Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها باقي النقاد غيره، وهو: أن ((محلا)) ((ليس بحديثه بأس)) في جملته كما تقدم. وبمثل هذا يمكن توجيه تلخيص الذهبي أيضا لحال ((مُحل)) بأنه ((صدوق))(١)، لأنه أيضا من مرتبة ((لا بأس به)) بحسب الاصطلاح العام. مثال ثاني عشر: وما قيل فيه من التركيب ودلالته مع القرينة. ١٢ - ومن نماذج هذا التركيب أيضا، أن ((أحمد بن عبد الله الخضر المعروف بابن السُّؤْسَنْجِزْدِي، المتوفى سنة ٤٠٢ هـ)) قال فيه الخطيب البغدادي: ((وكان ثقة مأمونا ، دَيِّنا ، مستورًا ، حسن الاعتقاد ، شديدا في السنة )) (٢) . فهذا تركيب جمع فيه الخطيب ألفاظا ، ترجع إلى عدة مراتب ، وأعلاها لفظ (( ثقة)) لدلالته على ركني عدالة الراوي وتمام الضبط ، ويليه لفظ ((مأمون)) فهو بالاصطلاح العام، يعني العدالة وخفة الضبط (٣). ويليه ألفاظ ((دَيِّنٌ، حسن الاعتقاد ، شديد في السنة )) وهذه الثلاثة تدلُّ على جانب عدالة الراوي ، وبراءته من قوادحها ، وبذلك يدل كل لفظ منها على اتصاف الراوي بأدنى درجات التعديل ، أما لفظ (( مستور)) فهو بالاصطلاح العام يدل على جهالة حال الموصوف به بمفرده ، كما أنه هو وألفاظ العدالة الثلاثة المذكورة قبله ، يعد الموصوف بأحدها ضعيفًا حكما (١) ينظر الميزان ٣ / ت ٧٠٩ والمغني في الضعفاء ٢ (ت ٥٢٠٢). (٢) تاريخ بغداد ٤ / ٢٣٧. (٣) ينظر تدريب الراوي ١ / ٤٠٥ . ٣٢٢ الْفَاطُ وَعَبَاَاتُ الَعِ وَالتَّغَدِيك لعدم وجود ركني القبول في كل منها . وبذلك يصبح هذا التركيب مجموعةُ متعارض الظاهر كما ترى . وبناء على المنهج السابق ، فإننا نحتاج إلى ما ندفع به هذا التعارض من القرائن . فأول ما نجده ، قرينة داخلية مصاحبة ، وهي وصف الراوي بما يوضح حاله عدالة وضبطا، وهذا يقتضي أن لفظ ((مستور)) المذكور في التركيب ، يصرف عن مدلوله الاصطلاحي إلى معنى عدالة الدين ، كما سبق توضيحه في أحد الأمثلة السابقة . وبهذا يتوافق مع ألفاظ العدالة الثلاثة المذكورة في التركيب ، كما أن ذكر تلك الألفاظ الدالة على جانب العدالة يمكن حملها على تأكيد جانب العدالة المذكور ضمنا في كل من : ثقة ، ومأمون ، بمعناهما الاصطلاحي . فيبقى معنا لفظا: (( ثقة ، ومأمون )) المذكوران ، ومرتبتهما متفاوتة كما: قدمت . ولكن يمكن صرف لفظ ((مأمون )) عن معناه الاصطلاحي ، وهو العدالة وخفة الضبط ، إلى معناه العام الداخل في عدالة الدين ، وبذلك لا يتعارض لفظ ((ثقة)) ، بل يكون هو وباقي ألفاظ التركيب بمعانيها السابقة، داخلة في المدلول الاصطلاحي للفظ (( ثقة))، ويعد ذكر تلك الألفاظ بعد لفظ التوثيق ، بمثابة التفصيل بعد الإجمال ، وذلك لتأكيد الجانب الأكبر من ركني التوثيق ، وهو العدالة في الدين ، وبذلك يندفع التعارض الظاهري بين مفردات هذا التركيب بمعونة قرينته الداخلية المصاحبة كما قدمت . ٣٢٣ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها وعليه يمكن القول: إن مقصود الخطيب من هذا التركيب عموما أن ((ابن السُّوْسَنْجِزْدِي)) هذاثقة، تام الضبط مع تأكيد عدالته وسلامتها من أي قادح. مثال ثالث عشر : وما قيل فيه من التركيب ودلالته وقرينته ١٣ - ومن ذلك أيضا: أن الخطيب نفسه في ترجمة ((للحسين بن علي بن عبد الله، المعروف بالطنَّاجِيري)) قال فيه: كان دَيِّنًا، مستورًا، ثقة صدوقا (١) فيمكن أن يقال في توجيهه ، ودفع تعارض ظاهره ، وبيان دلالته العامة على حال الراوي عند الخطيب ، نحو ما تقدم في المثال الذي قبله . مثال رابع عشر : وما قيل فيه من التركيب ودلالته وقرينته ومجمل الأقوال في حاله وما يترجح منها ١٤- ومما جاء عن الحافظ ابن حجر أيضا ، في استعمال التركيب الذي يُشْكلُ ظاهره، أنه ذكر في التقريب ((محمد بن حميد الرازي)) ولخص حاله بقوله: (( حافظ ضعيف)) (٢). فالوصف بلقب ((حافظ)) بمفرده ، يقتضي بالاصطلاح العام : العدالة وتمام الضبط (٣) ، فَذِكْرُ الوصف بالضعف معه في هذا التركيب ، جعله في ظاهره مشكلا ، لكن يُعد ذكره في ذات الوقت ، قرينة داخلية (١) تاريخ بغداد ٨/ ٧٩ - ٨٠ . (٢) تقريب التهذيب ( ٥٨٣٤ ) . (٣) وقد ذكر الذهبي ((محمد بن حميد)) هذا في تذكرة الحفاظ، ولقبه فعلا، بالحافظ ، لكن بين من حاله ما يقتضي تركه لغير حفظه ، وهو القدح في عدالته الدينية / التذكرة ٢ / ٤٩٠ . ٣٢٤ الْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَهُ وَالتَّغْديك مصاحبة ، تقتضي صرف لقب الحافظ عن مدلوله الاصطلاحي السابق ، إلى الوصف بالضبط فقط للمرويات هنا ، بالنسبة لمحمد بن حميد ، بمعنى أنه يَسْتَحْضِرُ مروياته الكثيرة ، ويتعاهدها بالمذاكرة ، حتى قال أبو زرعة الرازي : من فاته ابن حميد ، يحتاج أن ينزل في عشرة آلاف حديث (١). وطالما صُرف لقب الحافظ إلى معنى الضبط فقط ، فيكون وصف ((ضعيف)) المذكور متوجها إلى جانب العدالة فقط، وقد أشار الذهبي في تلخيصه لحال حميد إلى هذا فقال: (( ضعيف لا من قِبَل الحفظ )) ثم ساق من أقوال النقاد ما يقدح في عدالة ((حميد)) كما سيأتي توضيحه(٢). فإن جماعة من تكلموا عن حميد ، من معاصريه وممارسي حديثه ، وكذا مَنْ بعدهم ممن نظر في مروياته ، كل هؤلاء وأولئك ، قد جاء عنهم نسبته ، إجمالا وتفصيلا ، إلى ما يقدح في عدالته في دينه ، مما يتعلق بالرواية ، حيث کان یدعي سماع ما لم يسمعه من الأحاديث ، ويحدث بما ليس من حديثه ، ويركب المتون على غير أسانيدها، وهذه صور من سرقة الحديث ، وهي نوع من الكذب في الرواية ، وقد وُصف حميد بأنه كان يفعل ذلك عمدا ، ولذلك وصفه غير واحد بالكذب في هذا ، ومنهم من حلف على ذلك لتأكيده ، كما أنهم اتهموه في غير ما عُرف كذبه صراحة فيه ، وذكر (١) تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٩ . (٢) المغني في الضعفاء ٢ / ت : ٥٤٤٩. ٣٢٥ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها الجوزجاني أيضا أنه كان ردئ المذهب غير ثقة (١)، وقد روى ما يؤيد البدع وجعل العقيلي عهدة تغيير إسناده عليه(٢)، وتابعه الذهبي وابن حجر(٣). وقد حدثت مواجهة بين من وثق محمد بن حميد ، وبين من قدح فيه وأقنع فيها القادحون الموثقين ، فروى ابن حبان أن أبا زرعة الرازي ومحمد ابن مسلم بن وارة ، اجتمعا عند الإمام أحمد ، وسأله ابن وارة : هل رأيت محمد بن حميد ؟ قال : نعم ، قال : كيف رأيت حديثه ؟ قال : إذا حدث عن العراقيين ، يأتي بأشياء مستقيمة ، وإذا حدث عن أهل بلده مثل (( إبراهيم بن المختار وغيره ، أتى بأشياء لا تُعرف ، لا ندري ما هي ؟ فقال أبو زرعة وابن وارة : صح عندنا أنه يكذب ، قال صالح بن أحمد : فرأيت أبى بعد ذلك ، إذا ذكر ابن حميد ، نفض يده (٤) ، وقد طلب من ابن خزيمة الرواية عن محمد بن حميد ، لثناء أحمد عليه ، : فذكر أن أحمد لو عرفه ، كما عرفناه ، ما أثنى عليه أصلا (٥). (١) ينظر تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٩ - ٢٦٤ وتهذيب الكمال . (٢) الضعفاء للعقيلي ١ / ٢١١ - ٢١٢ / ترجمة ( الحارث بن محمد ) وينظر الموضوعات لابن الجوزي ١ / ح ٧٠٦، ٧١٢ واللآلى المصنوعة ١ / ٣٦١ - ٣٦٣ والأباطيل للجورقاني ٢ / ١٥٠ - ٠١٥٢ (٣) ينظر الميزان ١ / ٤٤١ / ترجمة ( الحارث بن محمد) واللسان ٢ / ت ٢٠٥٦ / ص ٥٢٥، ٥٢٦ / بتحقيق الشيخ أبي غدة - رحمه الله - (٤) المجروحين لابن حبان ٢ / ٢٠٢ - ٢٠٣ . (٥) الميزان ٣ / ت ٧٤٥٣ والتهذيب ٩ / ١٣١ . ٣٢٦ الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَِّعِ وَالتَّعَدِّم أما ابن معين - وهو ممن وثق بن حميد ، وذكر أن الأحاديث التي تنتقد عليه ، ليس من قبله ، إنما هو من قبل الشيوخ الذين يحدث عنهم(١)، فإن أبا حاتم الرازي يقول : سألني يحيى بن معين عن ابن حميد ، من قبل أن يظهر منه ، ما ظهر ، فقال أي شيء تنقمون عليه ؟ فقلت : يكون في كتابه الشيء ، فنقول : ليس هذا هكذا ، إنما هو : كذا وكذا ، فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول ، قال ابن معين : بئس هذه الخصلة ، قدم علينا بغداد ، فأخذنا منه كتاب يعقوب القُمى ففرقنا الأوراق بيننا ، ومعنا أحمد ابن حنبل فسمعناه ، ولم نر إلا خيرا (٢) . وقد أفادت هذه المواجهة أن توثيق من وثقه كان قبل أن يظهر له ما عرفه غيره من قوادح ثابتة اقتضت شدة ضعفه من جهة عدالته ، وكذا عامة روايته ، تبعا لذلك مهما كان ضابطا لها . وعليه فإن هذه قرائن خارجية تؤيد حمل وصف الضعف الذي في التركيب على هذا القدح في عدالته في الدين ، وفي الرواية . وبذلك يصبح المستفاد من عبارة التركيب السابقة عن ابن حجر : أن حميدا عنده ((ضعيف)) وقد اقتصر على ذلك في غير التقريب ، ففي موضعين من (١) تهذيب الكمال ٢٥ / ٠١٠١ (٢) الجرح ٧ / ٢٣٢ وتهذيب الكمال ٢٥ / ١٠١ والسير ١١ / ٥٠٥ وفي كليهما تحريف يُعرف صوابه من الجرح / الموضع السابق . ٣٢٧ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها الفتح قال : فيه مقال (١) ، وفي الهدي قال: لا يحتج به (٢). فهذه الألفاظ الثلاثة، أحدها وهو: (( فيه مقال )) يعد أخف ألفاظ الجرح ، ومن مرتبته الأولى (٣) ، واللفظان الآخران ، من المرتبة الثانية أو الثالثة (٤) من مراتب الجرح ، فهي أشد قليلا من الأولى ، والموصوف بأي منهما ضعفه قابل للانجبار إلى الحجية بما يعضده . لكن ما تقدم من الأقوال التفصيلية في حال (( محمد بن حميد)) أقل ما تقتضيه ، أنه متهم في عامة رواياته ، وصرح بذلك الخطيب ، فذكر أن المخالطين له من المحدثين والرواة جربوه ، فوجدوه متهما ، وأجمع مشايخ أهل الري وحفاظهم على أنه ضعيف في الحديث جدا (٥) . ومقتضاه أنه ليس في مرتبة الضعيف المنجبر للحجية ، حسب عبارات الحافظ ابن حجر السابقة ، وإنما كان المناسب لأقوال القدح المفسرة في عدالة محمد بن حميد ، أن يقول الحافظ في تركيبه السابق: (( حافظ متروك )» وعند الاختصار يقول : متروك ، أو ضعيف جدا ، وبالتالي يكون حديثه كذلك ضعيف جدا . (١) فتح الباري لابن حجر ١ / ٤٣٥ و ٨ / ٧٤١ . (٢) هدي الساري / ٣٥٤ . (٣) ينظر تدريب الراوي ١ / ٤٠٨ . (٤) التدريب ١ / ٤٠٨ . (٥) تاريخ بغداد ٢ / ٢٦١. ٣٢٨ الفَاطُ وَعَبَآَاتُ الَهَ وَالتَّعَدِيك وقد جرى الحافظ الذهبي في عدد من كتبه على وصف « محمد بن حميد )) بالحافظ مع ما يفيد تضعيفه ، تضعيفا غير شديد ، وبالتالي يقبل الانجبار ، والتقوي بما يعضده ، وذلك مثل قوله في المغني كما سبق : ((ضعيف لا من قِبَل الحفظ)) (١). أما في ديوان الضعفاء فوصفه بالحافظ ، مع ذكر قولين بوصفه بالكذب (٢). لكنه في كتاب المجرد قال: ((الحافظ، ليس بثقة)) (٣) ولفظ ((ليس بثقة)) من ألفاظ الجرح الشديد بما دون الكذب، والمساوي للفظ ((متهم بالكذب)) ولفظ ((متروك)) ومتروك الحديث (٤)، ثم صرح الذهبي في الكاشف بما ترجح لديه فقال: الحافظ، وثقه جماعة، والأولى تركه (٥)، وهذا هو الأقرب لما تقدم من الأقوال التفصيلية القادحة في عدالة محمد بن حميد، وفي روايته تبعا لذلك . مثال خامس عشر : وما قيل فيه من التركيب ودلالته وقرينته ومجمل الأقوال في حاله وما يترجح من ذلك عموما. ١٥- ومن هذا التركيب أيضا: أن ((عُمر بن هارون البَلْخي)) قال الحافظ ابن حجر فيه في التقريب: ((متروك وكان حافظا )) (٦). (١) وينظر العبر الذهبي ١ / ٤٥٢ والميزان ٣ / ت ٧٤٥٣ والسير ١١ / ٥٠٣ . (٢) ديوان الضعفاء للذهبي / ت ٣٦٨٠. (٣) المجرد في أسماء رجال ابن ماجه للذهبي / بتحقيق الأخ الدكتور / باسم الجوابرة . (٤) التدريب ١ / ٤٠٩ . (٥) الكاشف للذهبي ٢ / ت ٤٨١٠ . (٦) التقريب ( ٤٩٧٩ ). ٣٢٩ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها فهذا تركيب ظاهره مشكل، باعتبار الدلالة الاصطلاحية للفظي ((متروك)) و((حافظ))، وبنحو هذا عبر الذهبي في تاريخ الإسلام (١) عن حال ((عمر البلخي)) فقال: ضعفه ابن معين والناس، ثم قال: ((هو مع ضعفه ، حافظ ، وإمام مقرئ مكثر)) وفي تذكرة الحفاظ (٢) قال : لا ريب في ضعفه، وكان إمامًا حافظا في حروف القراءات . وبهذه الخلاصة الأخيرة ، وضح مقصود الذهبي بالتركيب المجمل في سابقيه ، وهو أن ضعفه باعتبار رواية الأحاديث فقط ، وأما حفظه وإمامته فباعتبار قرآآت القرآن . ويعد قول الذهبي هذا ، قرينة داخلية منفصلة عن تركيبيه السابقين . وقد دفعت الإشكال الظاهري فيهما ، كما أن قوله المذكور يعد قرينة خارجية ، يُدفع بها إشكال تركيب الحافظ ابن حجر السابق ، ثم إن كلا من الذهبي وابن حجر لخصا حال عمر هذا في موضع آخر بالترك مطلقا، فقال الذهبي في الديوان (٣): ((تركُوه )) وقال الحافظ في التلخيص الحبير(٤): متروك . فَعَدُّ هذا خلاصة ما يستفاد من تر کیب كل منهما السابق ويكون «عمر البلخي)) عند كل منهما متروك الحديث فقط، ويصرف ((الحفظ)) المذكور في كلا التركيبين إلى القرآت القرآنية، بالقرينة التي جاءت عن الذهبي، كما تقدم. (١) تاريخ الإسلام للذهبي ١٣ / ٣١٩ - ٣٢٠. (٢) تذكر الحفاظ للذهبي ١ / ٣٤١. (٣) ديوان الضعفاء للذهبي / ت ٣١١٨ . (٤) التلخيص الحبير ١ / ١٢٠. ٣٣٠ الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَرِعِ وَالتّغَدِيك مثال سادس عشر : وما قيل فيه من تركيب وتصويب ودلالته مع القرينة ومجمل الآراء في حاله والراجح من ذلك ١٥ - ومما استشكله الشيخ عبد الرحمن المعلِّمي - رحمه الله - من التركيب ، ما جاء في ترجمة (( شيبان بن عبد الرحمن النحوي )) من قول أبي حاتم الرازي فيه : حسن الحديث ، صالح الحديث ، يكتب حديثه، ولا يحتج به ))(١). وقد جاء قول أبي حاتم هذا في نقل غير واحد بدون عبارة ((ولا يحتج به))(٢)، وقد جاء عند الذهبي في السير (٣) بدونها، لكنه علق في نهاية الترجمة بما يفيد وجودها ، حیث قال : قلت : قول أبى حاتم: « لا يحتج به )) ليس بجید . فهذا التعقب من الذهبي دليل على أنه أثبتها في نقله هو ، ومن نسخة موثوقة في نظره ، وسيأتي ، قول ابن حجر إنه وقف عليها بخط الذهبي نفسه - يعني في الميزان . فلعل عدم وجودها في السير ، وفي المطبوع من الميزان حاليا ، سقط ناسخ أو طابع . وتَعَقُّبُهُ المذكور لأبي حاتم ليس من جهة استشكاله لاستعمال أبي حاتم للتركيب ؛ لأنه هو نفسه يستعمله كما مر معنا ، ولكن تعقبه لأبي حاتم ، من جهة أنه يرى رجحان التوثيق المطلق (١) الجرح والتعديل ٤ / ٣٥٥ - ٣٥٦. (٢) ينظر التعديل والتجريح للباجي ٣ / ١١٦٤ وتهذيب الكمال ١٢ / ٥٦٩ . (٣). سير النبلاء ٧ / ٤٠٧ . ٣٣١ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها الشيبان النحوي، ولذلك استهل ترجمته له بقوله: ((الإمام الحافظ الثقة))(١)، كما أنه وضع على أول ترجمته في الميزان (٢) علامة ((صح)) التي جرى اصطلاحه على وضعها أول الترجمة التي يترجح توثيق صاحبها عنده . وفي تاريخ الإسلام (٣) اقتصر من قول أبي حاتم على عبارة (( لا يحتج به)) دون تعقب، مع تصديره ترجمة ((شيبان)) بقوله: (( أحد المتقنين)) وفي المغني (٤) ذكر من قول أبي حاتم: عبارة (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) فقط، مع تصديره الترجمة فيه بقوله : (( ثقة مشهور)) . فهذا يدل على تكرر نظره في عبارة أبي حاتم ، واعتماده ثبوت اللفظة الأخيرة فيها ، مع ترجيحه في حال شيبان خلافها . بل إنه ركّز على تفرد أبي حاتم بها، فبعد تأكيده توثيق (( شيبان )) بالتكرير ، حيث وصفه بأنه (( ثقة حجة)) قال: قال أبو حاتم وَحْدَهُ: يُكتب حديثه ولا يحتج به(٥). وقد ذكر الحافظ ابن حجر قول أبي حاتم في (( شيبان)) كما ذكره المزي ، بدون عبارة (( ولا يحتج به))(٦)، ثم قال في أواخر الترجمة : وقرأت بخط (١) السير / الموضع السابق . (٢) الميزان ٢ / ( ت ٣٧٥٩ ) . (٣) تاريخ الإسلام للذهبي ١٠ / ٢٦٥ - ٢٦٧ . (٤) المغني في الضعفاء للذهبي ١ / ( ت ٢٨٠٤ ). (٥) معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد / ترجمة ( ١٥٩) ط الباز . (٦) تهذيب التهذيب ٤ / ٣٧٣. ٣٣٢ الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعَدِك الذهبي: قال أبو حاتم: (( لا يحتج به)) وعلق الحافظ بقوله: وهذه اللفظة ما رأيتها في كتاب ابن حاتم، فَيُنظر، ليس فيه إلا: (( يكتب حديثه)) فقط. يعني مع باقي القول كما تقدم ، ثم قال : وكذا نقله الباجي(١)، وفي هدي الساري (٢) ذكر أن عبارة (( لا يحتج به)) وهم في النقل ، فلا عبرة به. وما ذكرته فيما تقدم من وجود العبارة في المصدر الأصلي وهو الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ، ثم في عدة كتب للذهبي ، ووقوف الحافظ بنفسه عليها بخط الذهبي ، ثم تعليق الذهبي عليها بخصوصها والتنبيه على تفرده بها ، كما مر معنا، كل هذا يدفع القول بعدم ثبوتها عن أبي حاتم، ويدفع الوهم في نقلها عنه، كما أن الوهم بالسقط في النقل، أكثر احتمالا من الوهم بالزيادة . وقد عقب الشيخ المعلمي - رحمه الله - على قول الحافظ بالوهم في النقل بقوله : ولم يهم الذهبي ، يعني في النقل - ولكن هذه الكلمة ، وقعت في بعض النسخ دون بعض - يعني نسخ الجرح والتعديل ، ثم علل ذلك بقوله : : ويوشك أن تكون - يعني عبارة (( لا يحتج به )) - من زيادة بعض النساخ ، لأن أبا حاتم يكثر أن يقول: (( يكتب حديثه ولا يحتج به)) فلما قال في هذه الترجمة: ((يكتب حديثه))، جرى قلم الناسخ على العادة، بزيادة (( ولا يحتج به))، وهي كالمنافية لما قبلها ، ولما عليه الجمهور، والله أعلم (٣). (١) ينظر التعديل والتجريح للباجي ٣ / ١١٦٤ وتهذيب التهذيب ٤ / ت ٦٢٨ . (٢) هدي الساري / ٤١٠ . (٣) الجرح والتعديل للرازي ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧ حاشية رقم (٤). ٣٣٣ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها وما ذكره الشيخ - رحمه الله - فيه أمران : أولهما : تعليله اختلاف النسخ بتصرف النساخ ، وبإكثار أبي حاتم من عبارة (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) ، كلاهما غير مُسلّم به ، حيث ذكر هو بنفسه ثبوت عبارة ((ولا يحتج به)) في الأصلين اللذين اعتمد عليهما في تحقيق الكتاب ، فلم تنفرد بها نسخة واحدة ، حتى يتطرق إليها احتمال التصرف من الناسخ . ثم إن الوهم بالسقط أكثر من الوهم بالزيادة كما قدمت ، لاسيما في عبارة اصطلاحية ، تحتاج إلى خبرة أعلى من خبرة الناسخ في العادة . وأما قوله : إن أبا حاتم يكثر أن يقول : ((يكتب حديثه ولا يحتج به )) فهو غير مطابق لواقع كتاب الجرح والتعديل من أوله إلى آخره ، بحسب مراجعاتي التفصيلية له ، وبحسب ما أحصاه لنا الحاسب الآلي حاليا ، حيث بلغ عدد ذكر عبارة (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) هكذا مجتمعة ( ١٢٥ ) خمسا وعشرين ومائة ، مرة ، خلال الكتاب كله ، الذي زادت تراجمه على ثمانية عشر ألف ترجمة ، بحسب ترقيم التراجم في طبعته الحالية ، التي أشرف عليها وباشرها الشيخ المعلمي - رحمه الله - . ثانيهما: تقريره: أن عبارة (( لا يحتج به)) كالمنافية لما قبلها ، يعني في عبارة أبي حاتم السابقة ، فهذه المنافاة تتحقق بناء على الاصطلاح العام في عبارة (( حسن الحديث )) ، وهو أنها تعني حُسن حديث الراوي لذاته ، وبالتالي يكون الراوي الموصوف بذلك محتجا به بمفرده ، في حين تذكر ٣٣٤ الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَهُ وَالْتَّخَذِيك العبارة الأخيرة من قول أبي حاتم أنه (( لا يحتج به))، وعلى هذا يحصل التنافي بين عبارة (( حسن الحديث )) وبين عبارة (( ولا يحتج به )) ويكون قول أبي حاتم هذا مركبا مما يفيد حجية الراوي لذاته ، وعدم حجيته . بل إن لفظي ((صالح الحديث)) و(( يكتب حديثه)) وإن كانا من أدنى ألفاظ التعديل (١) ، إلا أنهما لا يفيدان ثبوت ضبط الراوي المقتضي لتحسين حديثه لذاته ، فضلا عن تصحيحه ، وبذلك يعد الموصوف بأي منهما ، في حكم الضعيف الذي يعتبر به ، ويتفق أبو حاتم مع الجمهور في هذا ، حتى قال الإمام الذهبي : قد علمتُ بالاستقراء التام أن أبا حاتم الرازي، إذا قال في رجل: (( يكتب حديثه )) أنه عنده ليس. بحجة(٢) وبالتالي تكون المنافاة حاصلة في عبارة أبي حاتم المذكورة ، ولو لم يُذ کر فیها قوله : ( ولا يحتج به )) لكن هذا التنافي حسب الاصطلاح العام عند الجمهور في لفظ (( حسن الحديث)) كما أشار الشيخ المعلمي نفسه . أما باصطلاح أبي حاتم صاحب القول ، فلا منافاة ، لأنه جاء عنه أن الحديث الذي إسناده حسن لا يحتج به عنده (٣) وجاء عنه أن الراوي (١) فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٤ وتدريب الراوي ١ / ٤٠٧ . (٢) ينظر سير النبلاء ٦ / ٣٦٠. (٣) تدريب الراوي ١ / ١٦٧ . ٣٣٥ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها الموصوف بأنه (( لا بأس به)) فحديثه حسن (١) ، فيكون أبو حاتم في هذا مخالفا للجمهور في دلالة لفظ (( حسن الحديث)) باعتبارها لا تعني عنده بمفردها الحجية ، لا بالراوي ، ولا بالحديث الموصوف كل منهما بذلك ، بخلاف ما استقر عليه اصطلاح الجمهور . وعليه يمكن اعتبار ما جاء عن أبي حاتم بخصوص اصطلاح ((حسن الحديث)) قرينة داخلية منفصلة ، تدفع ما يتبادر إلى الذهن من تعارض في قوله المذكور، عند حمل عبارة (( حسن الحديث)) على الاصطلاح العام ، ويحمل على ضوئها قول أبي حاتم (( حسن الحديث)) هنا على اصطلاحه الخاص الذي لا يقتضي الحجية ، وبالتالي لا يكون في قوله المذكور بأكمله تعارضا بين مفرداته ، بل يمكن اعتبار تلك المفردات من التكرير بالمعني لعدة ألفاظ تقتضي تضعيف (( شيبان )) هذا عند أبى حاتم ، وإن خالفه الأكثرون في توثيقه . ولو أننا سلمنا حمل لفظ (( حسن الحديث)) على معناه الاصطلاحي الذي استقر عليه الجمهور ، فيمكن القول : بأن قول أبي حاتم هذا من صورة التركيب الجامعة بين ما يقتضي الاحتجاج بالراوي بمفرده ، وبين تضعيفه ، وتضعيف حديثه بمفرده، ثم نعتبر أن لفظي: (( يكتب حديثه ، ولا يحتج به )) قرينة داخلية مصاحبة ، تقتضي صرف لفظ ((حسن (١) ينظر العلل لابن أبي حاتم الرازي ١ / مسألة (٣٦٥). ٣٣٦ الْفَاظُ وَ عَبَاَاتُ الََّةِ وَالتَّعَدِك الحديث)) عن مدلوله (( الاصطلاحي العام، إلى معنى لا يتعارض مع باقي ألفاظ التركيب ، مثل الحمل على أنه حسن في المتابعات ، كما قال المنذري عن ابن لهيعة (١) ، وبذلك تندفع المنافاة بين ألفاظ عبارة أبي حاتم المذكورة بأكملها ، كما ثبتت عنه ، بدلا من تقرير الحذف منها دون سند معتبر . من جهود الشيخ المعلمي ، وسبقه في الإشارة إلى وسائل معرفة دلالة التراكيب : ثم إن الصرف للفظ التوثيق عن مدلوله الأصلي في العبارات التركيبية أمر أقره الشيخ المعلمي - رحمه الله - وجاء له فيه توجیه قیم ، ويعد من السابقین إليه ، في البحث عن أحوال الرواة ، حيث نبه على ضرورة معرفة رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل في الراوي، ومعرفة اصطلاحه في استعمال الألفاظ والعبارات النقدية ، وأنه يستعان على ذلك بتتبع كلامه في الرواة ، واختلاف الروايات عنه في بعضهم ، توثيقا مرة ، وتجريحا أخرى ومقارنة كلامه بكلام غيره . ثم ذكر أن مما يدل على استعمال كلمة ((ثقة)) فيما دون معناها المشهور - وهو العدالة والضبط التام - أن جماعة من النقاد يجمعون بينها وبين التضعيف في قول واحد ، وذكر قول أبي زرعة الرازي في (( عمر بن عطاء ابن وراز)): ((ثقة لين)) وقول العجلي (٢) في القاسم أبي عبد الرحمن الشامي)) : ثقة يكتب حديثه ، وليس بالقوي ، وقال يعقوب بن شيبة في (١) ينظر الرجال الذين تكلم عليهم المنذري جرحا أو تعديلا في الترغيب والترهيب / ١٣٠، ١٣٠١. (٢) تحرفت في المطبوع إلى ٥ الكعبي، وينظر التهذيب ٨/ ٣٢٢. ٣٣٧ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (( ضعيف الحديث وهو ثقة ، صدوق ، رجل صالح )) (١) وذكر تمام ثمانية عشر راويا ممن ذكر بعض النقاد في حال كل منهم توثيقا وتضعيفا ، في عبارة تركيبية واحدة (٢) وبعضهم ممن تقدم ذكري له في النماذج السابقة . وقد عقب الشيخ المعلمي على من ذكرهم، بأن كلمة (( ثقة)) معناها التوثيق التام ، فلا تُصرف عنه إلا بدليل ، ثم فصل مراده بالدليل فقال : إما قرينة لفظية ، كقول يعقوب بن شيبة ((ضعيف الحديث ، وهو ثقة صدوق ... )) يعني في حال عبد الرحمن بن زياد ، كما قدمت . ثم قال: ((وإما حالية منقولة)) يعني قرينة تكون عبارة عن قول منقول عن الناقد نفسه في حال الراوي موضع البحث أو غيره ، كما في بعض النماذج التي سبق ذكري لها . ثم قال : (( أو مُستدَلٌ عليها (٣) بكلمة أخرى عن قائلها ، أو عن غيره (٤) ولاسيما إذا كانوا هم الأكثر (٥) ، ثم قال الشيخ - رحمه الله - (١) تهذيب التهذيب ٦ /١٧٤ . (٢) ينظر التنكيل للشيخ عبد الرحمن المعلمي ١ / ٦٨ و ٦٩ - ٧٠. (٣) يعني القرينة . (٤) يعني تكون القرينة المستدل بها قولاً صادرا عن غير قائل التوثيق ، لكن في الراوي نفسه. (٥) ويلاحظ أن ما ذكره المعلمي رحمه الله من الأدلة الصارفة ، يلتقي مع ما قدمته في تقسيم = ٣٣٨ الفاظُ وَ عَبَارَاتُ الَرِجُ وَالتَّعْدِيك وكم من راو يوثّق ، ولا يحتج به ، كما في كلام يعقوب بن شيبة (١) بل كم ممن يوصف بأنه (( صدوق )) ولا يعد ثقة ، كما قال ابن مهدي : أبو خلدة : صدوق مأمون ، الثقة سفيان وشعبة (٢) . فهذا الكلام القيم فعلا من الشيخ المعلمي - رحمه الله - والمتسق مع ما قدمته من عبارات التركيب عموما بصورها الثلاثة ، تعقيدا ، وتأصيلا ، وتطبيقا ، لعله لم يكن قد تبلور لديه حين التعليق على الموضع السابق من ترجمة (( شيبان النحوي )) في الجرح والتعديل ، لأن مقتضى ما تقدم عرضه من كلامه ، وأمثلته التطبيقية في التنكيل ، أن لا يَسْتَشكِّلَ ذكر عبارة (( لا يحتج به)) مع حسن الحديث ، وصالح الحديث ، ويكتب حديثه، في قول أبي حاتم السابق في حال ((شيبان النحوي )) وأن لا يجعلها خطأ من النساخ ، ويعلل ذلك بمنافاتها لما قبلها ، وذلك لأنه أقر فيما ذكره من الأمثلة المتعددة ثبوت تضعيف مع توثيق ، في قول واحد من عالم واحد في راوٍ واحد ، واعتبر التضعيف في مثل هذه الحالة قرينة ودليلا صارفا للفظ التوثيق عن معناه الأصلي وهو العدالة وتمام الضبط ، = القرائن إلى داخلية ، مصاحبة أو منفصلة ، وقرينة خارجية متعلقة بالراوي أو بالناقد صاحب القول ، مع إشارته رحمه الله إلى مراعاة الراجح من المرجوح من هذه القرائن. (١) في التنكيل ١ / ٧١ ((سفيان)) وهو سهو من الشيخ - رحمه الله - في الإحالة على من تقدم في كلامه وهو يعقوب بن شيبة ، هو الموافق لموضع القول المحال به في التهذيب ٦ / ١٧٤ . (٢) التنكيل ١ / ٧٠ - ٧١ . ٣٣٩ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها المقتضيان للاحتجاج بالراوي وصحة حديثه ، إلى معنى العدالة في الدين ، كما أوضحته فيما سبق ، وبذلك لا يتنافى مع وصف التضعيف المصرح به في القول نفسه ، حيث يُحمل على الجانب الآخر من حال الراوي وهو الضبط ، فتكون النتيجة المستفادة من جمع اللفظين معا في وصف الراوي هي : تقرير عدالته في الدين وتضعيفه من جهة الضبط . وهذا يتفق من حيث التقعيد والتأصيل مع ما تقدم من تعليل الترمذي(١) لاختلاف النقاد في الراوي توثيقا وتضعيفا . فلعل ما ذكره الشيخ رحمه الله في التنكيل ، هو ما استقر عليه رأيه ، واعتمده مؤخرا بتفاصيله وتطبيقاته ، وهو الموافق لصنيع متقدمي النقاد ومتأخريهم من قبله ، كما تقدم في النماذج . ، من آراء الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في دلالة التركيب : أما الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - فقد وجدت له أنموذجا تطبيقيا لدلالة العبارة التركيبية في نظره ، حيث أخرج الترمذي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي ، قال : صلى بنا المغيرة بن شعبة : فنهض في الركعتين ، فسبح به القوم ، وسبح بهم ، فلما قضى صلاته سلّم ، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ، ثم حدثهم : أن رسول الله عٍَّ فعل بهم مثل ذلك . (١) ينظر جامع الترمذي - كتاب العلل ٦ / ٢٣٦. ٣٤٠ اَلْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهَ وَالتَّعَديك وعلق الترمذي على الحديث بنقد كل من الإمام أحمد والبخاري لابن أبي ليلى من جهة حفظه ، وتقريرهما عدم الاحتجاج به لأجل هذا (١) ومقتضى ذلك أن الترمذي يرى ضعف الحديث المذكور من طريق ابن أبي ليلى ، لضعف ضبطه . لكنه أشار أن الحديث قد روى من طرق أخرى عن المغيرة بن شعبة ، ثم أخرجه من بعض تلك ، الطرق في الباب نفسه وقال : هذا حديث حسن صحيح (٢) . لكن الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - علق على الحديث من طريق ابن أبي ليلى ببيان خلاصة حاله ودرجة حديثه عنده ، فذكر علو مكانته في الفقه والقضاء ، وقال : ولكن أخطأ في بعض أحاديثه ، ثم قال : وأعدل ما قيل فيه ، قول يعقوب بن سفيان : ثقة عدل ، في حديثه بعض المقال ، لين الحديث عندهم . وعقب الشيخ على قول يعقوب بقوله : ومثل هذا لا يقل حديثه عن درجة الحسن المحتج به ، وإذا تابعه غيره ، كان الحديث صحيحا ، كما في هذا الحديث ، إذ روي من غير وجه . فيلاحظ أن عبارة يعقوب هذه مركبة من توثيق ، ووصف بالعدالة ثم وصف بلفظين يعد كل منهما بمفرده من أخف وأول مراتب الجرح وقد (١) جامع الترمذي - بتحقيق وتعليق الشيخ أحمد شاكر، كتاب الصلاة - باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا ٢ / حديث ( ٣٦٤ ). (٢) جامع الترمذي - الموضع السابق / حديث (٣٦٥).