Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الفصل الثالث: الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
: (( يخطىء)) والتعبير بالمضارع هكذا مطلقا، يفيد تكرر الخطأ واستمراره
وكذلك قول الفسوي يفيد كثرة مناكير ((مؤمل))، بحيث يضعف
لأجلها حديثه . أما قول أبي داود إنه (( يهم في الشيء)) وقول ابن حبان :
(( ربما أخطأ)) فيشيران إلى قلة خطئه بما ينزله في الحجية عن مرتبة الثقة المطلق
إلى مرتبة الصدوق الذي يحسن حديثه لخفة ضبطه ، كما هو مقتضى تعريف
الحسن لذاته وتطبيقه ، كما تقدم توضيحه في موضعه (١) ويؤيده تخريج ابن
حبان لمؤمل في صحيحه كما تقدم، وكذلك أخرج له ابن خزيمة في صحيحه
دون توقف فيه (٢)، كما فعل في غيره ممن يرى سوء حفظه (٣) .
لكن عند إرادة الترجيح العام في خلاصة حال مؤمل عند جمهور من
تكلم فيه ، نجد أنه لم يوثقه توثيقا مطلقا غير تلميذه إسحق بن راهويه ،
كما تقدم ، ويقابله التضعيف الشديد لضبطه من البخارى كما تقدم أيضا .
وابن معين مع توثيقه له في أكثر الروايات عنه ، فإنه ضعفه في روايته عن
الثوري ، وتقدم تضعيف جماعة له بكثرة الخطأ ، كما أن أكثر الأقوال
المركبة ، وكذا المفصلة لوجه التركيب في حاله، كل ذلك يفيد أنه مع كمال
عدالته في الدين ، فإنه كثير الخطأ في الحديث ، بما يقتضي نكارة حديثه
وضعفه لذاته ، مع صلاحيته للترقي للحجية بما يعضده من متابع أو شاهد .
(١) وينظر مثاله في السير ٦ / ١٧٨.
(٢) صحيح ابن خزيمة - ١ / ٢٤٣ حديث ( ٤٧٩ ).
(٣) صحيح ابن خزيمة - الصلاة ٣ / ١٧٧ باب (١١٥) حديث ( ١٨٦٠ ).

٣٠٢
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الََّةِ وَالتَّعَدِيك
وأقرب عبارات المتأخرين الجامعة لهذا التركيب قول الحافظ ابن حجر
في التقريب إنه ((صدوق سيء الحفظ)) (١) .
مثال عاشر : وما فيه من التركيب ودلالته مع القرينة
ومجمل الأقوال في حاله وما يترجح منها عموما
١٠ - ومما ركب فيه الوصف بـ (( ليس به بأس)) مع معارضه في
الظاهر : أن (( يحيى بن يمان العجلى ، أبو زكريا )) ذكر ابن محرز أنه سأل
ابن معين عنه فقال : ليس به بأس ، صدوق ، ليس بذاك القوي » وقد
تكرر هذا في سؤالات ابن محرز مرتين (٢) .
ومع ذلك لم أقف على من نقله في ترجمته لیحیی ممن جاء بعده ، وابن
معين ممن روى عن ((يحيى بن يمان)) روايات متعددة وسبر كثيرا من
مروياته عنه وتدارسها مع غيره من النقاد كما سيأتي في بقية أقواله .
ويلاحظ أن هذا التركيب كما ترى - قد اشتمل على ألفاظ تعد من
ثلاث مراتب حسب اصطلاح القائل وهو ابن معين .
فأولها: (( ليس به بأس )). وقد قال أحمد بن أبي خيثمة : قلت ليحيى
ابن معين : إنك تقول : فلان ليس به بأس ، وفلان ضعيف ، قال : إذا
قلت لك : ليس به بأس ، فهو ثقة ، وإذا قلت لك : هو ضعيف ، فليس
(١) التقريب (٧٠٢٩ ) .
(٢) معرفة الرجال عن ابن معين، رواية ابن محرز ١ / رقم ٦٨، ٨١،

٣٠٣
الفصل الثالث: الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
هو بثقة ، لا يكتب حديثه (١)، وعلى هذا اعتبر العلماء أن عبارة (( ليس
به بأس)) في اصطلاح ابن معين بمرتبة (( ثقة)) عنده ، وبالتالي يصحح
حديث الموصوف منه بها لذاته ، ما لم تكن هناك علة .
وثانيها: لفظ ((صدوق)» ولم نجد لابن معين فيه اصطلاحا خاصا ،
ولكنه بمفرده بحسب الإصطلاح العام يُعَدُّ من المرتبة الأنزل من الثقة
مباشرة كما قدمت توضيحه في موضعه ، وبالتالي يقتضي الوصف به
مفردًا حُسْنَ حديث الراوي لذاته ، ما لم تكن هناك علة .
وثالثها: عبارة (( ليس بذاك القوي)) وهي عند ابن معين وغيره ، بمعنى
((ضعيف)) (٢)، وعليه فمن يوصف بهذه العبارة بمفردها ، يكون حديثه
ضعيفا لذاته ، ويكتب للاعتبار (٣) ، وتقدم قول ابن معين : أن قوله :
ضعيف ، يعنى : أن الراوي ليس بثقة ، فلا يكتب حديثه ، يعني
للاحتجاج ، بل يكتب للاعتبار (٤).
(١) ينظر تاريخ ابن أبي خثيمة ١ / ٢٢٧ وأخرجه الخطيب في الكفاية / ٢٢ - باب معرفة ما
يستعمل أصحاب الحديث من العبارات / من طريق الحسين بن صدقة عن ابن أبي خيثمة عن ابن
معين ، به . وعزاه إلى ابن أبي خيثمة عن ابن معين السخاوي / فتح المغيث ٢ / ١١٧
والسيوطي / التدريب ١ / ٤٠٥ .
(٢) ينظر ابن معين وكتابه التاريخ دراسة وتحقيق الأخ الفاضل الدكتور / أحمد محمد نور سيف ١ /
٩١ ٠
(٣) ينظر التدريب ١ / ٤٠٨.
(٤) ينظر ابن معين وكتابه التاريخ ١ / ٩١.

٣٠٤
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَهْجِ وَالتَّعْدِيَك
وبالتالى يعد التركيب السابق من ابن معين لهذه الألفاظ الثلاثة متعارضا
في الظاهر، لكن ذكره فيه عبارة (( ليس بذاك القوي)) يعد قرينة داخلية
مصاحبة، تقتضي صرف كل من ((ليس به بأس)) و ((صدوق))
المذكورين معها ، عن معناهما الاصطلاحي الدال على حجية الراوى:
الموصوف بأي منهما بمفرده كما تقدم ، إلى معنى : عدالة (( يحيى )) هذا
في دينه، ويحمل (( ليس بذاك القوي)) على التضعيف من جهة الضبط ،
وستأتي قرائن أخرى تؤيده .
وبذلك يندفع التعارض الظاهري بين ألفاظ هذا التركيب ، ويصبح معناه
العام: أن ((يحيى)) عدل في دينه ، ضعيف من جهة ضبطه.
وعليه تكون هذه القرينة الداخلية المصاحبة للتركيب ، قد عارضت
دلالة القرينة الداخلية المنفصلة وهى تقرير ابن معين في قوله السابق إن
((ليس به بأس)) عنده بمنزلة ((ثقة))
وهذا مثال لما قدمت الإشارة إليه في التقعيد ، من أن القرائن قد تتعارض
دلالاتها ، فيحتاج الأمر إلى ترجيح بعضها على بعض ، عند عدم إمكان
الجمع ، كما في هذا الموضع ، فالأولى بالترجيح فيه : هو دلالة القرينة
المصاحبة وهي عبارة (( ليس بذاك القوى)) لتعلقها بحال الراوي نفسه .
ومما يؤيد إعمال هذه القرينة المصاحبة في دفع التعارض ، وجود قرائن
أخرى منفصلة تؤيدها ، وهي أكثر أقوال ابن معين في حال (( يحيى)).
ففي رواية الدورى قال ابن معين : ربما عارضْتُ بأحاديث (( يحيى بن

٣٠٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
يمان)) أحاديثَ الناس ، فما خالف فيه الناس ضربتُ عليه ، وقد ذكرت
لوكيع شيئا من حديثه عن سفيان ، فقال وكيع : ليس هذا سفيان الذي
سمعنا نحن منه (١) ، زاد الغلابي في روايته ، أن وكيعا استنكر هذه
الأحاديث جدا (٢) .
وفي رواية ابن الجنيد قال ابن معين : يحيى بن يمان ليس بثبت ، ثم ذكر
قول وكيع السابق ، ثم قال : لم يكن يبالي أي شيء حدّث ، كان يتوهم
الحديث (٣).
وفي رواية ابن الجنيد أيضا أن ابن معين سئل عن ((جحدَب بن جَرعب))
فقال : ما روى أحد عن سفيان عن جحدب بن جرعب التيمي إلا يحيى
ابن يمان ، قال ابن الجنيد : كأنه ضعف يحيى بن يمان (٤) ، وفي رواية
الدارمي عن ابن معين ، قلت : فيحيى بن يمان ؟ فقال : أرجو أن يكون
صدوقا ، قلت فكيف هو في حديثه ؟ فقال : ليس بالقوي (٥) ، وهذه
الرواية مقاربة لما ذكره في آخر التركيب السابق في رواية ابن محرز ،
وفيها القرينة المصاحبة الدالة على تضعيفه له ولحديثه كما ترى .
(١) تاريخ يحيى بن معين، برواية الدوري ٢ / ٦٦٧ والجرح والتعديل ٩ / ١٩٩.
(٢) تاريخ بغداد ١٤ / ١٢٢.
(٣) ينظر سؤالات ابن الجنيد لابن معين / برقم (٦٨١) وتهذيب الكمال ٢٩ / ٥٧ - ٥٨ .
(٤) السؤالات السابقة / برقم ( ٤٢٢ ) .
(٥) سؤالات الدارمي لابن معين / برقم (٩٨) وتاريخ بغداد ١٤ / ١٢٣.

٣٠٦
الفَاظُ وَعَبَادَاتُ الَّهِ وَالتّعْدِيَّاك
ثم إنه جاء عن ابن معين أيضا ثلاث روايات أخرى ، قال في واحدة
منها : يحيى بن اليمان ضعيف ، وفي أخرى قال : ضعيف الحديث ،
وفى ثالثة قال : كان يضعف في آخر عمره في حديثه (١) .
وجاء عنه في رواية قال: ليس به بأس (٢) ، وفي رواية أخرى ، قال:
ثقة(٣) ..
ومن هذا يلاحظ أننا حين نستعرض مجموع أقوال ابن معين في شيخه
((يحيى بن يمان))، نجد أكثرها وأشهرها مشتملة على تضعيفه، إما
مجملا ، وإما مفسرا بما يرجع إلى ضبطه مطلقا ، أو مقيدا برواياته عن
سفيان الثوري - وهو مكثر عنه - أو بآخر حياته ، لإصابته حينذاك بمرض
الفالج ، كما صُرح به في أقوال غير ابن معين (٤) ، ولم أجد توثيق ابن
معين المطلق ليحيى بأنه ((ثقة)) أو ((ليس به بأس)) إلا في الروايتين
السابقتين فقط . وبالتالي تترجح عليهما رواية الأكثر للتضعيف ، مع
تفسيره في عدد من الروايات بجهة الضبط ، ويحمل هذا التوثيق على
جانب عدالة يحيى المؤكدة في دينه ، كما حُمِلَ على ذلك فيما سبق من
قول ابن معين المركب ، ويتحقق بهذا ، الجمع بين عامة أقوال ابن معين
(١) تاريخ بغداد ١٤ / ١٢٣ .
(٢) تهذيب الكمال ٢٩ / ٥٨.
(٣) الجرح والتعديل ٩ / ت ٨٣٠.
(٤) ينظر تاريخ بغداد ١٤ / ١٢٢ و ١٢٣.

٣٠٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
في شيخه ((يحيى)) بأنه عنده مؤكد العدالة في دينه ، مع ضعفه من جهة
ضبطه ، ضعفا قابلا للانجبار بما يعضده .
وبهذا المثال من التركيب ، وقرائنه التى بينت دلالته على خلاصة حال
الموصوف به ، ودرجة حديثه ، يتضح لنا أن اصطلاح ابن معين الخاص
بعبارة (( ليس به بأس)) وأنها عنده بمعنى التوثيق المطلق، إنما يُعْمَلُ به في
حالة وصفه للراوى بها بمفردها فقط ، غير مركبة مع غيرها من ألفاظ ، أو
عبارات تقتضي رفع مكانةٍ الراوي ، أو إنزاله عن التوثيق المطلق الذي هو
مقصود ابن معين بها ، وقد نبهت على ذلك أيضا مع بعض الأمثلة فيما
تقدم من بحث الألفاظ المفردة .
وأضيف هنا: أنه إذا ركب ابن معين عبارة (( ليس به بأس)) أو (( لا بأس
به)) مع غيرها ، كانت العبرة بصورة التركيب مجتمعة ، وما يوجد له من
قرائن تبين دلالته العامة . وهذا التقرير لم أقف على من تعرض له ، مع
وجود ما يؤيده من إطلاقات ابن معين ، كما في المثال الذي تقدم .
كما أنبه هنا إلى أن لفظ ((ليس به بأس)) أو ((لا بأس به)) بالإطلاق
العام ، وهو كونه - كما تقدم في موضعه - في المرتبة الأدنى مباشرة من
مرتبة ((الثقة)) المطلق ، وكذا باقي ألفاظ المرتبة مثل صدوق ، ومأمون
وخيار ، فهذه الألفاظ إذا رُكِّبَتْ مع غيرها ، فتكون دلالتها ودرجة
حديث الموصوف بها ، مرجعُهما إلى ما يفيده مجموع ألفاظ التركيب ،
وما يوجد من قرائن توضح المراد، كما مر معنا في تركيب (( ليس به

٣٠٨
الفاظُ وَ عَبَارَاتُ الَّهِ وَالتَّعَديك
بأس )) باصطلاح ابن معين . وستأتي بعض الأمثلة لألفاظ تلك المرتبة
حسب الاصطلاح العام لألفاظها .
وعندما نستعرض أقوال غير ابن معين من النقاد في حال (( يحيى بن
يمان))، ومنهم بعض الرواة عنه ، مثل محمد بن عبد الله بن نمير ،
ومحمد بن عبد الله بن عمار ، فلا نجد أحدا وصفه بالتوثيق المطلق ، وإنما
نجد أكثر الأقوال ، مركبة ، أو مفردة ، متفقة ، على نحو ما اتفقت عليه
أکثر أقوال ابن معین ، وهو : عدالة « یحیی )) في دينه ، حتى وصفه أبو
بكر بن عياش بأنه ((رَاهبٌ)) (١).
قال ابن حجر : لعبادته ، مع إشارة الباقين إلى ما يقتضي ضعف ضبطه
مطلقا ، وعدم حجيته ، وبعضهم قيده بآخر حياته ، لما مرض بالفالج(٢)،
بل إن ابن عدي - بعد سبره لمروياته قال : وعامة ما يرويه غير محفوظ ،
وابن يمان في نفسه لا يتعمد الكذب ، إلا أنه يخطئ ، ويشتبه عليه .
(١) وتحرفت في الميزان إلى: ((ذاهب)) ٤ / ت ٩٦٦١.
(٢) ينظر الجرح والتعديل ٩ / ت ٨٣٠ والطبقات لابن سعد ٦ / ٣٩١ والضعفاء للعقيلي ٤ /
٤٣٣ - ٤٣٤ والعلل لأحمد برواية المروذي / رقم ( ٥٣) وبرواية عبد الله بن أحمد ١/ ٨٩
ط دار اللواء ، والكامل لابن عدي ٧ / ٢٦٩١ - ٢٦٩٢ وتاريخ بغداد ١٤ / ١٢٠ - ١٢٤:
والمعرفة والتاريخ للفسوي ١ / ٦٨١، ٧٢١، ٧٢٧ ٢ / ٢٢٥ والثقات لابن شاهين / برقم
( ١٦٠٦، ١٦١٦) وترتيب ثقات العجلي ٢ / ٣٦٠ وسنن النسائي الصغرى ٨ / ٣٢٥.
كتاب الأشربة . وتهذيب الكمال ٢٩ / ٥٥ - ٦٠ وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي ١٢ / ت
٥٢٢٨ والميزان ٤ / ت ٩٦٦١ وتهذيب التهذيب ١١ / ت ٥٨٩ .

٣٠٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وأقرب تركيب وجدته جامعا لخلاصة الأقوال في حال (( يحيى)) عموما
قول الحافظ في التقريب: (( صدوق عابد، يخطئ كثيرا، وقد تغير)) (١)
يعني في آخر عمره .
فهذا تركيب مما يقتضي بمفرده حجية الراوي وتحسين حديثه لذاته ،
وهو لفظ ((صدوق))، ومما يقتضي بمفرده أيضا تضعيف الراوي من جهة
ضبطه ولاسيما في آخر حياته ، وهو عبارة (( يخطئ كثيرا وقد تغير ))
وبذلك يتعارض مجموع ألفاظ التركيب في الظاهر ، ولكن وجود العبارة
المفيدة لضعف الضبط صراحة، ووجود لفظ ((عابد))، كلاهما يعد
قرينة داخلية مصاحبة تقتضي صرف لفظ ((صدوق)) هنا عن مدلولها
الاصطلاحي السابق عند الحافظ نفسه وعند الجمهور ، إلى معنى العدالة
في الدين ، وبذلك لا تعارض التضعيف المذكور من جهة الضبط ،
وتكون الخلاصة الإجمالية المستفادة من هذا التركيب أن (( يحيى)) مع
عدالته في الدين فهو ضعيف من جهة ضبطه ، وخاصة في آخر حياته .
ولذا وجدنا الحافظ نفسه في غير هذ التركيب يقتصر في حال ( يحيى )
على وصفه بلفظ ( ضعيف ) فقط ، وذلك في موضعين من فتح الباري(٢).
ولو أردنا المقارنة والتأصيل فسنجد صنيع الحافظ هذا في التركيب
(١) ينظر تقريب التهذيب ( ٧٦٧٩ ).
(٢) ينظر فتح الباري لابن حجر ٩ / ٢٣٨ و١٠ / ٤١.

٣١٠
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الََّةِ وَالتَّعْدِك
والاختصار ، يشابه صنيع ابن معين فيهما كما تقدم (١)
أما الإمام الذهبي ، فاختلف صنيعه في خلاصة حال ((يحيى)) ، ففي
المغنى (٢) ذكر من الأقوال ما يقتضي ضعفه من جهة ضبطه ، وفي
الديوان (٣) اقتصر على ذكر قولين بتضعيفه مجملا ، وفي معرفة الراوة
المتكلم فيهم بما لا يقتضي الرد (٤) نحو ذلك .
أما في الكاشف (٥) ، فذكر ما يقتضي تحسين حديثه في أول حياته قبل
أن يصاب بالفالج ، فيسوء حفظه . وفي تذكرة الحفاظ (٦) صدر الترجمة
بما يقتضي توثيق يحيى مطلقا، فقال: ((الحافظ الصدوق)).
وهكذا استهل الترجمة في السير (٧) ، لكنه في خلالها عقب على ما
ذكره من أقوال تضعيف ((يحيى)) بقوله: قلت: (( قد رضيه مسلم ))
وبقوله : قلت : حديثه من قبيل الحسن .
وبناء على ما قدمته من استعراض أكثر أقوال النقاد في حال يحيى، فإن الأوفق
(١) وانظر معرفة الرجال عن ابن معين رواية ابن محرز ١ / ٦٨، ٨١ وتاريخ الدارمي عن ابن معين /
برقم ( ٩٨ ) وتاريخ بغداد ١٤ / ١٢٣ .
(٢) المغني في الضعفاء للذهبي ٢ / ت ٧٠٧٥ .
(٣) ديوان الضعفاء / ت ٤٧٠٣ .
(٤) الكتاب المذكور / ت ٣٧٤ .
(٥) الكاشف ٢ / ت ٦٢٧٤.
(٦) التذكرة ١ / ٢٨٦.
(٧) سير النبلاء ٨ / ٣٥٦ - ٣٥٧.

٣١١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
لها، ما جاء في كل من المغني والديوان ومعرفة الرواة المتكلم فيهم، وهو المتفق
مع صنيع الحافظ ابن حجر كما قدمته ، وكذا غيره (١).
أما ما ذكره الذهبي من أن مسلما قد رضي ((يحيى بن يمان))، فالجواب عنه:
أن مسلما لم يحتج به ، وإنما أخرج له حديثا واحدا في كتاب الزهد والرقائق ،
مقرونا بعبدة بن سليمان، كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
(( كنا آل محمد لنمكث شهرًا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء))، ثم أخرج
الحديث نفسه عقب هذه الرواية ، وذلك من طريق عبدالله بن نمير وأبي أسامة - وهو
حماد بن أسامة - كلاهما عن هشام بن عروة به ، مع زيادة في آخره (٢) .
وبذلك لا يقدح تضعيف (( يحيى)) في إخراج مسلم له متابعة ، مما تابعه
عليه الثقات في الموضع نفسه . وقد قرر الحاكم : أن مسلما من شرطه
الاستشهاد باللين طالما ذكر الأصل عن الثقات (٣).
مثال حادي عشر : وما قيل فيه من التركيب ودلالته مع
القرينة ومجمل الأقوال في حاله وما يترجح عموما في ذلك
١١ - ومن نماذج التركيب أيضا، أن ((مُحِل بن مَخرز الكوفي)»
قال فيه أبو حاتم الرازي: (( من ثقات أصحاب إبراهيم (٤) ، ما بحديثه
(١) كالبيهقي / السنن الكبرى ١ /٣٧ وشمس الدين ابن عبد الهادي / ينظر نصب الراية ٤ / ٣٠٨.
(٢) ينظر صحيح مسلم ٤ / حديث (٢٩٧٢ ) كتاب الزهد والرقائق .
(٣) ينظر المدخل إلى الصحيح للحاكم ٤ / ١١١ بتحقيق د / ربيع مدخلي وبعض طلابه.
(٤) يعني ((النخعي)).

٣١٢
الْفَاظُ وَعَبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعَدُك
بأس ، ولا يحتج بحديثه ، كان شيخا مستورا ) .
ثم قال ابن أبي حاتم : أدخله البخاري في كتاب الضعفاء ، فسمعت
أبي يقول: (( يُحوَّل من هناك)) (١) ، فيلاحظ أن قول أبي حاتم الأول قد
اشتمل على تركيب ألفاظ من عدة مراتب .
أولها : توثيق يقتضي بمفرده صحة حديث الراوي .
وثانيها: ((ما بحديثه بأس)) يقتضي تحسين حديثه لذاته .
وثالثها : تضعيف بعدم الاحتجاج بحديثه ، ومقتضاه أنه يعتبر به .
ورابعها : لفظ ((شيخ)) وهومن أدنى مراتب التعديل.
وخامسها: (( مستور)» وهو بالاصطلاح العام: من عُرف شخصه بعينه
برواية واحد من أئمة الرواة ، أو اثنين من عامة الثقات عنه ، ولکن مجهل
حاله ، فلم يعرف بجرح ولا تعديل (٢) .
(١) الجرح والتعديل ٨ / ت ١٨٨٥ ويلاحظ أن هذين قولان لأبي حاتم منفصلان، لكن المزي
ذكرهما متصلين في سياق واحد، كما أن عبارة ((من ثقات أصحاب إِبراهيم)» جاءت عنده
بلفظ ((من أصحاب .. )) بدون لفظ ((ثقات)) مع أهميتها، وتابع ابن حجر المزي مع زيادة
تحريف في التهذيب ، فالعبرة بما جاء في المصدر الأصلي لقول أبي حاتم ، وهو الجرح والتعديل
لابنه / وينظر تهذيب الكمال ٢٧ / ٢٩٢ وتهذيب التهذيب ١٠ / ت ٩٩ .
(٢) ينظر شرح العلل لابن رجب ١ / ٨١ - ٨٢ والتاريخ وأسماء المحدثين وكناهم لأبي عبد الله
المقدَّمي / برقم ٩٨٣، ٩٨٤ وتهذيب التهذيب لابن حجر ١ / ت ١٥٢، ١٥٦ والميزان ٢ /
ت ٤٥٤٥ والموقظة للذهبي / ٧٨ - ٧٩ ونزهة النظر / ٩٩ بتحقيق الأخ الدكتور / نور الدين
عتر وفتح المغيث للسخاوي ١ / ٧٥ و ٢ و٦٠ / أ، ب / مخطوط /: ٥٢ - ٥٦
والوهم والإيهام لابن القطان الفاسي ٢ / ٥٨ / أ، ب مخطوط .

٣١٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وبنحو هذا استعمله بمفرده أبو حاتم (١) . ومقتضى الوصف بلفظ :
شيخ أو مستور ، تضعيف الراوي ، تضعيفا يتقوى بما يعضده (٢).
وبالمراجعة نجد أن ألفاظ هذا التركيب كلها قد استعملها أبو حاتم مفردة
أو مع غيرها ، في وصف الرواة (٣) ، مع تفاوت مراتبها ودرجات حديث
الموصوف بكل منها ، كما قدمت .
ولهذا كان جمعه لها هنا في وصف راو واحد يعد تركيبا ، وبين
مفرداته تعارض في الظاهر . يجعلنا نلتمس القرائن الداخلية ثم الخارجية
للاستئناس بما نجده منها في دفع التعارض ، وبيان دلالة هذا التركيب
بمجموعه على حال الراوي المذكور عند أبي حاتم .
فمن القرائن الداخلية : ما جاء في التركيب نفسه ، حيث ذُكِرَ فيه
توثيق وتجريح ، فيعد ذلك قرينة مصاحبة تقتضي صرف لفظ ((مستور))
عن معناه الاصطلاحي السابق ، إلى معنى يتناسب مع باقي ألفاظ التركيب ،
وقد جاء عن أبي ثور الفقيه المحدث (٤) ، تعريف المستور بما خلاصته أنه : من
كان عدلا في دينه ، وأكثر أحواله الخير (٥)، فيمكن حمل لفظ ((مستور)) هنا
(١) الجرح والتعديل ٦ / ت ١٦٣٤.
(٢) فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٦ - ١١٧ ونزهة النظر / ١٠٣.
(٣) ينظر الجرح ٣ / ١٥ و٤ / ٣٩٨، ٤٦٥.
(٤) إبراهيم بن خالد الكلبي المتوفى سنة ٢٤٠ هـ / تذكرة الحفاظ ١ / ٥١٢ .
(٥) ينظر عمدة القاري في شرح صحيح البخاري للعيني ١١ / ١٠٩ كتاب الشهادات - باب
الشهداء العدول .
=

٣١٤
الفَاطُ وَعَبَارَانُ الَِّعِ وَالتَّغَدِيك
على هذا المعنى ، وبذلك لا يتعارض مع باقي ألفاظ التركيب ..
وأما عبارة ((من ثقات أصحاب إِبراهيم)) فيمكن حملها على توثيق
مقيد بروايات ((مُحل)) عن إِبراهيم النخعي ، وبذلك لا يعارض هذا
التوثيق ما ذكر في التركيب من عبارة ((ما بحديثه بأس )) التي هي
بالإطلاق العام بمفردها ، تعد أنزل في الحجية من التوثيق ، كما قدمت ،
لأنه يحمل المراد بها على ما عدا رواية ((محل )) عن ابراهيم النخعي ،
وبعد ذلك يبقى معنا تعارض بين ما حمل عليه لفظ ((الثقة)) و(( ما به
بأس)) وبين لفظ (( لا يحتج بحديثه)) فنحتاج في دفعه إلى ما يوجد من
قرائن خارج التركيب المذكور ، وأولاها بالاعتبار ما جاء عن أبي حاتم
نفسه قائل التركيب ، حيث جاء في القول الثاني له في هذا الراوي أنه لما
وجد البخاري قد أدخله في كتاب الضعفاء(١)، فقال : يُحول من
هناك(٢)، ثم جاء عنه بيان المرتبة التي يريد التحويل إليها ، ففي ترجمة
((عبيد بن سليمان الأعرج)) قال أبو حاتم : لا أرى في حديثه إنكارا ،
= وقد وجدت من استعمل لفظ مستور بهذا المعنى في نقد الرواة كثيرا مثل أبي الحسن عبد الغافر
الفارسي المتوفى سنة ٥٢٩ هـ في كتاب (( السياق لتاريخ نيسابور)) كما في ((المنتخب من
السياق)) لابراهيم بن محمد الصريفيني)) فنجده يقرن في وصف الراوي بين لفظ ((مستور))
و (( ثقة)) فيقول: مستور صالح ثقة / ترجمة (١٤٤٥) و ٥ ثقة مستور ، كثير الحديث
والشيوخ / ترجمة ( ١١٧٠) وقد يقرنها بلفظ مشهور فيقول : مشهور مستور / ترجمة ( ٩٧٧).
(١) ينظر الضعفاء الصغير للبخاري / ترجمة (٣٧٠) وسيأتي بيان ما ذكره فيه.
(٢) الجرح ٨ / ت ١٨٨٥.

٣١٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
يحول من كتاب الضعفاء الذي ألفه البخاري ، إلى الثقات(١)، وفي
ترجمة (( يحيى بن بسطام الأصفر)) قال أبو حاتم : شيخ صدوق ، ما
بحديثه بأس ، قدري ، ولما وجد البخاري قد ذكره في كتاب
الضعفاء(٢) قال: يحوّل من هناك(٣)، ومقتضى هذا أن قوله بتحويل
(( مُحل بن مُحرز)) من كتاب الضعفاء للبخاري ، يقتضي ردُّه تضعيفه،
وتقرير الاحتجاج به عنده، إما بمرتبة (( ثقة)) أو لا بأس به ، ونحوها .
وبذلك يعد قوله هذا قرينة داخلية منفصلة، تقتضى أن وصف ((مُحِل ))
بلفظى (( ثقة)) و (( ما بحديثه بأس)) في التركيب ، بمدلولهما السابق ذِكْرُه ،
يترجحان على لفظ ((لا يحتج بحديثه)) وبذلك تكون ألفاظ وعبارات
التركيب المذكور قد أمكن الجمع بين أكثرها ، ثم ترجيح ما جمع بينه منها
على معارضه، وهو لفظ (( لا يحتج بحديثه)) فقط ، وذلك بمعونة ما وُجد من
قرائن داخلية مصاحبة للتركيب ، ومنفصلة عنه ، كما أوضحت .
وعلى هذا الجمع والترجيح ، نجد أن خلاصة ما يفيده هذا التركيب مع
قرائنه: أن ((مُحِلا )) هذا عند أبي حاتم : ثقة في روايته عن إبراهيم
النخعي ، فيصحح حديثه عنه لذاته ، وفي رواياته عن غير إبراهيم (( لا
بأس به )) فيحسن حديثه لذاته ، وذلك ما لم تكن هناك علة ، تمنع
(١) الجرح ٥ / ت ١٨٨٨.
(٢) الضعفاء الصغير للبخاري وقال فيه: يُذكر بالقدر / ترجمة ( ٣٩٤).
(٣) الجرح ٩ / ت ٥٥٦ وينظر أيضا / ت ٨٢٦ .

٣١٦
الفَاطُ وَ عِبَادَاتُ الَرْجُ وَالتَّعليك
التصحيح أو التحسين ، وعلى هذا فاقتصار الإمام الذهبي من تركيب أبي
حاتم هذا على قوله في محل: (( لا يحتج به )) يعد خلاف الراجح عند
أبي حاتم حسب المستفاد من مجموع تركيبه المذكور وقرائنه (١) .
كما أن سياقه لعبارة أبي حاتم في هذا التركيب ، فيها سقط وحذف
عما ذكرته من الأصل ، وهو كتاب ابن أبي حاتم فيما تقدم (٢)
أما الخلاصة في حال ((مُحل)) عموما عند أبي حاتم وغيره، فتحتاج إلى النظر:
في أقوال باقي النقاد في حاله ، مع خلاصة حاله عند أبي حاتم كما تقدمت .
وبالمراجعة نجد أن الدارقطنى وحده قد وثقه توثيقا مطلقا، فقال: ثقة(٣)
والإمام أحمد مرة ذكر أنه : قليل الحديث ، وكان مكفوفا ئقة (٤) ومرة قال:
صالح ، ليس به بأس (٥) . وأيضا ابن معين اختلف قوله فيه ، ففي رواية قال :
صالح(٦)، وفي روايتين قال: ثقة(٧)، وفي روايتين قال: ثقة ، ليس به بأس (٨)،
(١) ينظر الميزان ٣ / ت ٧٠٩٦ والمغني ٢ / ٥٢٠٢.
(٢) ينظر تاريخ الإسلام ٩ / ٥٨٧ والعبر ١ / ٢٢٠.
(٣) سؤالات البرقاني للدارقطني / برقم (٤٧٩) بتحقيق د / عبد الرحمن الفريوائي.
(٤) الكامل لابن عدي ٦/ ٢٤٣٥ والجرح والتعديل ٨ /ت ١٨٨٥ والمعرفة والتاريخ للفسوي ١٧٥/٢.
(٥) سؤالات أبي داود لأحمد في الجرح والتعديل / برقم ( ٣٧٣ ) بتحقيق الأخ د / زياد منصور .
(٦) الجرح والتعديل ٨ / ت ١٨٨٥ وتهذيب الكمال ٢٧ / ٢٩٢.
(٧) تاريخ الدارمي عن ابن معين / برقم (٨٠ ) والكامل لابن عدي ٦ / ٢٤٣٥.
(٨) سؤالات ابن الجنيد لابن معين / برقم (٢٦٦) ومن كلام أبي زكريا ، رواية الدقاق / برقم
( ٨٦ ) وتهذيب الكمال ٢٧ / ٢٩٢.

٣١٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وتقدم أن لفظ ((ليس به بأس)) عند ابن معين بمرتبة ((ثقة))، وذكر العراقي : أن
قول ابن معين في اصطلاحه هذا لا يفيد التسوية بين قوله ثقة وقوله : ليس به
بأس ، بل يفيد أن من قال فيه هذا فهو ثقة ، وللثقة مراتب ، فالتعبير بثقة أرفع
من التعبير بلا بأس به ، وإن اشتركا في مطلق الثقة (١) ، وعليه فإن جمع ابن
معين هنا بين لفظ ((ثقة)) و (( ليس به بأس)) إشارة إلى أن توثيقه لمحل ، بدرجة
أدنى من التصريح بلفظ ((ثقة)) مطلقا، لاسيما وأنه في رواية قال: ((صالح))
كما تقدم، فيمكن حمل ما ذكره من التصريح بلفظ (( ثقة)) على ما جمع فيه
بينها وبين (( ليس به بأس)) وبذلك يجمع بين أكثر أقواله في ((محل)) مع
ترجيح ذلك بالأكثرية على قوله: ((صالح)) في الرواية الواحدة كما سبق،
ولفظها من أدنى مراتب التعديل (٢)، وعليه يكون الراجح من مجموع أقوال
ابن معين أن محلا عنده موثق بدرجة « ليس به بأس » .
وقد وُصِفَ بذلك أيضا من كل من النسائي (٣)، وابن شاهين (٤)،
وفي إحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم ، ولكنها تحمل منهم على
الاصطلاح العام، وهو درجة الحجية الأنزل من مرتبة ((الثقة)) فيقتضي
ذلك تحسين حديثه لذاته كما تقدم ، ويقرب من ذلك قول ابن عدي :
(١) ينظر شرح العراقي لألفيته ٢ / ٧ والتدريب ١ / ٤٠٦.
(٢) ينظر التدريب ١ / ٤٠٧ .
(٣) تهذيب الكمال ٢٧ / ٢٩٢ وتهذيب التهذيب ١٠ / ت ٩٩ .
(٤) الثقات لابن شاهين / ت ( ١٤١٣ ) .

٣١٨
الفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَيْنِ وَالتَّعَليك
ولمحل أحاديث ، وغيره ، وأرجو أنه مستقيم الحديث(١)، ومقتضى تلك
الأقوال الأربعة: أن (( لمحل بن محرز)) بعض الأوهام القليلة التي تفيد خفة
ضبطه عن التمام . ويحسّن حديثه في غيرها .
وعلى هذه الأوهام القليلة يمكن حمل ما ذُكِر في (( محل )) من تضعيف
مجمل أو مفسر بالخطأ القليل. فابن سعد قال : كان ضعيفا في الحديث(٢).
وابن حبان - على تشدده في الجرح - قال : كان ممن يخطئ ، ولم يفحش
خطؤه حتى استحق الترك لكثرته ، ولا سلك مسلك المتقنين ، فَيَسْلَكُ به
مسلكهم، بل يجب التنكب عما انفرد من الروايات ، وعما خالف الأثبات ،.
وإن احتج به محتج فیما وافق الأثبات ، لم أر بذلك بأسا (٣) ، فمع أنه ضعف.
(( مُحلا)) لأجل خطئه، بحيث لا يحتج به بمفرده، إلا أنه أشار إلى قلة هذا
الخطأ ، بحيث أنزله فقط عن درجة الإتقان ، ولكنه لم يفحش خطؤه ، إلى
درجة الغلبة التي يستحق لأجلها ترك روايته احتجاجا واعتبارا ، بل يعتبر به ،
ويرتقي إلى الحجية بما يعضده .
وقال يحيى بن سعيد القطان : كان وسطا ، ولم يكن بذاك (٤) ، وقد
(١) الكامل لابن عدي ٦ / ٢٤٣٥.
(٢) طبقات ابن سعد ٦ / ٣٦١ وإكمال تهذيب الكمال ١١ / ٩٧.
(٣) وبذلك يكون ما في طبعة ديوان الضعفاء للذهبى من أن ابن حبان قال: (( يستحق الترك لكثرة:
خطئه )) / ت ٣٥٥٨ غير مطابق لقول ابن حبان في مصدره كما ترى .
(٤) المجروحين لابن حبان ٣ / ١٩.

٣١٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
ساق البخاري عبارته هذه بكاملها في تاريخه الكبير (١) ، وفي الضعفاء.
الصغير ، اقتصر على آخرها فقط وهو ( ليس بذاك ) (٢) ، وهذه العبارة
تعد من أخَفِّ الضعف (٣) ، مع ما عُرف من تشدد قائلها ، وقد ذكر
معها كلمة ((وسط)) وهي من أدنى مراتب التعديل (٤).
ثم ذكر البخاري فيه أيضا قول ابن عيينة : لم يكن بالحافظ ، وهو مُحتمل
(٥) ، وتقدم أن أبا حاتم رد إدخال ((مُحل)) في كتاب الضعفاء هذا للبخاري
ومقتضاه أنه يرى قول يحيى بن سعيد السابق ، وكذا قول ابن عيينة هذا لا
يقتضيان تضعيف ((محل))، وقد ذكر ابن القطان الفاسي أن عبارة (( ليس
بالحافظ)) هذه تقال لمن غيره أحفظ منه (٦) ، ومقتضاه أنها لا تفيد تضعيف
من وصف بها ، في ذاته ، وإنما تفيد أنه أقل حفظا من غيره من الحفاظ ، ويؤيد
حملها على ذلك هنا في قول ابن عيينة ذكره معها لفظ ((وهو مُحتَمل))
إشارة إلى أن ضعف ضبطه قليل ، لم يمنع من قبول روايته في الجملة .
(١) التاريخ الكبير للبخاري ٨ / ت ٢٠٠٤ والضعفاء للعقيلي ٤ / ٢٥٢ والجرح والتعديل ٨ / ت
١٨٨٥ وتهذيب الكمال ٢٧ / ٢٩٢ .
(٢) ينظر الضعفاء الصغير للبخاري / ت ٣٧٠.
(٣) ينظر تدريب الراوي ١ / ٤٠٨.
(٤) التدريب ١ / ٤٠٧ .
(٥) الضعفاء الصغير للبخاري / ت ٣٧٠ .
(٦) ينظر الوهم والإيهام لابن القطان الفاسى ٢ / ٥٧ / ب مخطوط .

٣٢٠
اَلْفَاظُ وَ عَبَاَاتُ الَهُ وَالسَّعْدِكِ
وما تقدم من استعراض أقوال غير المضعفين لـ ((محل)) نجد أكثرهم قد
التقى على أنه (( ليس به بأس)) بالاصطلاح العام ، كما تقدم كون الراجح
من قول أبي حاتم المركب هو أن ((مُحِلاً)) ثقة)) في روايته عن إبراهيم، و
(( ليس به بأس )) في روايته عن غيره .
وهذا كما ترى يتفق مع قول الأكثرين في رواية محل عن غير إبراهيم
النخعي، كما أن وصفه بأنه (( ليس به بأس )) ، يمكن التقاؤه مع القول
بتضعيفه بالخطأ القليل ، لكون ذلك من لوازم هذا اللفظ وما في مرتبته .
كما قدمت . وبالتالي يمكن تلخيص حال هذا الراوي عموما بأنه ((ثقة)).
في روايته عن إبراهيم النخعي، و(( ليس به بأس)) في روايته عن غيره ،
فيصحح حديثه لذاته عن النخعى ، ويحسن لذاته عن غيره ، ما لم يكن
هناك علة أخرى في الحالين ، وما يظهر خطأ (( مُحل)) فيه ، يكون ضعيفا
بخصوصه ، وينجبر بما بعضده (١) ، وبهذا يجمع بين عامة الأقوال فيه ،
بما في ذلك قول أبي حاتم المركب ، وكذا أقوال المضعفين كما تقدم
تحليلها . لكني وجدت الحافظ ابن حجر لخص حال (( محل)) عموما بأنه
((لا بأس به )) (٢).
وهذا يمكن توجيهه بأنه قد أخذ من خلاصة قول أبي حاتم ما يتفق مع أقوال
(١) مع ملاحظة أن المضعفين له لم يذكر أحد منهم له حديثا معينا أخطأ فيه ، لكن ربما نجد شيئا من
ذلك عند غيرهم .
(٢) التقريب ( ٦٥٠٨ ).