Indexed OCR Text
Pages 341-360
ليسوا من أهل الحديث الذين يميزون بين غثه وسمينه، وقد أمكنهم بمثل هذه الأباطيل أن يجعلوا حجابا بين الإسلام وبين من يريد أن يَعْتَنِقَه من الغربيين، كما أمكنهم أن يدخلوا حظيرتهم بعض الذين لم يتسلحوا بمعرفة حقيقة الدين وحقيقة هذه الروايات الدخيلة على الإسلام فساروا على نهجهم في الاستخفاف بالدين والغض من شأن الأحاديث النبوية، ورددت هذه الفرى باسم العلم حينا وحرية البحث حيناً آخر، وقد قام بعض علماء الأزهر الشريف وغيرهم بجهاد مشكور في هذا الباب إلا أنه جهاد مها بلغ فهو جهد المقل وكنا نود من القائمين على شئون الأزهر العنيد أن تكون لهم خطوات إيجابية في هذا بِنَشْر الكتب والرسائل القيمة في هذا الباب. وإرسال رجال من المتضلعين في الدين، والعارفين برد هذه الطعون إلى بلاد الغرب وتأليف جماعة من شأنها العمل على دحض هذه الأباطيل والكشف عن زيفها ، بشتى الطرق والوسائل . ٣ - من الآثار السيئة الضرر بالعقيدة كأحاديث التجسيم والتشبيه فقد ضل بسببها قوم حتى زعموا أن الله جسم من الأجسام، وكحديث ((لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفع)) فقد تعلق به بعض الجهال الأغبياء فنفضوا قلوبهم من الثقة بالله، وانصرفوا إلى بعض الجمادات والمخلوقات يرجون النفع أو دفع الضر فوقعوا في الضلال المبين. ٤ - من الآثار السيئة تكثير البدع وتنفيق سوقها فكثير من البدع تجد منشأها من الأحاديث الموضوعة، وذلك مثل بدعة الخرقة عند الصوفية على الهيئة المتعارفة عندهم فقد اعتمدوا فيها على ٣٤١ أحاديث أنكربها أهل العلم قاطبة، وكذا بدعة التواجد والرقص. · عند السماع وكذا بدعة صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان بطريقة غير مشروعة وصلوات الأيام والليالي وصيام أيام مخصوصة من رجب كلها أساسها الأحاديث المكذوبة وكذا بدعة النوح: والبكاء يوم عاشوراء وبدعة الفرح والسرور فيه، فقد وضع محبو الحسين - رضي الله عنه - أحاديث الحزن، ووضع أعداؤهم أحاديث الفرح(١) وقد بلغ من المبتدعة أن زادوا في حديث «كل بدعة ضلالة)): (إلا بدعة في عبادة) وقد كذبوا فكل بدعة أيا كان نوعها ضلالة. ٥ - من الآثار السيئة التهاون بالأعمال الصالحة والتكاسل عنها وعدم التحرج من ارتكاب الآثام وذلك كالأحاديث التي ترتب الثواب الكثير جدا على العمل القليل، وكالأحاديث التي تغري الفساق: والمجان مثل ((شفهاء مكة حشو الجنة)) ومثل ((الكريم حبيب الله وإن كان فاسقاً والفاسق السخي أحب إلى الله من عابد يخيل)» وهما كذبان قطعا ومناقضان للقرآن والسنة المستفيضة. ٦ - من المفاسد تعطيل الناس عن العمل النافع بايهامهم أن العمل في: وقت كذا أو السفر في يوم كذا مضر أو شؤم ونحو ذلك مثل ما روي - كذبا - «من أحب كريمتيه أو حبيبتيه فلا يكتبن بعد العصر)» فقد يغتر به بعض من لا يعرف فيفوت على نفسه خيرا كثيراً بعدم الكتابة بعده ومثل ما روي كذبا « يوم الأربعاء يوم نحس. مستمر)» فقد يتشاءم باعتقاده بعض الناس: فيعرضون عن: أسفارهم وقضاء حاجاتهم فيه، فيفوتهم الخير الديني أو الدنيوي. ٧ - من أسوء الآثار أن كثيرين ممن ليسوا من أهل الحديث والمتفرغين (١) منهاج السنة جـ ٢ ص ٢٤٨ ٣٤٢٠ له لم ينتبهوا إلى بعض الموضوعات واغتروا بها وأوردوها في كتبهم ورسائلهم واحتجاجاتهم ومناظراتهم وما من علم إلا ونجد في كتبه موضوعات واسرائيليات منها ما هو بالغ الخطورة على الإسلام ورسوله، ففي بعض كتب الفقه موضوعات، وفي كتب الوعظ والتصوف والأخلاق، بل وفي بعض كتب النحو والصرف واللغة والأدب ولا سيما ((الْمَعَالمُ(١))) التي عرضت لكثير من الفنون كصبح الأعشى، ونهاية الأرب، وفي بعض كتب الحديث موضوعات إلا أنها - والحق يقال - قليلة جدا بالنسبة لغيرها من كتب العلوم الأخرى، وقد تلقى جمهور الناس، وعامتهم هذه الموضوعات وتقبلوها على أنها صحيحة، وأذاعوها، وقد ساعد على ذلك أن مؤلفي هذه الكتب علماء أجلاء في فنونهم وإن كانوا ليسوا من أهل العلم بالحديث، كما ساعد على انتشارها ضعف دراسة السنة والأحاديث، وعدم العناية بعلم الرجال والنقد بعد العصور الأولى عصور الحديث الذهبية. وقد تنبه علماؤنا الأوائل - أثابهم الله - إلى خطر ما في هذه الكتب فألغوا كتب التخاريج التي تميز الصحيح من الضعيف والحق من الباطل ولو أن كتب التخاريج طبعت مع هذه الكتب لكان من وراء ذلك الخير الكثير القارىء هذه الكتب العلمية ولكنها نشرت بدون هذه التخاريج فتسممت بها العقول والأفكار وليس أمامنا الآن إلا الجهاد العلمي في بيان هذه الموضوعات والتنبيه إليها وهذا ما سأعالجه باختصار وإيجاز. (١) المعالم: جمع معلمة وهي كلمة عربية تقوم مقام كلمة ((موسوعات)) الغير العربية. ٣٤٣ الموضوعات وكتب العلوم ((الموضوع وكتب التفسير)) التفسير في اللغة - بمعنى الكشف والتوضيح: وفي الإصطلاح: علم يعرف به أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقَدر الطاقة البشرية والتفسير نوعان: (١) تفسير المأثور (٢) تفسير بالرأي والاجتهاد وقد ألفت كتب في التفسير بالمأثور وكتب في التفسير بالرأي والإجتهاد وكتب هذا النوع الثاني لا تخلو من تفسير بالمأثور أيا كان منحاها لأن التفسير بالرأي والإجتهاد لا يكون مقبولا إلا إذا اعتمد فيه على ما صح من المنقول فيما لا يعلم إلا من طريق النقل كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وتفصيل المجمل وتقييد المطلق وإزالة المشكل وبيان الفضائل ونحوها مما تكلفّت به السنة فهذا التفسير قل أن ينفرد عن الأول. ((التفسير بالمأثور أسبق في الوجود من التفسير بالرأي)) وقد كان التفسير بالمأثور قسماً من أقسام الحديث وأغلب الذين ألفوا في الحديث لم تخل كتبهم من كتاب التفسير، ولما كان الحديث قد دخله الوضع فلا جرم إن دخل أيضاً التفسير بالمأثور. ومن ثم اشتملت كتب التفسير سواء منها ما كان مختصا بالمأثور أو شاملاً له وللتفسير بالرأي: على قطعة كبيرة من الموضوعات وقد قدمنا في أسباب الوضع الكثير من الأسباب ويمكننا أن نزيد في التفسير سبباً آخر مهماً وهو النقل من مسلمة أهل الكتاب، والأخذ عنهم فيما لا تعلق له بأصول الدين: والحلال والحرام وأحكام الشريعة كالقصص وأخبار الأمم الماضية ، وقد أشار إلى هذا ابن خلدون في مقدمته فقال أثناء تكلمه عن التفسير بالمأثور: ٣٤٤ : ((وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب الكائنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقُوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليفة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم امتلأت كتب التفاسير بالمنقولات عندهم وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى فيها الصحة التي يجب العمل بها ، ويتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم إلا أنه بعد صيتهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين وأهله فتلقيت بالقبول(١). وقد تعرض المحدثون لنقد رواة التفسير بالمأثور وبينوا الطرق الصحيحة من الضعيفة (٢) كما تعرضوا لنقد هذه المرويات إجمالا. فالإمام احمد يقول: ((ثلاثة ليس لهما أصل: التفسير والملاحم والمغازي)) لأن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحيحة متصلة وإنما هي منقطعات أو مراسيل وقد تحمل بعض الصحابة والتابعين هذه الإسرائيليات عن مسلمة أهل الكتاب ورووها ليعلم ما فيها ولم ينبهوا على كذبها اعتماداً (١) مقدمة ابن خلدون - بحث التفسير. (٢) الإتقان جـ ٢ ص ١٨٨: ١٨٩ ط القديمة. ٣٤٥ على ظهور كذبها ووضوحه فإذا وجدت بعض هذه الإسرائيليات الباطلة مرويا عن بعض الصحابة كابن عباس، وابن عمرو بن العاص، فلا تغتر بها ولا تظن أن لها أصلاً في ديننا وإنما أمرها أنها من معارف أهل الكتاب الذين أسلموا جملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية ولقد كان أئمة الحديث ونقاده على حق حيثما قالوا: إن كلام الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع بشرط أن لا يكون هذا الصحابي معروفاً بالأخذ عن أهل الكتاب ورواية الإسرائيليات فإن كان معروفا بذلك فليس لها حكم المرفوع إلى النبي عَ لّ قطعا، ومن ثم يتبين لنا جلياً أن هذه القصص الباطلة التي تروى في أخبار الأنبياء والأمم الماضية لا تمت إلى الإسلام ولا سند لها متصلا إلى المعصوم عَ لّ وإنما هي موضوعات وإسرائيليات. قال الإمام ابن تيمية: ((وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي، والزمخشري في فضائل القرآن - يعني سُوَّرَه - فإنه موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث والتعلي في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع والواحدي كان أبصر منه بالعربية لكن هو أبعد من السلامة واتباع السلف والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي لكن صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة ، والموضوعات في كتب التفسير كثيرة منها الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالتسمية وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ومثل ما روى في قوله تعالى، ﴿ولكل قوم هاد﴾ إنه على، ﴿وتعيها أذن واعية﴾ أُذُنُك يا على إلى آخر ما: قال(١). وفي الحق إن كتب التفسير اشتملت على زيف كثير في فضائل السور (١) أصول التفير لإبن تيمية ص ٣٢ ط السلفية. ٣٤٦ وفي أسباب النزول وفيما يتعلق بتبيين مبهم، أو تفصيل مجمل، أو بأحوال الأمم السابقة. وقصص الأنبياء وأحوال المعاد وبدء الوجود وأسرار الوجود وكتب التفسير من عهد ابن جرير وابن مردويه لا يكاد يخلو تفسير منها من موضوعات وإن اختلفت في ذلك قلة وكثرة إذ استثنينا تفسير ابن كثير وتفسير الألوسي وتفسير المنار وبعض التفاسير · المعاصرة التي تنبه مؤلفوها إلى هذه الموضوعات، وابن جرير على جلالة قدره قد اشتمل تفسيره على بعضها إلا أنها قليلة جدا وقد أدى خدمة تشكر بذكر الأسانيد مما يتيح للباحث النظر في الأسانيد ونقدها والحافظ السيوطي قد ذكر في كتابه ((الدر المنثور في التفسير بالمأثور)) ما الله أعلم بصحته بل ذكر بعض الموضوعات ومنها ما وافق على وضعه في كتبه الأخرى ((كاللآلى المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)) ولعل ذلك سهو منه أو اكتفى بذكر السند والتخريج عن التنصيص على الوضع، وكتاب الثعلبي ملىء بالموضوعات وتفسير الزمخشري وهو ((الكشاف)» مع خلوه غالبا من القصص الإسرائيلي قد ذكر بعضه الموضوعات في الفضائل والقراءات، وأسباب النزول ونحوها، وتفسير النسفي كتفسير الزمخشري إلا أنه لم يخرج الحديث الموضوع في فضائل السور وتفسير البيضاوي متابع للكشاف في كثير مما ذكره وتفسير الخازن مع إكثاره من ذكر القصص، وأخبار الأمم الماضية إلا انه يكر على بعضها بالإبطال مثل ما صنع في قصة هاروت وماروت، والغرانيق، وقصة داود وسليمان على ما يروبها القصاص، وإن كان غفل عن موضوعات لا يدركها إلا جهابذة الحديث ونقاده وتفسير الفخر الرازي، وأبي السعود قد نبه صاحباهما إلى بعض الروايات الباطلة وردَّاها وبخاصة من جهة العقل والنظر إلا أنهما قد خفيت عليهما بعض الموضوعات مما لا يدركه إلا حفاظ الحديث. ومما ينبغي أن يعلم أن بعض المفسرين كان لهم جهاد مشكور في رد المفتريات كإبن كثير والفخر الرازي، والألوسي، والشيخ ٣٤٧ محمد عبده في دروسه وتفسيره، وبعض رسائله، وفارس هذا الحلبة هو الحافظ ابن كثير فقد جاء تفسيره مصفى من الموضوعات والإسرائيليات وكان له فضل التنصيص على بطلانها، وكيف تسربت إلى الإسلام؟ ومن أين أتت وإذا كان ذكر شيئاً منها في كتابه فللتنبيه عليها لا الإستشهاد بها والاستدلال، ولا عجب فهو حافظ وله بصر بالنقد بل هو من مدرسة معروفة بأصالة النقد وهي مدرسة الإمام ابن تيمية ولو أن المفسرين رزقوا هذه الملكة في النقد لما وقعوا في ذكر الموضوعات والإسرائیلیات. موضوع باتفاق الحفاظ » (( حديث ومن الموضوعات في فضائل السور الحديث الطويل المروي عن أبي بن فضائل القرآن سورة سورة وقد خطأ المحدثون كعب عن النبي عَّ في من ذكره من المفسرين في كتبهم كالثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والبيضاوي وأبي السعود لكن من أبرز سنده كالأولين فهو أبسط لغدره إذ أحال ناظره على الكشف على سنده، وأما من لم يبرز سنده ورؤاه بصفة الجزم فخطؤه أفْجَش كالآخرين (١). روى عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به فقلت للشيخ: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني شيخ بالمدائن وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني شيخ بواسط، وهو حيٌّ، فصرت اليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت اليه، فقال: حدثني شيخ بعَبَّادان، قصرت إليه، فأخذني فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم (١) بعض العلماء يرى أنه ما دام ذكر السند فقد خرج من التبعة وعلى من تبلغه الرواية البحث في سندها حتى يتوصل إلى معرفة درجة الحديث من الصحة او الحن او الضعف، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة ومن هؤلاء - كما في فتح المغيث للسخاوي - الطبراني، وابن مندة، والحكيم الترمذي، وابو الليث السَّمَر قندي، وقد كان علماء عصرهم يعرفون الأسانيد بالنظر فيها فتبرأ ذمتهم من العهدة بذكر السند قال السخاوي: ولا تبرأ في هذه الأعصار بالاقتصار على ايراد الروايات الباطلة بذكر أسانيدها من عبر بيانه، لعدم الأمن من المحذور به أقول: وهو الحق ومن لم يُبَيِّن فهو آثم. ٣٤٨ يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم الى القرآن (١). وهي شنشنة عرفناها من أبي عصمة نوع بن أبي مريم، وميسرة بن عيد ربه !! وهؤلاء المتصوفة الجهلة هم الذين عناهم يحيى بن سعيد القطان حينما قال: ((لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث)) رواه مسلم في مقدمة صحيحه وهم الذين عناهم أبو عاصم النبيل حينما قال: ((ما رأيت الصالحين يكذبون في شيء أكثر من الحديث)). واعتبروا صالحين وأهل خير باعتبار ظاهرهم وإلا فهم أهل شر وجهل وإشاعة الكذب على رسول الله حمد الله . ومما ينبغي أن يعلم أنه قد وردت أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة في فضائل بعض السور، وقد تكفل ببيانها الحافظ السيوطي في كتاب ((الإتقان)) وقد ذكر في ((التدريب)) أنه ألف كتابًا في ذلك سماه: فضائل السور». ((خمائل الزهر فى ومن الموضوعات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير قصة ((الغرانيق)) وهي ما زعموا أن النبي عَ لَّه لما قرأ سورة النجم، وبلغ الى قوله ﴿أفرأيتم اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان على لسانه ((تلك الغرانيق العلا وإِن شَفَاعَتهن لترتجى)) فقال المشركون: ((ما ذكر محمد آلهتنا بخير قبل اليوم)» فسجدوا، وسجد. ((بطلان هذه القصة)» وهذه القصة غير ثابتة من جهة العقل، ولا من جهة النقل، وطعن واحد غير واحد من أئمة المعقول والمنقول كالإمام محمد بن اسحاق بن (١) التدريب ص ١٨٩. ٣٤٩ خزيمة إمام الأئمة، فإنّه لما سئل عنها قال: هي من وضع الزنادقة ، وكالبيهقي، والقاضي عياض والقاضي أبو بكر بن العربي، والإمام أبو منصور الماتوريدي، وقد بين ابن كثير في تفسيره أنها لم تأت من طريق مسند صحيح، وكلها مرسلات، ومنقطعات والذين انتصروا لها وقالوا: إن لها أصلاً كالحافظ ابن حجر أولوا ما روى على أن الذي نطق هو الشيطان أثناء سكوت الرسول فخيل إلى المشركين أن الناطق بها الرسول وهو تكلف لا داعي إليه فالحق والصواب أنها موضوعة مكذوبة(١). ومن الموضوعات قصة ((هاروت وماروت)» وأنهما كانا ملكين نزلا إلى الأرض فهويا امرأة تسمى ((الزهرة)) واقترفا معها الإثم، أما هي فمسخت الكوكب المعروف باسمها وأماهما فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختار عذاب الدنيا، والمحققون من العلماء على أنها لا أصل لها وإنما هي من الإسرائيليات المكذوبة أُلْصِقَت بالإسلام زورا قصد الإساءة إليه. وكذلك ما روي في قصة يوسف عليه السلام في همه بامرأة العزيز وأنه حل تكة سراويله وما روي في قصة داود مع أورياً ومحاولته قتله في الحرب ليخلو له الجو فيتزوج بامرأته وما روي في فتنة سليمان من قصة الخاتم وضياعه وذهاب ملكه وتسلط الشيطان على ملكه بل وعلى نسائه، حتى رد الله عليه خاتمة فعاد له ملكه وما روي في قصة أيوب ومرضه مرضا شديداً حتى تنكر له الناس، ورمى على كناسة بني إسرائيل تسرح الهوام والحشرات في جسمه فكل ذلك قصص خرافة النقول الصحيحة. تخالفه العقول وتناقضه (١) قد زيفتها مما لا مزيد عليه في كتابي («السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة)) - جـ ١ ص ٣٧٥ - ٠٣٨٧ ٣٥٠ ومن المختلق الموضوع أيضاً ما روي في قصة السيدة زينب بنت جحش وزواج النبي بها وأن ذلك كان عن حب وهوى وفسروا قوله تعالى ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه(١)﴾ بأن المراد به حُبُّها وهي قصة مكذوبة رواتها معروفون بالكذب ورواية الغرائب والمناكير، والقرآن نفسه يكذب هذا فقد بين أن السبب في تزويج الله نبيه إياها هو ابطال ما تواضع عليه الناس في الجاهلية من إنزال زوجة الإبن المُتَبَنَّى منزلة زوجة الابن الصلبي في التحريم وصدق الله (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (١). وأيضاً فزينب بنت عمة النبي عَّه، وهو الذي زوجها من زيد وقد كان ذلك على كره منها، فلو كان يهواها - كما زعموا - لتزوجها ، ولا سيما أنه لم تكن هناك أية حوائل قط بل زينب كانت تتمنى ذلك لو أُرَاد النبي فالقصة تحمل في ثناياها دليل بطلانها، وإذا كانت القصة غير ثابتة من جهة النقل، ويستنكرها العقل، وما عرف عن النبي في تاريخه الطويل من العفة وطهارة الذيل، والترفع عن سفاسف الأمور يناقضها، فلم يبق إلا أنها من افتراءات الزنادقة، كي يشوهوا سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام(٢). ومن ذلك ما يذكره بعض المفسرين في بدء الخلق وأسرار الوجود ، وتعليل بعض الظواهر الكونية كالرعد والبرق، والزلازل ونحوها مما لا يشهد له عقل ولا نقل صحيح، ويصادم الحقائق العلمية المُسَلَّمة، فكل ذلك لا أصل له في الإسلام وإنما هو من صنع الزنادقة الخبثاء لكي يظهروا الإسلام بمظهر الدين المشتمل على ما يخالف الحقائق العلمية (١) سورة الأحزاب / ٣٧. (٢) قد زيفت كل ذلك وبينت حقيقة أمرها في كتابي ((الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير» فليرجع اليه من يشاء الوقوف على الرد. ٣٥١ تنفيراً للناس منه. ومن ذلك ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿نَ والقلم وما يسطرون﴾ بأنه الحوت الذي على ظهره الأرض وفي تفسير ﴿قَ﴾ من أنه جبل محيط بالدنيا والسماء واضعة أكنافها عليه وما ذكروه من أن الأرض على صخرة والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة فكل هذا واشباهه من خرافات بني اسرائيل وأباطيلهم دست على الإسلام زورا وقد امتلأت بعض كتب التفسير بمثل هذه الخرافات والإسرائيليات فلا تُلق إليها بالا واطرحها دبر أذنيك فإنها لا تساوي المداد الذي كتبت به .. ومعذرة أيها القارئ، إذا كنت لم أطل في الرد واستقراء هذه الأباطيل المبثوثة في كتب التفاسير والتواريخ والأدب وقد فصلت القول في هذا في كتابي (الوضع في الحديث)) ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين وأطنبت في الردود(١) من منذ ثلث قرن أو يزيد الموضوعات وكتب الفقة والأصول وكما اشتملت بعض كتب التفسير على الموضوعات اشتملت بعض كتب الفقه على أحاديث ضعيفة ومنكرة، وموضوعة ، ولما كان بعض الفقهاء ولا سيما المتأخرين منهم بضاعتهم في فن الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه قليلة، فقد اغتروا ببعض الأحاديث التي لا يصح الاحتجاج بها وأوردوها في كتبهم أضف إلى ذلك أنك قلما تجد في كتب المتأخرين من الفقهاء حديثا مذكورا بسنده كاملا وليتهم: إذا حذفوا الأسانيد عَزَوْا الأحاديث إلى مخرجيها مع بيان درحتها من الصحة أو الحسن أو الضعف. أما كتب المتقدمين والأئمة الكبار فلا تكاد تجد فيها موضوعا كما وأنها تحرص على ذكر الأحاديث بأسانيدها أو على الأقل (١) هو مخطوط وسيطبع عما قريب ان بشاء الله تعالى. ٣٥٢ عزوها وبيان درجتها من الصحة أو الضعف. ومن قبل أدرك أئمة الحديث ما في كتب الفقه من صحيح وغيره فألفوا كتب التخاريج (١) منهم الحافظ الزيلعي الحنفي المتوفى ٧٦٢ هـ، فقد ألف كتاب ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية )) وهي من كتب الحنفية والحافظ ابن حجر ألف كتابا سماه ((التلخيص الحبير، في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)) وهو من كتب الشافعية ومثل ذلك فعل بعض الأئمة في تخريج كتب الأصول فجزاهم الله خيراً. فمن ذلك حديث أخرجه الدارقطني عن سلمان قال: ((رآني رسول الله مَ اللّه وقد سال من أنفي الدم فقال: ((أحدث وضوءاً)) ففي سنده عمرو بن خالد الواسطي كان يضع الحديث (٢) وحديث أن النبيِ عَ لّه ((قاء ولم يتوضأ)» قال الزيلعي: غريب جداً، وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده، وحديث أن النبي مُ لّم قال: «تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم)» قال البخاري: حديث باطل وذكره ابن الجوزي في الموضوعات(٣) ومما وقع في كتب الأصول حديث: ((ما جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فخذوه وإن خالف فردوه )» وهو موضوع وضعته الزنادقة، وحديث ((حكمي على الواحد حكمي على الجماعة)) وهو بهذا اللفظ لا يعرف عند المحدثين وهو أقرب إلى قواعد الفقهاء(٤). والخلاصة أنه لا ينبغي لباحث أو مستدل أن يعتمد على كتب الفقه (١) التخريج. عز والاحاديث إلى من ذكرها في كتابه من الأئمة وبيان درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف . (٢) نصيب الراية جـ ١ ص ٠٤١ (٢) المرجع السابق ص ٢١٢. (٤) وإنما الحديث المعروف هو قوله عليه في مبايعة النساء: ((إنما قولي لأمرأة واحدة كقولي لمائة امرأة)» رواه النسائي. ٣٥٣ في الأحاديث إلا إذا عَزّاه إلى مخرجه أو بينت درجته من الصحة أو الحسن أو الضعف وقد ينفر من هذا بعض المقلدة ولكنه الحق الذي لا محيص عنه. ((الموضوع وكتب الوعظ، والتصوف، والأخلاق» وكذلك كتب الوعظ والتصوف والأخلاق ذكرت فيها بعض الأحاديث الضعاف والموضوعة ومن هذه (احياء علوم الدين)) للإمام الغزالي و((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي، و«غنية الطالبين)) للجيلاني ونحوها وكتاب الإحياء من أجل كتب الوعظ والأخلاق. والتربية لولا ما شابه من ذكر أحاديث ضعيفة وموضوعه ومما ذكر في هذا الكتاب من الموضوعات ما ذكره في فضل العقل وشرفه وأقسامه وقد حكم عليها النقاد بالوضع حتى قالوا: لم «يثبت في فضل العقل شيء)) وليس معنى هذا أن الإسلام لا يكرم العقل ولا يقر بشرفه. ولكن لا يكون ذلك عن طريق الكذب على الرسول عَ لّ وذكر كثيرا من الموضوعات والضعاف في أبواب صلوات أيام الاسبوع ولياليه قال الإمام العراقي: ((ليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء)) وفي الكتاب طامات وأحاديث باطلة كثيرة. وقد أحسن الإمام العراقي صنعا حينما خرج أحاديث الإحياء وبين صحيحها من ضعيفها ولذلك أنصح كل من يقرأ الإحياء ألا يعتمد على ما يذكره عن أحاديث، إلا بعد الإطلاع على تخريج العراقي، وإلا وقع في إثم الكذب وهو لا يشعر. وكتاب الغنية للجيلاني أشد خطراً من الإحياء، وكتاب ((قوت القلوب)) أقل الثلاثة موضوعاً، وكتاب:" ((تنبيه. الغافلين)» للسمر قندي: يجب الحذر مما فيه من موضوعات وإسرائيليات وكذا كتاب ((بستان العارفين)) له، ومما ينبغي الحذر منه كتاب ((نزهة المجالس )» فقد أفسد عقول العامة بما فيه من خرافات وأكاذيب، ولما ألف ٣٥٤ الصفوري هذا الكتاب عَارَضَه برهان الدين الناجي محدث دمشق، وبين كثرة ما فيه من موضوع وقد جمع منه رسالة وأرسلها إلى الإمام السيوطي بمصر فوافقه على كثير منها بالوضع والإختلاق. ومن الكتب التي وقع فيها الموضوع كتاب «عوارف المعارف»: للسهروردي المتوفى سنة ٦٣٢ هـ. فقد ذكر في فضل التواجد والرقص عند سماع الغناء ورمي الخرقة أحاديث مكذوبة قبح الله من وضعها، وله كتاب في ((صفة التصوف )» روى فيه مرويات باطلة، وقد أفتى الإمام النووي ببطلانها (١). ومن الكتب التي وقع فيها الموضوع كتاب «الحلية )) لأبي نعيم ومع أنه من الحفاظ فقد تساهل في ذكره أحاديث بأسانيدها من غير تنبيه على وضعها، ولعله ممن يرى أن ذكر السند يعفى من التَّبِعة. هذا وإني أرى لزاما علي في هذا المقام أن أسدي النصح - والدين النصيحة - لإخواننا الوعاظ والمرشدين والأئمة، والخطباء والمؤلفين والمحاضرين ان لا يعتمدوا على هذه الكتب وأشباهها في الثقة بالأحاديث والاعتماد عليها فيما ذكرته، ومؤلفوها مع جلالتهم إلا أنهم ليسوا من أئمة الحديث، الناقدين له، العارفين بصحيحه ومعلوله، وفي كتب السنن المعتمدة متسع، كالكتب الستة والموطأ، و((مسند)» الإمام أحمد، و((الترغيب والترهيب)) للمنذري و((رياض الصالحين)) للإمام النووي مع التحري والتخير من الكتب التي لم يلتزم مؤلفوها فيها الصحة، إنهم إن فعلوا ذلك فقد ارضوا الله ورسوله، ورفعوا منار الحق، وأزهقوا الباطل. (١) نذكر الموضوعات للفتني ص ١٩٨. ٣٥٥ الموضوع وكتب العلوم الأخرى ((كتب السير والمواليد والتاريخ)» ولا تخلو كتب العلوم الأخرى من موضوعات وإسرائيليات لا تمت إلى الإسلام، ولا تنبع منه وذلك ككتب السير والمناقب، وكتب التواريخ، وذلك كتاريخ ((الأمم والملوك)) للطبري وكتاب ((الكامل)) لابن الأثير، و((مروج الذهب)) للمسعودي، و((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي، فلا تفتر بكل ما يوجد فيها من أحاديث وقصص، وكذلك كتب السير والمواليد، قد دخلها التزيد والاختلاق، وقد سئل الإمام ابن حجر الهيثمي: هل تجوز قراءة سيرة (البكري))؟ فأجاب: لا تجوز قراءتها لأن غالبها باطل وكذب. وعلى هذا: فلا يصح الاعتماد على كتب السير والمواليد في الأحاديث إلا بعد التأكد من صحتها والبحث عنها. ((كتب علم الكلام والعقائد)» وكذلك كتب «علم الكلام والعقائد)) لا يعتمد عليها في الأحاديث فيجب البحث عنها، ومعرفة درجتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف قبل الاستدلال بها .. ۔۔ ((كتب النحو والقواعد)» وكذلك كتب النحو والقواعد كثيراً ما يذكرون كلمات على أنها أحاديث، ولا أصل لها ولا ثبوت، وذلك مثل ما يذكرونه في حروف الشرط وهو قول عمر (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه)) قال البهاء السبكي في ((عروس الأفراح)) لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعاً ولا موقوفا لا عن النبي ولا عن عمر وكذا قال: الزين العراقي، ومثل ما ذكره ابن هشام في المغني («أنا أفصح من ٣٥٦ نطق بالضاد بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر )) قال السيوطي نقلاً عن الحافظ ابن كثير: إنه لا أصل له. والتعبير بالضاد عن اللغة العربية مستحدث. (( كتب الأدب واللغة )) وكذلك كتب الأدب واللغة تذكر الكثير من الأحاديث بلا سند ولا تخريج فمن ذلك ما ذكره الجوهري في صحاحه من حديث ((إن القصيرة قد تطيل (أي تلد ولدا طويلا) وهو ليس بحديث وقد عده صاحب القاموس من أوهامه، وما ذكره صاحب مختار الصحاح في مادة ((عك)) وهو حديث ((طوبى لمن رأى عكة)) وهو لا أصل له عند المحدثين)). أما كتب الأدب القديمة فقد اسرفت في ذكر الأحاديث التي لا أصل لها وذلك مثل قصة قس بن ساعدة الأيادي وسماع النبي له وهو يخطب على جمل اورق وقد عدها ابن الجوزي في الموضوعات إذ في سندها محمد ابن الحَجَّاج اللخمي، كذاب خبيث أحاديثه موضوعه والكلبي وهو كذاب وأبو صالح وهو واه (١) وقد اغتر بهذه القصة ولم يتنبه لوضعها معظم المؤلفين في الأدب قديماً وحديثاً ولا تزال تدرس للطلاب في كلياتنا الجامعية ومعاهدنا العلمية. أقول: وهذه القصة رويت أيضاً من طرق أخرى، وبأسانيد لا يصل رجالها إلى درجة الكذب والوضع وترتفع بالقصة عن درجة الوضع. وقد أسرف صاحب (نهاية الأرب) في ذكر أحاديث موضوعه وقصصا اسرائيليا كثيرا مثل ما ذكره في فضل صخرة بيت المقدس وقد قال الحفاظ الناقدون: ((كل ما روي في صخرة بيت المقدس فهو موضوع مفترى ولم يصح في فضل بيت المقدس إلا ثلاثة أحاديث )). (١) اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة جـ ١ ص ٩٥. ٣٥٧ ومثل ما ذكره في فضيلة الزهد وبغض الدنيا وما ذكره في قصص الأنبياء والأمم السابقة ما نقله عن الثعلبي، وفيه من المبكر والإسرائيليات شيء كثير. وقصارى القول - بعد هذا المطاف في كتب العلوم أن المعول عليه في ثبوت الأحاديث والاحتجاج أو الاستشهاد بها هي كتب الأئمة. الحذاق الناقدين العارفين بالجرح والتعديل وبخاصة كتب الذين التزموا تخريج الأحاديث الصحاح، والحسان، أما كتب العلوم الأخرى فلا يعول عليها في هذا، بل فيها أحاديث ضعيفة، وموضوعة ، وإسرائيليات كثيرة يجب الحذر منها، وعدم روايتها إلا مقترنا ببيان حالها. ومعذرة مرة أخرى إذا كنت أوجزت في هذا الفصل فقد أطلت القول في كتابي الذي نبهت إليه آنفا . ((جهاد العلماء في مقاومة حركة الوضع وتنقية السنة والأحاديث )» لقد قيض الله سبحانه وتعالى لحفظ الأحاديث والسنن، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وجيدها من زائفها علماء كثيرين في كل عصر ومصر تجردوا وانقطعوا لهذا العمل الجليل، ومن يوم أن ظهرت حركة الوضع في الحديث، وهؤلاء العلماء في جهاد مستمر مضن في مقاومة هذه الموضوعات وتنقية السنة منها، ولما قيل لعبد الله بن المبارك:" هذه الأحاديث الموضوعة، قال: ((تعيش لها الجهابذة)) وذكر الذهبي في ((طبقات الحفاظ)) أن الرشيد أخذ زنديقاً ليقتله فقال: أين أنت من ألف حديث، وضعتها؟ فقال: أين أنت يا عدو الله من أبي اسحاق الفزاري(١) وابن المبارك (٢) ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا؟ وقال ابن (١) هو شيخ الاسلام إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي توفي سنة ١٨٥ أو ١٠،١٨٦ (٢) هو الإمام الحافظ المجاهد عبد الله بن المبارك المردزي ثقة ثبت عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال، : الخبر: توفي سنة إحدى وثمانين ومائة. ٣٥٨ المبارك: ((لو هم رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: كذاب)) ففي هذه النقول وغيرها ما يدل على يقظة أهل الحديث ورجاله للموضوعات، والعمل على إبطالها، وعلى تعقبهم الوضاعين، ورد كيدهم في نحرهم، وقد كان من فضل الله على الأمة الإسلامية أن رزقها من الحفاظ البارعين والنقاد البصيرين ما لا يحصون كثرة، وقد اتخذ جهاد المحدثين مظاهر شتى وأنواعاً متعددة. ١ - المبادرة بجمع الأحاديث وتدوينها تدوينا عاما في وقت مبكر وكان ذلك على رأس المائة الأولى في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقد كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفي سنة ١٢٠ هـ وإلى محمد بن شهاب الزهري المتوفي سنة ١٢٤ هـ وغيرهما من علماء الأمصار: أن انظروا ما كان من حديث رسول الله عَ لّ فاجمعوه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، فسارع العلماء إلى الإستجابة بدافع من دينهم، ووازع من أنفسهم، واقبلوا على الجمع إقبالا منقطع النظير، بحيث لم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت الأحاديث والسنن مجموعة في كتب الحديث المعتمدة مثل موطأ الإمام مالك؛ ومسند الإمام أحمد وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيح محمد بن اسحاق بن خزيمة، وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري، وغيرهما من الكتب، وقد أطنبت في هذا في كتابي ((اعلام المحدثين(١))) فليرجع إليه من يشاء الاستزادة وبهذا حالوا بين الوضاعين، وبين الإفساد في الأحاديث، وصارت كتب الحديث، ودواوينه المعتمدة مورداً للمجتهدين والمستدلين، ومرجعا لمعرفة الصحيح من الحسن، من الضعيف. : (١) من ص ١٨ - ٢٧ وقد مضى على تأليفه نحو عشرين عاما. ٣٥٩ ٢ - الجرح والتعديل: وقد صاحبت حركة الجمع تجريح الرواة وتعديلهم، وتشريحهم تشريحاً دقيقا لوجه الله والحقيقة، وقد كان للجرح. والتعديل أكبر الأثر في تنقية السنن والأحاديث مما عسى أن يعلق بها من الموضوعات، والإسرائيليات، وقد بلغ العلماء المحدثون في نقد الأسانيد مبلغاً لم تبلغ شأوه أمة من الأمم، وتركوا لنا في ذلك ثروة ضخمة في كتب الرجال منها ما هو في الثقات من الرواة، ومنها ما هو في الضعفاء، والوضاعين، ومنها ما هم فيما هو أعم منها. ومن هذه الكتب ((الضعفاء والمتروكون)) لابن حبان، و((الكامل)) لابن عدي، و ((الضعفاء)) للعقيلي، وكتب الطبقات، لطبقات ابن سعد، وتواريخ البخاري الثلاثة: الكبير، والأوسط ، والصغير، ومن عيون. الكتب ((ميزان الإعتدال)) للذهبي، و((لسان الميزان)) و(تهذيب التهذيب)) وهما للحافظ إبن حجر وغيرها كثير. وكذلك عنوا بنقد المتون عناية متئدة، متبصرة، فلم يُفَرِّطوا، أو يُفْرِطوا في نقدها، ووضعوا لنقد الأسانيد والمتون قواعد، وهي أرقى وأدق ما عرف الناقدون في القديم، والحديث، وقد اسهبت القول في هذا في مقدمة كتابي (أعلام المحدثين(١))) و((دفاع عن السنة)) فليرجع إليها من يشاء . وبهذا النقد الأصيل ميزوا بين الصحيح والمعلول والمقبول والمردود من الأسانيد والمتون.١ ٣ - كما اتخذ هذا الجهاد مظهراً آخر من مظاهر دفاع المحدثين عن الأحاديث وذلك عن طريق تأليف الكتب التي تنص فيها على الأحاديث الموضوعة ونقدها سندا ومتنا وهذه نوعان: «النوع الأول)»: كتب خاصة بالموضوعات وهي كثيرة منها: (١) أعلام المحدثين ص ٣٥ و((دفاع عن السنة)) من ص ٤٦ - ٥١. ٣٦٠