Indexed OCR Text
Pages 321-340
أما الألفاظ الدالة على الوضع كناية فمثل قولهم: هذا الحديث من بلايا فلان، أو سنده مظلم أو عليه ظلمات وهذه العبارات تكثر في ((الميزان)) للذهبي، و((لسان الميزان)) لابن حجر، وأما قولهم: هذا مطروح فمنهم من ألحقه بالموضوع، ومنهم من جعله دون الموضوع، ومنهم من جعله كالمتروك. حكم رواية الموضوع لا يحل رواية الموضوع في أي باب من الأبواب الا مقترنا ببيان وضعه سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام أو الفضائل أو الترغيب والترهيب والقصص والتواريخ ونحوها ومن رواه من غير بيان فقد باء بالإثم المبين، ودخل في عداد الكذابين والأصل في ذلك ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن رسول الله قال: ((من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين(١) )». وقد حكم كثير من علماء الحديث على من روى الموضوع من غير تنبيه إلى وضعه، وتحذير الناس منه، بالتعزير، والتأديب، قال أبو العباس السراج: شهدت محمد بن اسماعيل البخاري، ودُفع إليه كتاب من ابن كرام، يسأله عن أحاديث منها: حديث الزهري عن سالم عن أبيه(٢) مرفوعاً)» الايمان لا يزيد ولا ينقص)) فكتب محمد بن اسماعيل على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل، بل بالغ بعضهم فأحل دمه، قال يحيى بن معين لما ذكر له حديث سويد الأنباري ((من عشق وعف وكتم ثم مات - مات شهيداً)) قال: هو حلال الدم. (١) يروى بضم الياء وفتحها والكاذبين بصيغة المثنى أو الجمع فعلى فتح الياء يكون بمعنى يعلم، وعلى ضعها يكون بمعنى يظن فدل على أن من علم أو ظن أنه موضوع لا نحل له روايته، والمراد برواية (الكاذبين)) بالتثنية عن وضعه ومن اذاعه والمراد برواية ((الكاذبين)» بالجمع أي صار في عدادهم. (٢) هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ٣٢١ : وقد سئل ابن حجر الهيثمى عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة ، ويروي أحاديث، ولم يبين مُخَرِّجيها ودرجتها، فقال: ما ذكره من ... الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلف صاحبه. كذلك، وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يجل، ومن فعل عزر عليه التعزير الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء، فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا ان لتلك الأحاديث أصلا أم لا فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك. أقول: لا يزال بعض الخطباء الذين ليس لهم علم بالحديث: رواية ودراية على هذا ولا سيما الذين لا يزالون يخطبون من الدواوين، والذين: يهمهم استرضاء الجماهير فيذكرون لهم أحاديث في الترغيب، والترهيب، أغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين كان همهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات والتهاويل والعجائب، والإسلام منها بريء ، وما أحق هذه الفئة بأن يحال بينها وبين الخطابة والوعظ والتذكير وفي الأحاديث الصحاح، والحسان، غنية لمن يريد أن يرقق القلوب ويستولي على النفوس فليتق الله هؤلاء . ومن الحق في هذا المقام أن أقول: إن الكثيرين من الوعاظ والمرشدين والأئمة والخطباء، لهم من علمهم، ووعيهم الديني والثقافي ما يعصمهم من الوقوع في رواية الموضوعات، والقصص الباطلة، والإسرائيليات الزائفة، وتحري الصدق في رواية الأحاديث، وذكر الأقاصيص، وهو أثر من آثار النهضة العلمية التخصصية في الدراسات العليا في الأزهر الشريف. ولا سيما ((تخصص التفسير والحديث)) و«تخصص الدعوة والوعظ، والإرشاد)» مما يزيد عن نصف قرن. ٣٢٢ : : : ! : 1 : ! : ٠ : ((حرمة الكذب على رسول الله عربية)» لقد حرمت الشريعة الإسلامية الكذب وجعلته من أقبح الصفات وفي الكتاب الكريم والسنة المحمدية الأدلة المتكاثرة على ذلك. ولئن حرمت الشريعة الكذب بعامة فقد غلظت حرمة الكذب على رسول الله عَّ بخاصة لما فيه من الجناية على الدين بتشريع ما لم يأذن به. الله، ولم يصدر عن رسوله قال تعالى: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم (٢١) وقال: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة (١٢) وما الإفتراء على رسول الله عَ له إلا افتراء على الله، قال تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (٣)﴾ وقال رسول الله عَ ليه: ((إن كذبا على ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقد روي من طرق متكاثرة حتى قال العلماء إنه متواتر كما ذكرنا سابقا وفي معنى الكذب على النبي الكذب على الصحابة والتابعين ولا سيما فيما لا مجال للرأي فيه لأن له حكم المرفوع إلى النبي وكثير من الفقهاء يعتبر قولهم حجة في التشريع. ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى لأنها إنما أجيزت لعالم بالألفاظ عارف بمقاصدها خبير بما يغير المعاني فهي لم تخرج عن مدلول اللفظ الأصلي. حكم الكذب على رسول الله. جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا یکفر (١) سورة الانعام آية ١٤٤. (٢) سورة الزمر آية ٦٠. (٣) النجم ٤،٣. ٣٢٣ : فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه. وقال الإمام أبو محمد. الجويني - والد امام الحرمين - من أئمة الشافعة: يكفر من تعمد الكذب على رسول الله نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب وأنه هفوة من والده ووافق الجويني على هذه المقالة الإمام ناصر الدين ابن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: ((إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله (١)» فقد نفت الآية الايمان عمن يفتري الكذب على الله والكذب على الرسول كذب على الله أقول: لعلى مراد هؤلاء من استحل ذلك، أو أنهم قالوه على سبيل المبالغة في الزجر والتنفير منه لأن الأدلة المتكاثرة من القرآن والسنة على أن فاعل الكبيرة لا يكفر .. هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟. ولما الكذب على رسول الله عَ ◌ّ من إفساد في الشريعة وإبطال في الدين ذهب جمهور المحدثين إلى أن من كذب في حديث واحد فسِّقَ، وردت روايته، وبطل الاحتجاج بها وإن تاب وحسن توبته ومن هؤلاء احمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي والصيرفي والسمعاني (٢) وخالف في ذلك النووي فقال: والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها(٣)، ومذهب الجمهور أحوط للحديث وأبعد من الريبة في الرواية. أقسام الموضوع ١ - أن يضع الواضع كلاماً من عند نفسه، ينسبه إلى النبي عد له أو (١) النحل /٠١٠٥ . (٢) علوم الحديث لابن الصلاح ١٢٨. (٣) شرح النووي على صحيح منم جـ ١ ص ٧٠. : ٣٢٤ : إلى الصحابى مثال ما وضع على الرسول ((لو أحْسَن أحدكم ظنه بحجر لنفع)» وهو كذب باطل من صنع عباد الأوثان. ومثال ما وضع على الصحابى ما وضعته الرافضة على سيدنا علي رضي الله تعالى عنه - من أنه قال: ((لما غسلت النبي ◌َّ شربت من سرته ومحجن عينيه فورثت علم الأولين والآخرين ». ٢ - أن يأخذ الواضع كلاما لبعض الصحابة أو التابعين أو الحكماء أو ما يروي في الإسرائيليات(١) مثلا فينسبه إلى رسول الله ليروج وينال القبول. ومثال ما هو من قول الصحابة ما يروى من حديث («أحبب حببيك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما )) فالصحيح أنه من قول سيدنا علي رضي الله عنه. ومثال ما هو من قول التابعين ((كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل)) فهو من كلام الخليفة عمر بن عبد العزيز. ومثال ما هو من كلام الحكماء: ((المعدة بَيْت الداء والحمية رأس كل دواء)) فهو من قول الحارث بن كَلَدَة طبيب العرب. ومثال ما هو من الإسرائيليات ما روي «ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» قال ابن تيمية: هو من الإسرائيليات وليس له أصل معروف عن النبي. وقد نسب إلى الني عَ لّه وإلى الصحابة والتابعين كثير من الإسرائيليات في بدء الخلق والمعاد، وأخبار الأمم الماضية والكونيات وقصص الأنبياء وسأتعرض لشيء من ذلك فيما بعد. (١) الإسرائيليات: هي أقاويل بني اسرائيل التي تلقوها عن علمائهم وكتبهم وقد توسع فيها فأصبحت تطلق على ما دخل الحديث من معارف أهل الكتاب. ٣٢٥ متى نشأ الوضع في الحديث كان من أثر اتساع رقعة الإسلام دخول كثير من أبناء الأمم المغلوبة فيه ومنهم الفارسي ومنهم الرومي ومنهم الشامي ومنهم المصري، ومن هؤلاء المخلص ومنهم المنافق الذي يكن في نفسه الحقد على الإسلام وقد انتهز أعداء الإسلام والحاقدون عليه عهد السيد الحَيِيِّ عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - فبذروا البذور الأولى للفتنة فكان ابن سبأ اليهودي الخبيث يطوف في الأقاليم ويؤلب عليه الناس وقد أخْفى سمومه تحت ستار التشيع لعلي، وآل بيته، زاعما إنه وصي النبي (١) الأحق بالخلافة، بل ادعى الوهيتة وقد طارده عثمان كما طارده علي رضي الله عنهما، ومما يؤسف ان دعوته وجدت آذانا صاغية من المنحرفين على عثمان، وانتهى الأمر بقتل عثمان شهيداً وما كاد يتولى سيدنا على الخلافة حتى ناصبه أنصار عثمان العداوة من أول يوم واستفحلت الفتنة ووقعت حروب طاحنة أذكى أوارها السبئيون وأضرابهم، وظهرت طائفة أخرى هي الخوارج وكانت النهاية: ان أطاحت الفتنة بركن آخر من أركان الإسلام وهو سيدنا علي، وقد تمخضت الفتنة عن شيعة ينتصرون لسيدنا علي، وعثمانية ينتصرون لسيدنا عثمان، وخوارج يعادون الفريقين ومروانية ينتصرون لمعاوية، وبني أمية، وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا بعض آرائهم وأهوائهم بوضع الأحاديث، ومن ثم نرى أن نشأة الوضع بمعناه الظاهر الواضح كانت حوالي ستة اربعين من الهجرة، وكان ذلك في عصر صغار. الصحابة وكبار التابعين روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه قال: ((جاء هذا يعني بُشَيْر بن كعب إلى ابن عباس فجعل يحدثه فقال له ابن عباسٍ: عد لحديث كذا وكذا فعاد له فقال: ما أدري أعرفت حديثي (١) ونسبوا إلى النبي زوراً وكذباً أنه قال: ((لكل نبي وصي ووصبي عليٌّ)». ٣٢٦ كله وانكرت هذا أم انكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نُحَدث عن رسول الله إذ لم يكن يُكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه)) وابن عباس - رضي الله عنهما - توفي سنة ثمان وستين للهجرة وروي عن ابن سيرين (١) قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم )) رواهما مسلم في مقدمة صحيحه. ((عرض موجز لحركة الوضع في الحديث)) في عصر التابعين كثرت الرواية وانتشر الحديث ونشأ الكذب على رسول الله عَ لَّه وبعض الصحابة، وبعد أن كان الخلفاء يدعون إلى التحوط ، والتثبت في المرويات أضحى الملوك والأمراء في شغل عن ذلك بالملك والمنازعات، وقد اشتدت الخصومات بين الأحزاب السياسية في عهد الدولة الأموية، وجاءت الدولة العباسية فتقرب إليها ضعفاء الإيمان والمنافقون بالاختلاق في فضائلها، والحط من شأن أعدائها كما كان لنشأة الفرق الكلامية من معتزلة ومرجئة وغيرهما ومحاولة كل فرقة الانتصار لآرائهم أثر في تغذية حركة الوضع، وكان للقصاص وأضرابهم من المتصوفة أثرٌ أيضا في تغذية هذه الحركة، ووجدت أحداث أخرى استغلت للوضع كالشعوبية (٢) وفتنة خلق القرآن، واستمرت سوق الوضع إلى عصور متأخرة، فابن الجوزي يذكر لنا في كتبه ما كان يفعله قصاص زمانه ووعاظهم، وهذا هو الرتَن الهندي يدعي الصحبة في المائة السادسة ويضع الأحاديث المكذوبة، والشيخ اللكنوي الهندي يذكر أنه (١) ولد لسنتين من خلافة عثمان وتوفي سنة ١٠٠ هـ. (٢) الشعوبية: هم الذين يفضلون العجم على العرب، وقد نشأت في آخر العهد الأموي وقويت في عهد الدولة العباسية وفي القاموس «الشعوبي: بالضم محتقر أمر العرب وهم الشعوبية. ٣٢٧ اطلع على رسالة في تحريم ((التنباك)) وقد تذرع مؤلفها باختلاق الأحاديث مثل ((كل دخان حرام)) ومثل ((كل جوف يدخل الدخان فيه من أوراق السموم يخرج من الإيمان)) مما لا يشك المتأمل في وضعه ومهما يكن من شيء فقد ناهض أئمة الحديث وعلماء الأمة هذه الحركة من وقت مبكر وردوا كيد الوضاعين في نحورهم من عهد ابن عباس إلى: اليوم . . ولقد كان ظهور الوضع في الحديث من أهم الأسباب الحاملة للخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز على أمر علماء الأمصار بجمع السنن: والأحاديث وتدوينها كما ذكرنا وسنرى فيما بعد جهاد العلماء في حفظ الأحاديث وصيانتها عن التزيد والإختلاف تَمْييز الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود. الأسباب الحاملة على الوضع للوضع أسباب كثيرة وأغراض متعددة منها: ١ - الزندقة: ذلك أنه كانت هناك فئة أسلمت لم تؤمن إيمانا حقا بالإسلام لكنها آمنت بسلطانه ورأت أن لا سبيل لنيل الجاه والسلطان: إلا به فاعتنقته ظاهراً وظلت تخلص لدينها القديم ومن هؤلاء قوم كان لهم غرض أدق وأعمق من هذا فقد رأوا أنهم لا يستطيعون إفساد! العقيدة الإسلامية إلا بالانتساب إليها أولا حتى يؤمن جانبهم وبذلك. يسهل على النفوس الأخذ بقولهم ومن هؤلاء من بالغ في التلبيس، فانتسب إلى التشيع وحب آل البيت، وبذلك وجدوا تربة خصبة لنفث سمومهم وإلقاء ترهاتهم وتقبل ذلك منهم اغتراراً بظاهرهم وقد اتخذوا. من الوسائل لذلك وضع الأحاديث فوضعوا أحاديث يخالفها المحسوس أو! يناقضها المعقول أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها وإسفافها وإنما ينصبون المكيدة لِضعفاء الأحلام وأرقاء الدين حتى يقعوا في شك وربية ٣٢٨ : : : : : : ٠ : : : : فتتزلزل من نفوسهم عقيدة أن الإسلام تنزيل من حكيم عليم وذلك، مثل ما روي ((إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل وأجراها فعرفت فخلق نفسه منها )» قال ابن عساكر: هذا موضوع وضعه بعض الزنادقة ليشتع به على أهل الحديث في روايتهم المستحيل وهو ما يقطع ببطلانه عقلا وشرعا، ومن ذلك أيضا أحاديث لا تتفق والحقائق العلمية مثل: ((الباذنجان شفاء من كل داء)» او فيها دعوى إلى الإباحية مثل: ((النظر إلى الوجه الجميل عبادة)) وهذه وأمثالها مما لا يصدر قطعا عن العضوم عد اله ٢ - الخلافات السياسية: فالخلاف بين الشيعة والخوارج وبين الشيعة والعثمانية وبينهم وبين الأمويين والعباسيين، وبين الخوارج والأمويين كل ذلك كان من أسباب الوضع في الحديث، قال حماد بن سلمة: ((حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة(١) قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا، وقال مسيح بن الجهم التابعي: ((كان رجل منا في الأهواء مدة ثم صار إلى الجماعة فقال لنا: أنشدكم الله ألا تسمعوا من أحد من أهل الأهواء فإنا كنا نروي لكم الباطل ونحتسب الخير في إضلالكم. ٣ - التعصب للجنس والمكان: فوضعت أحاديث في تفضيل بعض القبائل على بعض وبعض الأجناس على بعض، وقد كان للشعوبية اثرها في هذا الباب فوضعوا أحاديث في مدح فارس واللغة الفارسية مثل ما روي زوراً، ((إن الله إذا غضب انزل الوحي بالعربية، وإذا رضي انزل الوحي بالفارسية )» كما وضعت الأحاديث في فضل العرب والعربية وذم الفارسية ومن ذلك ما وضع في فضائل بعض المدن وذم بعضها. وقد أسرف الوضاعون في هذا الباب(٢). (١) الرافضة: فرقة من غلاة الشيعة تستجير الطعن في الصحابة وتتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر. (٢) اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة جـ ١، ص ٢٣٨ وما بعدها. ٣٢٩ فلا تغتر بما يوجد في بعض كتب التاريخ من ذكر فضائل الشعوب. والبلدان ومثالها فإن معظم ذلك مما لا يثبت. ٤ - الخلافات الكلامية والفقهية: فقد انقسم علماء الأمة إلى أهل. سنة، ومعتزلة وجبرية، ومرجئة، واختلفوا في كثير من مسائل الكلام وفي الايمان وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول وعمل؟ وفي القرآن أهو مخلوق أم لا؟ وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا آراءهم بأحاديث يختلقونها تنص على الخلافات الدقيقة والآراء المستحدثة التي ليس من شأن الرسول الكريم التعرض لها ولا كانت البيئة يومئذ تدعو إليها مما يقطع معه المتأمل أنها كذب لا شك فيه وذلك مثل ما روي عن النبي ◌َّ انه قال: ( إن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص)) ومثل ما روي زوراً (كما لا ينفع مع الشرك شيء كذلك لا يضر مع الايمان شيء )) وإن أصبع الإرجاء لظاهرة في وضعه. وكذلك كانت الخلافات الفقهية من أسباب الوضع فوضعت أحاديث تشهد لبعض الفروع ليس عليها من نور النبوة شيء وإنما هي أقرب إلى قواعد الفقهاء وكلام العلماء كما وضعت أحاديث في فضل بعض الأئمة وذم بعضهم مثل ما روي كذبا ((سيكون من أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي وسيكون من أمتي رجل يقال له ابن إدريس هو أضر على امتي من إبليس)» ولا يشك مبتدىء في علم الحديث أن هذا موضوع مختلق فقبح الله واضعه، والإمام الشافعي من أعلام الإسلام وخلقا . دينا وعلما ، وعملا وفقها ٥ - قصد استهواء العامة: ومن هؤلاء الذين قصدوا هذا القصاصون ومن هؤلاء من كان يبتغي الشهرة والجاه، ومنهم من كان يقصد التعيش والإرتزاق، وقد كان القصاص في عهد الصحابة والخلافة ٣٣٠ ! i ٠ : : : : : : : ٠ الرشيدة يتحرون الصدق والحق روى ابن عساكر أن تميما الداري لما استأذن عمر رضي الله عنه في أن يقص في المسجد قال له: ما تقول؟ قال: ((أقرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر» ولكن لم يلبث الأمر على ذلك طويلا، فقد وجدت فئة من القصاص كان همها استمالة العامة بالمناكير والغرائب والأباطيل، وعن طريق هؤلاء ايضا دخلت على الإسلام إسرائيليات كثيرة، ومن صفاقات القصاص، وتَبَجُّحاتهم ما روي(١) انه صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بمسجد ((الرصافة)) فقام بين أيديهم قاص فقال: ((حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله عَ له: ((من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان وأخذ في قصة طويلة جدا من هذا القبيل )) فجعل احمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إليه فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت بهذا الا الساعة فلما انتهى أشار له يحيى فَجَاءَ متوهما نوالا فقال له يحيى: من حدثك بهذا؟ قال: ابن حنبل ويحيى بن معين فقال: انا يحيى وهذا احمد ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله مَ اللّه فإن كان ولا بد فعلى غيرنا، فقال الرجل القصاص: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققته الا الساعة فقال يحيى: وكيف؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل (١) لا أُكْتُمْك أيها القارىء اني في شك من أمر هذه القصة فإ مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من يرضون بأضعف الإيمان ولا يقال: لعلهما خافا من الغوغاء والعامة الذين يحبون أمثال هذا القاص ويدافعون عنه، فقد كانا ولا سيما الإمام احمد بالمكانة التي لا تجهل، ومثله كان مسموع الكلمة بين الناس، وموقفه من مسألة القول بخلق القرآن معروف يشهد له بالشجاعة الأدبية النادرة، فكان عليه أن يحول بينه وبين هذا المنكر، أو يُنَبِّه الناس إلى بطلان هذا على الأقل ولكن الرواية لم تذكر لنا شيئا من ذلك ولعلك معي في هذا الشك وإن كان التشكك لا يعود على أصل الفكرة بالنقض. وقد كتبت هذا من مند ربع قرن أو يزيد، تم لما قرأت كتاب ((منهج النقد في علوم الحديث)) وجدت مؤلفه الفاضل نقل عن الإمام الذهبي أن القصة باطلة، فحمدت الله على ذلك، وظهر لي أن شكّي كان في محله [أنظر منهج النقد ص ٢٨٩]. ٣٣١ غيركما؟ لقد كتبت عن ستة عشر احمد بن حنبل ويحيى بن معين !!. ٦ - قصد ترغيب الناس في فعل الخير: وممن كان يفعل ذلك قوم من جهلة الزهاد والمتصوفة استجازوا لأنفسهم الوضع في الترغيب والترهيب واحتسبوا الخير في الاضلال وهؤلاء أعظم الناس ضرراً، ومن مزاعمهم الباطلة في هذا أن هذا كذب له لا كذب عليه، وهو جهل منهم باللغة العربية ولحقيقة الكذب(١)، فكل ذلك كذب عليه، وقد تنبه. الأئمة النقاد إلى هؤلاء وأمثالهم فلم يأخذوا عنهم. بل حذروا الناس: من جهلهم وغفلتهم كما بينا في مبحث الرواية. ومن أمثلة ما وضع حسبة حديث عكرمة عن ابن عباس في فضائل سور القرآن، سُئل عنه واضعه نوح بن أبي مريم فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسنة!؟. وروى ابن حبان في ((الضعفاء)) عن ابن مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها، وكان غلاماً جليلا يتزهد وهجر شهوات الدنيا، وغُلقت اسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث(٢). ٧ - اتباع هوى الملوك والأمراء: فيضع الواحد حديثاً لتبرير ما يفعلون. ومن أمثلة ذلك ما روي عن غياث بن ابراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام فروى له عن النبي عد ◌ّ ((لا سبق إلا في نصل أو حافر أو بناح)) فراد في الحديث ((أو جناح)) إرضاء للمهدي وقد روي أنه قال له وهو خارج: أشهد أن قفاك قفا كذاب وأمر بذبح الحمام، وأما أصل الحديث فثابت من رواية أحمد وأصحاب السنن (١) الكذب: هو عدم مطابقة الأمر للواقع فسيان في كونه كَذبا أن يكون له أو عليه. (٢) تدريب الراوي، ص ١٨٤، ١٨٥: ٣٣٢ ۔۔ الأربعة بلفظ ((لا سبق إلا في نصل أو حافر)» أي التسابق في إصابة الهدف، أو إجراء الخيل، وذكر الخطيب في ترجمة أبي البَخْتَرِي الكذاب أنه دخل وهو قاض على الرشيد وهو يطير الحمام فقال له: هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال حدثني فلان وذكر سنداً إلى النبي أنه كان يطير الحمام، وقد زجره الرشيد على كذبه وقال له: أخرج عني لولا أنك من قريش لعزلتك. أقول: وغفر الله للرشيد فقرشيته لا تشفع في عدم عزله، وليته عزله ليكون مزدجراً لغيره. « الوضاعون)» الوضاعون أصناف متعددة فمنهم زنادقة، ومنهم أصحاب أهواء كالشيعة والخوارج، ومنهم قصاصون كأبي سعيد المدائني ، وزرعة القاضي، كان بالكوفة على عهد الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - ومنهم منزلفون للحكام، ومنهم متصوفة، كما ذكرنا في الفصل السابق. والوضاعون منهم كان ساذجاً، يضع أشياء إذا سمعها المبتديء في صنعة الحديث أدرك وضعها، ومنهم من كان خبيثاً ماكراً أحكم الكذب، وأجار الدس بحيث لا يعرف وضعه الا الجهابذة النقاد الذين تمرسوا في النقد، ولعل هذا هو بعض أسباب اختلاف الخفاظ في أحاديث بالحكم عليها بالوضع وعدمه فقد يخفى على أحدهم ما لا يخفى على الآخر وإليك بعضهم : ١ - أبان بن جعفر النميري: قال ابن حبان: وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث. ٢ - أحمد بن الصلت الحماني: قال ابن عدي: ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه. ٣٣٣ ٣ - أحمد بن عبد الله الجويباري: وضع احاديث تشهد للكرامية" يضرب المثل بكذبه . : ٤ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة هو الذي صنعها . ٥ - عبد القدوس بن حبيب عن عكرمة. قال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات. ٦ - محمد بن الحجاج اللخمي، وهو واضع حديث ((الهرية تشد الظهر ». ٧٠٠ - محمد بن شجاع الثلجي كان يضع الأحاديث في التشبيه وينسبها إلى أهل الحديث يثلبهم بها. ٨٠٠ - محمد بن مروان السدي الصغير معروف بالوضع في التفسير أما السدي الكبير فثقة. ٩ - نوح بن أبي مريم قيل: إنه كان جامعاً لكل شيء إلا الصدق وهو واضع حديث فضائل السور. ١٠ - وهب بن وهب القاضي وهو الذي وضع للرشيد حديث: ان النبي كان يطير الحمام ١١ - رتن الهندي كذاب دجال ظهر بعد الستمائة ببلاد الهند وادعى السماع من البي علّه ولرتن هذا نسخة موضوعة وقد تشكك الإمام الذهبي في وجود رتن هذا ورجح أنه شخصية خيالية وهو ما أميل إليه. والظاهر ان بعض الكذابين اتخذ من اسمه وسيلة لنشر (١) الكرامية: نسبة إلى محمد بنُ كَرَّام بتشديد الراء وقيل بتخفيفها وأَنْشدوا في هذا. الفقه فقه أبي حنيفة أوالدِّ . ويجوز في الكاف الفتح والكسر وهو رأس طائفة من المبتدعة. . بِنَ دينُ محمّد بن كِرَام ٣٣٤ : : : : ! : ترهاتة وأباطيله وهناك أناس غير ((رتن)» ادعوا الصحبة في عصور متأخرة عن عصر الرسول ويكذبهم في دعواهم الصحبة ما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله نح له قال - قبل موته بشهر - «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يبقي على ظهر الأرض ممن هو عليها اليوم أحد )). فهذا الحديث أصل في أن الصحبة لا تثبت بعد مائة وعشر من الهجرة وقد صدق الاستقراء هذا الخبر فما تأخر أحد من صحابة رسول الله عن هذا التاريخ، فلا تلق بالا إلى مثل هذه الدعاوي الكاذبة التي يصادمها النقل الصحيح ولا تتفق وسنة الله في الكون فما عهدنا في أعمار البشر مثل هذا الطول. أمارات الوضع للوضع أمارات وقرائن تدل عليه، بعضها تكون ظاهرة واضحة وبعضها لا يدركها إلا من تمرس في علم الحديث واكتسبه ملكة في النقد يميز بها بين ما يصح أن يصدر عن الرسول وما لا يصح، منها: ١ - اعتراف واضعه بوضعه: صراحة أو حكماً أما الأول فمثل ما روي عن نوح بن أبي مريم من اعترافه بوضع حديث فضائل السور. أما الثاني فمثاله أن يحدث بحديث عن شيخ ويسأل الراوي عن مولده فيذكر تاريخاً يعلم قطعا وفاة ذلك الشيخ قبله ولا يعرف ذلك الحديث الا عنده او أن يدعي سماع شيخ في بلد ويعلم قطعا أنه لم يدخله ومدار معرفة ذلك على التاريخ فمن ثم كان لتاريخ الرجال مكانة ممتازة في فن الحديث إذ به يعرف تاريخ مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، ولما ادعى مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار سأله الحافظ ابن حبان متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين قال: فإن هشاماً الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ٣٣٥ ۔۔ ومائتين ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن الحكم بالوضع يسبب الإقرار ليس قطعياً لجواز أن يكذب في هذا الإقرار نفسه، ومهما يكن فإقراره بسبب شكا راججا وظنا قويا بعَدَم ثبوت روايته فيتوقف في قبولها حتى تثبين حقيقة أمرها . ٢ - ركاكة اللفظ: بحيث يعلم العارف باللسان العربي الفصيح ان هذا لا يصدر من فصيح فضلا عن أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء سيدنا رسول الله عَ لّه ومحل ذلك - كما قال الحافظ ابن حجر - إن وقع التصريح بأنه من لفظ النبي، وربما تجتمع ركة اللفظ والمعنى فیکون أُدَل عَلَى المراد. وما لا يستنكر ان كل صاحب فن أدرى به من غيره والماهر في صنعته يعرف من عيوبها ما يخفى على غيره فالمحدثون لكثرة مزاولتهم للحديث وتذوقهم له تحصل لهم ملكة قوية يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي وما لا يجوز، ورحم الله الربيع خثيم(١) حيث يقول: ((إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره)) وقال ابو الفرج ابن الجوزي: ((الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم وينفر منه قلبه غالبا)) ولذلك كثيراً ما تجد في أقوال العلماء: ((هذا ما ينكره القلب)) أو ((لا تطمئن إليه النفس)) أو ((عليه ظلمات، أو متنه مظلم)» الى نحو ذلك. وذلك مثل ما روي ((أربع لا يشبعن من أربع: انثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر وأذن من خبر)» وهو كلام على اطلاقه باطل مع التأمل ومثل: ((إن الله ملكا من حجارة، يقال له عمارة، ينزل على حمار من حجارة كل يوم يسعر)) وهو ركيك لفظا ومعنى وما أشبهه (١) بضم الخاء وفتح الثاء المثلثة، وسكون الياء آخره ميم ابن عائذ بن عبد الله الثوري أبو يزيد الكوفي ثقة عابد مخضرم وتابعي جليل مات سنة احدى وقيل: ثلاث وستين. ٣٣٦ : : ٠ . : : ! : : : بسجع الكهان الذي نفر منه الرسول. ٣ - ركاكة المعنى: وإن لم يكن اللفظ ركيكا كأن يكون مخالفا للعقل ضرورة أو استدلالاً، ولا يمكن تأويله كالأخبار عن الجمع بين الضدين، أو النقيضين، أو نفي الصانع للكون وهو الله أو حدوثه، أو قدم العالم؛ لأنه لا يجوز ورود الشرع على خلاف مقتضى العقل، قال الإمام ابن الجوزي ((ما أحسن قول القائل ((: كل حديث رأيته تخالفه العقول وتباينه النقول وتناقضه الأصول فاعلم انه موضوع)) وذلك كأحاديث التشبيه والتجسيم ونحوها مثل ما روي زوار أن رسول الله قال: ((ليلة أسري بي إلى السماء رأيت ربي بيني وبينه حجاب من نار ورأيت كل شيء منه، حتى رأيت تاجا مخوصا من اللؤلؤ)) ومثل ((رأيت ربي بعرفات على جمل أحمر)) ومثل ما روي ((أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا وصلت عند المقام ركعتين، وهذا من تفاهات عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، وقد عرف بمثل هذه الغرائب، قال الإمام الشافعي ذكر رجل لمالك - يعني الإمام - حديثا منقطعاً فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح (١))). ومن ركاكة المعنى كون الكلام يدعو الى الإباحية، أي استباحة الدماء، والأعراض والأموال، وحقوق الإنسان أو يجيء على خلاف مقتضى الحكمة المتفق عليها بين ذوي العقول. ٤ - من القرائن اشتمال الحديث على المجازفات والمبالغات التي لا تصدر من عاقل حكيم، والتي تقلل من قيمة الأعمال العظيمة وتغري الناس على المعاصي وذلك بالإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو الوعد العظيم على الفعل اليسير وأكثر ما يوجد ذلك في حديث القصاص والمتصوفة، وذلك مثل ما روي كذبا ((من قال لا إله الا الله (١) تهذيب التهذيب جـ ٢ ص١٧٩. ٣٣٧ خلق الله تعالى طائراً له سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة. يستغفرون له )) ومثل ((من صلى الضحى كذا كذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبياً)) ونحو ذلك. ٥ - المخالفة للحس والمشاهدة حيث لا يقبل التأويل القريب المقبول وذلك مثل (الباذنجان شفاء من كل الداء)) فالحس والتجارب العلمية تكذب ذلك ومثل ((عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمعة وقدس فيه سبعون نبيا )» والظاهر أن واضعه عداس يريد ترويج سلعته، ومثل «لا يولد بعد المائة مولود الله فيه حاجة» وهو مخالف للمشاهدة والواقع وأغلب أئمة العلم والدين ولدوا بعد هذا التاريخ، ومثل ما روي كذبا ((إذا عَطِس الرجل عند الحديث فهو صدق)) وإنا لنشاهد العطاس والكذب يعمل عمله. ٦٠ - مخالفة الحديث لصريح القرآن أو السنة المتواترة، أو الصحيحة المسلمة، أو الإجماع، حيث لا يقبل التأويل القريب المقبول. ومن أمثلة المخالف للقرآن حديث ((ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة أبناء)» فإنّه معارض لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخزى(١)﴾ . . ومثال ما هو مخالف للسنة المتواترة ما روي - كديا - عن النبي ((إذا حدثتم بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أو لم أحدث وهو مُنَاقض لقول النبي «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». ومثال ما هو مخالف للسنة الثابتة المشهورة الأحاديث التي وضعت في مدح العزوبة فهي مخالفة لما ثبت عنهعَ ل قولا وفعلا، فقد تزوج (١) الأنعام / ١٦٤ . ٣٣٨ ورغب في الزواج وجعله من سنته. ومثال المخالف للإجماع حديث (من قضى صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فاتته في عصره إلى سبعين سنة)) فإن هذا وما شاكله باطل كذب لمخالفته للإجماع على أن شيئاً من العبادات لا يسقط فائتة سنة فضلاً عن سبعين سنة ولا تغتر بما يوجد من هذا وأمثاله في بعض كتب الفقه أو كتب الأوراد وكن منه على حذر شديد . ٧ - من الأمارات الدالة على الوضع ان يكون الحديث مخالفا لسنن الله الكونية وذلك مثل حديث «عُوْج بن عُوْق)) فإن فيه من طوله ثلاثة آلاف ذراع وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه ومثل ما ورد في صفة الجبارين العماليق من وصف أجسادهم وقوتهم وأن أحدهم جاء ليجني ثمار بستانه فوجد النقباء الإثني عشر فأخذهم في كمه، ومن ذلك المعمَّرون الذين ادعوا الصحبة في القرن الثالث وما بعده فكل ذلك خلاف سنن الله في الفطرة. ٨ - ومن القرائن ان يكون الحديث مشتملاً على سماجات وسفاسف يصان عنها الفضلاء فضلا عن سيد الأنبياء وذلك مثل ما روي - زوراً - عِن النبي عَ لَّ ((الديك الأبيض حبيبي وحبيب حبيبي جبريل)) ومثل ((اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجِنَّ عن صبيانكم)) ومثل ((الهريسة تشد الظهر)). ٩ - ومنها أن يكون الحديث في فضائل علي والراوي رافضي(١) أو في الإرجاء والراوي مرجىء (٢) أو في القدر والرواي قدري(٣) ولذلك (١) هم فرقة من غلاة الشيعة يرفضون أمامة الشيخين ويكفرونها وغيرهما من الصحابة. (٢) المرجئة: هم الذين يرجئون اي يؤخرون العمل عن الايمان ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة . (٣) القدرية: هم الذين يقولون بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية. ٣٣٩ أمثله كثيرة منها حديث عَلِيّ - رضي الله عنه - عبدت الله مع رسول قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين أو سبع)» وفي رواته. (حبة) وَاه في الحديث غال في الشيع وبهذا أعله العلماء وحكموا بوضعه. « آثار الوضع السيئة)) ١ - من آثار الوضع السيئة في الحديث أن ترعرعت في ظله فرق سياسية ومذهبيةٍ ما كان لها أن تقوم على قدميها لو لم يكن لها هذا السند من الأحاديث، فالشيعة لولا ما وضعوه لما كان لمذهبهم هذا الانتشار والبقاء، وكذا المرجئة، والقدرية، والخوارج؛ وأضرابهم، لولا ما وضع في تأييدهم لما لقيت مذاهبهم قبولا من الناس ولا سيما العامة الذين لا معرفة لهم بالأحاديث ونقدها . . ولا ننسى ما كان لقيام هذه المذاهب من أكبر الأثر في تفريق وحدة المسلمين وتمزيق شملهم ومعاداة بعضهم لبعض حتى ذهبت ريحهم وأضعفتهم أمام عدوهم، ولا يزال آثار ذلك باقية إلى اليوم وعلى ما بذل من التقريب بين المذاهب والآراء في القديم والحديث فقد عز توحيد الصفوف، وتعذر التوفيق وبقي الانقسام. ٢ - قد فتحت هذه الموضوعات لأعداء الدين من القساوسة والمتعصبين من المستشرقين منفذاً ينفذون منه إلى الطعن في الإسلام وفي رسوله، وجل اعتمادهم على الروايات الباطلة والاسرائيليات الزائفة التي ذكرها المفسرون والمؤرخون ومن على شاكلتهم: ممن ٠٣٤٠.