Indexed OCR Text

Pages 61-80

-
٦١
.
إذ جاء نَعْيُ أبي حنيفة، فقال: الحمد لله الذي أَراح المسلمين منه، لقد كان يَنقضُ
=
عُرَى الإِسلام عُروةً عروة، ما وُلِدَ في الإِسلام مولودٌ أَشأم على الإِسلام منه!)).
انتھی .
وجاء في كتاب ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) لابن عبد البر،
ص ١٤٩ قوله: ((ونذكُرُ في هذا الكتاب مِن ذَمِّهِ - أَي أبي حنيفة - والثناءِ عليه -
ما يَقِفُ به الناظرُ فيه على حاله، عَصَمنا الله وكفانا شَرِّ الحاسدين.
فمَمِّنْ طعَنَ عليه وجَرَحِه أَبو عبد الله محمدُ بن إسماعيل البخاري، فقال في
كتابه في «الضعفاء والمتروكين»:
أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، قال نُعَيم بن حماد: حدثنا يحيى بن سعيد
ومعاذ بن معاذٍ، سمِعًا سفيان الثوري يقول: قيل: استيبَ أَبو حنيفة من الكفر مرّتين !!
وقال نُعَيم عن الفزاري: كنتُ عند سفيان بن عُيَيْنة، فجاء نَعْيُ أَبي حنيفة،
فقال: لَعَنه الله، كان يَهدِمُ الإِسلامَ عُروةٌ عُروة، وما وُلِدَ في الإِسلام مولودٌ أَشْرُ منه!
هذا ما ذكره البخاري)). انتهى كلام ابن عبد البر في ((الانتقاء)). وفيه أنظار وأوهام
كثيرة .
أولاً: عَزَا كل الكلام الذي نقله عن البخاري، إلى كتاب ((الضعفاء والمتروكين»
للبخاري. وليس شيء من هذا الكلام المذكور في ذلك الكتاب في النسخة المطبوعة
التي بين أيدينا، وهو المشهور باسم ((الضعفاء الصغير).
ثانياً: ليس للخبر الأول من هذين الخبرين، خبرٍ استتابة أبي حنيفة من الكفر
مرتين !! ذكرٌ في ((التاريخ الصغير)) ولا ((الضعفاء الصغير)) للبخاري.
ثالثاً: الخبر الثاني جاء فيه قولُ الفزاري: (كنتُ عند سفيان بن عيينة). وهذا
خطأ، صوابه: سفيان الثوري، كما ساقه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» في ثلاثة
مواضع، من ثلاث طرق. والبخاري روى الخبر في ((التاريخ الصغير))، ص ١٧٤
(كنتُ عند سفيان) غير منسوب. والفزاري روى عن سفيان بن عيينة، ومات قبله، كما
في ))تهذيب الكمال)) للمزي في ترجمة (سفيان بن عيينة)، وروايته عن (سفيان
الثوري) أکثر واشهر.
رابعاً: جاء في رواية ابن عبد البر في هذا الخبر الثاني زيادة قول سفيان في =

٦٢
أَو بين مالك وابن أبي ذئب(١)، أَو بين أَحمد بن صالح والنِّسائي(٢)، أَو بين
أَحمد بن حنبل والحارث المحاسبي(٣)، وهَلُمَّ جَرّا إلى زمان العِزِّ:
الإمام أبي حنيفة: (لعنه الله). وليس في ((التاريخ الصغير)) ولا في ((تاريخ بغداد)) ذكر
=
لهذه الجملة الناطقة باللعن على معيّن وهو الإمام أبو حنيفة!
وهذه المفارقات قد تدل على شيء آخر، وهو أن بعض أَيدي الحانقين على
أبي حنيفة، امتدت إلى كتاب البخاري، فتلاعبت فيه، ودَسّتْ عليه ما ليس منه؟!
ولا يتسع المقامُ هنا للإِفاضة في تحقيق هذا الأمر الآن.
وكلَّ من الخبر الأول والخبر الثاني مكشوفُ السقوط والبطلان كما تراه. وانظر
((تأنيب الخطيب)) لشيخنا المحقق الكوثري رحمه الله تعالى، ص ٧١ و ١١١،
و «أبو حنيفة وأصحابُه المحدِّثون» لشيخنا التهانوي رحمه الله تعالی، ص ٢٦ - ٢٩،
في المجلَّد الأول من كتابِهِ ((إعلاء السنن)). وانظر ما علقته على ((فقه أهل العراق
وحديثهم)) للكوثري، ص ٨٨ - ٨٩، وعلى ((الإِيقاظ)) - ٢٣ في ((الرفع والتكميل))
في طبعته الثالثة.
(١) تقدم شرحه تعليقاً في ص ٣٠ - ٣٣.
(٢) تقدم بيانه تعليقاً في ص ٣٤ - ٣٥.
(٣) يشير المؤلف إلى ما اتفق بين الإِمام الحارث بن أسد المحاسبي البصري ثم
البغدادي، المتوفى سنة ٢٤٣، وبین الإمام أحمد بن حنبل، رحمهما الله تعالی، من
الاختلاف في المشرب والمذهب.
وذلك أن المحاسبي كان من علماء الفقه والحديث والأصول والتصوف
والكلام، وعُني بالرد على المعتزلة وآرائهم، وكان من أوائل من اشتغل - في ختام
القرن الثاني وأوائل القرن الثالث - بتدوين أَحوال النفس وتزكيتها، وبيان عيوبها
وأمراضها، وخطراتها ووساوسها، وعلاجاتها ...
وكان هذا العصر يزخر بالمحدثين والرواة، الذين يَرَوْن العلمَ كلَّ العلم: رواية
الحدیث سنداً ومتناً ... ، ویرَوْن إعمالَ الرأي في فهم الأثر وبیان معناه خروجاً عليه،
فإذا بلغهم عن عالم أَنْه تكلم في مسألة باحثاً مجتهداً، أو متكلِّم قال في صفةٍ من
صفات الله قولاً، أَو مذكّرٍ تحدث عن حال النفس كاشفاً منقِّباً، ثارت لذلك =

٦٣
ابن عبد السلام والتقيِّ بن الصلاح(١)، فإنك إذا اشتغلتَ بذلك خَشِيتُ عليك
الهلاك، فالقومُ أَتمة أَعلام، ولأقوالهم مَحامِل، وربما لم يُفْهَمْ بعضُها،
حَفِيظُتُهم، ونقموا عليه ما صَنَع، وقالوا فيه من الجرح ما يرونه ملاقياً للجارح الذي
=
اتصف به في نظرهم.
وقد نُقِلَ عن الإمام أحمد أنه هجر المحاسبي، وكره صحبته لمن استشاره
فيها، فقيل: هجره وكره للسائل صحبته لأن المحاسبي تكلم عن الوساوس
والخطرات، دون استناد إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد الرأي والذوق. وقيل: لأنه
تكلم في شيء من مسائل علم الكلام، وكان الإمام أحمد شديد النكير على من
يتكلم في علم الكلام، خوفاً من أن يَجرِّ ذلك إلى ما لا ينبغي. وقيل: كرِه للسائل
صحبتَه وصحبةً أَمثاله من المتكلمين في الخواطر وأحوال النفس، خشيةً أَن يُشغلَ
بذلك عن الكتاب والسنة. وقيل: غيرُ هذا.
انظر تفصيل ذلك فيما ترجمتُ به للإِمام المحاسبي، في أول كتابه النفيس:
((رسالة المسترشدين))، ص ١٨ - ٢٤ من الطبعة الثانية أو الثالثة.
فالمؤلف رحمه الله تعالى يشير بتحذيره المذكور أعلاه، إلى أن الاشتغال بمثل
هذه الأمور التي اتفقت بين هذين الإِمامين وغيرهم ممن ذكرهم، ليس من السداد
والرشاد في شيء، ولربما كان مدعاةً لهلاك المتردِّي فيه، نسأل الله تعالى الهداية
والسلامة .
(١) يشير المؤلف إلى ما وقع من التنافر بين الإمام: (العزبن عبد السلام) عبد العزيز بن
عبد السلام السُّلَمِي الشافعي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء، المولود بدمشق
سنة ٥٧٧، والمتوفى بالقاهرة سنة ٦٦٠. وبين الإمام (أبي عمرو بن الصلاح)
عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن بن موسى الشُّهْرَزُورِي الكردي الشَّرَخاني
الشافعي، الموصلي ثم الدمشقي، المولود في شَرَخان قرب شَهْرَزُور جهة الموصل
من العراق، سنة ٥٧٧، المتوفى بدمشق سنة ٦٤٣، رحمهما الله تعالى.
فقد وقعت الجفوة والمنافرة بينهما، بسبب اختلاف رأيهما في (صلاة الرغائب)
المبتدعة، التي يصليها بعضُ الناس في رجب. وكان العز بن عبد السلام يَرى بُطلانَها
ومنْعَها، ونبّه إلى أنها بدعة منكرة، في إحدى خطبه يوم الجمعة من شهر رجب سنة

٦٤
٦٣٧، على منبر الجامع الأموي بدمشق، الذي كان خطيبه.
وكان ابن الصلاح في أول الأمر رأيُه فيها المنعُ أيضاً، وأَفتى فتويين بمنعها،
ثم أَجازها وصَمّم على جوازها، مع حكمه ببطلان الحديث المذكور فيها، قائلاً بأنها
((تدخلُ تحت مطلق الأمر الوارد في الكتاب والسنة بمطلق الصلاة، فهي إذاً مستحبة
بعموماتٍ نصوص الشريعة الكثيرة، الناطقةِ باستحباب مطلق الصلاة)). فألّف العزبن
عبد السلام ((جزءاً) صغيراً في بطلانها، بعنوان ((الترغيب عن صلاة الرغائب
الموضوعة، وبيان ما فيها من مخالفة السنة المشروعة)). وذكر فيه تقسيم البِدَع إلى
ثلاثة أضرب: مباحة، وحسنة، ومخالفة للشرع ممنوعة، وبيّن بالاستدلال
والتعليل أَن (صلاة الرغائب) من البدعة المخالفة للشرع، وأطلق في ختام كلامه
بعضَ الكلمات الشديدة حول ابن الصلاح ورأيِهِ بإباحتها وتحسينٍ فعلها ..
فَرَدِّ عليه ابنُ الصلاح بجزءٍ صغير، بعنوان («الرد على الترغيب عن صلاة
الرغائب الموضوعة، وبيان ما فيها من مخالفة السنة المشروعة». وقرَّر فيه جوازها،
وذكّرَ فيه استدلالَه لإِباحتها وتحسينٍ فعلها، وأُطلق في آخر كلامِه بعضَ الكلمات
القاسية حول العزبن عبد السلام.
فألّف العِز جزءاً ثانياً في الرد على جزءٍ ابن الصلاح، وشَدَّد فيه اللهجة عليه
جداً، وأكثر من الغمز فيه، وناقش أَدلته، وفَّد رأيَه وقولَه جملةً جملة. وقد طبعت
هذه الأجزاء كلها في دمشق سنة ١٣٨٠ باسم ((مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين
العزبن عبد السلام وابن الصلاح».
وقد أشار المؤلف التاج السبكي إلى هذه الجفوة بينهما، في ((طبقات الشافعية
الكبرى» ٢٥١:٨، في ترجمة (العزبن عبد السلام)، وذكر طَرَفاً كبيراً من ((جزء))
العز بن عبد السلام الأول.
وأشار إلى هذه الجفوة أيضاً اليافعي في ((مرآة الجنان)» ٤: ١٥٥، فقال في
ترجمة (العز بن عبد السلام) «وأَنکر صلاة الرغائب، ووقع بينه وبين شیخ دار الحديث
الإمام أبي عمرو بن الصلاح في ذلك منازعات ومحاربات شديدات، وصنّف كلّ
واحدٍ منهما في الرد على الآخر، واستصوب المتشرِّعون المحققون مذهبَ الإِمام
: ابن عبد السلام في ذلك، وشهدوا له بالبُروزِ بالحق والصواب، في تلك الحُروب
والضِّراب».

٦٥
فليس لنا إلا الترضي عنهم، والسكوتُ عما جَرى بينهم، كما نَفْعَلُ(١) فيما
جَرَى بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
(١) قولُه: (كما نَفْعَلُ) هكذا في ((عقود الجُمَّان))، ص ٤٠٥. وفي سواه: (كما يُفْعَلُ).
ولفظُ (أجمعين) زيادة من ((عقود الجمان))، ص ٤٠٥.

٦٦
قاعدة في المؤرخين
ويَقرُبُ من هذه القاعدة التي ذكرناها في الجَرْح والتعديل قاعدةٌ في
المؤرِّخين نافعةٌ جداً، فإنَّ أهل التاريخ ربّما وضعوا من أُناس، ورفعوا أُناساً،
إمّا لتعصُّب، أَو لجهل، أو لمجرَّد اعتمادٍ على نقلٍ من لا يوثق به، أو لغيرِ
ذلك من الأسباب(١) ..
والجهلُ في المؤرِّخين أكثرُ منه في أهل الجرح والتعديل وكذلك
التعصُبُ، (٢) قلَّ أن رأيتُ تاريخاً خالياً من ذلك.
وأمّا تاريخُ شيخنا الذهبي غفر اللَّه له، فإنه - على حُسنه وجَمْعِه -
مشحونٌ بالتعصب المُفْرِط، لا وَاخَذَه اللَّه. فلقد أكثرَ الوقيعة في أهل الدين،
أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق(٣)، واستطال بلسانه على كثير من أئمة
(١) جاء في طبعة البابي والحسينية: (أو غير ذلك ... )، وفي ((الإعلان بالتوبيخ» ص ٧٣
(أو لغير ذلك)، فأثبته.
(٢) من هنا إلى آخر المقطع التالي، المنتهي بلفظ: ( ... بعَوَامِّ المؤرِّخين). قد أغفَلَه
وحَذَفه الحافظُ السيوطي في ((نظم العِقيان)» ص ٩.
(٣) قلت: أَشْهَدُ باللَّه للإِمام الحافظ الذهبي أنه إمام صالح تقي، ويحِبُّ الصوفيةً
الصالحين الأتقياء، ويأمر بتحسين الظن بالصوفية، ولكنه يخاف ويُحذّر من شطحاتهم
ومخالفاتهم، وذلك عنوانُ دينه وأمانتِه. ولما تَرجم في ((ميزان الاعتدال» ٣: ٢١٤
للشيخ ابن الفارض الصوفي (عمر بن علي) المتوفى سنة ٦٣٢، قال: ((حدَّثَ عن ـ

٦٧
الشافعية والحنفية(١)، ومالَ فأفرط على الأشاعرة(٢) ومدَحَ فزاد في
المجسِّمة.
القاسم بن عساكر، يَنعَقُ بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة، فتدبّر نظمه
ولا تستعجِلْ، ولكن حَسِّنْ الظنَّ بالصوفية ... )). انتهى.
ومن شواهد حُبِّه للصوفية الصالحين، ودلائلِ تعلُّقِه بمحبتهم: أنك تراه في
كتبه ومؤلفاته تنشرحُ نَفْسُه عند ذكرهم، وينبسط لسانُه وقلمُه بالثناءِ عليهم. ويَطولُ
نفسُهُ بالمدح لهم والاسترواح لإطالة تراجمهم، ویتعرَّضُ لذکر کراماتھم والرُّؤَی لهم،
وكتبه الواسعة طافحةٌ بذلك جداً، رحمةُ اللَّه تعالى عليه. وما هذا كلُّه منه إلا لبالغ
صلاحه، ورقة قلبه للخير والدين، والصلاح والصالحين، ولكنه مع هذا كلِّ كالأسد
الضَّرغام على من يَشَمُّ منه رائحةً الزيغ أو الدخَل على الشريعة، فللَّه درّه ما أوفاه
لها وأرعاه، ونفعنا اللَّه بدينه وعلمه وتقواه.
ومن تراجم الزُّهَّادِ والعُبَّادِ الصالحين الذين أطال الذهبيُّ في تراجمهم،
وأسھَبَ فيها مَحَبَّةً منه بصلاحهم وزُهدِهم:
١ - التابعيُّ الجليلُ: أُوَيْسُ القَرَنِي الْيَمَاني، في ((تاريخ الإِسلام))
١٧٣:٢ - ١٧٥، و«سير أعلام النبلاء؟ ١٩:٤ - ٣٣.
٢ - التابعيُّ الجليلُ: أبو مُسْلِم الخَوْلاني الداراني الدمشقي في ((تاريخ
الإسلام)» ٣: ١٠٢ - ١٠٥، و((سير أعلام النبلاء)) ٤: ٧ - ١٤.
٣ - والتابعيُّ الجليلُ: محمدُ بنُ واسعٍ البصريُّ، في ((تاريخ الإِسلام))
١٥٩:٥ - ١٦٢، و«سير أعلام النبلاء)» ٦: ١١٩ - ١٢٣.
وانظر تراجمَ كثير من التابعين ومَنْ بَعْدَهم من الصالحين الصوفية على طريقة
السَّلَف، في هذين الكتابين للحافظ الذهبي، تجدها بالنظر إلى غيرها من التراجم -
مطوّلةً بذكرٍ مناقِهم وعِبَاداتهم وكراماتِهم وسيرتهم الصالحة، فالذهبيُّ يُحبُّ الصوفية
الصالحين على طريقةِ السلف.
(١) في طبعة البابي والحسينية: (أئمة الشافعيين والحنفيين)، وفي (الإعلان بالتوبيخ))
ما أثبته.
(٢) وقع في ((الإعلان بالتوبيخ)) في طبعتيه: (وقال فأفرط على الأشاعرة). وهو تحريف.

٦٨
هذا، وهو الحافظُ المِدْرَهُ(١)، والإِمامُ المبجَّل. فما ظنُّك بعَوَامِّ المؤرِّخين؟!
فالرأي عندنا أن لا يُقبَل مدحٌ ولا ذٌ من المؤَرِّخين، إلا بما اشترطه إمام
الأئمة وحَبْرُ الأمَّة، وهو الشيخ الإِمام الوالد رحمه اللَّه، حيث قال - ونقلتُه من
خطّه في مجاميعه - :
يُشترط في المؤرِّخ(٢):
١ - الصدقُ(٣).
٢ - وإذا نقَلَ يَعتمِدُ اللفظَ دون المعنى(٤).
٣ - وأن لا يكون ذلك الذي نقّلَه أخذَهُ في المذاكرة، وكتَبَه بعد ذلك.
٤ - وأن يُسمَِّ المنقولَ عنه.
(١) المِدْرُهُ هو: السيدُ الشريف، والمُقْدِمُ في اللسانِ واليدِ عند الخصومةِ والقِتال، وزعيمُ
القوم والمتكلُّم عنهم. ووقع في (الإعلان بالتوبيخ)) في طبعتيه: (وهو الحافظ
القدوة). وهو تحريف .
(٢) انظر هذه الشروط وما يتصل بها مفصلاً مسهباً في ((الإعلان بالتوبيخ)) للحافظ
السخاوي رحمه اللَّه تعالى، ص ٦٣ - ٧٨ من طبعة القدسي، وص ١١٤ - ١٣٨
من طبعة بغداد المجرّدة، وص ٤٨٢ - ٥٠٦ من الطبعة المضاف إليها الدراسة
للدكتور فرانز روزنتال والنصوص في علم التاريخ .
(٣) وهو المعبَّر عنه بالعدالة.
(٤) هذا الشرط مهم جداً، وقد أحسن كل الإِحسان الإِمامُ تقي الدين السبكي رحمه الله
تعالى بالتنبيه إليه، لأن الناقل إذا اعتمد اللفظ، فقد برىء من العُهدة وأدَّى الأمانة كما
تلقاها ورآها، أما إذا اعتمد المعنى، وعبَّر عنه بلفظٍ من قِبَله، فقد يبعدُ تعبيرهُ عن
الواقع الذي عبّر عنه القائل الأول قليلاً أو كثيراً، فَيَختلِفُ الحكمُ بين عبارةِ القائل
وعبارة الناقل.
وقد وقع ذلك للحافظ ابن حِبّان رحمه اللّه تعالى، فقد كان يتصرف في الألفاظ
في تراجم الرواة لمن قبلَه من الأئمة، فيعبِّر بدلاً عنها بعبارةِ نفسه، فوقع في الغلط
والشطط! حتى انتقده الحافظ ابنُّ الصلاح على ذلك، ووافقه الحافظ الذهبي =

٦٩
فهذه شروط أربعة فيما ينقله(١).
وابن حجر، وزاد الذهبي فوصف ابن حبان في بعض التراجم بالخَسَّاف المتهوِّر،
=
وبأنه لا يَدري ما يُخرُجُ من رأسه!
قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) ٣: ٥٠٧، في
ترجمة ابن حبان، وهو في سِيّاق ذكرٍ ما يؤخذ عليه: ((وقال الإِمام أبو عمرو بن الصلاح
- وذكَّرَ ابنّ حبان في ((طبقات الشافعية)) -: غَلِطَ الغَلَط الفاحشَ في تصرفه. وصدَق
أبو عَمْرو، وله أوهام كثيرة، تَتَبَّعَ بعضَها الحافظُ ضياءُ الدين».
وقال أيضاً في ((الميزان)) ٤: ٨، في ترجمة (محمد بن الفضل السَّدُوسي عارم)
الذي روى له البخاري ومسلم وباقي أصحاب الكتب الستة، بعد أن نَقَل توثيقه عن
الدارقطني: ((قلتُ: فهذا قولُ حافظ العصر الذي لم يأتِ بعد النسائي مثلُه. فأين
هذا القولُ من قولِ ابن حبّان الخَسّاف المتهور في عارم؟ !... )).
وقال أيضاً في (الميزان)) ٢٧٤:١، في ترجمة (أفلح بن سعيد المدني) الذي
رَوّى له مسلم والنسائي: ((وثّقَه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن
حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاجُ به ولا الروايةُ عنه بحال.
قلتُ - القائل الذهبي -: ابنُ حبّان ربما قَصَبَ الثقة - أَي عابه وجَرَحْه ـ-،
حتى كأنه لا يدري ما يَخرُجُ من رأسِه!)). انتهى. ونقله الحافظ ابن حجر في ((تهذيب
التهذيب)) ٣٦٨:١، في ترجمة (أَفلح) وأَقرَّه. وانظر شواهد أُخر من التصرُّف الذي
أُخِذّ على ابن حبان، فيما علّقْتُه على ((قواعد في علوم الحديث)) لشيخنا المحدِّث
التّهانوي رحمه الله تعالى ص ١٨٣ - ١٨٧.
(١) قلت: ينبغي أن يضاف إلى هذه الشروط الأربعة للمؤرِّخ فيما ينقله: شرطٌ خامس،
هامّ أيضاً، وهو التحري منه فيما يراه من الكلام الذي يتضمن غمزاً أو جرحاً أو حظّاً
على أَحَد المعتبرين من السلف، فإن التثبت في جَنْب كل مترجم واجب، فكيف إذا
كان من الصحابة أو التابعين أَو الأئمة المعتبرين، فينبغي أن يُمسِكَ عن نقل ذلك
الكلام وتدوينه، إذا كان فيه إشاعةُ قالَةِ السُّوءِ، أو نَزْعُ الثقة بالعدلِ المُقولِ فيه، فإنه
على الغالب يكون مدخولاً .
قال الحافظ السخاوي رحمه اللّه تعالى في ((الإعلان بالتوبيخ)) ص ٦٣ - ٦٥،
وهو يتحدث عن (شروط المؤرِّخ): ((وأما شروطُ المعتني بالتاريخ: فالعدالة، مع =

٧٠
ويُشترط فيه أيضاً لما يترجمه من عند نفسه، ولِمَا عساهُ يُطَوِّلُ في
التراجم من النقول ويُقْصِّر(١):
=
الضبط التام الناشىء عنه مزيدُ الإتقان، والتحرِّي سيما فيما يراه من الوقائع التي كانت
بين أعيان الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم، لما أُمِرنا من الإمساك عما كان
بينهم، والتأويلِ له بما لا يَحطُّ من مقدارهم.
ويَلتحِقُ بذلك ما وقع بين الأئمة، سيِّما المتخالفين في المناظرات والمباحثات.
وأما ما أسنده الحافظ أبو الشيخ بن حَيَّان في كتاب ((السُّنّة)) له، من الكلام في حق
بعض الأئمة المقلَّدين - يعني به الإِمامَ أبا حنيفة رضي اللَّه عنه -، وكذا الحافظ
أبو أحمد بنُ عدِيّ في ((كامله))، والحافظ أبو بكر الخطيب في ((تاريخ بغداد))،
وآخرون ممن قبلّهم، كابن أبي شيبة في ((مصنّفه)»، والبخاري - في «التاريخ
الصغير)» - والنسائي - في الضعفاء والمتروكين - مما كنتُ أُنزِّهُهم عن إيراده، مع
كونهم مجتهدين، ومقاصدُهم جميلة:
فينبغي تجنيبُ اقتفائِهم فيه، ولذا عزَّرَ بعضُ القضاة الأعلام من شيوخنا: من
نُسِبَ إليه التحدّثُ ببعضه، بل مَنَّعنا شيخُنا الحافظُ ابن حجر حين سمعنا عليه كتابَ
(ذُّ الكلام» للهَرَوِي، من الرواية عنه - أي من رواية ذلك الكتاب عن ابن حجر مع
أنهم سمعوه عليه - لما فيه من ذلك)). انتهى كلامُ السخاوي.
قال عبد الفتاح: وفي منع الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى من رواية ذلك
الكتاب عنه توجيه بالغ المستبصرين، وتعليمٌ هامَّ للمسترشدين. وهذا مما يدل على
أن سماع مِثلِه لمثلِه وإسماعَه أيضاً لغيره، إنما هو للتسجيل لا للتعويل، فأعرِفْ هذا
فإنه مهم جداً.
وما أصدقَ وأدَقَّ كلمة الإِمام أحمد رضي اللَّه عنه في هذا المقام، وهي التي
يقول فيها: ((كلُّ رجلٍ ثبتَتْ عدالته، لم يُقبّل فيه تجريحُ أحد، حتى يَتبيّن ذلك عليه
بأمرٍ لا يَحتمِلُ غيرَ جَرْحه)). كما في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر ٧: ٢٧٣.
وقد تقدمَتْ تعليقاً هي وكلمةُ الإِمام ابن جرير في ص ٢٠ .
(١) وقع في ((الإعلان بالتوبيخ)) في طبعتيه: (وما عساه يطول فيه من المنقول: بعض
التراجم دون بعض فُيُشْتَرَطُ فيه: أن يكون عارفاً بحال صاحبِ المترجم علماً
وديناً ... )). وفيه تحريف، والصواب ما هنا، وهو المثبت في ((الوافي بالوفَيَات)) =

٧١
١ - أن يكون عارفاً بحال صاحب الترجمة، عِلْماً ودِيْناً وغيرهما من
الصفات، وهذا عزيز جداً.
٢ - وأن يكون حسَنَ العبارة، عارفاً بمدلولات الألفاظ.
٣ - وأن يكون حسَنَ التصور، حتى يَتصوَّر حالَ ترجمتِه جميعَ حال
ذلك الشخص، ويُعبِّرَ عنه بعبارة لا تَزِيدُ عليه، ولا تَنْقُصُ عنه.
٤ - وأن لا يَغْلِبَه الهوى، فيُخَيِّلَ إليه هَواهُ الإِطنابَ في مَذْح من
يحبه، والتقصيرَ في غيره، بل إما أن يكون مجرَّداً عن الهوى وهو عزيز، وإما
أن يكون عنده من العدل ما يَقهَرُ به هواه، ويَسلكُ طريقَ الإِنصاف.
فهذه أربعة شروط أخرى، ولك أن تجعلها خمسة، لأن حُسنَ تصوُّره
وعِلمَه قد لا يَحصُلُ معهما الاستحضار حين التصنيف، فيُجعلُ:
٥ - حُضورُ التصور زائداً على حُسن التصور والعلم. فهي تسعةُ
شروط في المؤرِّخِ، وأصعَبُها الاطّلاعُ على حال الشخص في العلم، فإنه
يَحتاجُ إلى المشاركة في علمه والقُربِ منه، حتى يَعرفَ مرتبته. انتهى.
وذَكَر أن كتابته لهذه الشروط كانت بعد أن وقف على كلام ابن مَعِين في
الشافعي، وقولِ أحمد بن حنبل: إنه لا يَعرِفُ الشافِعِيَّ، ولا يَعرِف ما يقول(١).
=
للصفدي ١: ٤٦، وقد نقله من (خط الإمام تقي الدين السبكي) أيضاً.
(١) نصَّ كلام الإمام تقي الدين السبكي الذي يشير إليه المؤلف هنا - كما نقله الصفدي
في ((الوافي بالوفيات)) ١: ٤٦ - ((وما ذكرتُ هذا الكلام إلا بالنسبة إلى تواريخ
المتأخرين، فإنه قلَّ فيها اجتماعُ هذه الشروط، وأما المتقدمون فإني أتأدِّبُ معهم.
لكني رأيتُ حال كتابتي هذه: شيئاً لا بأسَ بذكره هنا، وهو أن أبا الوليد الباجي
المالكي، حكى في كتابه المسمى «تاريخ الفقهاء»، عن غيره أن يحيى بن معين
ضَعّفِ الشافعي، فَبَلَغ ذلك أحمد بن حنبل، فقال هو لا يَعرِفُ الشافعيَّ ولا يَعرِفُ

٧٢
قلتُ: وما أَحسَنَ قولَه: (ولِمَا عَسَاه يُطوِّلُ في التراجم من النقول
ويُقصِّر). فإنه أشار به إلى فائدة جليلة، يَغْفُلُ عنها كثيرون، ويَحْتَرِزُ منها
الموفَّقون، وهي تطويلُ التراجم وتقصيرُها، فُرُبَّ محتاٍ لنفسه لا يَذكر إلا
ما وجده منقولاً، ثم يأتي إلى من يُغِضُه فيَنقُلُ جميعَ ماذُكِرَ من مَذامِّه،
ويَحذِفُ كثيراً مما نُقِل من مَمادحه(١)، ويجيء إلى من يُحبُّه فَيَعكسُ الحال
فيه .
ويَظُنُّ المسكينُ أنه لم يأت بذنب، وأنَّه لا يجبُ عليه تطويلُ ترجمةٍ
أجد(٢)، ولا استيفاءُ ما ذُكِرَ من مَمادحه. ولا يَظنُّ المغترُّ أن تقصيره لترجمته بهذه
النية: استزراء به، وخيانةٌ للَّه ولرسوله صلى اللَّه عليه وسلم وللمؤمنين، في
تأدية ما قيل في حقُّه من مَدْحٍ ودم(٣)، فهو کمن يُذكّرُ بین یدیه بعضُ الناس
فيقول: دَعُونا منه، وإنه عجيب، أو: اللَّهُ يُصلِحُه، فَيَظنُّ أنه لم يَغتبه بشيء
من ذلك، وما يظن أن ذلك من أَقبح الغيبة!
ولقد وقفتُ في (تاريخ الذهبي)) رحمه اللَّه. على ترجمة الشيخ الموفَّقِ
ما يقول)). انتهى كلام التقي السبكي.
=
ثم قال المؤرِّخَ الصفدي عقبَه: ((قلتُ: هذه الشروط تَلزَمُ الذي يَعمل تاريخاً
على التراجم، أما من يعمل تاريخاً على الحوادث فلا يُشترَطُ فيه ذلك، لأنه ناقل
الوقائع التي يَتَّفْقُ حدوثُها، فَيُشترَطُ فيه أن يكون متثبتاً، عارفاً بمدلولات الألفاظ،
حَسَن التصور، جيِّدَ العبارة)».
(١) عبارة ((الإِعلان بالتوبيخ)) ص ٧٤: (ويَحذِف كثيراً مما يَراه من ممادحه).
(٢) جاء في طبعة البابي والحسينية: (لأنه ليس يجبُ عليه تطويلُ ترجمة أحد). وجاء في
(الإِعلان بالتوبيخ)): (فإنه لا يَجِبُ عليهِ ... )، وجاء في ((نَظْم العِقيان)): (وأَنَّه ليس
يجبُ عليه ... ).
(٣) جاء في ((نَظْمِ العِقيابُ)): (من مَلْحٍ وذمٌ). وجاء في الباقي: (من حَمْدٍ وذمٌ).

٧٣
ابن قُدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين بن عساكر، وقد أطال تلك، وقصَّرَ
هذه، وأَتى بما لا يَشكُّ لبيب أنه لم يَحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري وذاك
حنبلي. وسيقفون بين يدي ربّ العالمين.
وكذلك ما أحسَنَ قولَ الشيخ الإِمام: (وأن لا يَغلبه الهوى). فإنَّ الهوى
غلّب إلا لمن عصمه اللَّه(١).
وقولُه: (فإمَّا أن يَتجرَّد عن الهوى، أو يكون عنده من العدل ما يقهر به
هواه). عندنا فيه زيادةٌ فتقول:
قد لا يَتجرَّدُ عن الهوى، بأنْ لا يَظُنَّه هوى، بل يَظُنَّه لجهله، أو بِدعتِه:
حقاً، فلا يَتطلّبُ حينئذ ما يَقهر به هواه(٢)، لأن المستقرَّ في ذهنه أنه مُحقّ.
وهذا كما يفعله كثير من المتخالفين في العقائد بعضِهم في بعض. فلا ينبغي
أن يُقبَل قولُ مخالفٍ في العقيدة على الإطلاق، إلا أن يكون ثقةً، وقد رَوَى
شيئاً مضبوطاً عايَنَه أو حَقَّقه.
فقولُنا: (مضبوطاً). احترزنا به عن رواية ما لا يُضْبَطُ من التُرَّهاتِ(٣)
التي لا يترتب عليها عند التأمُّل والتحقُّق شيء.
(١) وقع في ((الإِعلان بالتوبيخ)) في طبعتيه: (فإن الهوى غلَّب إلا من عَصَم الله).
وهو تحريف.
(٢) وقع في طبعة البابي والحسينية هكذا: (قد لا يتجرد من الهوى، ولكن لا يظنه هوى،
بل يظنه لجهله أَو بدعته حقاً، وذلك لا يتطلب ما يَقهَرُ هواه). والمثبت من ((الإعلان
بالتوبيخ)).
(٣) هي الأباطيل والأقاويل التي لا طائل تحتها. ووقعت العبارة في طبعة البابي
والحسينية: (وقولُنا ... ما لا ينضبط). والمثبت من ((الإعلان بالتوبيخ)) ص ٧٥.

٧٤
وقولُنا: (عايْنَهُ أو حَقّقه). لِيَخرُجَ ما يرويه عمن غَلا أو رَخَّص(١)،
ترويجاً لعقيدته.
وما أحسَنَ اشتراطَه (العِلمَ ومعرفةً مدلولاتِ الألفاظ)(٢)، فلقد وقع
كثيرون فيما لا يقتضي جرحاً لجهلهم بهذا(٣). وفي كتب المتقدمين جُرِحَ
جماعةٌ بالفلسفة، ظناً منهم أنَّ علم الكلام فلسفة. إلى أمثال ذلك مما يَطول
عَدُّه. فقد قيل في (أحمد بن صالح) الذي نحن في ترجمته: إنه يتفلسف.
والذي قال هذا لا يَعرِفُ الفلسفة (٤). وكذلك قيل في (أبي حاتم الرازي)(٥).
وإنما كان رجلاً متكلَّماً.
(١) أي غالَى أو تسامَح. وجاء في طبعة البابي قوله: (أو رَخْص). مشكولاً هكذا:
(أَوَ رَخُصَ). وهو خطأ، صوابه كما شَكَلْتُه.
(٢) وقع في طبعة الحسينية: (العِلمَ ومدلولات الألفاظ). والتصويب المثبت من طبعة
البابي و((الإعلان بالتوبيخ)).
(٣) جملة (فيما لا يقتضي جرحاً) من ((الإعلان بالتوبيخ)).
(٤) هو ابن معين، وتقدم كلامه تعليقاً ص ٣٤ فانظره.
(٥) كذا وقع في ((طبقات الشافعية الكبرى)) في طبعة البابي والحسينية، وفي ((الإعلان
بالتوبيخ)» ص ٧٥. و(أبو حاتم الرازي) هو الإمام الحافظ، المحدِّث الناقد،
محمد بن إدريس بن المنذر الغطفاني الحنظلي الرازي، أحد أئمة علماء الجرح
والتعديل، ولد سنة ١٩٥، وتوفي سنة ٢٧٧ .
وهو المتبادِرُ من اللفظ عند الإطلاق، وعندي توقُّفٌ قويّ في أنه المراد هنا،
إذ لم أقف في مصادر ترجمته التي رجعتُ إليها، على ذكر نسبته إلى (التفلسف)،
والواقعُ أنه لا شأن له بالفلسفة كما قاله المؤلف، فهو محدِّث صِرْف، كما لم
أقف على أنه «كان متكلُّماً)» بالمعنى الاصطلاحي الذي أراده المؤلف من هذه الكلمة.
والظاهر أن المؤلف أراد أن يكتب (أبي حاتم بن حِبّان)، أو (أبي حاتم البُسْتي)،
فَسَبَق قلمُه فكتب (الرازي)؟ فإن أبا حاتم بن حِبّان البُسْتي التميمي، صاحب
(الصحيح)) و((الثقات)) وغيرهما، المتوفى سنة ٣٥٤ رحمه الله تعالى، هو الذي
يُنسبُ إلى الدخول في الفلسفة والكلام، مع إمامته في الحديث وعلومه كما تقدم
ذكره للمؤلف ص ٣٦ - ٣٧.

٧٥
ومن أجل ما نُسِب إليه أدخله الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)» ٣:
٥٠٦ - ٥٠٨، وفي ((المغني في الضعفاء)) ٢: ٥٦٤، وأنقلُ هنا ما ذكره فيه
لاختصاره، قال: ((محمد بن حبان أبو حاتم البُستي الحافظ، صاحب التصانيف، ثقةٌ
في نَقْله، بَدَتْ منه هفوة، زعم أن النبوة هي العلمُ والعمل، فهَمُّوا بقتله، نسأل اللَّه
السَّتر، ولقوله محمِل سائغ، كقوله عليه السلام: الحجُّ عَرَفَةُ)). انتهى. وشَرَح
الذهبيُّ في («الميزان)» وفي ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ٣: ٩٢١ - ٩٢٢ توجيه
الحديث الشريف، وتوجيه قَوْلَةٍ ابن حبان المذكورة.
وقال السيوطي في ((تدريب الراوي)) ص ٥٤، قُبَيلَ المسألة الثالثة من مسائل
النوع الأول وهو الحديث الصحيح، عند الكلام على ((صحيح ابن حبان)):
(ابنُ حبان كان عارفاً بالكلام والنحو والفلسفة، ولهذا تُكلِّم فيه، ونُسِبَ إلى الزندقة،
وكادوا يحكمون بقتله، ثم نُفيَ من سِجِستان إلى سمرقند». انتهى.
فقولُ المؤلف هنا: ((إنما كان رجلاً متكلماً» إنما يتلاقى مع حال (أبي حاتم بن
حبان)، لا مع حال (أبي حاتم الرازي)، والله تعالى أعلم.
ومما يُقرِّب هذا الاستظهارَ الذي أذهَبُ إليه، وأراه هو الصواب لا غير، أن
المؤلف رحمه اللّه تعالى لما ترجم في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٣: ١٣١ -١٣٢
(لأبي حاتم بن حبان)، تعرَّض لما رُمِي به، فعقَدَ في ترجمته عنواناً قال فيه: (ذكرُ
ما رُمي به أبو حاتم، وتبيينُ الحالِ فيه). ثم أشار إلى (قاعدته) في الجرح والتعديل،
التي قدَّمها في ترجمة (أحمد بن صالح المصري)، ثم ذُكَر الجرح الذي جُرح به
أبو حاتم بن حبان، وهو على زعم الجارح: أنه (أنكر الحدَّ للَّه)، وردّه المؤلف بان
مثبِتَ (الحدّ لله) هو المجروحُ لا نافيه. وهو ما تقدَّمت الإِشارةُ إليه في كلام المؤلف
في (قاعدة الجرح والتعديل) ص ٣٧.
فلهذا كلِّه أجزمُ أنه هو المرادُ يقول المؤلف هنا (أبي حاتم الرازي)، وإنما أراد
المؤلفُ أن يقول: (أبي حاتم بن حيان) فَسَبَق قلمُه!، واحتمالٌ آخر أن يكون وقع
هذا الخطأ من الناسخ قديماً فاستقر، والله تعالى أعلم.
والعجيبُ أن الحافظ السخاويَّ مَرَّ على هذا الخطأ، ونَقَله في ((الإعلان
بالتوبيخ)) كما أشرتُ إليه، دون أن ينتبه إليه أوينبِّه عليه، والكمال للَّه وحده.
=

٧٦
وقريبٌ من هذا قولُ الذهبي في المِزِّي - كما سيأتي إن شاء اللّه
تعالى في ترجمة المِزِّي في الطبقة السابعة -: إنه يَعرِفُ مضايقَ المعقول.
ولم يكن المِزْيُّ ولا الذهبي يدريان شيئاً من المعقول(١).
(١) يعني بالمعقول: العلومَ العقلية. و(المِزِّي): هو الإِمام جمال الدين أبو الحجّاج
يوسف بن عبد الرحمن القضاعي الكلبي الحلّبي ثم المِزِّي الدمشقي، حافظ الدنيا
وإمام حفاظ عصره باتفاق كلمتهم، كالتقي السبكي وابن تيمية والبرزالي والذهبي
وابن سيد الناس وهذه الطبقة الرفيعة الشأن. ولد بجلب سنة ٦٥٤، وتوفي بدمشق
سنة ٧٤٢.
قال الذهبي في ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ٤: ١٤٩٩، بعد أن أثنى عليه
أطيبَ الثناءِ: ((وكان يُقرِّرُ طريقةَ السلف في السنة، ويَعضُدُ ذلك بمباحث نظرية
وقواعد كلامية. وجَرَى بيننا مُجادَلات ومعارضات في ذلك، تركُها أسلمُ وأولى. ومع
ذلك فله عمَلُ كثير في المعقول، وما وراءَ ذلك بحمد الله إلا حُسنُ إسلام، وحِسْبَةٌ
للّه، مع أني لم أعلمه أَلْفَ في ذلك شيئاً). انتهى.
وقال المؤلف التاج السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٦: ٢٥٢ من طبعة:
الحسينية، و١٠: ٣٩٦ من طبعة البابي، في ترجمة (المزي) أيضاً وهو من شيوخ
التاج السبكي، بعد أن أثنى عليه أعطر الثناء: ((وذكرَه الذهبي في ((المعجم
المختص)» وأطنب، ثم قال: يشارك في الفقه والأصول، ويخوض في مَضايق
المعقول، فيؤدي الحديث كما في النفس متناً وإسناداً، وإليه المنتهى في معرفة
الرجال وطبقاتهم. انتهى. ولا أحسَبُ شيخَنا المزيَّ يدري المعقولاتِ فضلاً عن
الخَوْض في مَضايقها، فسامح اللَّه شيخَنا الذهبي)). انتهى كلام السبكي.
ثم قال السبكي في ترجمة (المزي) أيضاً بعد صفحتين ٦: ٢٥٤ و١٠: ٣٩٩:
((وكان المزي يخوض في شيءٍ من مسائل الصفات في أصول الديانات، ليته برِىء
منها، وأما المعقولات فلم يكن يدريها. ولغلَّ الذهبي خَطَر له أن ذلك القَدْر الذي
كان يخوض فيه من أُصول الديانات. هو مَضَابِقُ المعقولات. وهذا ظَنُّ من لا يُدري
مدلولَ المعقولات، وأَنها علومٌ وراءَ عِلم الكلام، يَعرفها أَهلُها.
وقال الذهبي في ((التذكرة)): إن المزِيَّ كان يُقرِّرُ طريقةَ السلف في السنة، -
- -

٧٧
والذي أُفتي به أنه لا يجوز الاعتمادُ على كلام شيخنا الذهبي في ذمَّ
أشعري، ولا شُكرٍ حنبلي(١)، والله المستعان.
انتهى كلامُ التاج السبكي في كتابه ((طبقات الشافعية الكبرى)).
فيَعضُدُ ذلك بقواعد كلامية ومباحث نظرية. قال: وجَرَى بيننا مجادلات ومعارضات
=
في ذلك، تَرْكُها أسلم. انتهى. وليس المزِيُّ والذهبيُّ عندنا في هذا المقام والحق
أَحقُّ ما قيل.
وليت الذهبي فَهِمَ مدلول هذه الكلمات، فإن قوله: (جرى بيننا معارضات في
ذلك). بعدَ قوله: (كان يَعضُدُ السُّنّة): كلامٌ معناه أني عارضته في نصرة السنة. فانظر
لهذه العظيمة التي لو تغطّن شيخنا القائلُ لها لأبعدَ عنها». انتهى كلام السبكي.
قال عبد الفتاح: في تفسير السبكي المذكور لكلام الذهبي تحامل وتحميلٌ
ظاهر! فليس الذهبي ممن يجوز أن يقال فيه: (عارض في نصرةِ السُّنّة)، وإنما
عارض في تلك الطريق التي نصرتها، وهي دَعْمُها بالقواعد الكلامية والمباحث
النظرية. وهذا من زيادة التسليم عند الذهبي للبُّنّة، والتأصيل الاستقلالي الذاتي
لها، فماذا عليه في ذلك؟!
والظاهر أن أغلب هذه التحاملات التي تقدمت من المؤلف، على شيخه
الذهبي، في ص ٣٨ - ٤٦ و٦٦ - ٦٨ و٧٢، والتي هنا على شيخيه الذهبي
والمزي، إنما مَأَتَّاها الاختلافُ في العقيدة بين التاج السبكي وشيخيه، ويَدُلُّ على
ذلك قوله عقب كلامه السابق تماماً: ((واعلم أن هذه الرُّفقة أعني: المزي والذهبي
والبِرْزالي وكثيراً من أتباعهم، أَضَرَّ بهم أبو العباس بنُ تيمية إضراراً بيِّناً. وحَمِّلَهم من
عظائم الأمور أمراً ليس هَيِّناً، وجَرَّهم إلى ما كان التباعدُ عنه أولى بهم، وأَوقَفَهم في
دِكاٍ من نار، المرجُوُ من الله أن يتجاوَزَها لهم ولأصحابهم)). انتهى كلام السبكي!
وهو صريح فيما ذكرته، وفيه من الشطط والجنف ما لا يخفى، فإن هؤلاء الأئمة
على فرض أنهم أخطأوا - في نظر التاج السبكي -، فما يعدو الأمرُ أن يكونوا
مجتهدين مخطئين، فمِن أين صَحِّ له ذلك الحكمُ الشديد عليهم؟! غَفَر اللَّه لي وله.
(١) لا يخفى ما فيه من المبالغة! وسبِيُّه: الاختلافُ في وجهة الاعتقاد. والاعتدالُ حِليةٌ =
!

٧٨
وقال في كتابه ((مُعِيد النِّعَم، ومُبِيد النِّقَم)) ص ٧٤ وهو يَتحدَّثُ عن
العلماءِ وما يُؤخَذُ على بعضِهم:
((ومنهم المؤرِّخون، وهم على شَفَا جُرُف هار، لأنهم يَتسلّطون على
أعراض الناس، وربما نَقَلُوا مُجَرَّد ما يَبلغهم من صادِقٍ أو كاذب.
فلا بدَّ أن يكون المؤرِّخُ عالماً، عادلاً (١)، عارفاً بحال مَنْ يُترجمه،
ليس بينه وبينه من الصداقةِ ما قد يَحمِلُه على التعصب له، ولا من العداوةِ
ما قد يَحمِلُه على الغضّى منه.
الرجال. وقد تقدم تعليقاً في (قاعدة الجرح والتعديل) ص ٤٤ نقْدُ الحافظ السخاوي
=
للمؤلف على مثل هذه المبالغةِ المكشوفة.
قال الإِمامُ الصَّنْعَانِي صاحبُ ((سُبُلِ السَّلام)) في كتابه ((توضيح الأفكار لمعاني
تنقيح الأنظار)) ٢: ٢٧٨، تعليقاً على قول السبكي هذا في شيخه الذهبي:
(قلت: لا يَخْفى أنَّ ابنَ السبكي شافعيَّ حادًّ أشعريٍّ، وأنَّ الذهبيِّ إمامٌ كبيرٌ:
الشأن، حنبليُّ الاعتقاد، شافعيُّ الفروع، وبين هاتين الطائفتين الحنابلة والأشعرية في
العقائد: في الصفاتِ وغيرِها تنافُرٌ كلي، فلا يُقْبَلُ السبكيُّ على الذهبيِّ بعَيْنٍ ما قاله
فيه .
وإذا كان الأمرُ كما سمعتَ، فكيف حالُ الناظر في كتب الجرح والتعديل، وقد
غَلَبِ التمذهبُ والمُخَالَفَةُ في العقائد على كلِّ طائفة، حتى إنَّ طائفةٌ تصِفُ رجلاً بأنه
حُجَّة، وطائفةٌ أخرى تُصِفُه بأنه دجَّال! باعتبارِ اختلافِ الاعتقاداتِ والأهواء.
فمن هنا كان أصعبَ شيءٍ في علوم الحديث: الجَرْعُ والتعديلُ، فلم يبق
للباحثِ ◌ُمأنينةٌ إلى قولِ أحدٍ بعدَ قولِ ابنِ السبكي: إنه لا يُقْبَلُ الذهبيُّ في مَذْحٍ
حنبلي ولا ذَمُ أشعري، وقد صار الناسُ عالةً على الذهبي وكُبِه، ولكنَّ الحقِّ أنه
لا يُقْبَلُ على الذهبيِّ ابنُ السبكي لِمَا ذكره هو، ولِمَا ذكره الذهبي من أنه لا يُقْبَلُ
الأقرانُ بعضُهم على بعضٍ».
(١) وقع في (معيد النعم)): (عدلاً). وهو تحريف، صوَّبته عن (الإعلان بالتوبيخ))
للسخاوي ص ٧٣ .

٧٩
وربما كان الباعثُ له على الضَّعَةِ من أقوام مُخالفةً العقيدة(١)، واعتقادَ
أنهم على ضَلال، فَيَقَعُ فيهم، أو يُقصِّرُ في الثناءِ عليهم لذلك.
وقد أطلنا في تقرير هذا الفصل، في ((الطبقات الكبرى))، وحكينا في
ترجمة (أحمد بن صالح المصري) ما ذكره الشيخ الإمام(٢) في شروط
المؤرِّخ، ومن كلام أبي عُمَر بن عبد البر وغيره، ما يَزِدادُ به الإِنسانُ بصيرة(٣).
ومن ذلك فقهاءُ عصرٍ واحد، فلا ينبغي سماعُ كلامٍ بعضِهم في بعض،
وقد عَقَد ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) باباً في أن كلام العلماء
بعضِهم في بعض لا يُقبَل، وإن كان كلٌّ منهم بمفرده ثِقَةٌ حُجَّة (٤).
وقال أيضاً في كتابه ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٤: ١٦١ - ١٦٢، في
ترجمة الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، صاحبٍ ((المستدرك على
الصحيحين))، وقد عَقّد فيها فصلاً بعنوان:
((ذِكْرُ الْبَحْثِ عما رُمِيَ به الحاكمُ من التشُّع، وما زَادَتْ أعداؤه!
ونَقَصَتْ أَوِدَّاؤُه! رحمه الله تعالى، والنَّصَفّةُ بين الفئتين:
أوَّلُ ما ينبغي لك أيها المُنْصِفُ إذا سَمِعتَ الطعنَ في رجل: أن تَبحَثَ
عن خُلَطائِهِ، والذين عنهم أَخَذ ما يَنْتَجِل، وعن مَرْبَاهُ وسَبِيلِه، ثم تَنظرَ كلامَ
أهلِ بلدِهِ وعشيرتِهِ، من مُعاصريه العارفين به، بعدّ البحثِ عن الصَّدِيق منهم
(١) وقع في ((الإعلان بالتوبيخ)) في طبعيته ص ٧٣ وص ١٣١ هكذا «وربما كان الباعثُ له
على الغضِّ من قوله مخالفةً العقيدة ... )). وهو تحريف عما هنا.
(٢) يعني: والده الإِمام تقي الدين السبكي.
(٣) يعني بهذا الذي يشير إليه: هاتين (القاعدتين) اللتين بين يدي القارىء.
(٤) تقدم شرح هذا المعنى في ص ٢٠ - ٢٩، فانظره.

٨٠
له والعَدُوّ، الخالي عن المَيْلِ إِلى أَحَدِ الجهتين، وذلك قليلٌ في المتعاصِرِين
المجتمعِین في بلدٍ - واحد - .
وقد استَقْرَأْتُ، فلم أجد مؤرِّخاً يَنتحِلُ عقيدةً، ويخلو كتابُه عن الغَهْزِ
ممن يَحِيدُ عنها، سُنَّةُ اللَّهِ في المؤرِّخين، وعادَتُه في النَّقَلَة، ولا حولَ ولا قوةً
إلا بحبله المتين».