Indexed OCR Text

Pages 41-60

ابتغاء الشهرة، وكسب المال، والحصول على الجاه، حتى
استعان بعض الصحابة برجال الشرطة لطردهم من المسجد،
وهذا - دون شك - يدل على عمق في النظرة عندهم رضي الله
عنهم، لأنَّ التحدث إلى الناس في أمور الدين ودعوتهم إلى التحلي
بفضائله في مجتمع يقوم على الدين يعطي المتحدث قوة وجاهاً
وسلطاناً. والنفس الانسانية مفطورة على حب الذات والرغبة في
اكتساب الجاه والسلطان، فإن لم تكن مخافة الله عاصمة للمرء من
أن يبتغي بمثل هذا الحديث عرض الدنيا انساق إلى قول
الزور واسترضاء العامة ولو كان ذلك مخالفاً للحق والشرع والعياذ
بالله .. وهذا ما حصل لكثير من هؤلاء القصاص فيما بعد.
وهناك آثار عدة تحكي لنا مواقف الصحابة والتابعين من هؤلاء
القصاص سنشير إليها بعد قليل، وقد ذكر بعضها ابن الجوزي في
كتابه. وتوالى على مهمة الإنكار تابعو التابعين والعلماء العاملون
في كل عصر، فمن ذلك صنيع الأعمش (المتوفى سنة ١٤٨ هـ)
الذي رأى قاصاً في مسجد البصرة يقول:
(حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي وائل .. ) فتوسط
الأعمش الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه. فقال له القاص: ياشيخ ألا
تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟ فقال الأعمش: الذي أنا
فيه خير من الذي أنت فيه. قال: كيف؟ قال: لأني في سنَّة وأنت في
كذب. أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئاً(١).
(١) انظر ((تحذير الخواص)) ١٤٥ - ١٤٦.
٤٣

وقد تعرّض بعض العلماء في عصور مختلفة إلى مضايقات
هؤلاء القصّاص، وقد تفاقم أمرهم وأثروا أثراً واضحاً في نشر
الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين العامة. وكان التصوف يُمدُّ
القصاص بالخرافات والأباطيل وكذلك فقد كانت الاسرائيليات
مصدراً من مصادر القصاص.
ومما يؤسف له أن بعض هؤلاء القصاص كانوا يعبثون بالناس
ويسخرون منهم كما ذكر الجاحظ عن أبي كعب القاص(١) وكما ذكر
أبو الفرج عن كلثوم بن عمرو(٢).
ويبدو أنّ نفراً منهم كان يتدخل في الشؤون العامة حتى كان
بعضهم سبباً في فتنة فمنعوا من الجلوس ومن الكلام، ثم سمح
لهم بمعاودة نشاطهم بعد أن أخذت عليهم العهود بعدم التعرض
لما يثير القلاقل.
وأمام هذه القوة العارمة للقصّاص آثر فريق من العلماء
السلامة فسكتوا خوفاً من القصّاص وإيثاراً للعافية .. بل حمل ذلك
بعضهم على تأييد الباطل .. وكانت ظاهرة المجاملة أكثر وضوحاً
في الأزمان المتأخرة، حتى أصبحت مهمة العالم - مع الأسف -
كأنها مقصورة على تلمس المعاذير لهم، وتكلف التأويلات
للكلمات المنكرة التي قد يروونها عن الصوفية ولتصرفاتهم
(١) انظر ((الحيوان)) ٣/ ٢٤ .
(٢) انظر ((الأغاني)) ١١٢/١٣ طبع دار الثقافة ببيروت. و((مختار الأغاني)) ٢٤٤/٩
طبع المكتب الإسلامي بدمشق.
٤٤

الشاذة .. ولكن يأبى الله إلا أن يقوم في كل عصر عدد من العلماء
الصادقين والدعاة المجاهدين ينكرون المنكر، ويكشفون زيف
الدجالين، ولا يبالون فيما يصيبهم من الأذى مؤثرين رضا الله على
السلامة والمنفعة العاجلة.
ومن أهم آثارهم السيئة وضعهم الحديث أو نشرهم
الموضوع وإذاعته ببيان مشرق ومقدرة على الكلام بالغة .. لقد
شوّهوا السنَّة المرفوعة إلى النبي ◌َّ في أذهان الناس إذ أدخلوا فيها
كثيراً من الخرافات والأباطيل ممّا يُحيل العقل وقوعه وممّا يتعارض
مع أصول الشريعة المطهرة، ولو نظرنا الى الأحاديث الموضوعة
لوجدنا أن نصيب القصاص في اختلاقها كان كبيراً، وهذا أمر
طبيعي، لأن هذا القصّ المستمر يتطلب مادة كثيرة وجديدة، فكانوا
مدفوعين لذلك دفعاً .
قال ابن الجوزي في كتاب ((الموضوعات)):
(معظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص،
لأنهم يريدون أحاديث ترقق وتنفق، والصحاح تقلّ في هذا (١).
إن عدداً كبيراً من هؤلاء القصّاص اتخذ القصص مهنة له
يعيش من عمله فيها، ولم يكن خوف الله متوافراً عندهم، ومن هنا
غدت هذه المهنة وسيلة للكسب يسعى صاحبها وراء رزقه ولذلك
نراه يسارع في ابتغاء مرضاة العوام، فهو حريص على رضاهم
(١) ((الموضوعات)) ١/ ٤٤.
٤٥

وإعجابهم وليس حريصاً على تقويمهم ولا تعليمهم.
والعامة أبداً وفي كل عصر يولعون بالغريب، ويعجبون
بالخرافة . .ويستمتعون بالغرائب والعجائب !! حتى أضحى القاصّ
كالمغني الذي لاهم له إلا إطراب السامعين .. وهكذا كانت دوافع
المبالغة والكذب عند القصاصين قوية ليجدوا المادة التي تجلب
السامعين وعطاياهم وليكتسبوا في كثير من الأحيان ثقة الحكام
ورضاهم مما يمنحهم حصانة تحول دون انتقاد العلماء الواعين لهم.
ذكر السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)):
أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرتقي منبر النبي له
وعليه قباء ومنطقة فقال أبو البختري - وهو قاصِّ كذاب - حدثني
جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن جبريل نزل على النبي
وسيلة
صَلىالله
وعليه قباء ومنطقة فتحجر فيها تحجيراً (١).
ومن المفاسد التي كانت تحدث بسبب القصّاص اختلاط
الرجال بالنساء، فقد ذكروا أنَّ هؤلاء القصاص كانوا يقصون في
الطرقات والمساجد، فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم
بالدعاء ويمدون أيديهم - كما يقول أبو طالب المكي (٢) وابن
الجوزي(٣) - وكان هذا الحال سبباً في انتقاد العلماء لهم، وكانوا
(١) ((اللآ لى المصنوعة)) ٢٦٣/٢.
(٢) ((قوت القلوب)) ٢/ ٢١ المطبعة المصرية (١٣٥١ هـ ١٩٣٢ م).
(٣) كتاب ((القصاص والمذكرين)) ٣٠١.
٤٦

يسلكون في معاملة العوام مسلك المحتالين والمشعوذين، حتى
ينالوا أعطياتهم ومنحهم، وكانوا يجمعون مالاً كثيراً ولا يبالون
بالذين ينتقدونهم، ويأتون بالأساطير والخرافات ، والنوادر
المضحكات، والأحاديث الموضوعة، يقولون ما ليس لهم به علم.
أخرج أبو خيثمة زهير بن حرب في ((كتاب العلم)) عن
مسروق قال :
كنَّا عند عبد الله جلوساً وهو مضطجع فأتاه رجل ، فقال:
يا أبا عبد الرحمن إنَّ قاصاً عند أبواب كندة يزعم أنَّ آية
الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة
الزكام .
فقال عبد الله - وجلس وهو غضبان - :
يا أيها الناس! اتقوا الله، فمن علم منكم شيئاً فليقل بما
يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول
لما لا يعلم: الله أعلم فإن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: ﴿قل ما
أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾(١).
ومن المفاسد ما أشار إليه ابن الاخوة في ((معالم القربة))
حيث يقول:
(وفي زماننا هذا لا يطلب الواعظ إلا لتمام شهرميت، أو لعقد.
نكاح، أولاجتماع هذيان ، ولا يجتمع الناس عنده لسماع موعظة ولا
(١) ((كتاب العلم)) ص ١٢٥ رقم الأثر ٦٧ تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
٤٧

الفائدة، وإنما صار ذلك من نوع الفرح واللعب، والاجتماع،
ويجري في المجلس أمور لا تليق من اجتماع الرجال والنساء،
ورؤية بعضهم لبعض، وأشياء لا يليق ذكرها، وهذا من البدع
المضلة)(١) .
آراء عدد من الصحابة والتابعين والعلماء في القصّاص:
عمر بن الخطاب :
أورد ابن الجوزي وغيره أخباراً عن عمر رضي الله عنه تدلّ
على أنه لم يكن يستريح إلى القصص.
فمن ذلك خبره مع تميم الداري(٢) وخبره مع الحارث بن
معاوية الكندي(٣) فقد خوفه عمر من أن يكون القصص سبباً
للعجب حتى يقوده ذلك إلى الهلاك قال:
((أخشى عليك أن تقصَّ فترتفع عليهم في نفسك، ثم
تقص فترتفع ، حتى يخيل اليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضعك الله
عزَّ وجل تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك)).
علي بن أبي طالب:
مرَّ عليٌّ رضي الله عنه على قاصّ فقال له: هل تعرف الناسخ
(١) ((معالم القربة في أحكام الحسبة)) ص ١٨٠ .
(٢) ((كتاب القصاص)) ١٩٣ ((والتحذير)) ١٧٢ ((والباعث على الخلاص)) ١٢٦ و١٢٧
و((الآداب الشرعية)) ٩٠/٢.
(٣) ((كتاب القصاص)) ٢٠٢ ((والتحذير)) ١٨٢ ((والآداب الشرعية)) ٩٠/٢.
٤٨

من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هل تعرف المحكم من المتشابه؟ قال:
لا . قال: هل تعرف الزجر من الأمر؟ قال: لا .
فأخذ بيده فرفعها وقال: إنَّ هذا يقول: اعرفوني اعرفوني (١)
ومرَّ على قاص آخر فسأله: علمت الناسخ من المنسوخ؟
قال: لا. قال: هلكت وأهلكت (٢).
عبد الله بن عمر:
روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن
عمر أنه كان يخرج من المسجد يقول: (( ما أخرجني إلاّ القصاص،
ولولاهم ما خرجت))(٣).
وروى الطبراني أن ابن عمر رأى قاصّاً يقص في المسجد
الحرام، وکان معه ابن له.
فقال له ابنه: أي شيء يقول هذا؟ فقال: يقول اعرفوني
اعرفوني(٤) .
وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن عمر جاء فوجد قاصاً يقص في
المسجد فوجه إلى صاحب الشرطة: أن أخرجه من المسجد
فأخرجه(٥).
(١) ((التحذير) ١٩٠ و((الآداب الشرعية)) ٢ /٩٠.
(٢) ((التحذير)) ١٩١.
(٣) ((الآداب الشرعية)) ٢ / ٩٠.
(٤) ((الباعث على الخلاص)) ١٣٩ و((التحذير)) ١٧٧.
(٥) ((التحذير)) ١٩٨.
٤٩

عبد الله بن مسعود:
روى الطبراني أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقف على
عمرو بن زرارة وهو يقصّ فقال: يا عمرو لقد ابتدعت بدعة
ضلالة أو إنك لأهدى من محمد ◌ّ وأصحابه(١).
وروى عنه أنه كان يقول: إذا سمعتم السائل يحدث
بأحاديث الجاهلية يوم الجمعة فاضربوه بالحصى (٢).
عبد الله بن عباس :
روي عنه خبر مشابه لخبر عليّ من أنه لقي قاصّاً لا يعلم
الناسخ من المنسوخ فقال: هلكت وأهلكت(٣).
صلة بن الحارث :
روى الطبراني أن صلة بن الحارث الغفاري رضي الله عنه
رأى قاصاً يقص على الناس وهو قائم فقال: ((والله ما تركنا عهد نبينا
ولا قطعنا أرحامنا حتى قمت أنت وأصحابك بين أظهرنا)) (٤).
عائشة أم المؤمنين :
أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) عن عطاء قال: دخلت أنا
وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقالت: من هذا؟ فقال: أنا
(١) ((التحذير)) ١٧٧.
(٢) الآداب الشرعية)) ٢ / ٩٣.
(٣) ((التحذير)) ١٩٢.
(٤) ((الباعث على الخلاص)) ١٣٩ و((التحذير)) ١٧٨.
٥٠

عبيد بن عمير، قالت: قاصّ أهل مكة؟ قال: نعم.
قالت: خفّفْ فإنَّ الذكر ثقيل(١).
أم الدرداء:
أخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن جبير أن أم الدرداء بعثته
إلى نوف بن فلان وقاصٌ معه يقصان في المسجد فقالت: قل لهما
فليتقيا الله وتكون موعظتهما للناس لأنفسهما (٢).
الحسن البصري :
ذكر ابن الجوزي الحسن من أعلام القصاص، وقد روي عنه
مدحٌ للقصص، ويريد به ما كان هو عليه من التذكير المتزن والوعظ
السليم .
روي عنهقوله: ((القصص بدعة ونعمت البدعة. كم من دعاء
مستجاب وأخ مستفاد))(٣).
وجاء في ((الآداب الشرعية)) إنه كان يجلس في مجلس
القصاص بكل إجلال. قال الأوزاعي: كان الحسن إذا قصّ القاصّ
لم يتكلم. فقيل له في ذلك فقال: إجلالاً لذكر الله عزَّ وجل (٤).
(١) ((الطبقات)) ٤٦٣/٥ و((التحذير)) ١٩٣ وانظر خبراً مشابهاً في ((المسند)) ٢١٦/٦
و«ابن حبان)) ٥٨.
(٢) ((التحذير)) ١٩٩ - ٢٠٠.
(٣) ((الآداب الشرعية)) ٩٢/٢.
(٤) ((الآداب الشرعية)) ٢ / ٩٢.
١
٥

بينما ذكر ابن الجوزي ونقل عنه السيوطي ما يدل على ذم
الحسن للقصص(١) ولعلَّ التوفيق بين القولين أن كل قول باعتبار
فالتأييد باعتباره تذكيراً وأمراً بالمعروف والذم لما فيه من المخالفات
والله أعلم.
محمد بن سیرین :
كان ابن سيرين يستحسن القصص في بعض الأحيان، ويذمه
في أحيان أخرى، فمن الأول أنه قال إنسان لابن سيرين: إنَّ أبا
مجلز كان لا يقعد إلى القاصّ. قال: قعد إليه من هو خير منه(٢)
ومن الثاني أنه سأل رجلٌ محمد بن سيرين عن القصص. قال:
بدعة، إن أول ما أحدث الحرورية القصص(٣).
غضيف بن الحارث:
روى أحمد عن غضيف بن الحارث أنه قال: بعث إليَّ عبد
الملك بن مروان قال: يا أبا أسماء إنا جمعنا الناس على أمرين.
فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة،
والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: أما إنهما أفضل بدعكم
ولست بمجيبكم إلى شيء منهما. قال: ولم؟ قال: لأنَّ النبي ◌َّ
(١) ((كتاب القصاص)) ٣٥٥ و((التحذير)) ٢٢٧.
(٢) ((الآداب الشرعية)) ٩٢/٢.
(٣) ((كتاب القصاص والمذكرين)) ٣٣٨ و((تحذير الخواص)) ٢٢٢.
٥٢

قال: ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها)) فتمسك بسنة خير
من إحداث بدعة(١).
الأوزاعي :
سئل الأوزاعي عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلاً فيقص
عليهم فقال: ((إذا كان ذلك يوماً بعد الايام فليس به بأس))(٢) .
فهو يرى أن القصص له مهمة وهي الوعظ والتذكير، وليس
مهنة تتخذ لذاتها، وعند ذاك فقد تكون مملة وقد تضطر صاحبها إلى
أن يكذب .
مالك بن أنس :
رُوي عنه كراهية القصص. ذكر ذلك ابن الحاج في
((المدخل))(٣).
سفيان الثوري:
كان مذهب سفيان ألا يستقبلوا القصاص بوجوههم بل
عليهم أن يولوا البدع ظهورهم وأصحابها أيضاً(٤).
أحمد بن محمد بن حنبل :
كان الامام أحمد يقف منهم الموقف المنصف، فيذكر ما لهم
من الفضل وحسن التأثير ويأخذ عليهم تهاونهم في رواية الأحاديث
(١) ((الآداب الشرعية)) ٢/ ٩٣. و((المسند)) ١٠٥/٤.
(٢) ((الآداب الشرعية)) ٩٢/٢.
(٣) ((المدخل)) ٢/ ١٤٨ ((والتحذير)) ٢١٢.
(٤) ((الآداب الشرعية)) ٩٠/٢ وانظرما سنورده عنه في أثناء عرض رأي أحمد في القصاص.
٥٣

فيعجبه منهم ذكرهم الشفاعة والصراط والميزان وعذاب القبر، ولا
سيما إن كان القاص صدوقاً.
قال المروزي: سمعتُ أبا عبد الله يقول: يعجبني القصّاص
لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر. قلت لأبي عبد الله: أفترى
الذهاب إليهم؟ قال: إي لعمري إذا كان صدوقاً. لأنهم يذكرون
الميزان وعذاب القبر. قلت: كنت تحضر مجالسهم وتأتيهم؟ قال:
لا !! وقال في رواية علي بن زكريا التمار: يعجبني القصاص في هذا
الزمان، لأنه يذكر الشفاعة والصراط(١).
وكان يوصي بعض المرضى بالوسوسة بحضور مجالسهم ،
فلقد شكا رجل اليه الوسوسة فقال: عليك بالقصاص ما أنفع
مجالسهم(١) .
وكان يرى حاجة المجتمع إلى القصاص الصدوق فقال كما
يروي عنه جعفر بن محمد: ((ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق)) ..
وقرر نفعهم للعامة وإن كان كثيرٌ مما يتحدثون به كذباً، فقال في
رواية إسحاق بن إبراهيم عنه: ((ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة ما
يتحدثون به كذباً) (٢) وهو يريد أن نفعهم للعوام متحقق في
تخويفهم من الله عزَّ وجل، وترغيبهم في الخير وتزهيدهم في
الدنيا .. ولو أنهم جمعوا إلى هذا الصدق في الحديث لبلغوا مرحلة
(١) ((الآداب الشرعية)) ٨٩/٢.
(٢) ((الآداب الشرعية)) ٢ / ٩٠.
٥٤

الكمال. ولذلك كان يصرّ على أن مجالسة القصاص لا تكون إلا
بشرط أن يكون القاصّ صدوقاً.
فقد سئل عن مجالسة القصاص فقال: ((إذا كان القاصّ
صدوقاً فلا أرى بمجالسته بأساً))(١) وهو في هذا يختلف عن سفيان
الثوري الذي لم يكن يرخص فيه بحال من الأحوال وعندما ذكر له (٢)
رأي ابن عمر وسفيان اعترف بأن هذا هو مذهبهما ولكنه مع ذلك
يرى أنَّ للقصَّاص دوراً مهماً في عصره إذ يقومون بتذكيرهم بحقائق
الدين ويخوفونهم من عذاب الله.
سئل أحمد عن القصص فرخَّص فيه، فقال له مهنّا: حدثنا
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان
يخرج من المسجد يقول: (( ما أخرجني إلا القصّاص ولولاهم ما
خرجت)) فقال الامام أحمد: يعجبني القصاص اليوم لأنهم يذكرون
عذاب القبر ويخوفون الناس، فقال له مهنا: حدثنا ضمرة قال:
جاءنا سفيان ههنا فقلنا: نستقبل القصاص بوجوهنا؟ فقال: ولوا
البدع ظهوركم. فقال أحمد: نعم هذا مذهب الثوري(١) .
وفي حوار لأحمد مع حنبل قال له: القصاص الذي يذكر الجنة
والنار والتخويف وله نية وصدق الحديث فأما هؤلاء الذين أحدثوا
من وضع الأخبار والأحاديث فلا أراه (٣).
(١) ((الآداب الشرعية)) ٢ / ٩٠.
(٢) أي لأحمد.
(٣) ((الآداب الشرعية)) ٩٢/٢.
٥٥

ومع تقريره أنَّ القصاص من أكذب الناس(١) لم يكن يشتد
عليهم وكان يكره أن يمنعوا لأنه ربما يسمعهم الجاهل فلعله ينتفع
بكلمة أو يرجع عن أمر وربما جاءوا بالأحاديث الصحيحة(٢) وكان
يجب ألا يطيلوا فيملوا الناس قال: لا أحب أن يمل الناس ولا يطيل
الموعظة إذا وعظ(٣).
ابن قتيبة :
قال ابن قتيبة :
(إن الحديث يدخله الفساد من وجوه الزنادقة واحتيالهم
للاسلام وتهجينه بدسّ الأحاديث المستبشعة والمستحيلة
والقصاص فإنهم يميلون وجوه العوام إليهم ويستدرون ما عندهم
بالمناكير والغرائب من الأحاديث، ومن شأن العوام ملازمة القاص
ما دام يأتي بالعجائب الخارجة عن نظر العقول) (٤).
ابن حبّان :
علق ابن حبان على قصة(٥) أحمد ويحيي مع القاص الذي
(١) ((الآداب الشرعية)) ٢ / ٩٠.
(٢) ((الآداب الشرعية)) ٩٢/٢.
(٣) ((الآداب الشرعية)) ٢/ ٩٣.
(٤) ((تأويل مختلف الحديث)) (الطبعة الاولى) ص ٣٥٧. (والطبعة الثانية) ص ٢٧٩
وانظر أيضاً ((لسان الميزان)) ١٣/١ فقد أورد هذا النص.
(٥) انظر القصة في ((الموضوعات)) ٤٦/١ و(الميزان)) ٤٧/١ و(اللآ لىء) ٣٤٦/٢
و((تحذير الخواص)) ١٤٢.
٥٦

كذب عليهما، فقال: (فإذا كان مثل هؤلاء يجسرون على أحمد
ويحيي حتى يضعوا الحديث بين أيديهم من غير مبالاة بهم، كانوا
إذا حلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل مع العوام والرعاع أكثر
جسارة في الوضع)(١).
الغزالي:
قال في الإِحياء (٢) :
أما القصص فهي بدعة، وقد ورد نهي السلف عن الجلوس
إلى القصاص وقالوا: لم يكن ذلك في زمن رسول اللّه وَ له ولا زمن
أبي بكر ولا عمر (رضي الله عنهما) حتى ظهرت الفتنة وظهر
القصاص.
وروي أن ابن عمر (رضي الله عنه) خرج من المسجد فقال:
ما أخرجني إلاَّ القاص ولولاه لما خرجت. وقال ضمرة قلت لسفيان
الثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ فقال: ولوا البدع ظهوركم.
وقال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم
من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا. فقال: وفق
للصواب .
(١). ((معرفة المجروحين من المحدثين)) طبع دار الوعي بحلب ٨٨/١.
(٢) («إحياء علوم الدين)) ٤٠/١.
٥٧

ودخل الأعمش جامع البصرة .. (وذكر القصة)
وقال أحمد: أكثر الناس كذباً القصاص والسؤال.
وأخرج عليّ (رضي الله عنه) القصاص من مسجد جامع
البصرة، فلما سمع كلام الحسن البصري لم يخرجه إذ كان يتكلم
في علم الآخرة والتفكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات
الأعمال وخواطر الشيطان ووجه الحذر منها، ويذكر بآلاء الله
ونعمائه وتقصير العبد في شكره ويعرّف حقارة الدنيا وعيوبها
وتصرمها ونكث عهدها وخطر الآخرة وأهوالها، فهذا هو التذكير
المحمود شرعاً الذي روي الحث عليه في حديث أبي ذر حيث
قال(١): ((حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة، وحضور
مجلس علم أفضل من عيادة ألف مريض، وحضور مجلس علم
أفضل من شهود ألف جنازة)) فقيل: يا رسول الله ومن قراءة القرآن؟
فقال: ((وهل تنفع قراءة القرآن إلا بالعلم .. )).
فقد اتخذ المزخرفون هذه الأحاديث حجة على تزكية أنفسهم
ونقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم وذهلوا عن طريق الذكر المحمود
واشتغلوا بالقصص التي تتطرق إليها الاختلافات والزيادة والنقص،
وتخرج عن القصص الواردة في القرآن وتزيد عليها، فإن من
القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر وإن كان صدقاً. ومن فتح
(١) قال الحافظ العراقي: حديث أبي ذر .. ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من
حديث عمر، ولم أجده من طريق أبي ذر انظر ((إحياء علوم الدين)) ١/ ١٦.
٥٨

ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار.
فمن هذا نُهي عنه.
ولذلك قال أحمد بن حنبل رحمه الله :
ما أحوج الناس إلى قاص صادق.
فإن كانت القصة من قصص الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق
بأمور دينهم وكان القاص صادقاً صحيح الرواية فلست أرى به
بأساً.
فليحذر الكذب وحكايات أحوال تومىء الى هفوات أو
مساهلات يقصر فهم العوام عن إدراك معانيها أو عن كونها هفوة
نادرة مردفة بتكفيرات متداركة بحسنات تغطي عليها فإن العامي
يعتصم بذلك في مساهلاته وهفواته ويجد لنفسه عذراً فيه،
ويحتج بأنه حكي كيت وكيت عن بعض المشايخ وبعض الأكابر،
فكلنا بصدد المعاصي، فلا غرو إن عصيت الله تعالى، فقد عصاه
من هو أكبر مني، ويفيده ذلك جراءة على الله تعالى من حيث لا
يدري. فبعد الاحتراز عن هذين المحذورين فلا بأس به. وعند
ذلك يرجع إلى القصص المحمودة وإلى ما يشتمل عليه القرآن،
ويصح في الكتب الصحيحة من الأخبار. ومن الناس من يستجيز
وضع الحكايات المرغبة في الطاعات، ويزعم أن قصده فيها دعوة
الخلق إلى الحق فهذه من نزغات الشيطان، فإن في الصدق مندوحة
عن الكذب وفيما ذكر الله ورسوله وي للم غنية عن الاختراع في الوعظ.
كيف وقد كره تكلف السجع وعد ذلك من التصنع .
٥٩

قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر وقد سمعه
یسجع :
هذا الذي يبغضك إليَّ. لاقضيت حاجتك أبداً حتى تتوب،
وقد كان جاءه في حاجة .
وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم قال تعالى:
﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد
يهيمون .. ﴾ .. وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما يتعلق
بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال وألم الفراق
والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام، وبواطنهم مشحونة
بالشهوات، وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة،
فلا تحرك الأشعار من قلوبهم، إلا ما هو مستكن فيها، فتشتعل فيها
نيران الشهوات، فيزعقون ويتواجدون، وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى
نوع فساد.
فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة
على سبيل استشهاد واستئناس.
وقال الغزالي في ((الاحياء)) في باب منكرات المساجد (١):
[ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون كلامهم
بالبدعة فالقاص إن كان يكذب في أخباره فهو فاسق، والإنكار عليه
واجب.
وكذا الوعظ المبتدع يجب منعه، ولا يجوز حضور مجلسه
(١) ((الاحياء)) ٣٣١/٢.
٦٠

إلا على قصد إظهار الرد عليه، إما للكافة إن قدر عليه أو لبعض
الحاضرين حواليه، فإن لم يقدر فلا يجوز سماع البدع .
ومهما كان الواعظ شاباً متزيناً للنساء في ثيابه وهيئته كثير
الأشعار والاشارات والحركات وقد حضر مجلسه النساء فهذا منكر
يجب المنع منه، فإن الفساد فيه أكثر من الصلاح .. ].
ابن عقيل :
قال ابن عقيل في ((الفنون)) (نقلاً عن ((الآداب
الشرعية)))(١):
[ولا يصلح للكلام على العوام ملحد ولا أبله، وكلاهما يفسد
ما يحصل لهم من الإيمان، وقال: المرء مخبوء تحت لسانه، ولا بد
أن ينكشف قصده من صفحات وجهه وقلبه أو لسانه.
وقال: ما أخوفني على من كانت الدنيا أكبر همه أن تكون غاية
حظه .
قال: ((وسئل عن قوم يجتمعون حول رجل يقرأ عليهم
أحاديث وهو غير فقيه فقال: هذا وبال على الشرع، أو نحو ذلك.
فإنَّ جماعة من العوام تفرقوا عن مجلس مثل هذا وبعضهم
يقول لبعض: استغفر الله مما فعلت كثيراً، ولم أعلم أن الشرع قد
نهى عنه .
قيل: وما هو؟
(١) ((الآداب الشرعية)) ٩٤/٢.
٦١

قال: كنت أبذل ماء قراحي وأبذل حقي من الماء، وإذا هو قد
نهى الشرع عنه، فإنه قد روى لنا الشيخ عن النبي مالية(١):
((لا يسقينَّ أحدكم ماءه زرع غيره))
وقد نهى النبي ◌َّ عن بيع وشرط، وقد كنت أشرط الخيار
لنفسي. فأستغفر الله من ذلك.
فهذا وأمثاله إذا ورد وسمعه العوام كان نسخاً عندهم لأحكام
الشرع، وإنما الراوي إذا كان قادراً أن يبين خصوص العام
المخصص، وتقييد المطلق بتقييده، وإلا فمخاطرة.
وربما قرأ ((نفس الرحمن من اليمن)).
((والحجر الأسود يمين الله)).
ومعلوم أن من اعتقد ظاهر هذا كفر].
الحافظ الذهبي :
يدل على رأيه ما جاء في ((الميزان))(٢) في ترجمة عبد
المنعم بن إدريس إذ قال:
(قصاص. لیس یعتمد عليه. تركه غير واحد)
(١) جاء في حاشية ناشر كتاب ((الآداب الشرعية)) ما يأتي: (فأما النهي عن سقي الرجل
زرع غيره فهو كناية عن وطء من حملت من غيره. والعرب تطلق كلمة ((الزرع)) على
الولد).
(٢) («الميزان)) ١/ ٦٦٨.
٦٢