Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٠٠ محمد بن أحمد بن عثمان ابنُ الذهبي)). وتّرَى صورة السماع الذي فيها بخط الذهبي، في أول النسخة المطبوعة عن هذا الكتاب بحلب سنة ١٣٩١ بتحقيق الأستاذ الدكتور نور الدین عتر. ١٢ - وجاء في أول الكتاب نفسه: ((المغني)) في مخطوطة الأزهر القريبة العهد بالمؤلف، من قول بعض تلامذته أو تلامذتهم: «قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بنُ الذهبي رحمه الله تعالى)). وهذا يفيد اشتهارَه (بابن الذهبي) لدی تلامذته وعارفیه. ١٣ - وجاء في مقدمة كتابه المطبوع ((معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، قولُه: (( ... محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي)». ١٤ - ١٨ وقد عبّر الحافظ الذهبي عن نفسه بقوله: (أبن الذهبي) في مواضع من كتابه «تذكرة الحفاظ)»، فقال في ترجمة الإِمام النّسائي (أحمد بن شعيب) ٢: ٦٩٩ (قال ابنُ الذهبي)، وفي ترجمة أبي الوليد النيسابوري (حسان بن محمد) ٣: ٨٩٦ (قال ابنُ الذهبي)، وفي ترجمة الإِمام ابن حبان (محمد بن حبان) ٣: ٩٢١ (قال ابن الذهبي)، وفي ترجمة الإِمام الدارقطني (علي بن عمر) ٣: ٩٩٢ (قال ابن الذهبي). كما جاء تعبيرُهُ أيضاً بلفظ (ابن الذهبي) في أول كتابه («مهذَّب السنن الكبرى للبيهقي)»، المطبوع منه ثلاثة أجزاء بالقاهرة. ١٩ - وجاء في مقدمة كتابه ((العبر)): قال الحافظ العلامة العمدة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ابنُ الذهبي رضوان اللَّه عليه)). والألقابُ الثلاثة في أول هذا النص والترضيةُ في آخره من إضافة بعض تلامذته إن كانت سياقة النسب من كلامه. وإلا فهو نص آخر يفيد اشتهاره عند أصحابه (بابن الذهبي). ٢٠ - وهو (ابن الذهبي) بتسمية تلميذه وصاحبه ومذيِّل كتبه: الحافظ الناقد المحدث أبي المحاسن محمد بن علي الحسيني الدمشقي، على المجلد الثاني من كتابه ((العِبَر)) من مخطوطة باريس التي بخط الحسيني: ((تصنيف الشيخ الإمام العلامة الحافظ العمدة الحجة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز ابنِ الذهبي رحمه اللَّه)). كما في صفحة (ج) من مقدمة ((العبر)) للدكتور المنجد. ٢١ - وجاء في أول ((الكشف الحثيث عمن رُمي بوضع الحديث)) لمحدث حلب في القرن التاسع الحافظ سِبْط بن العجمي، في المخطوطة المنقولة من خطه ٠ ٤٢ بيد تلميذه أبي بكر النَّصِيبي الحلبي في سنة ٨٤٠، والمحفوظة في المكتبة الآصفية في حيدر آباد الدكن في الهند برقم ٣٣ رجال، قوله: («انتخبتُه من كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للحافظ المجتهد مؤرخ الإِسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ابنِ الذهبي شيخ جماعة من شيوخنا رحمهم اللَّه). انتهى. وهذا نص آخر يؤكد معرفته واشتهاره بعد وفاته (بابنِ الذهبي). ٢٢ - وجاء بخط تلميذه الحافظ ابن كثير على الجزء الحادي والعشرين: ١ ... وأنهاهُ مطالعةٌ ... وعلَّقَ منه داعياً لمؤلفه شيخنا الإِمام العلامة الحافظ مؤرخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ابنِ الذهبي، أثابه الله خيراً»، منه أيضاً ص ٥٤. ٢٣ - وجاء بخط تلميذِهِ عبد الله بن أحمد الزَّرَنْدِي أيضاً: ((الحجة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز ابنِ الذهبي، أبقاه الله))، منه أيضاً ص ٦٤ منه. ٢٤ - وجاء في ختام الجزءِ الذي فيه ترجمةُ الإِمام أحمد، من «تاريخ الإسلام)» أيضاً، المحفوظ في دار الكتب المصرية، ما يلي: ((آخِرُ الطبقة الخامسة والعشرين من تاريخ الإِسلام، وعلّقه من خَطِّ مؤلّفِهِ الحافظِ شمسٍ الدين بنِ الذهبي رحمه الله، فقيرُ رحمة الله تعالى محمدُ بنُ إبراهيم بن محمد البَشْتَكِيُّ، عُفَي عنه. والبَشْتَكِيُّ هذا: فاضل دمشقي، ولد سنة ٧٤٨، وتوفي سنة ٨٣٠، وكان أحد المشهورين المجوِّدِينَ لَنَسْخ الكتب الكبيرة، ومنها: ((تاريخُ الإِسلام)» للذهبي، كما في ترجمته في ((الضوء اللامع)) للسخاوي ٦: ٢٧٧. انتهى ملخصاً من مقدمة شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، لكتاب ((مسند أحمد)) ١: ١٣٦. فهذه ٢٤ نصاً على أنه (ابنُ الذهبيِ). وليس بعد قوله عن نفسه قول، ولا بعد كتابته وبيانِه عن نَسبه بيان. وكتابتُه (ابن الذهبي) بالألف، وليس هو في أول السطر: إشارةٌ منه إلى أنه صار هذا كالعلم عليه، وليس هو وصفاً لأحد آبائه. وقد يتساهل في بعض الأحيان فلا يُثبِتُ الألف قبل باءِ (ابن الذهبي) كما تقدم مثلُه في بعض النصوص السابقة، والذهبي في كتابته الإملائية كثير التساهل، كما شرحه الدكتور مصطفى جواد في مقدمته لكتاب الذهبي ٤٣ له عِلْمٌ وديانة، وعنده على أهل السنة تحامُلٌ مُفْرِط (١)، فلا يجوز أَن يُعتمدَ عليه. ونقلتُ من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كِيْكُلّدي العلائي رحمه اللَّه ما نصه: الشيخُ الحافظ شمس الدين الذهبي، لا أَشكّ في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس، ولكنه غَلبَ عليه مذهبُ الإِثبات، ومُنافرةُ التأويل، والغفلةُ عن التنزيه، حتى أثَّر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلاً قوياً إلى أَهل الإثبات. فإذا تَرجم واحداً منهم يُطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غَلَطاته، ويتأوَّل له ما أمكن. وإذا ذَكَرَ أَحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا یبالغ في وصفه، ویکثر من قولٍ من طَعَن فیه، ويعيد ذلك ویبديه، ويعتقده ديناً وهو لا يشعر، ويُعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر (المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدُّبَيثي)) ١: ١٨ - ٢١، وساق الشواهد الكثيرة عليه من خط الذهبي نفسه، فانظره إذا شئت. فاعلم ذلك، والحمد لله على السداد. ومن الغريب جداً أن محقُّقَيْ كتابه: (الكاشف)، المطبوع بالقاهرة سنة ١٣٩٢ بمطبعة دار النصر للطباعة - وقد اعتمدا في طبعه على نسخة المؤلف بخطه. وجاءت فيها بقلمه سياقةُ ذلك النسب السابقة - علِّقًا على قوله فيها (بن الذهبي) بما يلي: «بن هنا زائدة، لأن الذهبي لقبٌ له. لا اسمٌّ لأحَدٍ آبائه، كما تقدم)) أي فيما قدّماه من ترجمته من كلامهم في أول المطبوعة، إذ وصَفَاه هما فيها بالذهبي. وهذا تسرُّعٌ فاضح! أَن يُغلِّط المرءُ إماماً مثلَ الحافظ الذهبي في كتابة اسمه الذي كتبه بخط يده، فيقول: ما لا صحة له ولا قبول! وقد علمتَ أن (الذهبي) وصفٌ لأبيه، ونسبتُه إلى صنعته، كما تقدم صراحةً في ترجمة أبيه، وفي خط الذهبي وغيره مراراً. وحسبنا اللَّه في هذا الزمان، من تسلُّطِ الأغفال، على كتب العلم والرجال، فلا بد أن يأتي (تحقيقهم) بعجائب الأقوال ! . (١) وقع في طبعة البابي: (تحمل). وهو تحريف. ٤٤ لأحد منهم بغلطةٍ ذكرها، وكذلك فِعلُه في أَهل عصرنا إذا لم يقدر على أَحد منهم بتصريح، يقول في ترجمته: والله يُصلحُه، ونحوَ ذلك. وسببُه المخالفةُ في العقائد. انتهى . والحالُ في حقِّ شيخنا الذهبي أَزْيَدُ مما وَصَف، وهو شيخنا ومعلِّمُنا، غير أَن الحقَّ أَحقُّ أَن يُتَبع، وقد وصل من التعصب المُفْرط إلى حدٍّ يُسخّر منه، وأَنا أَخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حَملوا لنا الشريعة النبوية، فإنَّ غالبهم أشاعرة، وهو إذا وقع بأشعري لا يُبقي ولا يَذَر. والذي أَعتقده أَنهم خصماؤه يوم القيامة، عند من لعلِّ أَدناهم عنده أَوْجَهُ منه، فاللّهُ المسئول أَن يُخفِّفَ عنه، وأن يلهمهم العفو عنه، وأَن يُشفِّعهم فيه(١). والذي أَدركنا عليه المشايخَ النهيُّ عن النظر في كلامه، وعدَمُ اعتبار قوله، ولم يكن يَستجري أَن يُظهر كتبه التاريخية إلا لمن يَغلب على ظنِّه أَنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه. (١) قلت: ما عاب به شيخَه الإِمامَ شمس الدين الذهبي وقاله فيه - رحمهما الله تعالى - لا يخلو من مبالغة وتحامل بسبب المخالفة في العقيدة أيضاً، نسأل الله أن يرزقنا العدل في الرضا والغضب. قال الحافظ السخاوي في ((الإعلان بالتوبيخ)) ص ٥٦، بعد أن أُشار إلى طرفٍ مما نَقَد به السبكيُّ شيخَه الحافظَ الذهبي رحمهما الله تعالى: ((فالذي نسبه التاج السبكي إلى شيخه الذهبي، على تقدير تسليمه، إنما هو في أفرادٍ مما وقَعَ التاجُ فِي أَقْبَحَ منه!)). ثم ذكر السخاوي نموذجاً لما وقع فيه التاج السبكي، فانظره إذا: شئت. وقد انتقد القاضي الشوكاني في ((البدر الطالع)) ٢: ١١١ تشنيع السبكي في مواضع من ((طبقاته)) على شيخه الحافظ الذهبي، وقال: ((ومن جملة ما قاله السبكي في الحافظ الذهبي: إنه كان إذا أَخَذَ القلم غَضِبَ حتى لا يدري ما يقول! وهذا باطل، فمصنفاته تشهد بخلاف هذه المقالة، وغالبها الإِنصافُ والذبُّ عن ـ ٤٥ وَأَما قولُ العلائي: ((لا أَشكُّ في دينه وورعه وتحرِّيه فيما يقوله))، فقد كنت أَعتقد ذلك، وأَقولُ عند هذه الأشياء: إنه ربما اعتقدها ديناً، ومنها أُمورٌ أَقطعُ بأنه يَعرفُها بأنها كَذِب، وأَقطعُ بأنه لا يختلقها، وأَقطعُ بأنه يُحِبُّ وضعها في كتبه لتنتشر، وأَقطعُ بأنه يُحبُّ أَن يَعتقد سامعُها صحتها، بُغْضاً للمتحدَّث فيه، وتنفيراً للناسِ عنه، مع قلةٍ معرفته بمدلولات الألفاظ، ومع اعتقاده أَن هذا مما يوجب نَصْرَ العقيدة التي يعتقدها هو حقاً، ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة. غير أني لما أكثرتُ بعد موته النظر في كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه، توقّفتُ في تحرِّيه فيما يقوله، ولا أَزِيدُ على هذا غيرَ الإِحالة على كلامه، فلينظر كلامَه من شاء، ثم يُبصر هل الرجل متحرِّ عند غضبه أَو غيرُ متحرّ؟ وأَعني بغضبه وقتَ ترجمته لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية والمالكية والشافعية، فإني أَعتقد أَن الرجل كان إذا مَدَّ القلم لترجمة أَحدهم، غَضِبَ غضباً مُفْرِطاً، ثم قَرْطَمَ الكلامَ (١) ومَزَّقه، وفَعَل من التعصب ما لا يَخفى على ذي بصيرة. ثم هو مع ذلك غيرُ خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي، فربما ذكَرَ لفظة من الذم لوعَقَل معناها لما نطقّ بها(٢). ودائماً أَتعجَّبُ مِن ذكره الإِمام الأفاضل، وإذا جرَى قلمه بالوقيعة في أحد، فإن لم يكن من معاصريه فهو إنما رَوَى = ذلك عن غيره، وإن كان من معاصريه فالغالب أنه لا يفعل ذلك إلا مع من يستحقه، وإن وقع ما يخالف ذلك نادراً فهذا شأن البشر، وكل أَحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم، والأهوِيةُ تختلف، والمقاصد تتباين، ورَبُّك يَحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون». (١) أَي قَطَعَه. (٢) فيه مبالغة طافحة، وتحامل مكشوف! ومتى كان هذا الإِمامُ الفذ الفريد، الصاعقة في الحفظ والذكاء والفهم ولَمَعانِ الذهن، المِدْرَهُ: (لا يعقِلُ ما يَنطِقُ به)؟! نسأل الله السلامة من الشطط وسوء الأدب. ٤٦ فخر الدين الرازي في كتاب («الميزان)) في الضعفاء، وكذلك السيفُ الآمدي. وأقول: يا لله العجب؟! هذانٍ لا رواية لهما، ولا جرَحَهما أَحد، ولا سُمِعَ من أَحد أنه ضعَّفهما فيما ينقلانه من علومهما، فَأَيُّ مَدْخَل لهما في هذا الكتاب؟(١). ثم إنا لم نسمع أحداً يُسمِّي الإِمامَ فخر الدين بالفخر، بل إمَّا الإِمامَ، وإما ابنَ الخطيب، وإذا تُرجِمَ كان من المحمّدين، فَجَعَلَه في حرف الفاء، وسمّاه: الفخر. ثم حلَفَ في آخر الكتاب إنه لم يتعمد فيه هوى نفسه. فأيُّ هوى نفسٍ أَعظمُ من هذا؟ فإِمَّا أَن يكون وَرَّى في يمينه، أَو استثنى غيرٌ الرواة، فيقال له: فلم ذکرتَ غیرهم؟ وإمّا أَن یکون اعتقَدَ أَن هذا ليس هوی نفس. وإذا وصل إلى هذا الحدِّ والعياذُ بالله فهو مطبوع على قلبه(٢). ولنّعُدْ إلى ما كنا بصدده فنقول: (١) قلت: صحيح أَن أَصل الكتاب: ((ميزان الاعتدال)) مبني على نَقْد الرواة من حَمّلة. الآثار، ولكنَّ العلماء - بصرف النظر عن الفخر الرازي والسيف الآمدي - الذين وقع منهم ما يُنْتَقَدُّ في سيرتهم أو عقيدتهم، ولا رواية لهم، هل يؤاخذ الذهبيُّ رحمه الله تعالى إذا تَرجَم لهم بما هم عليه، ليُعرَفوا لمن بعدهم؟! وقانا الله العصبية لغير الحقّ وأهله. (٢) قلت: لقد أَسرف الشيخ تاج الدين في حق شيخه الإمام شمس الدين الذهبي - لقباً ومعنىّ، وبالغَ حتى أَفرط! ومال حتى قَسَطَ! ووقع في الشطط والغلط! وكيف ساغ له التعبير بهذه الكلمة الكبيرة؟! وإنها لكبيرة! وإذا كان الإمام شمس الدين الذهبي (مطبوعاً على قلبه) وحاشاه من ذلك، فمن الذي أعاذه الله من (الطبع على قلبه)؟ نسأل الله العدلَ في الرضا والغضب، والعافيةَ من الإفراط والتفريط. قال الحافظ السخاوي في (الإعلان بالتوبيخ)) ص ٧٦، تعقيباً على كلام. المؤلف هذا، في حق شيخه الشمس الذهبي رحمه الله تعالى: ((بالَغَ السبكيُّ في كلامه! مع أَن الذهبي عُمدته في جُلّ التراجم، وكونِهِ هو - أي السبكي - قد زاد في = ٤٧ فإن قلت: قولكم: لا بُدَّ من تفقَّدٍ حالِ العقائد، هل تَعنون به أَنه لا يُقبَل قولُ مخالفٍ عقيدةٍ فيمن خالفه مطلقاً، سواءٌ السُّنيُّ على المبتدِع وعكسُهُ أَو غيرُ ذلك؟. قلتُ: هذا مكانٌ مُعضِل، يجب على طالب التحقيق التوقُّفُ عنده، لفهم ما يُلقَى عليه، وأَن لا يُبادِرَ لإِنكارِ شيءٍ قبلَ التأمُّلِ فيه. واعلم أنَّا عَنَيْنا ما هو أعمُّ من ذلك، ولسنا نقول: لا تُقبَل شهادةُ السُّنيِّ على المبتدِعِ مطلقاً مَعاذَ الله، ولكنْ نقول: من شَهِدَ على آخر وهو مخالف له في العقيدة، أَوجبَتْ مخالفتُه له في العقيدة ريبةً عند الحاكم المُتْبَصِّر(١)، لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير تَخَالُفٍ في العقيدة(٢). ولا يُنكِرُ ذلك إلا فَدْمُ أَخرَق. ثم المشهودُ به يَختلفُ باختلاف الأحوال والأغراض(٣). فربما وَضَح = التعصب على الحنابلة، كما أَسلفتُه، فشاركه فيما زعمه من التعصب ودعوى الغِيبة. مع أني لا أُنزّهُ الذهبيِّ عن بعض ما نُسِب إليه، وقد نَسَب ـ أَي الذهبيُّ - ابنّ الجوزي إلى أنه في كتابه في «الضعفاء)»، يَذكرُ من طَعن في الراوي، ولا يَذكرُ من وثقه. وعندي تحسيناً للظن به - أَي بابن الجوزي - أنه لم يقف على التوثيق، والكمالُ لله تعالى. ويكفينا في جلالة الذهبي شربُ شيخنا الحافظ ابن حجر ماء زمزم لنيل مرتبته، وهل انتفع الناسُ في هذا الفن بعده وإلى الآن بغير تصانيفه؟ والسعيدُ من عُدَّت غلطاته)». (١) وقع في الأصول كلَّها: (المنتصِر)، وهو تحريف! تصويبه من ((شرح الإحياء)) ٥٢:١. (٢) وقع في الأصول أيضاً: (من غير مخالفٍ في العقيدة). وهو تحريف! تصويبُه من ((شرح الإحياء)) ١: ٥٢. (٣) وقع في طبعة البابي: (والأعراض). وهو تحريف. ٤٨ غرضُ الشاهد على المشهود عليه إيضاحاً لا يَخفى على أحد، وذلك لقُربه من نَصْرِ معتقده أَوما أشبه ذلك، وربما دَقَّ وغَمُضَ بحيث لا يُدركه إلا الفطِنُ من الحكام. ورُبَّ شاهد من أَهل السنة ساذَج قد مقّتَ المبتدعَ مقتاً زائداً :. على ما يطلبه الله منه، وأساءَ الظنِّ به إساءَةً أوجبَتْ له تصديقَ ما يَبلغُه عنه، فَبَلَغْه عنه شيء فغلَبَ على ظنه صدقُه لما قدَّمناه، فشَهِدَ به. فسبيلُ الحاكم التوقُّفُ في مثل هذا إلى أن يَتَبَّنَ له الحالُ فيه، وسبيلُ الشاهِدِ الورع - ولو كان من أَصلب أَهل السنة - أَن يَعرض على نفسه ما نُقِلَ له عن هذا المبتدِعِ، وقد صدَّقه وعزَمَ على أَن يَشهد عليه به: أَن يَعرض على نفسه مثلَ هذا الخبر بعينه، وهذا المخبرِ بعينه، لو كان عن شخص من أَهل عقيدته، هل كان يُصدِّقُه؟ وبتقدير أنه كان يُصدَّقُه، فهل كان يُبادرُ إلى الشهادة عليه به؟ وبتقدير أنه كان يُبادرُ فليُوازِنْ ما بين المبادرتين، فإن وجدهما سواءً فدُونَه، وإلا فليعلم أَنَّ حظّ النفس داخَلَهُ، وأَزْيَدُ من ذلك: أَنَّ الشيطان استولى عليه، فخَيَّل له أَن هذه قُربةً وقيامٌ في نَصْر الحق. ولَيَعلم مَنْ هذه سبيلُه أَنه ◌ُتي من جهلٍ وقلّة دين. وهذا قولُنا في سُنيّ يَجرح مبتدِعاً، فما الظنُّ بمبتدِعِ يَجرح سُنِّيّاً كما قدَّمناه؟ وفي المبتدعة لا سيما المجسِّمَةَ زيادةٌ لا توجد في غيرهم، وهو أنهم يَرون الكذبَ لنُصرة مذهبهم، والشهادةَ على مَن يخالفهم في العقيدة ــ بما يَسوءُه في نفسِه ومالِهِ - بالكذب، تأييداً لاعتقادهم. ويزدادُ حَنَقُهم وتَقَرُّبُهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته في النِّيل منهم، فهؤلاء لا يَحِلُّ لمسلم أَن يعتبر كلامهم. فإن قلتَ: أَليسٍ أَن الصحيحَ في المذهب قبولُ شهادة المبتدِعِ إذا لم نكفِّرِه؟. قلتُ: قبولُ شهادتِه لا يُوجِبُ دفعَ الريبة عند شهادته على مخالفِهٍ في . A ٤٩ العقيدة. والريبةُ تُوجبُ الفحص والتكشفَ والتثبت، وهذه أمور تُظهر الحق إن شاء الله تعالى إذا اعتَمَدَتْ على ما ينبغي. وفي ((تعليقة)) القاضي حسين: لا يجوزُ أَن يُبْغَض الرجلُ لأنه من مذهبٍ كذا، فإن ذلك يوجب رَدَّ الشهادة. انتهى. ومرادُه لأنه من مذهبٍ من المذاهب المقبولة، أما إذا أَبغضه لكونه مبتدِعاً فلا تُرَدُّ شهادتُه. واعلم أَن ما ذكرناه من قبول شهادة المبتدع هو ما صحَّحه النووي، وهو مصادِمٌ لنص الشافعي على عدم قبول شهادة الخَطَّابية، وهي طريقة الأصحاب. وأصحابُ هذه الطريقة يقولون: لوشَهِدَ خَطّابي، وذكّرَ في شهادته ما يَقطَعُ احتمالَ الاعتماد على قول المدعِي، بأن قال: سمعتُ فلاناً يُقِرُّ بكذا لفلان، أَو رأَيتُه أَقرضه: قُبِلَتْ شهادتُه. وهذا منهم بناءً على أَن الخطابي يَرى جوازّ الشهادة لصاحبه إذا سمعه يقول: لي على فلان كذا، فصَدَّقه. وإليه أَشار الشافعي . وقد تزايد الحالُ بالخطابية - وهم المجسِّمة - في زماننا هذا، فصاروا يَرون الكذبَ على مخالفيهم في العقيدة - لا سيما القائِمِ عليهم - بكل ما يسوءُه في نفسه وماله. ويلغني أن كبيرهم استُفتي في شافعي: أَيَشهد عليه بالكذب؟ فقال: أَلستَ تَعتقِدُ أَن دمه حلال؟ قال: نعم، قال: فما دون ذلك دُون دمِه، فاشهَدْ وادفَع فسادَه عن المسلمين. فهذه عقيدتهم! ويَرون أَنهم المسلمون، وأَنهم أَهلُ السُّنَّة. ولو عُدُّوا عَدَداً لما بَلَغ علماؤهم - ولا عالِمَ فيهم على الحقيقة - مَبْلَغاً يُعتبرُ. ويُكفِّرون غالبَ علماء الأمّة، ثم يَعتَزُون إلى الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وهو منهم بريء. ولكنه كما قال بعض العارفين، ورأيتُهُ بخط الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: إمامانٍ ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريئان منهم، أحمدُ بن حنبل، ابتُلي بالمجسمة، وجعفرٌ الصادق ابتُلي بالرافضة. ٥٠ ثم هذا الذي ذكرناه هو على طريقة النووي رحمه الله. والذي أَراه أَن لا تُقبّل شهادَتُهُم على سُنِّي. فإن قلتَ: هل هذا رأيُ الشيخ أبي حامد ومن تابَعَه، أَن أهل الأهواء كلِّهم لا تُقبَل لهم الشهادة؟ قلتُ: لا، بل هذا قولٌ بأن شهادَتَهم على مخالفيهم - في العقيدة غيرُ مقبولة، ولو كان مخالفُهم في العقيدة مبتدِعاً، وهذا لا أعتقد أن النوويّ ولا غيرَه يُخالِفُ فيه. والذي قاله النووي: قبولُ شهادة المبتدع إذا لم نكفِّره على الجملة، أَما أَنَّ شهادته تُقبَل بالنسبة إلى مخالفه في العقيدة مع ما هنالك من الريبة، فلم يَقل النووي ولا غيرُه ذلك. فإن قلت: غايةُ المخالَفَة في العقيدة أن توجب عداوة، وهي دينية، فلا توجب ردّ الشهادة. قلتُ: إنما لا توجب ردَّ الشهادة من المحقِّ على المبطل، كما قال الأصحاب: تُقبَلُ شهادةُ السُّنّ على المبتدِعِ، وكذا مَن أَبَغَضَ الفاسقَ لفسقه، ثم سأعرِّفُك ما فيه، وأَما عكسُه وهو المبتدِعُ على السُّنِّي فلم يَقله أحد من أصحابنا. ثم أَقول - فيما ذكره الأصحاب من قبول شهادة السُّنّ على المبتدِع - : إنما ذلك في سُنّي لم يَصِل في حقّ المبتدِعِ وبُغضِهِ له إلى أن يصير عنده حَظُّ نفس، قد يَحمِلُه على التعصب عليه، وكذا الشاهدُ على الفاسقِ. فمن وصَلَ من السُّنّ والشاهِد على الفاسق إلى هذا الحدّ، لم أَقبَل شهادَته عليه، لأن عندهما زيادةً على ما طلبه الشارع منهما، أَوجَبَتْ عندي الريبةَ في أمرهما، فكم من شاهد رأيتُه يُبغض إنساناً ويَشهد عليه بالفسق تديّناً، وجاءني وأَدَّى الشهادة عندي باكياً - وقتَ تأديته الشهادة - الدِّينَ، فَرِقاً خائفاً أَن يُخسّف بالمسلمين، لوجود المشهود عليه بين أَظهرنا! ٥١٠ وأَنا والذي نفسي بيده: أَعتقدُ وأَتيقْنُ أَن المشهودَ عليه خيرٌ منه، ولا أقول: إنه كَذَبَ عليه عامداً، بل إنه بنَى على الظن، وصلَّق أقوالاً ضعيفة أَبغضَ المشهودَ عليه بسببها، فمنذ أَبغَضَه لَحِقَه هوى النفس، واستَولَى عليه الشيطان، وصار الحاملُ له - في نفس الأمر - حَظَّ نفسه، - وفيما يَخْطُرُ له - الدِّينَ. هذا ما شاهدته وأبصرته، ولي في القضاء سنين عديدة، فليتق الله امرؤ وقَفَ على حُفرة من حُفَر النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله، قد جعلني الله قاضياً ومحدِّثاً، وقد قال ابن دقيق العيد: أَعراضُ الناس حُفرةٌ من حُفَر النار، وقَفَ عليها المحدِّثون والحُكَّامِ(١). (١) قال الإمام الحافظ ابن الصلاح في كتابه ((علوم الحديث))، ص ٣٨٩ - ٣٩٠، في (النوع الحادي والستين معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث): (الكلامُ في الرجال جرحاً وتعديلاً جُوِّز صوناً للشريعة، ونفياً للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرحُ في الشهود جاز في الرواة. ثم إن على الآخذ في ذلك أَن يتقي الله تبارك وتعالى، ويَثَبّتَ ويَتوفّى التساهل، كيلا يَجرحَ سليماً، ويَسِمَ بريئاً بِسِمَةٍ سوءٍ يَبقى عليه الدهرَ عارُها - ويَلحق المتساهِلَ من تساهله العقابُ والمؤاخذة - . وأَحسَبُ أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم - الرازي - من مثل ما ذكرناه خاف، فيما رُوِّينَاهُ أَو بُلُّغْنَاهُ أَن يوسف بن الحسين الرازي وهو الصوفي، دخل عليه وهو يقرأ كتابَه في ((الجرح والتعديل))، فقال له: كم من هؤلاء القوم قد حَطُّوا رواحلَهم في الجنة، منذ مئة سنة ومئتي سنة، وأنت تذكرهم وتغتابهم؟! فبكى عبدُ الرحمن ! . وُلِّغْنَا أَيضاً أَنه حُدِّث وهو يقرأ كتابَه ذلك على الناس، عن يحيى بن معين أَنه قال: إنا لَنطعنُ على أَقوام لعلّهم خَطُّوا رحالَهم في الجنة منذ أكثر من مئتي سنة! فبکی عبدُ الرحمن وارتعدتْ یداه حتی سقط الکتابُ من يده». انتهى. وقال الحافظ السخاوي في ((فتح المغيث))، ص ٤٧٨، في مبحث (معرفة = ٥٢ ومما يؤيد ما قلتُّهُ أَن أَصحابنا قالوا: من استباحَ دمَ غيره من المسلمين، ولم يَقدِر على قتله، فشَهِدَ بقتله لم يُقتَل. ذكره الرُّوْيَاني في ((البحر)) في باب من تّجوزُ شهادتُه، نقلاً عن بعض أصحابنا ساكتاً عليه، ولا يُعرَف في المذهب خلافُه. فإِن قلتَ: قد قال عقيبَه: ومن شَتَم متأوّلاً ثم شَهِدَ عليه، قُبِلَ، أَو غِيرَ متأوَّل، فلا(١). الثقات والضعفاء)، في صَدَدِ كلامِه على خطورة الجرح والتعديل: = ((واحذَرْ أيها المتصدِّي لذلك، المقتفي فيه أثرٌ من تقدَّم، من غَرَضٍ أو هَوىّ يحملُك كلّ منهما على التحامل والانحراف، وتَرْكِ الإِنصاف، أو الإِطراء والافتراء، فذلك شَرُّ الأمور التي تَدخُلُ على القائم بذلك الأفَةُ منها، والمتقدِّمون سالمون منه غالباً، منزهون عنه، لوفور ديانتهم، بخلاف المتأخرين، فإنه ربما يقَعُ ذلك في تواريخهم، وهو مجانبٌ لأهل الدين وطرائقهم. فالجرح والتعديل خَطَر، لأنك إن عدَّلتَ بغير تثبت، كنتَ كالمُثْبِت حُكماً ليسُ بثابت، فيُخشَى عليك أن تَدخُلَ في زُمرة من رَوَى حديثاً وهو يَظُنُّ أنه كَذِب، وإن جَرْحتَ بغير تحرُّز، أقدمتَ على الطعن في مُسْلِم بريٍ من ذلك، ووسمتَهُ بِمِيْسَم سوءٍ يَبقَى عليه عارُهُ أبداً! فالجرحُ خَطَرٌ أُّ خَطَر! فإن فيه مع حقِّ الله تعالى ورسولهِ صلى الله عليه وسلم: حَقَّ آدمي. ولِمَا في الجرح من الخَطّر، لمّا جِيء للتقي بن دقيق العيد بالمَحْضَر المكتَبَب في التقيُّ بن بنتِ الأَعَزّ، ليكتُبَ فيه، امتَنَعَ مِنها أشدَّ امتناع، مع ما كان بينهما من العداوة الشديدة، بل وأغلَظَّ عليهم في الكلام! وقال: ما يَجِلُّ لي أن أكتب فيه، وَرَدَّهُ، فتزايدَتْ جلالتُهُ بذلك، وعُدَّ في وفور دِيانته وأمانته، وانتفع ابنُ بِنتِ الأعزّ بذلك، وكيف لا؟ والتقيُّ ابنُ دقيق العيد هو القائل ـ مما أحسن فيه - : أعراضُ المسلمين حُفرةٌ من حُفَر النار، وَقَف على شَفيرها طائفتانٍ من الناس: المحدِّثون، والحُكام. ونحوُهُ قول بعضهم: من أراد بي سُوءاً، جعَلَه اللّه - جملة دعائية - مُحدِّثاً أو قاضياً». (١) وقع في طبعة البابي والحسينية: «ثم شَهِدَ عليه قيل ... )) ... وهو تحريفٌ عما أَثبُّه. ٥٣ قلتُ: يعني بالقبول بعدَ الشتم متأوّلاً الشهادةَ بأمر معيّن، ونحن نعلم أنه لا يَحمله عليها بُغض، فليس كمن وصفناه. ومما ينبغي أَن يُتَفَقَّد عند الجرح أيضاً: حالُ الجارح في الخِبرة بمدلولات الألفاظ، فكثيراً ما رأيتُ من يَسمَعُ لفظةً فيفهمها على غير وجهها. والخِبرةُ بمدلولات الألفاظ - ولا سيما الألفاظِ العُرفيةِ التي تَختلف باختلاف عُرف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحاً، وفي بعضها ذماً - أَمرٌ شديد لا يدركه إلا فَقِيةٌ بالعلم(١). ومما ينبغي أَن يُتَفَقَّد أيضاً: حالُه في العلم بالأحكام الشرعية، فُرُبَّ جاهلٍ ظنّ الحلالَ حراماً فَجَرَّحَ به، ومن هنا أَوجب الفقهاءُ التفسيرَ ليتوضَّح الحال. وقال الشافعي رضي الله عنه: حضرتُ بمصر رجلاً مُزكِّياً يُجرحُ رجلاً، فسُئل عن سببه وأُلِحَّ عليه فقال: رأيته يبول قائماً، قيل: وما في ذلك؟ قال: يَرُدُّ الريحُ مِن رَشاشه على يده وثيابه، فيصلي فيه. قيل: هل رأيته قد أَصابه الرَّشَاشُ وصلّى قبل أن يغسل ما أَصابَه؟ قال: لا، ولكن أُراه سيفعل. قال صاحب (البحر)): وحُكي أَن رجلًا جَرح رجلاً وقال: إنه طيِّن سطحَه بِطِينٍ استُخرِجَ من حوض السبيل(٢). (١) وقع في الطبعة الأولى، ثم في الطبعةِ الثانيةِ المحقَّقَةِ (إلا قعيدً)، مضبوطاً بالشكل بضمتين على الدال، إشارةً إلى أنه كذلك في الأصول: (قعيد). ولم أجد في كتب اللغة لفظَ (قعيد) بمعنى (متمكن) كما يفيده السياق. وجاء في «شرح الإِحياء)» للزبيدي ٥٢:١، بلفظ (إلا فَقِيةٌ بالعلم). وهو واضحُ المعنى جداً في هذا المقام، ومعناه: يَفْقَهُ مدلولاتِ الألفاظ، ويَفهمها على وجهها، فالظاهرُ أنَّ لفظَ (قعيد) محرف عن (فَقِيه)، والله أعلم. (٢) انظر نماذج كثيرة من الجرح بما ليس بجارح، في ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي، ص ١١٠ - ١١٤، (باب ذكر بعضٍ أخبارٍ من استُفسِر في الجرح، فذكّر ما لا يُسقِط العدالة). وفي ((الرفع والتكميل)» ص ٦٥ - ٧٠ الطبعة الثانية و ٨٠ - = ٥٤ ومما ينبغي أيضاً تفقدُّهِ : - وقد نبّه عليه شيخُ الإِسلام ابنُ دقيق العيد - الخلافُ الواقعُ بين كثير من الصوفية وأصحابِ الحديث. فقد أَوجبَ كلامَ بعضِهم في بعض، كما تكلّم بعضُهم في حق الحارث المُحاسبيِّ وغيره(١)، وهذا في الحقيقة داخل في قسم مخالفة العقائد، وإن عدَّه ابنُ دقيق العيد غيرَه. والطامَّة الكبرى إنما هي في العقائد المثيرة للتعصب والهوى، نعم وفي المنافسات الدنيوية على حُطام الدنيا، وهذا في المتأخرين أَكثرُ منه في المتقدمين، وَمْرُ العقائد سوآء في الفريقين. وقد وصل حالُ بعض المجسِّمة في زماننا إلى أَن كَتَبَ شَرْحَ ((صحيح مسلم)) للشيخ محيي الدين النووي، وحذَّفَ من كلام النووي ما تكلّم به على أَحاديث الصفات، فإن النووي أَشعريُّ العقيدة، فلم تَحمِل قُوَى هذا الكاتب أَن يَكتب الكتاب على الوضع الذي صنّفْه مصنفُه. وهذا عندي من كبائر الذنوب، فإنه تحريف للشريعة، وفتحُ باب لا يُؤمَن معه بكتب الناس ٩١، الطبعة الثالثة، (المرصد الأول فيما يُقبَلُ من الجرح والتعديل وما لا يُقبَلُ = منهما). وفي ((قواعد في علوم الحديث)) للتهانوي، ص ١٩٩ و٢٧٧ و٤٢١ و٤٢٥ و ٤٢٨ - ٤٢٩ و ٤٣٫٢ و ٤٣٣. (١) انظر بيان ذلك فيما علّقتُه على ((الرفع والتكميل))، ص ٧٠ من الطبعة الثانية، وص ٨٨ من الطبعة الثالثة، وانظر تقدمتي لكتاب ((رسالة المسترشدين» للمحاسبي، ص ١٩ - ٢٢، من الطبعة الثانية أو الثالثة ففيه تجليةُ الأمر واستيفاؤه على خير وجه. وأزِيدُك هنا - على ما هناك - هذا الخبر، ففي ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي ٤: ١٢١٦، في ترجمة (أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي ثم المروزي)، الحافظِ المفيدِ الجوّال، الصوفي، المتوفى سنة ٤٨٥ رحمه الله تعالى: ((قال محمدُ بن محمَّد الفَاشاني: كنتُ إذا مَضَيْتُ إلى أبي القاسم هبةِ الله بالرِّبَاطِ، أخرجني إلى الصحراء وقال: اقرَأْ هنا، فالصُّوفيّةُ يتبرَّمون ممن يَشتغلُ بالعلمِ والحديث! يقولون: يُشْوِّشُون علينا أوقاتنا!)). ٥٥ وما في أيديهم من المصنَّفات(١)، فقبّح اللّهُ فاعلَه وأَخزاه، وقد كان في غُنية عن كتابة هذا الشرح، وكان الشرح في غنية عنه. ولَنَعُدْ إلى الكلام في الجارحين على النحو الذي عرَّفناك. فإن قلتَ: فهذا يعود بالجرح على الجارح، حيث جَرَح لا في موضعه. قلتُ: أَمّا من تكلَّم بالهوى ونحوه فلا شك فيه، وأَمّا من تكلّم بمَبْلَغ ظنِّه، فها هنا وقفةٌ محتومة على طالب التحقيقات، ومَزَلَّةٌ تأخذ بأقدام من لا يَبرأُ عن حَوْلِهِ وَقُوَّتِه، ويَكِلُ أَمرَه إلى عالم الخفيَّات. فنقول: لا شك أَن من تكلّم في إمامٍ استَقَرَّ في الأذهان عظمتُه. وتناقلَتْ الرواةُ مَمادِحَه، فقد جَرَّ الملامَ إلى نفسه، ولكنا لا نقضي - أيضاً على من عُرِفَتْ عدالتُه، إذا جَرَح من لم يُقبَل منه جَرْحُه إياه - بالفِسق، بل نجوُزِ أُموراً: أحدها: أن يكون واهماً. ومن ذا الذي لا يَهِمُ؟ والثاني: أن يكون مُؤَوِّلاً، قد جَرَحَ بشيءٍ ظنه جارحاً، ولا يراه المجروحُ كذلك، كاختلاف المجتهدين. والثالث: أَن يكون نقّلَه إليه من يراه هو صادقاً، ونراه نحن كاذباً (٢). (١) نعم يكون هذا صحيحاً إذا لم يُنِّه عليه في الكتاب أو في مقدمته له، أَما إذا نبّه إلى طريقته في الاختصار أَو التعديل والحذف، على وجه مُفهِم، فلا شيء عليه، وقد بالغ المؤلفُ في هذا المقام رحمه الله وغفَرَ لي وله. (٢) قلتُ: وقد يكون الجرحُ لغير الأمور الثلاثة التي جَوَّزها المؤلف هنا، كأن يكون لَجَفاءٍ أَو عداوةٍ بينهما، فَيَرى الجارحُ القَذَاةَ من مُجافيه ◌ِذْعاً! والخطأ الخفيفَ المحتمل كبيرةٌ لا تُغتَفَرِ، فَيَنفُخُ في الشعرة إذا استطاع لتكون خَبْلاً غليظاً! أَو جَبَلاً عريضاً! لما بينهما من الكراهةِ والجفاء! قال الحافظ ابن الصلاح في كتابه ((علوم الحديث))، ص ٣٩٠، في (النوع ٦١ = ٥٦ وهذا لاختلافنا في الجرح والتعديل، فُرُبَّ مجروحٍ عند عالم معدّلٌ عند غيره، فيقع الاختلاف في الاحتجاج حسب الاختلاف في تزكيته، فلم يتعين أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرَّدَ التعصب والهوى حتى يجرحه بالجرح. ومعَنَا أَصلانِ نستصحبهما إلى أَن نتيقَّن خلافَهما: أَصلُ عدالةِ الإِمام المجروح الذي قد استقرَّتْ عظمتُه، وأَصلُ عدالة الجارح الذي ثَبَتّتْ عَدَالْتُهُ(١)، فلا يُلتَفَتُ إلى جَرْجِه، ولا نَجْرَحُه بجَرْحِه، فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات . فإن قلتَ: فهل ما قرَّرتموه مخصِّصٌ لقول الأئمة: إنَّ الجرح مقدِّم، لأنكم تستثنون جارحاً لمن هذا شأنه، قد نَدَرَ بين المعدِّلين؟. معرفة الثقات والضعفاء)، وهو يتحدث عن الشروط اللازمة للجارح ليُقبَل جَرْجُه = للراوي : ((ثم إنَّ على الآخِذِ في ذلك - أي جَرْحٍ الراوي - أن يتقيّ اللّه تبارك وتعالى، ويَتْثّتَ، ويَتَوقَّى التساهلَ، كيلا يَجرَّحَ سليماً، ويَسِمُ بريئاً بسِمَةٍ سُوءٍ يَبْقَى : عليه الدهرَ عارُها .. وقد أخطأ فيه غيرُ واحد على غيرٍ واحد، فجَرَحوهم بما لا صِحّة له، ومن ذلك جَرْجُ النّسائي لأحمد بن صالح - الطبري المصري - ، وهو إمام حافظ ثقة، لا يَعلَقُ: به جَرْح، أخرج عنه البخاري في «صحيحه))، وقد كان من أحمدَ إلى النسائي جَفاءٌ أَفسد قلبه علیه. وإذا نُسِبَ مِثْلُه إلى مِثل هذا - أَيْ إذا نُسِبَ مِثلُ النّسائي، وهو إمام حُجّة في الجرح والتعديل، إلى مثل هذا الجَرْح المردود -، كان وجهُهُ: أَن عَيْنَ السُّخْط تُبدِي مَساوِىءَ لها في الباطن مَخارجُ صحيحة، تُعُمِّي عنها بحِجاب السُّخْطِ، لا أنَّ ذلك يقعُ من مثلِهِ تُعمّداً لقدحٍ يَعلمُ بُطلانَه، فاعلَمْ هذا، فإنه من النكتِ النفيسة المهمّة». انتهى. وقد صَدَق وأجاد. (١) جاء في الأصولِ كلِّها: (يثبت). والمُثْبَتُ أعلاه من «شرح الإحياء)) ٥٣:١. ولفظُ (عَدَالْتُهُ) زِدْتُهُ لزيادةِ استقامةِ ! ٥٧ قلتُ: لا، فإنَّ قولهم: الجرحُ مقدَّم، إنما يَعنون به حالةَ تعارض الجرح والتعديل، فإذا تعارَضًا لأمرٍ من جهة الترجيح قدَّمنا الجرح، لما فيه من زيادة العلم. وتعارضُهما هو استواء الظنّ عندهما، لأن هذا شأن المتعارضَيْن، أَما إذا لم يقع استواءُ الظن عندهما فلا تعارض، بل العملُ بأقوى الظنين من جرح أو تعديل. وما نحن فيه لم يتعارضا، لأن غلبة الظن بالعدالة قائمة، وهذا كما أَن عدد الجارح إذا كان أَكثر قُدِّم الجرحُ إجماعاً، لأنه لا تعارُضَ والحالةُ هذه. ولا يقولُ هُنَا أَحدٌ بتقديم التعديل(١)، لا مَنْ قال بتقديمه عند التعارض ولا غيرُه. وعبارتُنا في كتابنا (جمع الجوامع)) - وهو مختصر جمعناه في الأصلين، جَمَعَ فأوعى - : والجرحُ مقدَّمٌ إن كان عدَدُ الجارحِ أَكثر من المعدِّل إجماعاً، وكذا إن تساويا، أَو كان الجارحُ أَقل. وقال ابنُ شعبان(٢): يُطلَبُ الترجيح. انتهى(٣). وفيه زيادة على ما في مختصرات أصول الفقه، فإنا نَّهنا فيه على مكان الإِجماع، ولم يُنبّهوا عليه، وحَكينا فيه مقالةَ ابن شعبان من المالكية، وهي غريبة لم يشيروا إليها، وأَشرنا بقولنا: يُطلَبُ الترجيح إلى أَن النزاع إنما هو في (١) وقعَتْ في الأصول كلها (منا). وهو تحريف. صوَّبتُهُ من ((شرح الإِحياء)) ٥٣:١. (٢) هو أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المصري، الفقيه الحافظ النظار، المتفنِّن في سائر العلوم إلا العربية، فإنه كان يلحن مع التدوين، إليه انتهت رئاسة المالكية بمصر في عصره، ألّف ((الزاهي)) في الفقه، و((أحكام القرآن))، و ((مناقبَ مالك والرواة عنه)) و((المناسك)) وغيرها، إلا أَن له غرائبَ من أقوال مالك، وأقوالاً شاذة عن قوم لم يشْتَهروا بصحبته لم يَروِها الثقات، توفي سنة ٣٥٥ وسنُّهُ فوق الثمانين رحمه الله تعالى. انتهى من ((الديباج المُذْهَب)) لابن فرحون و((الفكر السامي)) للحجوي ١١٣:٣. (٣) ٢ : ١٧٢ بشرح الجلال المحلي وحاشية البنّاني. ٥٨ حالة التعارض، لأن طلب الترجيح إنما هو في تلك الحالة. وهذا شأنُ كتابنا «جمع الجوامع)) نفع الله به، غالبُ ظننا أَنَّ في کل مسألة فيه زیاداتٍ لا توجد مجموعةٌ في غيره، مع البلاغة في الاختصار. إذا عرفتَ هذا علمتَ أَنه ليس كلُّ جرح مقدَّماً. وقد عقد شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى فصلاً في جماعة لا يُعبأ بالكلام فيهم، بل هم ثقات على رغم أنف من تفوّه فيهم بما هم عنه بُرَءَاء، ونحن نورد في ترجمته محاسنَ ذلك الفصل إن شاء الله (١). ولنختتم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين، لا يراهما الناظرُ أَيضاً في غير كتابنا هذا. إحداهما: أَن قولهم: لا يُقبَلُ الجرح إلا مفسَّراً، إنما هو أيضاً في جَرْحِ مَنْ ثَبَتَتْ عدالتُه واستقرَّت، فإذا أَراد رافعٌ رفعَها بالجرح، قيل له: انتِ ببرهان على هذا. أَو فيمن لم يُعرَف حاله، ولكن ابتدره جارحان ومزگِیان، فيقال إذ ذاك للجارحَيْنِ: فِّرا ما رميتماه به. أَمَّا من ثبّتَ أَنه مجروح فيُقبل قولُ من أطلق جرحه، لجريانه على الأصل المقرَّر عندنا، ولا نطالبه بالتفسير، إذ لا حاجة إلى طلبه . والفائدة الثانية: أَنا لا نطلبُ التفسيرَ من كل أَحد، بل إنما نطلبه حيث يَحتمِلُ الحالُ شكاً، إمَّا لاختلافٍ في الاجتهاد، أَو لتهمةٍ يسيرةٍ في الجارح، أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوطَ قولِ الجارح، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على (١) انظر ذلك في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٢١٩:٥ - ٢٢١ من طبعة الحسينية، و ١١١:٩ - ١١٥ من طبعة البابي، في ترجمة الإمام الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز). وذلك الفصل هو الرسالة المطبوعة بالقاهرة سنة ١٣٢٤، ضمن مجموع (خمس رسائل نادرة). ٥٩ الإِطلاق، بل يكون بَيْنَ بَيْنَ، أَمّا إذا انتفت الظنون، واندفعت التُّهَم، وكان الجارح حَبْراً من أَحبار الأمة، مُبَرَّءًاً عن مظانِّ التهمة، أَوكان المجروحُ مشهوراً بالضعف، متروكاً بين النُقَّاد، فلا نَتلعثمُ عند جرحه، ولا نُحْوِجُ الجارحَ إلى تفسير، بل طلبُ التفسير منه - والحالةُ هذه - طلبٌ لِغِيبةٍ لا حاجة إليها. فنحن نقبَلُ قولَ ابن مَعين في (إبراهيم بن شُعَيب المَدَني): شيخٌ رَوَى عنه ابنُ وهب، إنه ليس بشيءٍ(١). وفي (إبراهيم بن يزيد المدني): إنه ضعيف. وفي (الحسين بن الفرج الخياط): إنه كذاب يَسرِقُ الحديث. وعلى هذا - وإن لم يُبِّن الجَرْحَ -، لأنه إمامٌ مقدَّمٌ في هذه الصناعة، جَرَحَ طائفةٌ غيرَ ثابتي العدالة والثِّبْت. ولا نَقبلُ قولَه في الشافعي، ولو فسَّر وأَتَى بألف إيضاح، لقيام القاطع على أنه غير مُحِقّ بالنسبة إليه. فاعتبِرْ ما أشرنا إليه في ابن مَعِين في غيره(٢)، واحتفظ بما ذكرناه تنتفع به. وينبغي لك أيها المسترشد(٣)، أَن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة (١) إذا قال ابن معين في الراوي: (ليس بشيء)، ففي الغالب يعني به أن أحاديثه قليلة، وفي غير الغالب يريد به تضعيف حديثه، انظر بيان ذلك مستوعباً فيما علّقْتُه على (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل)) للكنوي ص ١٥٢ - ١٥٥، وص ٣٨٢ - ٣٨٩ من الطبعة الثانية؛ وص ٢١٢ - ٢٢١ من الطبعة الثالثة. (٢) وقع في طبعة البابي والحسينية (في ابنٍ معين وغيرِه). وهو تحريف. (٣) هذا المقطع من قوله: (وينبغي لك ... - إلى قوله في آخر المقطع التالي - ... رضي الله عنهم). زدتُّه نقلًا من ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي نفسه، من ترجمة (الحارث ابن أسد المحاسبي) ٣٩:٢ من طبعة الحسينية، و٢٧٨:٢ من طبعة البابي الحلبي. لوثيق صلته بموضوع هذه (القاعدة). ٦٠ الماضين، وأن لا تَنظرَ إلى كلام بعضِهم في بعض، إلا إذا أَتَى ببرهانٍ واضح، ثم إن قَدَرتَ على التأويل وتحسينِ الظن فدُونَك، وإلا فاضرِبْ صفحاً عما جَرى بينهم، فإنك لم تُخلَق لهذا، فاشتغِلْ بما يَعنيك، ودَعْ ما لا يعنيك. ولا يَزالُ طالبُ العلم عندي نبيلاً حتى يَخوضَ فيما جَرى بينِ السَّلَف الماضين، ويَقضِيَ لبعضهم على بعض! فإياك ثم إياك أَن تُصغي إلى ما اتَّفَق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري(١)، (١) يعني به (قالة الشُّؤْم) التي تُعزَّى إفكاً وكذباً إلى الإِمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى، وأنه قالها في الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى لما بلغته وفاته. ومن المؤسف أن الإِمام البخاري رحمه الله تعالى، وهو الإِمام العَفُّ الورع المتحفظ في ألفاظُ الجرح والتعديل كلِّ التحفظ وأَدَقه، رواها في كتابه «التاريخ الصغير))، مستروحاً إليها، متأثّراً بالجفوة التي وقعت بينه وبين الحنفية من أَهل بلده، فرواها عن (نُعَيم بن حماد) الذي قالوا فيه: ((كان يضعُ الحديثَ في تقوية السُّنَّةِ، وحكاياتٍ مزورةً في ثَلْبِ أبي حنيفة، كلُّها كذِب)). وعلى فرض أنها رُويت بالإِسناد الصحيح ففي نكارة متنها ما يكفي للحكم عليها بالبطلان، وإليك سياقتَها من كتاب البخاري المذكور، ومن كتاب ((الانتقاء)). لابن عبد البر عن البخاري أيضاً، قال البخاري رحمه الله تعالى في ((التاريخ الصغیر»، ص ١٧٤ . ((حدثنا نُعَيم بن حماد، قال: حدثنا الفزاري، قال: كنتُ عند سفيان، فُتُعي النعمان، فقال: الحمد لله، كان يَنقضُ الإِسلامَ عُروةً عُروةٌ، ما وُلِدَ في الإِسلامِ أَشأمُ منه!)). انتهى . و(سفيان) هنا هو: سفيان بن سعيد الثوري، كما جاء مصرَّحاً به في سِياقة الخبر عند الخطيب البغدادي في مواضع من ((تاريخ بغداد)» ١٣: ٣٩٩ و ٤١٨ و ٤١٩ في ترجمة (أبي حنيفة). ونصُ الخبر هناك كما في الموضع الثاني ٤١٨:١٣، من طریق (نُعیم بن حمّاد) قال: (حدثنا إبراهيم الفزاري، قال: كنت عند سفيان الثوري، =