً مهمة قد تعين الطالب على بحثه . عودة إلى المثال السابق ؛ نجد أن ثمة نقل مهم في الحاشية ، وهو : (( قال ابن طهمان : عن ابن معين : لم يسمع من ابن عباس شيئًا ، فروی مرسلاً)». فهذه الأقوال كلها تؤيد القول بالانقطاع بين علي بن أبي طلحة ، ٢٩ وبين ابن عباس رَضِلُنَّهُ. • مثال آخر : أبان بن عثمان بن عفان، عن أبيه رَضِالْلَهُ. بالنظر في ترجمة أبان بن عثمان من ((تهذيب الكمال))، نجد ما يلي : ((روى عن : أسامة بن زيد (س) إن كان محفوظًا ، وزيد بن ثابت النجارة الأدب المفرد (٤) ، وأبيه عثمان بن عفان (بخ) م (٤))) .. اصحاح التر الاربعة فدلَّ هذا على أن روايته عن أبيه عند البخاري خارج ((الصحيح)) في (الأدب المفرد))، وفي ((رفع اليدين))، وعند مسلم - ولكن لم يشر في ترجمته إلى ما يدل على موضعها، هل هي في الأصول أو في المتابعات؟- وعند أصحاب السنن الأربعة . الفر مربسه وسم الصحيح · فهذا يدل الباحث على لزوم متابعة البحث للتثبت من الاتصال ، ومن ثَمَّ فعليه مراجعة ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر. وبالرجوع إلى ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) نجد نقلاً عن الإمام أحمد - رحمه الله - في نفي الاتصال. قال الأثرم : قلت لأحمد: أبان بن عثمان سمع من أبيه ؟قال : لا . فهذا مرجح للانقطاع، إلا أن الحافظ ابن حجر قد تعقب هذا القول، فقال: (( حديثه في صحيح مسلم مصرح بالسماع من أبيه )). فهذا دال ولا شك على رد القول بالانقطاع ، وتثبيت القول بالاتصال وترجيحه . وأما إن كان الراوي غير مترجم له في رجال الكتب الستة ، فيُنظر ترجمته في مصنفات الرجال الأخرى . ٣٠ • دراسة الاتصال بدلالة كتب الرجال : فإن كان الراوي من غير رجال ((التهذيب)) فحينئذ لا بد على الباحث أن يتتبع ترجمته في كتب التراجم ، للوقوف على سماعه من شيخه ، وللوقوف على حاله من حيث الجرح والتعديل . ومن أهم الكتب التي يراجعها الطالب مرتبةً بحسب أهميتها : (١) (( الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم. (٢) ((التاريخ الكبير)) للبخاري. (٣) ((الثقات)) لابن حبان. (٤) ((ميزان الاعتدال)) للحافظ الذهبي. (٥) (( لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر. (٦) ((المجروحين)) لابن حبان. (٧) (( الكامل في الضعفاء )) لابن عدي. (٨) ((الضعفاء)) للعقيلي. (٩) ((تعجيل المنفعة)) للحافظ ابن حجر. • مثال : رواية موسى الطويل عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -. بتتبع كتب التراجم ، نجد أن موسى الطويل هذا من الرواة المتكلّم فيهم بالجرح الشديد ، وقد وردت له ترجمة عند ابن حبان في (المجروحين)) (٢٤٣/٢)، وعند الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢٠٩/٤). فأما ابن حبان ، فقال : (( شيخ كان يزعم أنه سمع أنس بن مالك ، ... ، روى عن أنس ٣١ أشياء موضوعة كان يضعها ، أو وُضعت له ، فحدَّث بها )). وأما الحافظ الذهبي فأشفى في ترجمته وأغنى ، فذكر من حاله ما يدل على كذبه ، وأورد له حديثًا من روايته يقول فيه : رأيت عائشة - رضي الله عنها - بالبصرة على جمل أورق في هودج أخضر . فهذا ظاهره ثبوت لقائه بأم المؤمنين عائشة ، ولكن انتقده الذهبي في هذه الرواية ، فقال : (( انظر إلى هذا الحيوان المتهم كيف يقول في حدود سنة مائتين إنه رأى عائشة ، فمن الذي يصدقه )). فدلَّ ذلك على أن تصريحه بالرؤية واللقاء كلا شيء ؛ لأنه متهم في روايته ، والسند الضعيف لا يُثبت سماعًا ولا لقاءً. • مثال آخر : رواية صلت البكري ، عن ابن مسعود رَضِلّهُ. بتتبع ترجمة صلت البكري ، نجد أن ابن أبي حاتم قد أورده في كتابه ((الجرح والتعديل))، (٤٣٦/٢/١)، وقال : (( صلت البكري : روي عن ابن مسعود ، مرسل)). فدلَّ ذلك على أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. · المرحلة الثانية : النظر في كتب المراسيل. ونقصد بـ : كتب المراسيل : الكتب التى اعتنت بذكر الروايات المرسلة أو المنقطعة . ومن أهم كتب المراسيل التي يجب على الباحث الرجوع إليها ٣٢ للتحقق من الاتصال أو الانقطاع : (١) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم . - تب على اسماء الرواه (٢) ((المراسيل)) لأبي داود السجستاني . > مرتب عن الابواب المتفرعة من كتب السفن (٣) ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل)) للحافظ العلائي . .» مرتب ٤٨٤ إسبار (٤) (( تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل)) لولي الدين أبي زرعة .-> mory العراقي . وهذه المصنفات قد رُتبت على طريقتين : ■ الأولى : على الأبواب . وهي الطريقة التي اتبعها أبو داود السجستاني في كتابه ((المراسيل))، وهي : أن يورد الأحاديث المرسلة في كل باب من الأبواب المتفرعة عن كتب ((السنن)) بأسانيده . فبدأ كتابه بكتاب ((الطهارة)) ، وابتدأه بالحديث الآتي : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا الوليد بن مسلم ، أخبرنا الوليد ابن سليمان بن أبي السائب ، عن طلحة بن أبي قنان: أن النبي ◌َّ كان إذا أراد أن يبول فأتى عزازًا من الأرض ، أخذ عودًا ، فنكت به حتى يُثرّى ، ثم یبول. قلت : طلحة بن أبي قنان لا تثبت له صحبة ، وتفرد عنه الوليد بن أبي سليمان ، وقال ابن القطان: ((لا يُعرف))، فروايته من هذه الجهة عن النبي ◌َّ مرسلة، ولذا أورد حديثه أبو داود في (المراسيل)). ثم ذكر عدة أحاديث أخرى، ثم بوَّب: (( ما جاء في الوضوء)) ، ثم ذكر ما يندرج تحت هذا الباب من الروايات المرسلة التي وقعت له . ٣٣ روايتها ، وهكذا في باقي الكتب والأبواب. ■ الثانية : على أسماء الرواة . وهي الأشهر ، وقد التزم بها ابن أبي حاتم ، والعلائي ، وأبي زرعة العراقي . ، الكلام على كتاب «المراسيل» لابن أبي حاتم : فأما كتاب ((المراسيل)) لابن أبي حاتم : فقد ابتدأه بباب في : ما ذُكر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة . فروى فيه عن أهل العلم ما يدل على عدم احتجاجهم بالمراسيل . ثم ذكر الباب الأم في الكتاب: شرح المراسيل المروية عن النبي تَّ، وعن أصحابه، والتابعين، رضي الله عنهم،ومن بعدهم على حروف الهجاء. وابتدأه بحرف الألف ، وابتدأ حرف الألف بـ : إبراهيم النخعي ، وهكذا بالنسبة لباقي الرواة بحسب حروف المعجم. وقد التزم مصنفه ذكر ما وقع له من تنصيص العلماء على إثبات - أو نفي - سماع أي راوٍ من الرواة الذين ترجم لهم من جملة من مشايخهم. مثال : إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة سألت أبي : عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن جدته أم سليم ، هل سمع منها ؟ قال : هو مرسل ، وعكرمة بن عمار يُدخل بين إسحاق وأم سليم أنسًا . وقد جرى العلائي، وولي الدين العراقي على نحو هذا الترتيب في ٣٤ كتابيهما . • الكلام على كتاب ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي: إلا أن كتاب العلائي قد امتاز ببعض النقد والتحقيق للأقوال التي يوردها سواءً في نفي السماع أو في إثباته، كما فعل في ترجمة الحسن البصري عن سمرة ، وكما فعل في ترجمة عبد الله بن يزيد الخطمي ، كما يمتاز كتابه أيضًا بالجمع ، فغالبًا ما يورد ما نصَّ عليه المحققون من المتأخرين في هذا الباب مما لم يقع ذكره في ((المراسيل)) لابن أبي حاتم . مثال : إبراهيم بن طهمان : لم يدرك الحكم ، قاله الذهبي في ((مختصر المستدرك)). قلت : لم يذكر ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن طهمان شيئًا في کتابه . مثال آخر : إبراهيم بن يزيد الخوزي : أحد الضعفاء ، ذكر الدارقطني أنه لم يلق أيوب السختياني ، ولا سمع منه. قلت : هذه الترجمة ليس لها وجود عند ابن أبي حاتم. والشاهد أن هذا الكتاب له مزيَّةً عن كتاب ابن أبي حاتم في الاستيعاب والجمع ، وكثرة الإيراد ، وإن كان كتاب ابن أبي حاتم هو الأصل الذي بنى عليه العلائي كتابه . • الكلام على كتاب ((تحفة التحصيل» لولي الدين العراقي : وأما كتاب (( تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل)) لولي الدين ٣٥ العراقي فاعتمد في جمعه على كتاب ابن أبي حاتم وكتاب العلائي ، وزاد عليهما زيادات منيفة ، ونقد، وحقّق، وحرر الكلام في بعض السماعات . مثال : أبان بن عثمان بن عفان : قال أبو بكر الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - : أبان بن عثمان سمع من أبيه ؟ قال : لا ، من أين سمع منه ؟ !! قال العلائي: له عن أبيه في ((صحيح مسلم)) حديث: ((لا ينكح المحرم ولا يُنكح )) انتهى. قلت : في ((صحيح مسلم)) وفي ((سنن أبي داود)) التصريح بسماعه من أبيه للحديث المذكور ، وفي ((سنن أبي داود)) التصريح بسماعه منه لحديث: ضمد المحرم عينيه بالصبر ، وله رواية عن أسامة بن زيد في ((سنن النسائي))، وتوقف المزي في ذلك ، فقال : إن كان محفوظًا . انتهى. مثال آخر : ز أسيد بن أبي أسيد : عن امرأة من المبايعات ، روايته عنها في ((سنن أبي داود))، قال المزي : أظنه غير البراد ، فإن البراد ليس له شيء عن الصحابة ، وإن يكنه فإن روايته عن المرأة منقطعة . قلت : هذا من زيادات أبي زرعة في كتابه على العلائي وابن أبي حاتم . وخلاصة ما تقدَّم : فإنه يجب على الباحث عند دراسة اتصال السند أن يرجع إلى هذه المصنفات ، للوقوف على أقوال أهل العلم ، بالإضافة ٣٦ إلى ما سبق بيانه من طرق التثبت من السماع بدراسة أحاديث الراوي عن شیخه . · المرحلة الثالثة : النظر في مصنفات تراجم رواة الطبقات المتأخرة ، فإن هذه الطبقات لم تعن بها كتب المراسيل التي تقدَّم ذكرها ؛ ولذا فيجب على الباحث أن ينظر رواية الراوي عن شيخه في هذه المصنفات ، وأذكر منها : (١) ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي . (٢) (( ذيل تاريخ بغداد)) لابن النجار. (٣) ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر. (٤) ((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري. (٥) (( سير أعلام النبلاء)) للحافظ الذهبي وهو من أهم المراجع في هذا الباب وأولاها عناية بالبحث . (٦) (( تذكرة الحفاظ)) للذهبي. (٧) ((وفيات الأعيان )) لابن خلكان. (٨) (( فوات الوفيات )) للكتبي. فينظر الباحث ترجمة الراوي ، فإذا وجد شيخه في السند مذكورًا ضمن شيوخه في الرواية ، ولم يرد فيها ما يدل على الطعن في الاتصال فلا بأس من تثبيت سماعه إذا كان اللقاء محتملاً ، فإن تحرير السماعات في المتأخرين لم يكن على نفس الدرجة التي كان عليها المتقدِّمون. · المرحلة الرابعة : النظر في الوفيات والمواليد ، فيمن يُشك في سماعه من شيخه ، ولم يرد له ذكر في كتب المراسيل ، ولا نقد أحد من ٣٧ أهل العلم روايته عن هذا الشيخ. وهذه الحالات نادرة جدًا ، فقل ما فات المحققين شيء من هذا. · المرحلة الخامسة: النظر في الكتب التي اعتنت بذكر أسماء المدلسين ، للوقوف على طبقته من حيث التدليس ، ومن يحتمل روايته عنه من شيوخه وإن عنعن عنه ، ومن لا يحتمل عنعنته عنه ، ونحو هذه المرجحات التي تمس حاجة الباحث إليها . وأشهر ما صنّف في هذا الباب مما هو مطبوع : (١) ((تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)) للحافظ ابن حجر - رحمه الله - . (٢) ((التبيين لأسماء المدلسين)) لبرهان الدين الحلبي. ويعز وجود هذين الكتابين الآن . (٣) ((منظومة الذهبي في أهل التدليس))، وهي مطبوعة بشرح عبد العزيز الغماري . (٤) (( اتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ)) للشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله - . ومن أفضل هذه الأربعة : رسالة الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله - فإنه جمع فيها ما في كتاب الحافظ ابن حجر وما في كتاب البرهان الحلبي ، مع بيان طبقة كل راوٍ من التدليس ، في اختصارٍ غير مخل. ٣٨ تدريبات للمناقشة ادرس اتصال التراجم التالية : (١) مالك، عن نافع، عن ابن عمر رَضِ لَّهُ. (٢) الأعمش ، عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس بن مالك رضيِ ◌ّنَهُ. (٣) ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عمر رَضِ لُنَهُ. (٤) خلاس بن عمرو ، عن أبي هريرة رَضِالْنَهُ. · أي التراجم التالية مظنة التدليس ، وأيها منقطعة ؟ (١) الأعمش، عن أنس بن مالك رضي اللَّهُ. (٢) الحسن البصري ، عن عثمان بن عفان رَضِلَّهُ. (٣) ابن جريج، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله رَضِاللَّهُ. (٤) سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع رَضِ لّهُ. ٣٩ تنبيهات مهمة على شرط الاتصال وإثبات السماع · التنبيه الأول : اتفاق أهل الحديث على نفي سماع أو إثبات سماع حجة ، وإن لم يقف الباحث على ما يدل على ذلك. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في (( تهذيب التهذيب)) (٢/ ١٥٦) في ترجمة حبيب بن أبي ثابت : (( قال ابن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل)) عن أبيه : أهل الحديث اتفقوا على ذلك - أي على عدم سماع حبيب بن أبي ثابت من عروة بن الزبير - قال : واتفاقهم على شيء يكون حجة )). · التنبيه الثاني : لابد من تحقيق الرواية التي ورد فيها تصريح راوٍ متكلم في سماعه من أحد شيوخه بالسماع من هذا الشيخ قبل الحكم على روايته عنه بالاتصال . شرح التنبيه : بعض الرواة قد يُتْكلَّم في سماعهم من بعض الشيوخ ، ثم يرد في رواية من الروايات تصريح هذا الراوي بالسماع - أو اللقاء - من هذا الشيخ ، فلابد للباحث من التأكد من صحة سند الرواية التي ورد التصريح فيها بالسماع ، فبعض هذه الروايات قد تكون ضعيفة السند ، ومن ثمَّ فلا يحسن تصحيح السماع بمثل هذه الرواية الضعيفة. ٤٠