Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها دينه، كما جاء في رواية أخرى بلفظ ((صالح ليس به بأس)) (١) . ومرة سئل عن حاله في نافع فقال : صالح (٢) . ومرة قال : صويلح (٣). وله فيه أقوال أخرى (٤) . ومحل الشاهد هو اقتران (( ليس به بأس)) في بعض أقواله بما يفيد انزال الراوى عن مدلولها إلى الضعيف . وبالتالي لا تدخل مثل هذه الصور في اصطلاح ابن معين العام بأن (( لا بأس به )) بمعنى التوثيق المطلق عنده ، وذلك لوجود ما يَصرِفُها عن ذلك من القرائن ، وهذا من دلائل أهمية مراعاة القرائن وتأثيرها . وسيأتي مزيد بيان لذلك مع التطبيق في مبحث تركيب ألفاظ عبارات الجرح والتعديل ، إن شاء الله . ومهما اختلفت مرتبته لأجل الاصطلاح الخاص عبارة «روي عنه الناس » : فقد ذكر العراقي والسخاوي أنها بالإطلاق العام من آخر مراتب التعديل (١) ينظر: رواية الدقاق عن ابن معين / رقم ١١٥. (٢) رواية الدارمي / رقم (٥٢٣) وتاريخ بغداد ١١ /١٩٥ . (٣) تهذيب التهذيب ٥ / ٣٢٨. (٤) ينظر : المصدر السابق . ٢٢ الفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَّةِ وَالتّعْدِيك وذكر السيوطي ما يقتضى أنها من المرتبة الخامسة التي قبل الأخيرة (١) ومقتضاه أن الموصوف بها ضعيف لذاته فيكتب حديثه للاعتبار (٢). لكن الحافظ مغلطاى في ((نكته على ابن الصلاح)) قال: إن الإمام أبا زكريا يزيد بن محمد الأزدى (ت ٣٣٤) ذكر في كتاب طبقات أهل الموصل (٣) من ألفاظ التوثيق عنده غالبا : فلان روى عنه الناس ، وكذا طريقة مسلم في التمييز : إذا أَذِنَ في الرواية عن شخص ، كان ذلك تعديلا له (٤) . وعليه ، يكون هذا اصطلاحا خاصًا بكل منهما بحيث إذا نقل عنه فى حال راوٍ كان في مرتبة الثقة ويُصحح حديث هذا الراوى عند كل منهما ولو خالفه في حاله غيره . أما إذا نُقِلَتْ هذه العبارة عن غير هذين الإمامين ممن لم يعرف له اصطلاح خاص في استعمالها ، فتكون على الاصطلاح العام ، بمعنى أدنى مراتب التعديل ، وتقتضى ضعف حديث الموصوف بها من الرواة ، كما قدمت . ٣- القرائن وأهميتها وتقسيمها الإجمالى والمقصود بالقرائن : ما يدل على المراد دون تصريح به ، وذلك مما يكون (١) ينظر: التقييد والإيضاح / ١٦١ مع مقدمة ابن الصلاح وفتح المغيث للسخاوى ٢ / ١١٤ وتدريب الراوى ١ / ٤٠٧، ٤٠٩، ٤١٠ (٢) فتح المغيث للسخاوى ٢ / ١١٦ ، ١١٧ (٣) سماه الأزدى نفسه ( طبقات المحدثين ) ينظر تاريخ الموصل له / ٣٠١ (٤) كتاب اصلاح ابن الصلاح لمغلطاى ٩١ / ب مخطوط ٢٣ الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها له تعلق مباشر أو غير مباشر، من الألفاظ أو الإشارات التى تؤثر في توجيه دلالة اللفظ أو العبارة المستعملة في بيان درجة حديث الراوي ، أو بيان حاله جرحا أو تعديلا . ومن هذا ندرك أن أهمية القرائن ترجع إلى ما يكون لكل منها من تأثير في توضيح مقصود الناقد بمقولته في الراوي وإن خالفه غيره ، وبالتالي فهي ترشدنا إلى استخلاص حال الراوي ودرجة حديثه عند صاحب المقولة ، على ضوء القواعد النقدية ومراتب ألفاظها وعباراتها ، وتطبيق النقاد لها من غير تَكَلُّف ولا شَطَط . ومما يوضح أهمية القرائن وآثارها ما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في كلامه عن صيغ العموم ودلالاتها حيث قال : ولا يجوز الإخلال بالقرائن ، مع كون الألفاظ تتغير بها أحكامها (١) . ويقول الذهبي : نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح ، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة ، ثم أهم من ذلك : أن نعلم بالاستقراء التام عُرْف ذلك الإمام الجهبذ ، واصطلاحه ، ومَقَاصِدُه بعباراته الكثيرة . ثم ذَكَرَ أمثلة لذلك منها قوله : أما قول البخاري : سكتوا عنه فظاهرها أنهم ما تعرضوا له بجرح ولا تعديل ، وعلمنا مقصده بها (١) ينظر: الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء ابن عقيل ٣ / ٣٢٠ بتحقيق معالي الدكتور عبد الله ابن عبد المحسن التركي ط مؤسسة الرسالة . ٢٤ الفَاظُ وَ عَبَارَاتُ الَّهِ وَالتَّعَدِّيك بالاستقراء ، أنها بمعنى : تركوه (١) . ويقول الحافظ ابن كثير ثم السخاوي : والواقف على عبارات القوم ، يفهم مقاصدهم ، بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال ، وبقرائن ترشد إلى ذلك (٢) فهذا بيان من هؤلاء العلماء لتأثير القرائن ، والتأكيد على ضرورة مراعاتها .. وعلى ضوء ممارستي لتراجم الرواة في مصادرها ، وتأمل عبارات النقاد في الكلام عليهم ، وملاحظة ما يحتف بها من قرائن ، وملابسات ، تبين لي أنه يمكن تقسيم تلك القرائن إجماليا إلى قسمين ، مع تسمية كل منها بما يميزه عن الآخر ، وذلك كما يلي : ١ - قرائن مباشرة أو داخلية . ٢ - قرائن غير مباشرة أو خارجية . فأما القسم الأول من القرائن : فهو ما يستفاد من كلام صاحب القول أو منهجه أو اصطلاحه في النقد ، أو تصرفاته التطبيقية على الراوي نفسه أو رواياته ، أو على راو أخر حاله مشابهة(٣). (١) ينظر: الموقظة للذهبي / ٨٢ - ٨٣. (٢) مختصر علوم الحديث لابن كثير ٢ / ٣٢١ مع الباحث الحثيث للشيخ أحمد شاكر وتعليقات : الشيخ الألباني - رحمهما الله / بتحقيق علي حسن عبد الحميد ، وفتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٠ ولم يَعْزُ السخاوي هذا لسابقه ابن كثير . (٣) ينظر: المحصول للرازي ٥ / ٥٥٢ - ٥٩٣ والبحر المحيط للزركشي ٦ / ١٣٩ و ١٤٩ - ١٧٩ حيث ذكرا في مبحث ((التراجيح )) ما يفيد ذلك . ٢٥ الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها وقد سميت هذا القسم بـ ((القرائن الداخلية)) تأسيا بعلماء الأصول وهم أهل الاختصاص في بيان الدلالات وموضوعنا هذا منها (١) كما أن الجرح والتعديل مما يختلف فيه كاختلاف المجتهدين فى الفقه (٢). وقد قسّم الأصوليون المرجحات عمومًا إلى قسمين : أولها : المرجحات المتعلقة بالراوي أو بالمروي . وثانيهما : المرجحات الخارجة عن ذلك ، وسموها الترجيح بأمور خارجية ، وما ذكرته هنا من القرائن ، موافق للقسم الأول ، فسميته قرائن داخلية ، وذلك لتعلقها المباشر بصاحب القول نفسه ، وهو أدري بمقصوده ، أو بالراوي المتكلم فيه ، أو بمروياته وهما موضع البحث . وتعد هذه القرائن هي الأقوى في الدلالة ، لاتصالها المباشر هذا ، وبذلك تقدم دلالتها على دلالة القسم الثاني عند التعارض ، كما سيأتي . وأما القسم الثاني من القرائن : فهو ما عدا القسم الأول ، وهذا القسم مُقَارب للقسم الثاني من المرجحات عند الأصوليين ، فسميته بالقرائن الخارجية ، وذلك لصدورها عن طرف آخر غير من صدر منه المقولة المطلوب معرفة دلالتها ، سواء كان الصادر من الطرف الآخر متعلقا بذات (١) ينظر: قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين للتاج ابن السبكى ضمن أربع رسائل في علوم الحديث ص ٤٦ ، ٦٧ . (٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي / ضمن أربع رسائل / ص ١٧٢. ٢٦ الراوي المتكلم فيه أو مروياته ، أو كان متعلقا براو آخر له علاقة بحال الراوي المتكلم فيه من جهة المشابهة أو المفاضلة أو المخالفة ، ونجو ذلك(١). وهذا القسم من القرائن أقل تأثيرًا من القسم الأول لصدوره من طرف آخر كما أشرت ، ولذلك عند تعارض دلالته مع دلالة القسم الأول ، كما سيأتي في التطبيق - فتقدم دلالة القسم الأول ، لكن عند افتقاد قرينه داخلية فإنه يمكن الاستئناس بما تفيده القرينة الخارجية ، وسيأتي مصداق ذلك في التطبيق أيضا ! كما أن هذه القرائن الخارجية لها قوة في الدلالة على خلاصة الحكم العام على الراوي تعديلا أو تجريحا أو جمعا بينهما بوجه معتبر . (١) ينظر: المحصول للرازي ٥ / ٥٢٥ والبحر المحيط للزركشي ٦ / ١٢٧ الفصل الثَانِى الألفاظ والعبارات المكررة ودلالتها ٢٩ تعريف التكرير وتمييزه عن غيره المقصود بالتكرير : إعادة لفظة أو عبارة نقدية ، أكثر من مرة ، وذلك مما تكون درجة حديث الموصوف بالمكرر واحدة ، كالصحة أو الحُسن أو الضعف ، أو الوضع . وبهذا يتميز التكرير عن الإفراد الذي تقدم بحثه ، وعن التركيب الذي سيأتي بعده إن شاء الله . ومن يراجع كتب الرجال يجد فيها تكرر ألفاظ وعبارات كل من الجرح والتعديل ، ولكن من يراجع كتب مصطلح الحديث يجد عنايتها مركزة على تكرير التوثيق فقط . مع أن الأصل في التقعيد هو العموم ، حتى يشمل الواقع الفعلي لصنيع النقاد في مصادر كتب الرجال . ولذلك سأذكر إن شاء الله في هذا الفصل نماذج واقعية لتكرير ما هو أدنى من التوثيق ، وما هو من تكرير ألفاظ وعبارات التجريح أيضا تعويضا عما أغفلته كتب المصطلح مع أهميته التي لا تخفى . فائدة التكرير وتأصيلها الفائدة العامة للتكرير هي التأكيد ، زيادة على ما يفيده ذكر اللفظ أو العبارة مرة واحدة . ومن تأصيل ذلك ما في حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه - رضي الله عنه قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا ، قالوا : بلى --- ٣٠ اَلْفَاظُ وَعَبَاَاتُ الَّهِ وَالتّعْدِيَك ۔۔ يا رسول الله، قال : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا . فقال: ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت (١) . وقد ذكر شراح الحديث أن جلوسة عَ لّ بعد أن كان متكئا وتكريره المتعدد لعبارة (( ألا وقول الزور)) يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه (٢). وقد ذكر الخطيب البغدادي أيضا مثالا آخر في باب ((ذكر لفظ المعدِّل. الذي تحصل به العدالة ، لمن عدَّله)) حيث أخرج بسنده إلى ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - قال لعبد الرحمن بن عوف : أنت عندنا العدل الرضا، فماذا سمعت - . وعلق الخطيب على هذا بقوله : وهذا القول كافٍ في التزكية ، لأن الوصف بالعدالة ، جامع للخلال التي قدمناها في باب صفة العدالة ، ثم قال : والقول بأنه رضًا ، تأكيد ، وفيه بيان أنه من العدول الذين يُرضون للشهادة .. الخ (٣) ويلاحظ أن هذا المثال لتأكيد التعديل،: والذي تقدم في الحديث من تأكيد الجرح للعدالة بشهادة الزور . (١) ينظر صحيح البخاري مع الفتح - كتاب الشهادات - باب ماقيل في شهادة الزور ٦ / ٢٦٠ حديث ( ٢٦٥٤ ) وصحيح مسلم مع شرح النووى ٢ / ١١٦،١٠٨ - ١٧ - الإيمان حديث ( ١٤٣ ) . (٢) ينظر المصدرين السابقين، كما ذكر الشراح أن سبب تمنى الحاضرين من الصحابة سكوته عليه. هو إشفاقهم عليه مما أغضبه من ذكر هذه الكبائر ، ولاسيما آخرها . (٣) الكفاية للخطيب / ٨٤ - ٨٥. ٣١ الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها وهذا المعنى الاصطلاحي للتكرير مُتَّسِقٌ مع قواعد اللغة أيضا ، حيث جعلت تكرير اللفظ بنفسه أو بما هو بمعناه يفيد التأكيد (١) وسيأتي بيان أثره في درجة حديث الراوي الموصوف به . تقعيد التكرير ومن صنيع أئمة النقد المتقدمين ما يدل على التفريق عندهم في حال الراوي بين الوصف بِلَفْظَةٍ مرة واحدة ، وبين تكريرها ، فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : سمعته يقول : أدهم بن طريف ، ثقة ثقة ، وحوشب بن عقيل : ثقة (٢) . وفي رواية ابن أبى حاتم قول أحمد في حوشب (( ثقة من الثقات)) (٣) وهذه الزيادة أوضح في الدلالة على قصد أحمد للتفريق ، لأنها تعنى أنه وصفه بلفظة واحدة للإشارة إلى أنه من عامة الثقات ، في مقابل ارتفاع منزلة ((أدهم)) في التوثيق بتكرير اللفظ له . وسيأتي عن غير الإمام أحمد أيضا ما يؤكد هذا ، ولما كان الذهبي ممن وُصف بأنه من أهل الاستقراء التام والتتبع (٤) . (١) ينظر شرح ابن عقيل الألفية بن مالك في النحو ٢ / ١٩١ - ١٩٢. (٢) العلل للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ١ / ٣١٥ مع الجرح والتعديل ٢ / ٣٤٨ و٣ / ٢٨٠. ٢٨١ . (٣) ينظر الجرح ٣ / ٢٨١. (٤) السير ٦ / ٣٦٠ ونزهة النظر لابن حجر / ١٣٦. ٣٢ الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَّهِ وَالتّعْدِيك فلعله لاحظ مثل هذا الصنيع من الإمام أحمد وغيره ، فرأى أن يقعِّد له . بذكر مرتبة خاصة بالتكرير ، جرحا أو تعديلا وجعلها في التعديل أعلى من الإفراد ، وفي التجريح أشد وأردأ ، فقال : فأعلى العبارات في الراوة المقبولين : ثبت حجة ، وثبت حافظ ، وثقة متقن ، وثقة ثقة ، ثم ثقة .. إلخ . ثم قال : وأردى عبارات الجرح : كذاب دجال ، أو وضاع ، أو يضع الحديث .. إلخ (١) فهذا التقعيد من الذهبي موافق - من حيث المبدأ - لصنيع الإمام أحمد في المثال السابق ولصنيع غيره كما سيأتي ، ويُعَدُّ هذا أيضا من دلائل التواصل المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين ، لمن تدبره ، وإن لم يوجد تصريح من الذهبي بذلك . وقد تابع الذهبي على هذا التقعيد عدد ممن ألّف في مصطلح الحديث فزادوا مرتبة التكرير هذه ، لاسيما في مراتب التعديل مع التصريح بنسبتها (١) ينظر: الميزان الذهبي ١ / ٤ مع التصويب من نقل الأخ الفاضل د / قاسم سعد عن أحد النسخ الخطية الموثقة من كتاب الميزان / ينظر مباحث في علم الجرح والتعديل له / ٨٦ - ٨٧ وكذا في مقدمة اللسان ١ / ١٩٩ بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله - وليس عنده : حرف ((أو)) بعد لفظ ((وضاع)) ولا يستقيم السياق بدونه، لأنه يُسقط مرتبة الوصف بلفظ ((الوضع)) مرة واحدة مع أنها ثابتة عند عامة من ذكر المراتب ، وفي واقع التراجم ، بل هي وما يرادفها من العبارات المفردة، مثل ((يكذب في الحديث)) تعد أكثر استعمالا من التكرير. ٣٣ الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها للذهبي ، أو بدون نسبة (١) مرتبة التكرير النقدية للفظ «ثقة)، وما في حكمها مع التطبيق يلاحظ أن ما تقدم التمثيل به في التقعيد ، هو تكرير اللفظ مرة واحدة فقط ، وقد قرر الذهبي ومن تابعه ، أن هذا التكرير يكون أعلى في التعديل بمرتبة واحدة فوق مرتبة لفظ الثقة المفرد ، كما قرر أن مثل هذا التكرير في الجرح يكون أشد من الإفراد بمرتبة واحدة . لكن صنيع الحافظ ابن حجر قد اختلف : فمرة جعل أعلى المراتب بعد الصحابة ما أكد بالتكرير مرتين أو بأفعل التفضيل مثل : أوثق الناس ، وجعل الوصف بلفظة مفردة تحت هذه المرتبة مباشرة (٢) . ومرة جعل الوصف بأفعل التفضيل ونحوه مما يدل على المبالغة هو أعلا مراتب الرواة ، وجعل التكرير بلفظين هو المرتبة التي تحت ذلك (٣) . وقد تابعه على هذا الأخير كل من السخاوي (٤) والسيوطي (٥) . (١) ينظر: المقنع لابن الملقن ١ / ٢٨٢ بتحقيق الأخ الشيخ عبد الله الجديع، والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح للأبناسي ١ / ٢٦٧ ٢٦٨ ط مكتبة الرشد وفتح الغيث للعراقي ٢ / ٣٦ - ٣٧ وللسخاوي ٢ / ١١٠ - ١١١ ومقدمة لسان الميزان بتحقيق شيخنا أبي غدة - رحمه الله - ١ / ١٩٩ وتدريب الراوي ١ / ٤٠٤ (٢) ينظر : التقريب / ٧٤ . (٣) ينظر : نزهة النظر / ١٣٤ بتحقيق الأخ الدكتور نور الدين عتر . (٤) فتح المغيث ٢ / ١١٠. (٥) تدريب الراوي ١ / ٤٠٤ - ٤٠٥ . ٣٤ الفَاطُ وَ عِبَادَاتُ الَِّجُ وَالتَّعْدِيك وقد جاء عن الإمام أحمد ما يؤيد هذا حيث قال ابن هانئ : قيل لأبي عبد الله : بشر بن المفضل - فقال : ثقة ثقة ، فقيل له : فخالد بن الحارث . فقال: هو أرفع من هذا (١) . يعني من ((بشر بن المفضل)) الذي وصفه بالتكرير مرتين ، ثم قال مرة في ((خالد بن الحارث)) وحدَه: إليه المنتهي في التثبيت بالبصرة (٢) فأفاد هذا أن الوصف بـ (( أرفع)) الدال على المبالغة بأفعل التفضيل ، أعلى مرتبة عند الإمام أحمد من تكرير التوثيق مرتين (٣) . لكن عند مراجعتنا لكتب الرجال التي هي موضع التطبيق الفعلي للقواعد النقدية ، نجد فيها تكريرًا أكثر من مرتين الألفاظ والعبارات سواء من الإمام أحمد أو من غيره من المتقدمين والمتأخرين كما سيأتي في الأمثلة التطبيقية . ولعل هذا مما جعل السخاوي يذكر دلالة تكرير التوثيق مرتين على التأكيد زيادة عما هو خالٍ من التكرير ، ثم فَوَّعَ على هذا بقوله : وعلى هذا فما زاد على مرتين - مثلا - يكون أعلى منها (٤). وذكر الشيخ منصور الطوخي أن الضمير في ((منها)) يعود إلى صيغة (١) مسائل الإمام أحمد برواية إبراهيم بن هانئ ٢ / ٢٠٦ - ٢٠٧ مع تصويب . (٢) الجرح والتعديل ٣ / ٣٢٥. (٣) وينظر: بحر الدم / ١٣١. ليوسف بن عبد الهادي (٤) فتح المغيث ٢ / ١١٠. ٣٥ الفصل الثانى : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها التكرير مرتين ، أي أن صيغة التكرير أكثر من مرتين أعلى من صيغة المرتين مع كونها من مرتبتها ، قال : وليس المراد أعلا من المرتبة ؛ لئلا تزيد المراتب كلما زادت الألفاظ (١) وتابعه الشيخ على العِدْوى على هذا (٢) . وعليه تكون مرتبة التكرير عموما واحدة ، وهي فوق الإفراد مباشرة مهما كان عدد مرات التكرير ، ويصبح التفاوت بين المرتين ، وبين الأكثر منهما ، فائدته الترجيح عند اختلاف الرواة ، فيرجح الموصوف بالأكثر على الموصوف بالأقل . ولعل مما يؤيد حَمْل قول السخاوي على هذا ، أنه جَرَى في مراتب التعديل على ذكر مرتبتين ، أعلى من مرتبة التكرير مرتين ، ولم يذكر من ألفاظ أي منهما التكرير أكثر من مرتين (٣) . لكن يبدو لي أن التعليل الذي ذكره كل من الطوخي والعدوي . رحمهما الله - وهو خشية زيادة المراتب كلما زادت الألفاظ في التكرير ليس كافيا لمنع زيادة المراتب بزيادة مرات التكرير ، وذلك لأن زيادة مرات التكرير على مرتين ، لابد أن تكون مقصودة لقائلها، ليرفع مرتبة الراوي أكثر (١) ينظر: حاشية الشيخ منصور الطوخي على شرح الأنصاري الألفية العراقي / ٢٢٨ / ب ٢٢٩ / أ ( مخطوط الأزهرية ) . (٢) ينظر: حاشية العدوي على شرح الأنصاري الألفية العراقي / ٢٥٩ / ب / مخطوط دار الكتب المصرية . (٣) ينظر: فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٠. ٣٦ الفَاطُ وَعَبَارَاتُ الَجِ وَالتَّعَليك في التعديل ، أو يشدِّد جرحه في التجريح . ولذا وجدنا السخاوي يجوِّز جعل مراتب التعديل سبعا ، لوجود عبارات نقدية تقتضي هذا (١) . بل وجدنا غيره من العلماء أوصل المراتب إلى تسع ، بحسب تفاوت درجات الراوة في كل من العدالة والضبط (٢) . كما أن واقع كتب الرجال يفيد عدم اقتصار التكرير على لفظ ((ثقة)) وما في حكمه ، ولكن يوجد تكرير باللفظ أو بالمعنى لما هو أعلا من لفظ ثقة ولما هو أدنى منه ، وتكرير بمرتين أو أكثر، كما سيأتي في المثال الذي ذكره السخاوي بنفسه ، وفي غيره مما سيأتي ذكره ومناقشته - إن شاء الله . ومقتضى ذلك أنه يمكن رفع مرتبة التكرير عن مرتبة الإفراد ، في كل ما يتكرر من ألفاظ المراتب، كما يمكن رفع مرتبة المكرر أكثر من مرتين عن مرتبة المكرر مرتين ، بحسب القرائن المتعلقة بكل تكرير .. وقد مثل السخاوي للتكرير الزائد عن مرتين بقول ابن سعد في شعبة بن الحجاج : كان ثقة مأمونا ، ثبتا ، صاحب حديث ، حجة (٣) . وهذا المثال يوضح لنا ، ما هو مجمل في تقعيد التكرير ، وهو أنه لا يلزم (١) ينظر: فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٠ (٢) ينظر: توجيه النظر للشيخ طاهر الجزائري ١ / ١٠١ - ١٠٢ (٣) فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٠ - ١١١ وطبقات ابن سعد ٧ / ٢٨٠ ط بيروت والترتيب للألفاظ منها لأنها المصدر الأصلي . ٣٧ الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها أن يكون التكرير للفظ واحد ، ولا تكرير بمرادفه فقط ، ولكن يمكن بما هو بلفظة أعلى في نفس المرتبة ، وذلك لأن قول ابن سعد المذكور فيه لفظا ((ثقة وثبت)) مختلفان لفظا ، ومترادفان اصطلاحا ، أما لفظ ((حجة)) فهو أعلى في الدلالة على التوثيق منهما (١) وإن كان معدودًا معهما ضمن مرتبة الثقة (٢) ودرجة حديث الثلاثة هي الصحة وإن تفاوتت ، من صحيح إلى أصح وبذلك يتحقق اشتمال قول ابن سعد على تكرير التوثيق أكثر من مرتين وهم (( ثقة، ثبت ، حجة )) . ثم يلاحظ اشتمال المثال أيضا على لفظين آخرين هما: ((مأمون وصاحب حديث)) ويمكن اعتبار الثاني منهما بمرتبة الأول ، على وجه التقريب ، وهي المرتبة التي تحت ثقة مباشرة (٣) . فيكون هذا تكريرًا آخر مرتين فقط لهذه المرتبة ، وبذلك اجتمع في هذا القول : تكرير ، وتركيب من مرتبتين كما سيأتي في موضعه ، لكن السخاوي جعل العبرة في هذه المثال بالمرتبة الأعلى فقط وتكريرها ، لعدم وجود قرينة تمنع من ذلك . وسيأتي في الأمثلة التطبيقية ما يشابه قول ابن سعد هذا، كما سيأتي ما (١) ينظر: فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٢، وتذكرة الحفاظ ٣ / ٩٧٩ (٢) فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١١ و ١١٢. (٣) تدريب الراوي ١ / ٤٠٥ . ٣٨ الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهَاةِ وَالتَّعَدِيك هو مشتمل على تكرير لما هو أدنى من الثقة وحده ، مع بيان حكمه إن شاء الله . وقد ذكر السخاوي لما زاد عن مرتين في التكرير مثالا آخر فقال : وأكثر ما وقفت عليه من ذلك ، قول ابن عيينة ، حدثنا عمرو بن دينار - وكان ثقة، ثقة ... تسع مرات ، وكأنه سكت لانقطاع نفسه (١) ولقد بحثت كثيرا بالمراجعة ، والسؤال ، وبواسطة الحاسب الآلي ، عن موضع قول ابن عيينة هذا فلم أقف عليه ، ولم يذكر لنا السخاوي - رحمه الله - موضع وقوفه عليه ؛ لكن الذي تيسر حتى الآن هو ما ذكره الإمام النووي - رحمه الله - أن سفيان بن عيينة قال في عمرو بن دينار هذا : ثقة، ثقة ، ثقة ثقة ، أربع مرات ، فقط (٢). وهذا يصلح مثالا لتكرير لفظ (( ثقة)) أكثر من مرتين كما ترى . وممن سبق السخاوي إلى ذكر التكرير أكثر من مرتين وبيان مرتبته تقعيدًا وتطبيقا ابن أبي حاتم الرازي ، في بيانه لمراتب الرواة من أتباع التابعين فذكر أنهم على مراتب أربع ، وذكر الأولى منهم بقوله : فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ (٣) الناقد (٤) للحديث، فهذا الذي لا (١) فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١١. (٢) ينظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢ / ٢٧. (٣) الجهيد: النَّعاد الخبير بغوامض الأمور / المعجم الوسيط ((جهبذ)). (٤) الناقد من يميز الجيد من الردئ والصحيح من الفاسد (المعجم الوسيط ) مادة ((نقد)). ٣٩ الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها يختلف فيه ، ويعتمد على جرحه وتعديله ، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال . ثم ذكر المرتبة الثانية بقوله : ومنهم العدل في نفسه ، الثبت في روايته الصدوق في نقله الورع في دينه ، الحافظ لحديثه ، المتقن فيه ، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه ويوثق في نفسه (١) . فيلاحظ : - أن المرتبتين متفقتان فى عدد الألفاظ والعبارات النقدية ، وهي ستة فى كل منهما . - ومتفقتان أيضا فى تكرير ثلاثه ألفاظ من مرتبة التوثيق وهى ((الثبت)) و((الحافظ)) و((المتقن)). - ومتفقتان في ذكر مرتبة عدالة فقط وهي الورع في الدين . - وانفردت المرتبة الثانية بلفظ ((صدوق)) وهو دون مرتبة ((ثقة)) كما هو معروف، أما المرتبة الأولى: فانفردت بلفظي ((جهبذ وناقد )) ومعناهما الاصطلاحي مُتَقارب ، وهما أعلى في التوثيق من الألفاظ الثلاثة السابقة . فأصبح في المرتبة الأولي خمسة من ألفاظ التوثيق مكررة بالمعنى وإن تفاوتت مفرداتها في درجة التوثيق، كالتفاوت بين ((ثقة)) وبين ((حجة))(٢). (١) الجرح والتعديل ١ / ٠١٠. (٢) ينظر: فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٢ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣ / ٩٧٩. ٤٠ الفَاطُ وَ عِبَادَاتُ الَرْجِ وَالتَّعَدِيِّك وقد مثّل ابن أبي حاتم لأهل تلك المرتبة بأئمة حواضر الإسلام في عصرهم وهم: مالك بن أنس، والسفيانان، وشعبة، وحماد بن زيد، والأوزاعي(١). أما المرتبة الثانية : فقد اشتملت عنده على تكرير بالمعنى أيضا لثلاثة فقط من ألفاظ التوثيق كما قدمت . وعليه تكون المرتبة الأولى أكثر عددًا في ألفاظ التكرير وفيها ما هو أعلى دلالة على درجة التوثيق . ولذا جعل ابن أبي حاتم نتيجة وصف الراوي بها أعلى الدرجات فقال : فهذا الذي لا يُختلف فيه ، ويعتمد على جرحه وتعديله ، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال (٢) . وخلاصة هذا : أنه يكون حجة في روايته باتفاق ، وحجة في الحكم على غيره من الرواة . ° أما صاحب المرتبة الثانية وهو الذي وصف بتكرير ثلاثة فقط من ألفاظ التوثيق المطلق ، فجعل ابن أبى حاتم مرتبته أدنى ، وهي ثبوت توثيقه في ذاته ، والاحتجاج بحديثه ، ولم يذكر الاحتجاج بكلامه في الرجال كما ترى ، وذلك لعدم التصريح بوصفه بذلك . .ولكن ما تقدم ذكر السخاوي له من أن التكرير ثلاث مرات أعلى من التكرير مرتين ، يقتضي أن أصحاب تلك المرتبة الثانية أعلى مما قرره لها ابن أبي حاتم من ثبوت التوثيق فقط وحجية حديث أهلها ، كما أن عدم (١) الجرح ١ / ١٠. (٢) الجرح والتعديل ١ / ١٠