Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
ويبدو أن الترمذي ضعف رواية أيمن لهذا الحديث بخصوصه ، لما ذكره
من شذوذوه ، ولم يقدح به في توثيقه العام الذى قرر بعد هذا الموضع
ثبوته له عند أهل الحديث ، كما تقدم .
وهناك من أنزل ((أيمن)) عن التوثيق المطلق إلى مرتبة الحجية الأدنى من
التوثيق مباشرة ، مع إشارة البعض لشيء من الضعف أو الخطأ الفردى .
فقال الساجي : صدوق (١) ، وقال يعقوب بن شيبة : صدوق ، وإلى
الضعف ما هو (٢)، وعبارة ((إلى الضعف ما هو)) معناها أن الموصوف
بها ليس بعيدا عن الضعف ، وتعد بمفردها من أول وأخف ألفاظ
الجرح(٣). لكنها هنا مقترنة بلفظ ((صدوق)) في تركيب كما ترى
فمجموع هذا التركيب، يفيد إتصاف (( أيمن)) هذا عند يعقوب بن شيبة
بأنه ((صدوق فيه لين)) وبالتالي يكون من أهل المرتبة الأدنى في الحجية
من ((الثقة)) المطلق ، مباشرة ، فيحسن حديثه في غير ما وهم فيه ، كما
تقدم توضيحه في موضعه من هذا البحث . (٤)
وعليه يكون ما جاء في الميزان وغيره: أن يعقوب شيبة قال في (( أيمن))
(١) التعليقات والنقول عن ضعفاء الساجي / ترجمة ( ٢٧ ).
(٢) تاريخ دمشق ١٠ / ٥٥ وتهذيب الكمال ٣ / ٤٥٠.
(٣) ينظر فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٢٥ وتدريب الراوي ١ / ٤٠٨.
(٤) وينظر التقريب ( ص ٧٤ ).

٢٨٢
الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَرِعِ وَالتَّعَلْيَك
هذا (( فيه ضعف)) (١) فقط، يعد اختصارًا مخلا لقول يعقوب المذكور
ولدلالته الاصطلاحية كما تقدمت .
أما النسائي فإنه وصف (( أيمن)) مرة بأنه : ليس به بأس (٢) .
وأخرج من طريقه عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله
◌َّ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله، وبالله، التحيات
لله والصلوات والطيبات ... ( الحديث ) ثم قال النسائي : لا نعلم أحدا
تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية ، وأيمن عندنا لا بأس به ، والحديث
خطأ ، وبالله التوفيق (٣) . ونقل الحافظ ابن عساكر نحو هذا مما قرأه
بخط النسائي ، وفيه زيادة (( وخالفه الليث في إسناده ))، وتابع المزيُّ ابن
عساكر على هذا (٤) . ووجه مخالفة الليث في إسناد الحديث تقدم ذكر
الترمذي لها ، وفيه أيضا مخالفة في المتن بذكر ((بسم الله وبالله)) كما
ترى ، وقد أشار حمزة الكناني - أحد رواة سنن النسائي عنه - إلى
مجموع الأمرين فقال: ((قوله: ((عن جابر)) خطأ، ولا أعلم أحدًا قال
في التشهد: ((بسم الله وبالله)) إلا أيمن (٥) . وقد رد الدارقطني
(١) الميزان / ت ١٠٥٨ والتلخيص الحبير ١ / ٢٦٦.
(٢) تاريخ دمشق ١٠/ ٥١ .
(٣) المجتبى للنسائي - السهو - نوع آخر من التشهد ٣ / ٤٣.
(٤) تاريخ دمشق ١٠ /٥٠ وتحفة الأشراف ٢ / حديث (٢٦٦٥).
(٥) التلخيص الحبير ١ / ٢٦٦ والإكمال لمغلطاي ٢ / ٣١٣.

٢٨٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
ومغلطاي - تبعا له - تفرد أيمن هذا ، فقال الدارقطني في علله : تابع أيمن على
( هذا ) الثوري وابن جريج عن أبي الزبير ، وأخرج الحديث من طريق أبي
عاصم عن الثوري عن أبي الزبير به ، لكنه رجح طريق أكثر الثقات ، وهي
رواية الليث وغيره عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس
فقال : وحديث ابن عباس أشبه بالصواب ، من حديث جابر (١).
وروى ابن عساكر عن الحاكم : أن أيمن ليس له متابع على أبي الزبير
من وجه يصح (٢) .
وعليه فإن متابعة أيمن على روايته السابقة ، وإن نفت عنه دعوى التفرد
فإنها لا ترجح روايته هذه على مخالفيه وهم أكثر الثقات ، وقد تقدم
تقرير الدارقطني لهذا الترجيح ، ويوافقه ما تقدم عن النسائي والترمذي
وغيرهما من تضعيف رواية ((أيمن)» لهذا الحديث واعتبارها خطأ منه .
وقد تعقب غير واحد تصحيح ابن السكن والحاكم لرواية أيمن هذه ، مع
الإقرار بوصفه العام بأنه ثقة أو لا بأس به (٣) . ويقرب من هذا صنيع ابن
عدي ، فقد ذكر توثيق ابن معين له ، ثم أخرج ١٦ حديثا من طريقه ،
(١) ينظر الإكمال لمغلطاي ٢ / ٣١٣ مسند أبى داود الطيالسي بتحقيق تلميذي الفاضل
الدكتور / محمد التركي ٣ / حديث ١٨٤٧ مع حاشية التحقيق ، وحاشية السيوطي على سنن
النسائي ٢ / ٢٤٣ - كتاب التطبيق ( في الصلاة ) .
(٢) تاريخ دمشق ١٠ / ٥٠ .
(٣) ينظر خلاصة البدر المنير لابن الملقن ١ / ١٤١ حديث (٤٧٤) بتحقيق الشيخ حمدي السلفي
ط دار الرشد . ونصب الراية ١ / ٤٢١ والتلخيص الحبير ١ / ٢٦٥ - ٢٦٦.

٢٨٤
أَلْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الََّةِ وَالتَّعَدِيك
ولم يعقب على أي منها بمفرده بشيء ، مع أن منها حديث التشهد
السابق تخطئة الجمهور له فيه ، وختم ترجمته له بقوله : ولأيمن بن نابل
أحاديث غير ما ذكرته ها هنا ، وهو لا بأس به فيما يرويه ، وما ذكرته :
جملة أحاديثه ، ولم أر أحدا ضعفه ممن تكلم في الرجال ، وأرجو أن
أحاديثه لا بأس بها صالحة (١) . فيلاحظ أنه مع ذكره توثيق ابن معين له
في صدر الترجمة ، ختمها بإنزال حاله ودرجة حديثه إلى المرتبة الأدنى في
الحجية من الثقة، وهى مرتبة (( لا بأس به)) وهو في غير هذا الموضع قد.
صرح بأن من يوصف عنده بأنه لا بأس به ، فيمكن أن يكون له بعض :
الأخطاء اليسيرة ، التي لا تقدح في حجيته عموما في غيرها (٢).
أما قول ابن عدى إنه لم ير أحدًا ضعفه ، مع ما تقدم عن ابن حبان
:
وتلميذه الدارقطني من تضعيف أيمن من جهة ضبطه . فمرجع ذلك إلى
أن ابن حبان والدارقطني معاصريْنٍ لابن عدي ، فلعله لم يتح له الوقوف
على قوليهما السابقين .
وأيضا أشار الباجي إلى الجمع بين الأقوال في حال أيمن فقال : وثقه
يحيى بن معين ، وغمزه غيره بحديثه عن أبى الزبير في التشهد : بسم الله.
وبالله (٣) . ويلاحظ أن ابن حبان قد ضعفه مطلقا من جهة ضبطه وغمزه
(١) الكامل ١ / ٤٢٣ - ٤٢٥.
(٢) ينظر الكامل ٦ / ٢٣٥٤.
(٣) التعديل والتجريح للباجي ١ / ٤٠٢ .

٢٨٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
تفصيلا بالخطأ في حديث آخر غير هذا (١) ، وعليه فيمكن حمل تضعيفه
المطلق من الدارقطني وابن حبان على ما ثبت خطؤه فيه تفصيلا ، حملا
للمطلق على المقيد . وبذلك يتفق مَحمَلُ تضعيفهما ، مع ما تقدم من
أقوال يعقوب بن شيبة والترمذي والبخاري والنسائي وابن عدي والباجي
بتضعيفٍ مقيد لأيمن بن نابل والاحتجاج به فيما عدا ما تقرر ضعفه فيه ،
وهؤلاء هم جمهور من تكلم فيه من النقاد ، فيعد مجموع أقوالهم قرينة
خارجية يتوجه على ضوئها مراد ابن المديني بالتركيب السابق في حال
أيمن ، ويندفع بالجمع المستفاد من أقوال هؤلاء الجمهور ، ما بين لفظي
التركيب من تعارض في الظاهر ، فيحمل لفظ ((ليس بقوي)) على
التضعيف المقيد ، ويحمل التوثيق على ما عداه ، فكأن ابن المديني يقول
في حال أيمن: (( ثقة له أوهام)) وهذا أقرب شيء إلى ما تقدم عن
الترمذي ، ونحوه ذكر الحافظ في التلخيص الحبير(٢) . لكن يلاحظ أن
أكثر من جمع في حال (( أيمن)) بين التضعيف المقيد والاحتجاج فيما عداه
، قد أنزل احتجاجه إلى الدرجة الأدنى مباشرة من التوثيق المطلق ، وهي
(١) المجروحين لابن حبان ١ / ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) التخليص الحبير ٢٦٥/١ - ٢٦٦ ولا يعكر عليه تحسينه للحديث في نتائج الأفكار ١٧٨/٢ - ١٧٩؛
لأنه هناك قد ذكر قول كل من النسائي والترمذي بالتضعيف - كما ذكرته - ، ثم التمس
للتحسين ، ولتصحيح الحاكم وجهًا ، بالجري على طريقة الفقهاء في قبولهم زيادة الثقة مطلقا ،
لاحتمال أن يكون الحديث عند أبي الزبير على الوجهين ، لا سيما مع اختلاف سياق الروايتين .
كما ذكر ما يشهد للزيادة التي في رواية ((أيمن)) وهي ((بسم الله وبالله)).

٢٨٦
الْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الخَرْجُ وَالتَّعْدِيك
درجة ( صدوق ولا بأس به )) ( أو صدوق له أوهام ونحوها )) کما قدمت
توضيحه فى موضعه من هذا البحث .
وعلى هذا جرى الحافظ ابن حجر في التقريب فقال: صدوق يهم (١) .
أما الذهبي فتنوع تلخيصه لحال أيمن ، ما بين تضعيف مطلق ، حكاه
عن الدارقطني وغيره (٢) ، وتوثيق مطلق ، حيث وضع على أول ترجمته
في الميزان كلمة ((صح)) وهذا اصطلاح له يشير به إلى أن العمل عنده.
على توثيق الراوي المذكور، وعليه يكون (( أيمن)) عنده ثقة لأنه صحح
عليه(٣) كما أنه أنزله عن مرتبة الثقة إلى ما تحتها مباشرة وهي الصدوق
ولا بأس به وهذا ما لخص به حاله في ثلاثة من كتبه هي السير (٤) ،
وديوان الضعفاء(٥) ، والمغني في الضعفاء (٦) ، وهذا يلتقي مع خلاصة.
حاله في التقريب كما تقدم ، لكن عبارة التقريب واضحة الدلالة على الجمع
بين الأقوال ، وعلى وجه اتصاف أيمن بالتركيب السابق من ابن المديني .
(١) التقريب ( ٥٩٧) .
(٢) الكاشف ١ / ت ٥٠٦ .
(٣) ينظر نهاية السول في رواة الستة الأصول لإبراهيم بن محمد المعروف بسبط ابن العجمي
٢ / (ت ٦٢٦ ) بتحقيق د / عبد القيوم عيد رب النبي ، والميزان ١ / ( ت ١٠٥٨ ) ولم
يوجد الرمز المذكور بطبعة الميزان الحالية ، ولكن أثبته صاحب نهاية السول بحسب نسخة الميزان.
الصحيحة عنده ، وينظر اللسان ١ / ٩
(٤) ٦ / ٣٠٩.
(٥) الديوان / ت ٥٠٢ .
(٦) المغني ١ / ت ٧٩٩ .

٢٨٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
مثال ثالث : وما قيل فيه من التركيب ودلالته مع القرينة
٣ - ومن ذلك: أن ((الربيع بن صبيح السعدي)) قال فيه يعقوب بن
شيبة : رجل صالح، صدوق، ثقة، ضعيف جدا)) (١).
فهذه العبارة كما ترى قد جمعت ألفاظًا لأربع مراتب ، منها ثلاثة
للتعديل ، وواحدة للجرح الشديد .
فأولها : وهو قوله: ((رجل صالح )) يفيد عدالة الدين فقط ،
وثانيها: وهو ((صدوق)» يفيد عند الإطلاق العام: العدالة مع خفة الضبط .
وثالثها: وهو (( ثقة)) يفيد العدالة مع تمام الضبط .
ورابعها: وهو ((ضعيف جدا)) يفيد الضعف الشديد مجملاً ، دون
تصريح بسببه ، غير أن ذكره مع الألفاظ السابقة يجلعها قرينة تَصْرِف هذا
الضعف إلى جهة الضبط دون العدالة .
ومقتضى وصف الربيع بهذا التر کیب ، اختلاف درجة حديثه بین ضعف
باعتبار الوصف الأول ، وحسن ذاتي باعتبار الثاني ، وصحة ذاتية باعتبار
الثالث ، وضعف شديد باعتبار الوصف الرابع . وهذا تعارض ظاهر . ،
فنحتاج إلى ما يدفعه ، والسبيل إلى ذلك هو القرائن ، وأقرب ما لدينا منها هو
الوصف بالضعف الشديد ، ضمن التركيب نفسه ، فيعد قرينة داخلية
مصاحبة ، تقتضي صَوْف المعارض لها في هذا التركيب عن ظاهره
(١) تهذيب الكمال ٩ / ٩٣ وتهذيب التهذيب ٣ / ت ٤٧٤ .

٢٨٨
الْفَاظُ وَعَبَاَاتُ الَِّعِ وَالتَّغَدِك
الاصطلاحى، وهذا المعارض هو لفظ ((صدوق)) وثقة ، لأن كلا منهما
بمفرده يفيد اصطلاحا الاحتجاج بالراوي كما قدمت ، في حين تقتضي
العبارة الرابعة عدم الاحتجاج ولا الاعتبار به ، أما العبارة الأولى الدالة على
عدالة الدين ، فيمكن الجمع بينها وبين العبارة الأخيرة بحمل تلك الأخيرة
على شدة ضعف ضبط الربيع مع عدالة دينه . بل كثيرا ما تكون الأولى من
أسباب الأخيرة ، حيث يؤدي استغراق الأوقات بعد الفرائض ، في النوافل
الأخرى ، إلى الانشغال عن تعاهد المرويات بالحفظ والمذاكرة والكتابة (١).
:
وقد جاء من القرائن الخارجية المتعلقة بحال الربيع ما يؤيد هذا ، كما
سيأتي قريبا ، وبالتالي يمكن صرف لفظي ((صدوق وثقة )) في هذا
التركيب عن معناهما الاصطلاحي ، إلى كونهما لتأكيد جانب عدالة
الربيع في الدين وعلو كعبه في ذلك (٢) .
وقد ذكر الإمام الترمذي ((الربيع)) هذا ضمن من اختلف فيهم من جلّةٍ
أهل الحديث ، فبعضهم ضعّفهم من جهة حفظهم ، ووثقهم آخرون
لجلالتهم وصدقهم ، وإن كانوا قد وهموا فيما رووا (٣) .
وعليه يمكن القول بأن خلاصة حال الربيع هذا عند يعقوب بن شيبة من
(١) ينظر المجروحين لابن حبان ١ / ٦٧ و٧٦ .
(٢) ومما يؤيد ذلك قول مالك لما سئل عن إبراهيم بن أبي يحيى: أكان ثقة؟ قال: لا ، ولا ثقة في
دينه الجرح ١ / ١٩ وسئل عن خمسة آخرين فقال: ليسوا بثقة في حديثهم / الجرح ١ / ٢٥
فنوَّع الثقة إلى ثقة في الدين وثقة في الرواية .
(٣) ينظر علل الترمذي مع شرحها لابن رجب ١ / ١٠٣ - ١٠٤ و١١٩ - ١٢٠.

٢٨٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
خلال هذا التركيب وقرائنه الداخلية والخارجية : أنه في الدرجة العليا من
عدالة الدين ، ولاسيما الصدق ، لكنه شديد الضعف من جهة الضبط
فقط . وإن خالفه غيره في شدة تضعيف ضبط الربيع كما سيأتي . لكن
أقوال عامة النقاد متفقة مع يعقوب على عدالته في الدين وجلالة قدره ،
حتى قال شعبة : الربيع من سادات المسلمين (١) ، وبنحو هذا وصفه
العقيلي (٢) أما ابن حبان ففصل في عبادته وصلاحه ، مع ضعف ضبطه
فقال : كان من عُبَّاد أهل البصرة وزهادهم ، وكان يشبّهُ بيته بالليل ببيت
النحل من كثرة التهجد ، إلا أن الحديث لم يكن من صناعته ، فكان يهم فيما
يروى كثيرا ، حتى وقع في حديثه المناكير من حيث لا يشعر ، فلا يعجبنى
الاحتجاج به إذا انفرد ، وفيما وافق الثقات ، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك
بأسا (٣). ويلاحظ أن ابن حبان لم يشدد ضعف ضبط الربيع ، خلافا لما
عُرف به من التشدد في الجرح . وقد جاء عن عفان بن مسلم قوله : أحاديث
الربيع مقلوبة كلها (٤) ، وهذا يقارب قول يعقوب السابق بتشديد ضعف
ضبط الربيع، كما أن باقي الألفاظ التي ذكرت في تركيبه السابق ، جاء مثلها
عن أحد النقاد في وصف الربيع ، إما مفردة ، أو مع لفظة أخرى ، لكن
(١) الكامل لابن عدي ٣ / ٩٩٣ وتهذيب التهذيب ٣ / ت ٤٧٤ وإكمال تهذيب الكمال
٤ / ٣٤١ - ٣٤٢ ٠
(٢) الضعفاء للعقيلي ٢ / ٥٢. وتهذيب التهذيب ٣ / ت ٤٧٤.
(٣) المجروحين لابن حبان ١ /٢٩٢.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٢ / ٥٢ والضعفاء لابن الجوزي ١ / ٢٨١ وتهذيب التهذيب ٣ / ت ٤٧٤ .

٢٩٠
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الشَرِجُ وَالتّعْدِيك
أكثرهم لا يتفق مع يعقوب وعفان في شدة ضعف ضبط الربيع(١).
وقد اختلف تلخيص المتأخرين للراجح في حاله عموما ، بل اختلف
تلخيص الإمام الذهبي لذلك من كتاب لآخر (٢) ، واستعراض عامة أقوال
النقاد المتقدمين والمتأخرين وتحليلها ، ومقارنتها واستخلاص الراجح منها
عموما ، يحتاج إلى الخطوات التي سبق تطبيقها في الراوي الذي قبل هذا
وغيره ، لكن المطلوب هو إعطاء أنموذج أو أكثر للقيام بتلك الخطوات في
الراوى الذي يوصف بتركيب أو أكثر من صور التركيب ، فلذا أكتفي هنا
بما قدمته من بيان المقصود بالتركيب الذي وصف به (( الربيع)» من يعقوب
بن شيبة على ضوء القرائن الداخلية والخارجية .
مثال رابع : واستشكال الصنعاني له وجوابه
٤ - ومن ذلك ما استشكله الإمام الصنعاني حيث إنه في موضوع
اشتراط العدالة والضبط في راوي الحديث الصحيح ، ذكر قول الحافظ
(١) ينظر المصادر السابق الإحالة عليها فيما تقدم من ترجمته، وطبقات ابن سعد ٧ / ٢٧٧ والجرح
والتعديل ٣ / ت ٢٠٨٤ والتاريخ الكبير للبخاري ٣ / ت ٩٥٢ والأوسط المطبوع باسم الصغير ٢ /
١٣٥ والضعفاء الصغير للبخاري / ١١٦ والشجرة في أحوال الرجال الجوزجاني / ت ٢٠٧
وسؤالات ابن محرز لابن معين ١ / ٣١٨ و ٥٤٣ وتاريخ الدوري عن ابن معين ٢ / ١٦١ وتاريخ
الدارمي عن ابن معين / ت ٣٣٤ وسؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني / ت ٢٥
وحلية الأولياء لأبي نعيم ٦ / ٣٠٤ وعلل الترمذي المفرد بترتيب أبي طالب القاضي / ٣٩٣ ط
السامرائي ومن معه . وميزان الاعتدال ٢ / ت ٢٧٤١ وسير أعلام النبلاء ٧ م ٢٨٧ .
:
(٢) ينظر سير النبلاء ٧ / ٢٨٧ والكاشف ١ / ت ١٥٣٥ والمغني في الضعفاء ١ / ت ٢٠٩٦
وديوان الضعفاء / ت ١٣٩٤ والتقريب للحافظ ابن حجر ( ١٨٩٥ ) .

٢٩١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
ابن حجر : (( إن النقاد يوثقون من اجتمع فيه العدالة والضبط ، بخلاف
من ذكر بدل ((المعدّل)) لفظ ((العدل)) فيحتاج إلى زيادة قيد الضبط.
وعقب الصنعاني على هذا بقوله : ويؤخذ من هذا : أنه إذا قيل : فلان
(( ثقة يخطئ)) ففيه مناقضة (١).
ووجه المناقضة التي أشار إليها ظاهر ، حيث إن العبارة المذكورة عبارة عن
تركيب اشتمل على وصف الراوي بلفظ ((ثقة)) التي تدل على توافر عدالته
وتمام ضبطه، ووصف مع ذلك بلفظة (( يخطئ)) التي بلفظ الفعل المضارع،
فتفيد تجدد الخطأ منه واستمراره، ومقتضى هذا ضعف الراوي نفسه من جهة
ضبطه . لكن عندما نراجع كتب الرجال نجد عددا غير قليل من الرواة قد
وصفهم بعض النقاد بمثل هذا التركيب الذي رأى الصنعاني أن جمعه في
وصف راو واحد ، فيه مناقضة لمقتضى المعنى الاصطلاحي لهذين اللفظين ،
وتارة يُذكَرُ الوصف بمثل هذا التركيب مجملا ، وتارة يوجد مع التركيب
بعض القرائن الداخلية والخارجية أو أحدهما ، بحيث يُستأنس بذلك في دفع
التعارض الظاهر بين ما اشتمل عليه التركيب من توثيق وتضعيف .
مثال خامس : وما قيل فيه من التركيب ودلالته مع القرينة
٥ - فمن التركيب المجمل: أن ((عبد الرحمن بن محمد بن زياد
(١) توضيح الأفكار للصنعاني ١ / ٨ مع تصويب من البحر الذى زخر للسيوطي ١ / ٣٢١ - ٣٢٢
لكون الصنعاني أحال بهذا النقل عليه .

٢٩٢
الْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَّةِ وَالتّعْديك
المحاربي)) قال فيه ابن سعد: ((كان شيخا ثقة كثير الغلط)) (١) ومن
القرائن الخارجية التي تساعد في دفع التعارض الظاهري في هذا التركيب
وصف الذهبي ((لعبد الرحمن)) هذا بقوله: (( ثقة يغرب)) (٢) فصرف
الوصف بكثرة الغلط إلى وجود روايات قليلة لهذا الراوي تفرد بها ،
فَعُدَّت من غرائبه ، وبقي وصفه بالثقة فيما عداها .
وبذلك لا يكون هناك تناقض في وصف الراوي بالتركيب السابق من
ابن سعد ، بناء على تفسير الذهبي له . يحمل كل لفظ من التركيب على
جانب من حال الراوي ، بناء على ما تفيده القرائن ، أما أبو حاتم فأشار
لرفع التعارض بوجه آخر فقال : صدوق إذا حدث عن الثقات ويروي عن
المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه (٣) .
وهناك رسالة ماجستير مطبوعة بعنوان (( الثقات الذين ضُعفوا في بعض
شيوخهم )) إعداد الأخ الدكتور صالح بن حامد الرفاعي ، طبع مركز البحث
العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة سنة ١٤١٣ هـ وبمطالعتها يظهر أن وصف
مثل هؤلاء الرواة بالتوثيق والتضعيف معا ، ليس تناقضا ، في الواقع ، ولكن
قائله من المتقدمين أو المتأخرين ، يشير به إلى الجمع بين أقوال مختلفة في حال
الراوي ، بحمل كل منهما على جانب من حاله ، حملا للمطلق على المقيد .
(١) طبقات ابن سعد ٦ / ٣٩٢ ط بيروت.
(٢) الكاشف ١ / ت ٣٣٠٥.
(٣) ينظر التهذيب ٦ / ت ٥٢٤ .

٢٩٣
الفصل الثالث: الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وتأصيل هذا الموضوع يرجع إلى قِسْم عَقَدَهُ الحافظ ابن رجب في
شرحه لعلل الترمذى تناول فيه قومًا من الثقات قد ضعف حديثهم ، إما
في بعض الأوقات ، أو في بعض الأماكن ، أو عن بعض الشيوخ (١) .
مثال سادس : وما قيل فيه من التركيب
٦ - ومن أمثلة التركيب المجمل في هذا أن ((عبد الجبار بن عمر الأيلي)»
قال فيه أحمد بن صالح ( المصري ) ثقة في حديثه تخليط وخلاف (٢)
مثال سابع : وما قيل فيه من التركيب ودلالته وقرينته
٧ - ومما ذكر فيه مع التركيب ما يساعد في دفع تناقضه في الظاهر ، أن
الدارقطني أخرج حديث ابن عباس قال: (( لما أمر النبي عَّ بإجلاء بني
النضير قالوا : يا محمد ، إن لنا ديونا على الناس ، قال : ضعوا وتعجلوا))
وذلك من طرق عن مسلم بن خالد الزنجي ، في بعضها زيادة أحد الرواة وفي
بعضها نقصه ، وعلق الدارقطني على ذلك بقوله : اضطرب مسلم بن خالد
وهو سيء الحفظ ضعيف ، ثم قال : مسلم بن خالد ثقة إلا أنه ستئ الحفظ
وقد اضطرب في هذا الحديث (٣) ، ولما ذكر أبو محمد الغساني قول
الدارقطني هذا لم يذكر فيه العبارة التي في أوله وهي ((سيء الحفظ ضعيف))
(١) ينظر شرح العلل لابن رجب ٢ / ٥٥٢ - ٧١٠.
(٢) الثقات لابن شاهين / ت ٩٨٩ / تحقيق الشيخ صبحي السامرائي .
(٣) سنن الدارقطني البيوع ٣ / ٤٦ حديث (١٩٠ - ١٩٣ ).

٢٩٤
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهَةِ وَالتَّعَدْيِك
فاقتصر على قوله : (( خالد ثقة إلا أنه سيء الحفظ ، وقد اضطرب في هذا
الحديث)) (١) ففي كلام الدارقطني هذا تضعيف مفسر للحديث المذكور من
طريق مسلم بن خالد ، ومنه يستفاد وجه جمع الداقطنى في صدر هذا
التركيب بين توثيقه لمسلم ابن خالد ، وبين تضعيفه لضبطه ، وهو أنه عنده ثقة
في غير ما عرف سوء حفظه له ، كما في الحديث المذكور ، فیعد كلامه عن
تضعيف حديث مسلم هكذا ، قرينة داخلية مساعدة على دفع التناقض
الظاهري في تركيبه المذكور. لكن الراجح في خلاصة حال مسلم بن خالد
هذا عموما ، يحتاج إلى مرحلة أخرى وهي النظر في القرائن الخارجية ، وهي
أقوال بقية النقاد فيه غير الدارقطني ، كما في النماذج السابقة .
مثال ثامن : وما قيل فيه من التركيب ودلالته وقرينته
ومجمل الأقوال في حاله
٨ - ومن ذلك أيضا: أن (( الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي
أبو عوانة)) هناك من وثقه مطلقا، ومن وثقة مقيدا ، وهناك من ضعفه في
بعض الحالات (٢) ، وهناك من جمع له بين الأمرين مع الإشارة إلى وجه
(١) تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني لأني محمد عبد الله بن يحيى الغسانى / ٢٧٢
حديث ( ٦١٣ ) .
(٢) ينظر تاريخ يحيى بن معين برواية الدوري ٢ / ٦٢٩ وتاريخ الدارمي عن ابن معين / ٣٧، ٣٩، ٤٠،
٥٢ ، ٦٦٧ ومعرفة الرجال رواية ابن محرز عن ابن معين ١ / ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٧٦، والجرح
والتعديل ٩ / ترجمة (١٧٣) والعلل لابن أبي حاتم ١ / مسألة (١٣٩٧) وطبقات ابن سعد ٧٪
٢٨٧ وتهذيب الكمال ٣٠ / ٤٤١ والميزان ٤ / ت ٩٣٥٠. وتهذيب التهذيب ١١ / ت ٢٠٤.

٢٩٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
الجمع بما يدفع التعارض في وصفه بالأمرين معا .
فقال أبو حاتم : كتبه صحيحة ، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرا ،
وهو صدوق ثقة ، وهو أحب إلىّ من أبي الأحوص ، ومن جرير بن
عبد الحميد ، وهو أحفظ من حماد بن سلمة (١).
فلما اختصر الذهبي قول أبي حاتم هذا قال : قال أبو حاتم : ثقة يغلط
كثيرا إذا حدث من حفظه (٢) ، وفي مواضع من العلل لابن أبي حاتم ،
نجد أن ما جمعه أبو حاتم في تركيبه السابق ، قد ذكر عددا منه مفرقًا
بحسب بعض ملابساته وقرائنه ، فمرة قال أبو حاتم : أنكر شعبة على أبي
عوانة روايته عن الحكم (٣) ، يعني ابن عيينة ، ومرة قال : أبو عوانة ثقة،
وزيادة الثقة مقبوله (٤) ، ومرة قال: هو أحفظ من حماد بن سلمة (٥) ،
ومن ذلك يستفاد أن العالم قد يجمع في تركيب من الألفاظ النقدية
المختلفة ما يتعارض اجتماعه في الظاهر بحسب الاصطلاح العام لتلك
الألفاظ ، ولكن بالقرائن الخاصة يظهر لنا أن لهذا الناقد بكل لفظ مما
جمعه ، مقصد خاص في هذا الموضع ، يدفع معارضته لما جمعه معه .
(١) الجرح والتعديل ٩ / ترجمة تهذيب الكمال ٣٠ / ٤٤١ وتهذيب التهذيب ١١ / ١١٨.
(٢) الميزان ٤ / ت ٩٣٥٠.
(٣) العلل ١ / مسألة ( ٣٠٦).
(٤) العلل ١ / مسألة ( ١٣٩٧ ) .
(٥) العلل ٢ / مسألة ( ٢٢٤١).

٢٩٦
الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَِّعِ وَالتَّعْدِيك
وجاء عن الإمام أحمد قوله : إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت ، وإذا
حدث من غير كتابه ربما وهم (١) ، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة
ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وكان إذا حدث من حفظه ربما غلط (٢).
فيلاحظ أن كلا من أبي حاتم ، والإمام أحمد ، وابن عبد البر ، قد جمعوا
في وصف أبي عوانه بين توثيق وتضعيف ، مع بيانهم لحمل كل منهما على
جانب من حاله يدفع تعارضه مع الآخر ، وهذا يندرج تحت قاعدة حمل
المطلق على المقيد ، لدفع التعارض، مع وجود ما يؤيد ذلك من القرائن والأدلة .
ويعد ما تقدم عن هؤلاء الأئمة تأصيلاً تطبيقيا يستند إليه في غيره مما يأتي
من عبارات تركيبية يذكرها بعض النقاد مجملة ، متعارضة الظاهر ، فنستفيد
من صنيعهم السابق في دفع ما ظاهره التعارض ، حتى لا تستشكل هذه
التراكيب مثلما استشكل الإمام الصنعاني التركيب الذي تقدم ذكره .
مثال تاسع : وما قيل فيه من التركيب ودلالته مع القرينة
ومجمل الأقوال في حاله ، وما يترجح منها
٩ - ومن تلك الأمثلة التركيبية أيضا أن ((مُؤَمَّل بن إسماعيل
القرشي)): قال فيه ابن سعد: ((ثقة كثير الغلط)) (٣) فَذِكْرُه مع التوثيق
(١) الجرح والتعديل ٩/ ٥ ١٧٣ والمعرفة والتاريخ ٢ / ١٦٨ و١٦٩ وتهذيب الكمال ٣٠ /٤٤٦
وتهذيب التهذيب ١١ / ١١٧ - ١١٨ .
(٢) تهذيب التهذيب ١١ / ١٢٠، والاستغناء لابن عبد البر ٢ / ت ٩٩٧ .
(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٥ / ٥٠١ وتهذيب التهذيب ١٠ / ت ٦٨٢ .

٢٩٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
الوصف بكثرة الخطأ ، يعد قرينة داخلية تدل على أنه لا يريد بالتوثيق هنا
معناه الاصطلاحي العام ، وإنما يريد به تقرير عدالة هذا الراوي في دينه ،
وبالتالي لا يعارض التوثيق بهذا المعنى ، الاتصاف بكثرة الغلط المقتضي
للضعف من جهة الضبط . وعندما نتجه إلى القرائن الخارجية ، وهي
أقوال النقاد الآخرين في حال ((مؤمل)) ، نجدها مختلفة : فمنهم من أفرد
وصفه بالثقة مطلقا وهو إسحق بن راهوية ، وابن معين في أكثر الروايات
عنه (١) ، وفي رواية ابن محرز ضعفه في الرواية عن الثوري (٢)، ووصفه
محمد بن نصر المروزي وأبو زرعة والنسائي بكثرة الخطأ (٣)، وقال البخاري :
منكر الحديث (٤) ، وهو تضعيف شديد يفيد ترك الموصوف به، كما مر بيانه .
فيلاحظ من هذه الأقوال أن ابن سعد قد جمع في تركيبه السابق ما
تفرق في أقوال أكثر النقاد غيره ، ونجوه جاء عن الساجي والدارقطني
قولهما في مؤمل: ((صدوق كثير الخطأ))، وزاد الساجي قائلا : وله
أوهام يطول ذكرهما (٥) ، وفي تهذيب التهذيب : جاء قول الدارقطني
(١) تاريخ ابن معين برواية الدوري ٢ / ٥٩١ والجرح والتعديل ٣٧٤/٨ والثقات لابن شاهين/ت ١٤٦١.
(٢) معرفة الرجال عن ابن معين رواية ابن محرز ١ / رقم ٥٤٩ .
(٣) تهذيب الكمال ٢٩ / ١٧٨ والميزان ٤ / ٥٢٨ وسنن النسائي الكبرى - الصيام ٣ / حديث
( ٢٨٣٨) وعمل يوم وليلة - باب ما يقول إذا خرج من بيته ٩ / حديث (٩٨٣٣)
ط مؤسسة الرسالة وتحفة الأشراف ٦ / حديث ( ١٨١٦٨ ).
(٤) تهذيب الكمال ٩ / ١٧٨ والميزان ٤ / ٥٢٨.
(٥) سؤالات الحاكم للدارقطني / ت ٤٩٢ .

٢٩٨
الفاظُ وَعَبَارَاتُ الَرَةِ وَالتَّغَدِيك
بلفظ: (( ثقة كثير الخطأ))(١) فطابق قولُه ، قول ابن سعد السابق ، وقد يكون
هذا حكاية بالمعنى لقول الدارقطني: (( صدوق كثير الخطأ)) كما تقدم .
وهذه التراكيب من كل من ابن سعد والساجي ، والدارقطني ، جاءت
مجملة ، فصار في ظاهرها تناقض ، حيث إن الوصف بكثرة الخطأ ،
جرح ظاهر ، يقتضي ضعف الموصوف به من جهة الضبط ، وبالتالي
ضعف حديثه، في حين يقتضي لفظ (( ثقة)) بمفرده ، عدالة الراوي وتمام
ضبطه ، وصحة حديثه لذاته ، ما لم توجد علة أخرى .
وأيضا لفظ ((صدوق )) يقتضي بمفرده - كما تقدم - عدالة الراوي
وخفة ضبطه ، فيحسن حديثه لذاته ، في غير ما ضعف ضبطه فيه ، لكن
ذكر الوصف بكثرة الخطأ مقترنا بهذين اللفظين يعد - كما قدمت -
قرينة داخلية مصاحبة تقتضي صَرف كل من لفظ ((ثقة)) و ((صدوق))
عن المدلول الاصطلاحي لكل منهما بمفرده كما قدمت ، وحمله على
معنى عدالة الدين لهذا الراوي ، وإن كان ضعيفا من جهة ضبطه ، وبهذا
يندفع التعارض الظاهري بين لفظ الثقة أو الصدوق وبين الوصف بكثرة
الخطأ ، الذي جمعه كل من ابن سعد والساجي والدارقطني في عباراتهم
المركبة كما تقدمت، وتكون خلاصة حال ((مؤمل )) عندهم كما تستفاد
من التركيب المذكور هي : أنه ضعيف من جهة ضبطه ، وحديثه بالتالي
(١) تهذيب التهذيب ١٠ / ٣٨١.

٢٩٩
الفصل الثالث: الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
يكون ضعيفا لذاته ، ويتقوى بغيره إلى الحجية بحسب ما يوجد له من
متابع أو شاهد .
وقد جاءت أقوال أخرى في حال مؤمل ، تؤيد الوجه الذي ذكرته في
الجمع بين لفظي التركيب الذي تقدم في أقوال كل من ابن سعد
والساجي والدارقطني ، مع ذكر بعضها لدرجة حديث مؤمل بنحو ما
ذكرته أيضا: فابن قانع يقول في حال مؤمل: ((صالح يخطئ)) (١)،
فذكر هذا الخطأ مع لفظ ((صالح)) يفيد أن مقصوده : صالح في دينه مع
ضعف ضبطه ، وأصرح منه قول أبي داود لما سئل عن مؤمل ، فعظمه
ورفع شأنه ، ثم قال: إلا أنه يهم في الشيء (٢)، وابن حبان ذكره في
الثقات ، وقال : ربما أخطأ (٣) ، وأخرج له في صحيحه زيادة على
عشرين حديثا (٤) ومقتضاه الاحتجاج به عنده في غير ما عرف وهمه فيه .
أما أبو حاتم الرازي فقال : صدوق شديد في السنة كثير الخطأ ، يكتب
حديثه (٥)، فَذِكْرُ ألفاظ: ((شديد في السنة)) و((كثير الخطأ)) و(( يكتب
(١) تهذيب التهذيب ١٠ / ٣٨١.
(٢) سؤالات الآجري لأبي داود ٢ / ت ١٤٤٦ وسير النبلاء ١٠ / ١١١ وتهذيب التهذيب ١٠ /
٣٨١ .
(٣) الثقات لابن حبان ٩ / ١٨٧ والتهذيب ١٠ / ٣٨١.
(٤) ينظر فهرس الرواة في كتاب الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٨ / ٢١٧.
(٥) الجرح والتعديل ٨ / ٣٧٤ وتهذيب الكمال ٢٩ / ١٧٨ والميزان ٤ / ٢٢٨ وتهذيب التهذيب
١٠ /٣٨١ .

٣٠٠
اَلْفَاظُ وَ عِبَادَابُ الَِّ وَالتَّديك
حديثه)) قرائن داخلية مصاحبة، تفيد أن لفظ ((صدوق)) في تركيبه هذا
منصرف إلى العدالة في الدين ، وقد بَين بقوله : يكتب حديثه ، درجة :
حديث مؤمل عنده ، وهي أنه ضعيف يكتب للاعتبار ، حيث عُرف
بالاستقراء : أن هذا مقصود أبى حاتم بعبارة (( يكتب حديثه)) (١)، وأكثر
من فصل في التركيب في حال مؤمل مع بيان محمل مفرداته ، ودلالة
مجموعه ، يعقوب بن سفيان الفسوي ، بحيث يؤصل صنيعه ما قدمته ،
ويمكننا التأسي به في غيره ، حيث يقول : ومؤمل بن إسماعيل ، سُنِّى،
شيخ جليل ، سمعت سليمان بن حرب يحسن الثناء عليه ، يقول : كان
مشيختنا يعرفون له (٢) ، ويوصون به ، إلا أن حديثه لا يشبه حديث
أصحابه ، حتى ربما قال : كان لا يسعُه أن يحدث ، وقد يجب على أهل
العلم أن يقفوا عن حديثه ، ويتخففوا من الرواية عنه ، فإنه منكر ، يروي
المناكير عن ثقات شيوخنا ، وهذا أشد ، فلو كانت هذه المناكير عن
ضعاف ، لكنا نجعل له عُذرًا (٣) ، فالأقوال السابقة عن ابن قانع وأبي
داود وأبي حاتم والفسوي ، جميعها تشير إلى صرف ما جاء فيه من توثيق
إلى عدالة الدين ، وصَرْف ما جاء فيه من تضعيف إلى الضبط ، مع تفسير
الفسوي لذلك . لكن تقدير نسبة الأخطاء عندهم متفاوتة ، فابن قانع قال
(١) ينظر سير النبلاء ٦ / ٣٦٠.
(٢) يعني يعرفون له قدره ومكانته في نفسه .
(٣) المعرفة والتاريخ للفسوي ٣ / ٥٣ وتهذيب التهذيب ١٠ / ٣٨١.