Indexed OCR Text

Pages 61-80

روى عن سعيد بن جبير أنه كان يكون مع ابن عباس فيسمع منه
الحديث فيكتبه في واسطة الرجل. فإذا نزل نسخه.
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد(١) عن أبيه قال: «كنا نكتب الحلال
والحرام. وكان ابن شهاب يكتب كل ما يسمع. فلما احتج إليه علمت
أنه أعلم الناس ».
وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه احترقت كتبه يوم الحرة في عهد
يزيد بن معاوية وكان يقول: ((لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي)» وطبعي
أنه كان في هذه الكتب الكثير من الحديث والتفسير والفقه ونحوها .
وروى مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن أبي مليكة: قال ((كتبت الى ابن
عباس أسأله أن يكتب لي كتاباً ويخفي عني فقال: وَلَدٌ ناصحٌ. أنا
أختار له الأمور اختيارا. وأخفي عنه قال: فدعا بقضاء عَلِيِّ فجعل
يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن
يكون ضل(٢) )».
التثبت في عهد الصحابة
وعلى سنة التثبت في الرواية التي أشار إليها القرآن. وحث عليها
النبي عَ له سار الخلفاء الراشدون المهديون. روى ابن شهاب عن
قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُوَرَّث. فقال
(( ما أجد لك في كتاب الله شيئاً. وما علمت أن رسول الله عَ لَّه ذكر لك
شيئاً)) ثم سأل الناس. فقام المغيرة بن شعبة فقال: ((سمعت رسول
الله ◌ُعَلِّ يعطيها السدس)» فقال له الصديق ((هل معك أحد)» فشهد محمد
ابن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه(٣).
(١) هو عبد الله بن ذكوان الأموي المعروف بأبي الزناد ثقة فقيه توفي سنة ثلاثين ومائة.
(٢) المراد إخفاء ما لو أظهر من الحديث لترتب عليه ( قيل وقال)» من النواضب والخوارج والرافضة
ونحوهم ومراده بقوله: ما قضي بهذا إلا أن يكون ضل انه لم يقض به لأنه لم يَضل وهو من الأساليب
البليغة في نفي الشيء.
(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي جـ ١ ص ٤.
٦١

وعلى هذه السنة سار الفاروق عمر - رضي الله عنه - فقد نهج
منهج الصديق في تثبته بل وزاد عليه. روى الجريري عن أبي نضرة عن
أبي سعيد الخُدْري أن أبا موسى - يعني الأشعري - سلم على عمر من
وراء الباب ثلاث مرات. فلم يؤذن له. فرجع. فأرسل عمر في إثره
فقال له: لم رجعت؟ قال سمعت رسول الله عَّم يقول: ((إذا سلم أحدكم
ثلاثا فلم يُجَب فليرجع)) قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك ..
فجاء أبو موسى منتقعاً لونه. ونحن جلوس. فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا.
وقال: هل سمعه أحد منكم؟ قلنا: كلنا سمعه. فأرسلوا معه رجلا حتى
أتى عمر فأخبره(١) وروى أنه قال لأبي موسى: ((إن كنت لأمينا على
حديث رسول الله عَ لَّه ولكني أردت أن أستثبت)) وقال عمر الفاروق:
((يحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع)» رواه مسلم في مقدمة
صحيحه(٢) وهذا أبو الحسن علي رضي الله عنه يقول: ((كنت إذا سمعت
من رسول اللّه عَّه حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني به. وكان إذا
حدثني غيره استخلفته فإذا حلف صدقته)) ويقول: «حدثوا الناس بما
يعرفون. ودعوا ما ينكرون. أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله)) ..
قال الإمام الذهبي: ((فقد زجر الإمام رضي الله عنه عن روايةٍ
المنكر وحث على التحديث بالمشهور وهذا أصل کبیر في الكف عن بث
الأشياء الواهية والمنكرة من الأحاديث في الفضائل، والعقائد:
والرقائق، ولا سبيل إلى معرفة هذا من هذا إلا بالإمعان في معرفة.
الرجال والله أعلم(٣))
وقد اتبع هذا المنهج أيضا سائر الصحابة المكثر منهم والمقل. فهذا :
عبد الله بن مسعود أقرب الناس من رسول الله عَّ هديا ودلا وسمتا
(١) المرجع السابق ص ٦.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١ ص ٧٥.
(٣) تذكرة الحفاظ ص ١٣.
٦٢

يقول: ((بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع)) رواه مسلم.
وهي دعوة صادقة؛ الى التثبت، فإن المرء اذا حدث بكل ما سمع فإنه
يقع في الكذب لا محالة اذ هو يسمع في العادة الصدق والكذب. فإذا
حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن. وقال ((ما أنت
بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم في
مقدمة صحيحه، وهو دعوة إلى تحري الصدق فيما ينقل وتخير ما يليق
بحال السامعين وهذا أسٌّ من أسس التربية الصحيحة التي سبق إليها
الإسلام وعمل بها الصحابة الأجلاء الكرام ..
ولم تكن مراجعة بعض الخلفاء وغيرهم لبعض الصحابة وطلبهم راويا
أو استحلافهم عند الرواية طعنا في عدالتهم ولا تكذيبا لهم. كما هرف
به بعض أعداء الإسلام الحاقدين على صحابة رسول الله معد لة ولكن ذلك
كان على سبيل التحوط للرواية. والتثبت من المرويات. ولتكون سنة
متبعة لمن يأتي بعدهم. وليس أدل على هذا من قول الفاروق - وهو من
هو في الجهر بالحق وعدم المداهنة - لسيدنا أبي موسى الأشعري ((إن
كنت لأمينا على حديث رسول الله عَّ ولكني أردت أن استثبت)) !!
فكيف يتقول متقول بعد هذا؟ !...
وكذلك لم يكن إكثار المكثرين من الصحابة في الرواية تساهلا في
المرويات. أو اختلافا من عند أنفسهم كما زعم بعض المتخرصين
بالباطل. وإنما كان ذلك لعوامل أخرى كطول العمر. والتفرغ للعلم
والرواية وقلة الاشتغال بأمور الدنيا. وسكنى الأمصار التي يقصدها
العلماء وطالبو الحديث ...
التثبت في عصر التابعين ومن بعدهم
وكذلك سار على سنة التثبت في الرواية والتدقيق فيها العلماء
٦٣

والأئمة من التابعين ومن جاء بعدهم فهذا هو ابن سيرين الإمام التابعي
الجليل الذي أخذ عن كثير من الصحابة يقول ((إن هذا العلم - أي علم
الحديث والرواية - دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكم)).
وهذا هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه أهل المدينة قال:
((أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس
من أهله )» رواه مسلم ..
وهذا هو الإمام عبد الرحمن بن مهدي يقول: «لا يكون الرجل إماما
يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع)) رواه مسلم. وهذا هو ابن وهب
الإمام المتفق على حفظه وإتقانه يقول: قال لي مالك - إمام دار
الهجرة - «إعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ولا يكون
إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع)) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ...
وكان الإمام مالك يقول: ((لقد أدركت في هذا المسجد - أي
النبوي - سبعين ممن يقول: قال فلان قال رسول الله عَ ◌ّه. ولو أن
أحدهم أؤتمن على بيت مال لكان أمينا عليه. ولكني ما أخذت عنهم.
لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن)) أي علم الحديث والرواية .. إلى غير
ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد. ونقد الرواية والتثبت
في الرواية. ولولا هذا لوجد الزنادقة. وأعداء الاسلام الفرصة سانحة
للإفساد في الدين. والإدخال في الأحاديث ما ليس منها ..
((تدوين الحديث تدوينا عاماً))
وأخذت الحياة العلمية في الازدياد. وکثر الراوون للأحاديث
والكاتبون له من التابعين. وفي أواخر عصر التابعين اتسعت رقعة
الإسلام. وانطوى تحت لوائه شعوب من كل جنس ولون. وفيهم المخلص
وغير المخلص. ومنهم من ذاب في الإسلام ظاهرا وباطنا ومنهم من
اندمج فيه ظاهرا، وجمل له العداوة باطناً.
٦٤٠

وكانت قد ظهرت الخلافات السياسية والمذهبية. والعصبيات
الجنسية وأطل الزنادقة وأعداء الإسلام برؤوسهم، ووجد هؤلاء
وأولئك مجالا لتأييد نحلهم ومذاهبهم وآرائهم وإرضاء أحقادهم فشرعوا
يضعون بعض الأحاديث لذلك حتى كاد الباطل أن يلتبس بالحق. وأن
يلبس الكذب ثوب الصدق.
((متى بدأ التدوين؟)»
فرأى الخليفة الراشد - عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه جمع
الأحاديث والسنن في الصحف. وأن تدون تدوينا عاما في الكتب حتى
لا يختلط الصحيح بالزائف. وحتى لا يضيع منها شيء يموت حفاظها .
فكتب الى عماله في الأمصار الإسلامية يأمرهم بذلك. وكتب بذلك أيضا
إلى العلماء المبرزين في الأقطار. وكان ذلك على رأس المائة الأولى (١).
روى الإمام مالك في الموطأ - رواية محمد بن الحسن أن عمر بن
عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمروبن حزم(٢) ((أن انظر ما
كان من حديث رسول الله عَ لّه أو سننه أو حديث عمر أو نحو هذا
فاكتبه. فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأوصاه أن يكتب ما
عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية. والقاسم بن محمد بن أبي بكر ))
ورواه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا فقال: ((وكتب عمر بن
عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم : - رضي الله عنهما: أن انظر ما كان
عندك - أي في بلدك - من حديث رسول الله عَّ فاكتبه. فإني
خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي عَّ
(١) كانت خلافته من سنة ٩٩ إلى ١٠١ هـ.
(٢) قد ينسب إلى جد أبيه كما في رواية البخاري. ولجده عمرو صحبة. ولأبيه رؤية - وهو فقيه تابعي
استعمله عمر بن عبد العزيز على المدينة. وولاء قضاءها. توفي سنة (١٢٠ هـ). وقد روى عن بعض
الصحابة وعن حالته عمرة. وعن خالدة بنت أنى ولها صحبة. قال الإمام مالك «لم يكن احد بالمدينة
عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم » ولا يعرف له اسم غير أبي بكر. وقيل اسمه أبو
بكر وكنيته أبو محمد .
٦٥

ولتُفشِوا العلم. ولتجلسوا حتى يُعلّم من لا يعلم. فإن العلم لا يهلك حتى ..
يكون سرا(١))). أي خفية - يعني أن كتمان العلم يؤدي إلى ذهابه
و هلكته .
: وزواه موصولا بسنده. ولكن إلى قول ((ذهاب العلماء(٢))) وأخرج
أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» بسنده عن عمر بن عبد العزيز - رضي
الله عنه ((أنه كتب الى علماء الآفاق: ((انظروا الى حديث رسول
الله عَ لَّه فاجمعوه)» ..
وممن كتب إليه الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني أحد
الأئمة وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة هجرية.
وقد صادف هذا الأمر من الخليفة الراشد هوى في نفوس العلماء والولاة
أمثال أبي بكربن حزم والزهري وسعيد بن أبي عروبة. والربيع بن
صبيح وغيرهم. وكانوا يصنفون كل باب على حدة .. فقاموا بما ندبوا
إليه خير قيام. وأقبلوا على جمع الأحاديث والسنن وتجميعها وتمييز
صحيحها من سقيمها. ومقبولها من مردودها. ولا سيما أنه لم يعد من
السلف من كان يتحرج من الكتابة. فقد ارتفع الخلاف الذي کان اولا.
واستقر الأمر. وانعقد الإجماع على جواز كتابة الأحاديث بل على
استحبابها: بل على وجوبها على من يتعين عليه تبليغ العلم والأحكام ولا
تلتفت إلى تشكيك المستشرقين في هذا وزعمهم أنه عَ ◌ّ أمر بعدم
الكتابة. ولكن لعَلَّهم لم يأتمروا به !! ولا تلتفت أيضاً إلى من تابعهم في
هذا من الكتاب المعاصرين(٣) فقد قام شاهد العيان على أنهم نفذوا ما
(١). صحيح البخاري - كتاب العلم - باب كيف يقبض العلم.
(٢) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب كيف يقبض العلم - أما ما بعد ذلك فيحتمل أن يكون من:
كلام عمر بن عبد العزيز. ولكن لم يدخل في هذه الرواية الموصولة. ويحتمل أن يكون من كلام
البخاري أورده عقيب كلام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه. وبه صرح أبو نعيم في المستخرج .. عمدة
القارىء جـ ١ ص ٥٢٧ أط عثانية، وانظر فتح الباري جـ ١ ص ١٩٤، ١٩٥.
(٢) ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين جـ ٢ ص ١٠٦.

أمروا به. وأنهم كانوا مهيئين لذلك غاية التهيؤ. وسترى عن كثب ما
تمخض عنه هذا الأمر الرشيد من الخليفة الراشد من خير عَمِيم وجمع كثير (١).
التدوين في القرن الثاني)» ١٠٠ - ٢٠٠ هـ
ثم شاع التدوين في الطبقة (٢) التي تلى طبقة الزهري. وأبي بكر بن
حزم فألف الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩ هـ بالمدينة
كتابه ((الموطأ)» توخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه
بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
وألف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة
١٥٠ هـ بمكة.
وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي المتوفى سنة ١٥٦ بالشام.
وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ بالكوفة.
وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار المتوفى سنة ١٧٦ هـ بالبصرة
ومعمر بن راشد المتوفى سنة ١٥٣ باليمن.
وهُشيم بن بشير السلمى الواسطي المتوفى سنة ١٨٨ بواسط .
وجرير بن عبد الحميد المتوفى سنة ١٨٨ بالري.
وعبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ بخراسان.
ثم تلاهم كثيرون من أهل عصرهم في النسج على منوالهم (٣). ومن ثم
نجد أنه ما من مصر من الأمصار الإسلامية ألا وقد جمع الأحاديث فيه
إمام أو أمة. وكانت طريقة هؤلاء في التأليف مزج أحاديث النبي عد ◌ّة
بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم، والأثر الباقي من كتب
هذا القرن هو الموطأ قال الحافظ ابن حجر: ((إن ما ذكر إنما هو بالنسبة
(١) انظر كتابنا ((دفاع عن النة)) ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصر ص ٢٣٨.
(٢) الطبقة في اصطلاح المحدثين: الجماعة الذين اشتركوا في التقارب في الن ولقاء الشيوخ.
(٣) مقدمة فتح الباري المعروفة بهدي الساري ص ٦.
٦٧

الى الجمع في الأبواب. وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد
سبق إليه الشعبي فإنه روى عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم.
وساق فيه أحاديث(١).
: ((إفراد حديث رسول الله عَّ عن غيره))
عن
المانيد: ثم رأى بعض الأئمة أن يفرد حديث رسول الله حملته
غيره. وكان ذلك على رأس المائتين فألفوا فيه ما يعرف بالمسانيد (٢)
فألف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي المتوفى سنة ثلاث عشرة
ومائتين مسندا .
وألف مسدد بن مسرهد البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين
مسندا.
وألف أسد بن موسى الأمور المتوفى سنة اثني عشرة ومائتين مسندا.
وألف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر المتوفى سنة ثمان وعشرين
ومائتين مبتدأ .
ثم اقتفى الأئمة أثرهم. فقل إمام من أئمة الحديث إلا رتَّب حديثه
على المسانيد.
وذلك كالإمام الجليل أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ احدى
وأربعين ومائتين.
:
والإمام اسحاق بن ابراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية المتوفى سنة.
ثمان وثلاثين ومائتين والإمام عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٧٩ هـ تسع
وسبعين ومائتين وغيرهم من النبلاء ...
ومنهم من ألف على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي
(١) التدريب ص ٤٠.
(٢) المسانيد جمع مند. وهي الكتب التي تؤلف على حسب الصحابة فتذكر أحاديث أبي بكر على حدة.
وحديث عمر وهكذا من غير ملاحظة لوحدة الموضوع فحديث في الصلاة بجانب حديث في الزكاة، أو
في البيوع مثلا. ثم من أصحاب المانيد من يرتبهم على حسب الفصل. ومنهم من يرتبهم على حسب
حروف المعجم، ومن من يرتبهم على حسب القبائل.
٦٨

شيبة (١) المتوفى سنة ٢٣٠ هـ.
((التأليف في القرن الثالث) ٢٠٠ - ٣٠٠ هـ
ويعتبر القرن الثالث الهجري أخصب القرون بالنسبة لتدوين السنة
وأزهاها ففيه ظهر أصحاب الكتب الستة المشهورة التي تعتبر أهم
دواوين السنة وكتبها وأوفاها وأشملها للأحاديث النبوية. إذ إن هذه
الدواوين لم تدع من الأحاديث إلا القليل الذي تداركه من جاء بعدهم
من الأئمة.
وفيه ظهر كبار أئمة الحديث في الحفظ والرواية والنقد والتعديل
والتجريح والعلم بتواريخ الرجال. وعلل الأحاديث ولا سيما أصحاب
الصحاح.
وقد نهج التأليف في هذا القرن منهج التأليف على الأبواب الفقهية.
فيبدأون بالطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم المعاملات
والحدود والخبائيات وهكذا. ومن هؤلاء من اقتصر على الأحكام.
ومنهم من لم يقتصر على ذلك فعرض للوحي وللعلم وللتفسير وللمغازي
والسير وذلك كما فعل البخاري ومسلم ..
ثم إن منهم من التزم تخريج الصحيح فحسب في كتابه وذلك
كصاحبي الصحيحين وهما:
١ - الإمام أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة
الجعفي البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ. ست وخمسين ومائتين.
٢ - والإمام أبو الحُسَين مسلم بن الحجاج القشيري المتوفى سنة
٢٦١ هـ احدى وستين ومائتين .
ومنهم من لم يلتزم الصحة. فذكر في كتابه الصحيح والحسن
والضعيف وقد تفاوت كتبهم في المنزلة بحسب تفاوتهم في العلم والمعرفة
وذلك كأصحاب السنن الأربعة وهم:
(١) اسمه عبد الله بن محمد بن ابراهيم وهو الملقب بأبي شيبة. وعثمان وأبو بكر أخوان نسبا إلى جدهما وهما
· حافظان جليلان وكان أبو بكر أجل من عثمان وأحفظ.
٦٩

١ - الإمام أبو داود سليمان بن الأشعت السجستاني المتوفى سنة
٢٧٥ هـ خمس وسبعين ومائتين.
٢ - الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة
٢٧٩ هـ تسع وسبعين ومائتين.
٣ - الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة
٣١٥ هـ خمس عشرة وثلاثمائة.
٤ - أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني المتوفى سنة
٢٧٣ هـ ثلاث وسبعين ومائتين.
۔۔۔
وهناك غير هؤلاء الأئمة الستة أئمة كثيرون ظهروا في هذا القرن :
الثالث ..
فلا عجب أن كان هذا القرن يعتبر العصر الذهبي لتدوين السنة ..
((التدوين في القرن الرابع ٣٠٠ - ٤٠٠ هـ)
ذكرنا آنفا أن القرن الثالث كان أزهى عصور جمع السنة ونقد
رواتها كما نبغ فيه الأئمة الكبار الذين أوفوا في الجمع على الغاية. وفي
خدمة السنة والذين برعوا في العلم بالرجال، وعلم العلل. وأنهم لم يدعوا
من الأحاديث المعروفة الثابتة إلا قليلا.
وكل من جاء بعد هذا القرن فهم عيال عليهم يَجْمع ما جمعوا.
ويعتمد في النقد على بما نقدوا.
وقد استدرك أهل هذا القرن الرابع على أهل القرن الثالث ما
فاتهم وأكملوا الصرح الشامخ الذي أسسوه وبنوه بحيث لم ينته هذا
القرن حتى كادت الأحاديث تكون قد جمعت كلها ودونت، كما عُنِيَ
بعضهم بالاستدراك عليهم في نقد الرجال وتعليل الأحاديث.
٧٠

أشهر الكتب المؤلفة في هذا القرن
١ - المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، للإمام سليمان بن
احمد الطبراني المتوفي سنة ٣٦٠ هـ رتب في الكبير الصحابة على حروف
المعجم. وهو مشتمل على نحو خمسمائة وعشرين ألف حديث. ورتب في
الأوسط والصغير شيوخه على الحروف أيضاً ...
١ - صحيح الإمام الكبير محمد بن اسحاق بن خزيمة المتوفى سنة
٣١١ هـ احدى عشرة وثلاثمائة.
٢ - صحيح أبي عوانة يعقوب بن إسحاق المتوفى سنة ٣١٦ هـ ست
عشرة وثلاثمائة .
٣ - مصنف الطحاوي الفقيه الحنفي الحدث المتوفى سنة ٣٢١ هـ
احدى وعشرين وثلاثمائة.
٤ - المنتقى لقاسم بن أصبغ محدث الأندلس المتوفى سنة ٣٤٠ هـ
أربعين وثلاثمائة .
٥ - الصحيح المنتقى لابن السكن سعيد بن عثمان البغدادي المتوفى
سنة ٣٥٣ هـ ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
٦ - صحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستى المتوفى سنة ٣٥٤ هـ
أربع وخمسين وثلاثمائة.
٧ - سُنَن الإمام أبي الحسن الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ خمس
وثمانين وثلاثمائة .
٨ - مستدرك الإمام أبي عبد الله الحاكم المتوفى سنة ٤٠٥ هـ خمس
وأربعمائة(١) وغيرهم كثير.
(١) لقد ترجمت لهؤلاء في كتابي ((أعلام الحدثين)) وكتبت عن هذه الكتب في ((الوسيط)) هذا.
٧١

التأليف بعد القرن الرابع
دور الترتيب والتهذيب:
أما من جاء بعد القرن الرابع فقد كان طريقة مؤلفيها أنهم يهذبون
كتب المتقدمين، أو يرتبونها، أو يجمعون ما تشتت منها في كتب متفرقة.
في كتاب واحد، أو يختصرون الأسانيد والمتون أو يتكلمون في رجالها ،
أو يبينون غريبها، أو يشرحون متونها، أو يجمعون الأحاديث المتعلقة.
بالأحكام، أو بالترغيب والترهيب في كتب مستقلة، أو يخرجون
أحاديث بعض كتب الفقه والتفسير والوعظ واللغة ونحوها ومما ينبغي!
أن يعلم أننا حينما نحكم على قرن بحكم فإنما نريد الغالب والكثير لا
النادر والقليل. فلا يشكلن عليك أن فيمن كان قبل ذلك من هذب
ورتب. وأن فيمن وجد بعد هذا من اجتهد واستقل في معرفة
التصحيح والتحسين والتضعيف ونقد الرجال ..
أشهر الكتب المؤلفة في هذا الدور: ((دور التهذيب))
١٠ - الجمع بين الصحيحين: جمع كثير من العلماء بين صحيحي
البخاري ومسلم. ومن هؤلاء محمد بن أبي نصر الحميدي الأندلسي (المتوفى
سنة ٤٨٨). والحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة ٥١٦ هـ وأبو محمد
الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ وغيرهم.
ب - الجمع بين الكتب الستة: الصحيحان والسنن الأربعة. وبعض
العلماء يجعل الموطأ سادسهم بدل سنن ابن ماجة. وذلك كما فعل رزين
العبدري وتابعه ابن الأثير. وقد جمع بينها الإمام عبد الحق بن عبد
الرحمن الإشبيلي السالف الذكر. وأبو الحسن رزين (١) بن معاوية العبدري
السرقسطي (المتوفى سنة ٥٣٥) لكن لم يحسن في ترتيبه وتهذيبه وترك
(١): بالتكبير بفتح الراء وكسر الزين ..
٧٢
:

بعضاً من أحاديثها إلى أن جاء الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد
المعروف بأبن الأثير الجزري الشافعي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ فهذب كتابه
ورتب أبوابه . وأضاف اليه ما أسقطه من الأصول. وشرح غريبه؛ وبين
مشكل إعرابه. وما خفي معناه. واكتفى بذكر راوي الحديث من
صحابي أو تابعي وسماه: ((جامع الأصول الى أحاديث الرسول ، وقد
اختصره كثيرون منهم الإمام عبد الرحمن بن علي المشهور بابن الدَّيْبَع
الشيباني الزبيدي (المتوفى سنة ٩٤٤ هـ) وسمى كتابه «تيسير الوصول
.إلى أحاديث جامع الأصول )»
ح - الجوامع العامة وهي كثيرة منها:
١ - مصابيح السنة: للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد
المعروف بالفرَّاء نسبة لعمل الفراء وبيعها، وهي جمع فرو تدبغ، وتخاط ،
وتلبس. البغوي نسبة إلى بغشور على غير قياس، ويقال ((بغى)» بلدة من
بلاد خراسان الفقيه الشافعي الحدث المفسر الصالح المتعبد الناسك
الرباني المتوفى بمرو في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة صاحب التصانيف
الكثيرة التي منها التفسير المعروف و((شرح السنة)) جمع في المصابيح
أربعة آلاف وأربعمائة وأربعا وثمانين حديثاً من الصحاح والحِسَان، وأراد
بالصحاح ما أُخْرِجه صاحبا الصحيحين، و((بالحسان)) ما أخرجه
أصحاب السُّن(١)، وما كان فيها من ضعيف أو غريب بينه، وتحاشى ما
كان منكراً أو موضوعاً.
٢ - ((جامع المسانيد، والألقاب)) للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن
الجوزي المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٥٩٧) هـ جمع فيه بين
الصحيحين، ومسند الإمام احمد، وجامع الترمذي.
(١) وقد انتقد هذا بأن كتب السنن فيها الصحيح والحسن والضعيف فمزجه بين صحيح هذه السنن
وجينها من غير تمييز غير سديد.
٧٣

٣ - ((الهدى والسُّنَن في أحاديث المسانيد والسنن)) وهو المعروف
بـ((جامع المسانيد)) للإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن الشيخ أبي.
حفص عمر بن كثير القرشي الدمشقي النشأة والحياة المعروف بأبي
الفداء المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة.
جمع فيه الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، والبزار، وأبي يعلى،
وابن أبي شيبة، ورتبه على الأبواب الفقهية.
٤ - «مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد)» للحافظ أبي الحسن علي بن
أبي بكر بن سليمان الشافعي الهيثمي المتوفى سنة سبع وثمانمائة هـ (٨٠٧)
جمع فيه زوائد مسانيد أحمد، وأبي يعلى، والبزار، ومعاجم الطبراني
الثلاثة .
٥ - ((جَمْع الجوامع (١))) للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي
بكر الأسيوطي المتوفى سنة احدى عشرة وتسعمائة هـ جمع فيه بين
الكتب الستة وغيرها.
قال الشيخ العلامة عبد الرءوف المناوي: إنه مات قبل أن يتمه،
وقد اشتمل على بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
٦ - وقد اختصره السيوطي في كتابه ((الجامع الصغير)) وقد أخذ
على نفسه ان لا يذكر فيه الأحاديث الموضوعة، والضعيفة المتهالكة،
ولكن الكتاب لم يخل منهما، وقد شرحه العلامة المناوي ونبه إلى ما فيه
من موضوع وضعيف شديد الضعف والكتاب وشرحه مطبوعان.
« كتب جامعة لأحاديث الأحكام)»
١ - ((السنن الكبرى» للإمام أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة
(١) وقد قام بطبع هذا الكتاب مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف لكنه لم يتم طبعه.
٧٤

ثمان وخمسين وأربعمائة (٤٥٨) هـ قال فيه ابن الصلاح: ((ماثم كتاب في
السنة أجمع للأدلة من كتاب ((السنن الكبرى)» للبيهقي، وكأنه لم يترك
في سائر أقطار الأرض حديثاً الا وقد وضعه فيه)) وله أيضاً( السنن
الصغرى )» قيل، ثم يؤلف في الاسلام مثلهما.
٢ - ((عمدة الأحكام)) للإمام الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد
المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ستمائة هـ(٦٠٠) جمع فيه أحاديث الأحكام
التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وقد شرحه بإيجاز الشيخ العلامة ابن
دقيق العيد .
٣ - ((منتقى الأخبار)) في أحاديث الأحكام للإمام الحافظ مجد
الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية
الحنبلي المتوفى سنة اثنين وخمسين وستمائة، وهو جد شيخ الإسلام
تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية.
انتقاه من الصحيحين، ومسند الإمام احمد، والسنن الأربعة، وهو
كتاب حسن وقيم، لولا أنه يغفل في كثير من الأحاديث بيان التصحيح
والتضعيف .
وقد استكمل هذا النقص العالم المجتهد محمد بن علي الشوكاني المتوفى
سنة ١٢٥٠ هـ في كتابه «نيل الأوطار)» الذي شرح به المنتقى.
٤ - الإمام في أحاديث الأحكام ومختصره الالمام في أحاديث
الأحكام كلاهما للإمام محمد بن علي بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ
جمع فيه الأحاديث المتعلقة بالأحكام ثم شرح بعضا من المختصر شرحا
وافيا شافيا وسماه «الإمام في شرح الإلمام)» قال الذهبي: ولو كمل لجاء
في خمسة عشر مجدداً ..
٥٠ - ((بلوغ المرام من أدلة الأحكام)) لِلْحَافظ شيخ الإسلام
٧٥

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ وقد شرحه كثيرون ..
منهم الشيخ الأمير محمد بن اسماعيل الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢ هـ في:
كتابه «سُبُل السَّلام».
((كتب أحاديث المواعظ والآداب والأخلاق)»
وهي كثيرة منها :
١ - الترغيب والترهيب للإمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد
القوى المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ وهو سفر قيم يسعف الخطباء والأئمة
ورجال الوعظ والإرشاد والباحثين والدارسين بما يريدون. جمعه من
الكتب المشهورة مع التنصيص على درجة الأحاديث. وهو يعتبر أجمع
الكتب في هذا المضمار ..
٢ - رياض الصالحين. للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف
النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ وهو كتاب قيم في باب الأخلاق والمواعظ .
وبيان الفضائل والرذائل. يذكر في كل باب ما ورد فيه من الآيات
القرآنية. ثم يعقب بالأحاديث النبوية مع بيان درجتها وشرح غريبها.
وتوضيح مشكلها: وهذان الكتابان كافيان لمن يريد أن يكون على علم
بمتون الأحاديث ودرجتها. والوصول الى ذلك من غير عناء وتعب.
((الجمع والنقد سارا جنبا إلى جنب)»
وقد التزم الجامعون للسنة والأحاديث غاية التحري والتّثَبُت في
الرواية واجتهدوا غاية وسعهم في التصحيح والتحسين والتضعيف.
ونقدوا الرواة والمرويات. واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل. فكانوا
يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل وسلوكه الشخصي مما
يؤثر في عدالته عند أئمة هذا العلم. فإذا اشتبهوا في صدقه وعلموا أنه
كذب في شيء من كلامه رفضوا روايته وسموا حديثه ((متروكا)) وان لم
٧٦

يعرف عنه الكذب في رواية الحديث مع علمهم بأنه قد يصدق
الكذوب، وهذا غاية الاحتياط في الرواية ، وكذلك استوثقوا من
حفظ كل راو وذلك بمقارنة رواياته بعضها ببعض. وبروايات غيره.
فإن وجدوا خطأه أكثر من صوابه ضعفوا روايته وردوها. وإن كان لا
مطعن عليه في شخصه ولا في عدالته، وذلك خشية أن تكون روايته مما
خانه فيها الحفظ او غلبه السهو ..
((العناية بنقد الأسانيد والمتون)»
وقد أوفى المحدثون في نقد الأسانيد - النقد الخارجي - على
الغاية ولم يدعوا زيادة لمستزيد اللهم الا ما جد من المباحث النفسية
التي تعين الناقد على النقد. وكذلك عنوا بنقد المتن - النقد
الداخلي - فحكموا على الحديث بالوضع أو النكارة اذا خالف العقل
او الحِسَّ او القرآن أو السنة المشهورة ولم يمكن التوفيق أو التأويل
تأويلا مقبولا. ومن كلامهم في هذا:
((إذا رأيت الحديث - يباين المعقول. أو يخالف المنقول ، أو
يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع)) ومعنى مناقضته للأصول ان يكون
خارجا عن دواوين الاسلام في الحديث من الجوامع. والسُنّن. والمسانيد.
والكتب المشهورة (١) وقد حرروا القواعد والأصول التي وضعوها لنقد
الأحاديث. ومعرفة المقبول منها من المردود. وهذه القواعد تجدها
مبثوثة في كتب أصول الرواية. وعلوم الحديث. وتاريخ الرجال. وقد
بذلوا في تحقيق هذه القواعد أقصى ما في الوسع الإنساني احتياطا
لدينهم وشريعتهم أن يدخل فيها ما ليس منها فكانت قواعدهم التي
ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها وأوفاها.
وإذا كان البعض قد طعن فيها في هذه العصور المتأخرة فليس ذلك عن
(١) الباعث الحثيث ص ٧٨ للتوسعة في هذا ارجع الى (دفاع عن السنة ، ص٤٦ - ٥١.
٧٧

علم وبيِّنة. وإنما عن جهل وهوى.
((تقليد المؤلفين في العلوم النقلية للمحدثين في الرواية )»
۔۔
وقد نهج منهج علماء الحديث في الرواية والتزام السند في المرويات
غيرهم من العلماء في أكثر الفنون النقلية كعلماء التاريخ والسير. وعلماء.
اللغة وعلماء الأدب. وإنك لتلمس هذا واضحا في أمالي ثعلب قال:
حدثني أبو بكر الأنباري عن أبي العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال:
لحن الرجل يلحن لحنا فهو لا حن إذا أخطأ. ولحنٍ بكسر الحاء في
الماضي وفتحها في المضارع يَلْحَن لَحَنا فهو لَجِن اذا أجاد وفطن ..
: كما نلمسه في كتاب ((الأغاني)». لأبي الفرج الأصبهاني المتوفى سنة
٢٥٦ وكتاب المغازي لابن اسحاق المتوفى سنة ١٥١ هـ. وقد وصل إلينا
مختصرا في سيرة ابن هشام المتوفى سنة ٢١٨ هـ وكتاب تاريخ الأمم:
والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ إلا أنهم لم:
يبلغوا ما بلغ المحدثون في النقد والتحري عن الرُّواة.
وليس أدل على هذا من أن بعض من ارتضى هؤلاء روايتهم قد
ضعفهم المحدثون وردوا روايتهم. فأبو مِخْنَف لوط بن يحيى بن سعيد وهو:
الذي ينقل عنه ابن جرير كثيراً في تاريخه قال فيه أبو حاتم «متروك
الحديث)) وقال الدارقطني ((أخباري متروك الحديث)).
بل إن محمد بن إسحاق نفسه وهو إمام أهل المغازي غير مدافع
مضعَّف (١) في الحديث. والواقدي مع كونه بصيرا بالمغازي ويلي ابن
أسحاق في سعة العلم قال فيه البخاري ((إنه منكر الحديث)).
ومن ثم يتبين لنا أن منهج المحدثين في نقد المرويات ونقد
الرواة هو أعلى المناهج وأدقها. وأن الذين جاروهم من المؤرخين وكتاب
(١) مضعف: يعني اختلف في تعديله وتجريجه، أما: الضعيف فهو المتفق على ضعفه.
٧٨

السير وأمثالهم لم يبلغوا شأوهم. وذلك لأن المؤلفين في الحديث ينظرون
اليه على أنه دين وتشريع. فالتساهل في روايته تساهل في الدين ..
أما المؤلفون في التاريخ والأدب واللغة فلم ينظروا إليها هذه
النظرة. وإنا لتلمس هذا أيضاً في صنيع ابن جرير فهو في كتابه
((التفسير)» يدقق ويتحرى في الرواية أكثر مما صنع في كتابه («التاريخ»
وهذا يرجع إلى تغاير الفنين واختلاف الاعتبارين ..
وبعد هذه المقارنة والموازنة في البحث لا أرى حرجا في أن أقول:
إن رواية العلماء لما يتعلق بالقرآن وللأحاديث تعتبر بدعا في بابها ولا
يبلغ شأوما أية رواية قبل الاسلام ولا بعده ..
بدعة سيئة
ومع ما قدمنا من عناية المحدثين بالنقد سندا ومتنا. ومبالغتهم في
التحري والتوثق من المرويات لم تسلم الأحاديث من الطعن قديما وحديثا
من بعض الطوائف والملاحدة والمستشرقين. وزعموا أنها ظنية الثبوت.
وسولت لهم أنفسهم. الطعن في أصح كتب الحديث وأوثقها بالهوى
والتعصب. والجهل بالرواية في الإسلام وشروطها والتحوط فيها.
ويعجبني في هذا المقام كلمة حق قالها أحد العلماء الثقات المعاصرين
(٣) قال رحمه الله تعالى: ((ومع كل هذا - يريد نقد المرويات وتمحيصها -
فقد ابتدع بعض المتقدمين بدعة سيئة هي عدم الاحتجاج بالأحاديث
لأنها تسمى في اصطلاحات بعض الفنون ((ظنية الثبوت)) اي أنها لم
تثبت بالتواتر الموجب للقطع في النقل. وكان هذا اتباعا لاصطلاح
لفظي لا أثر له في القيمة التاريخية لإثبات صحة الرواية. فما كل رواية
صادقة يثق بها العالم المضطلع المتمكن من علمه بواجب في صحتها
والتصديق بها. واطمئنان القلب إليها ان تكون ثابتة ثبوت التواتر
الموجب للعلم البديهي وإلا لما صح لنا أن نثق بأكثر النقول في أكثر
(١) هو الاستاذ المحدث العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى.
٧٩

العلوم والمعارف. وكانت هذه الفئة التي تذهب هذا المذهب الرديء
فئة قليلة محصورة مغمورة لا أثر لقولها في شيء من العلم.
ولكن نَبَغَ(١) في عصرنا هذا بعض النوابغ من اصطنعتهم أوربا
وادخرتهم لنفسها من المسلمين فتتبعوا شيوخهم من المستشرقين - وهم
طلائع المبشرين - وزعموا كزعمهم أن كل الأحاديث لا صحة لها ولا
أصل. وأنها لا يجوز الاحتجاج بها في الدين. وبعضهم يتخطى القواعد
الصحيحة ثم يذهب يثبت الأحاديث وينفيها بما يبدو لعقله وهواه من
غير قاعدة معينة ولا لحجة ولا بيِّنَة. وهؤلاء لا ينفع فيهم دواء إلا أن
يتعلموا العلم. ويتأدبوا بأدبه. ثم الله يهدي من يشاء.
وأما الطعن في الأحاديث الصحيحة جملة. والشك في صحة نسبتها
إلى النبي ◌ُّ. فإنما هو إعلان العداء للمسلمين ممن عمد إليه عن علم
ومعرفة، أو جهل وقِضَر نظر، من قلد فيه غيره ولم يعرف عواقبه
وآثاره. فإن معنى هذا الشك والطعن أنه حكم على جميع الرواة الثقات
من السلف الصالح رضي الله عنهم بأنهم كاذبون مخادعون مخدوعون.
ورمىٌّ لهم بالفِرية والبهتان. أو بالجهل والغفلة. وقد أعاذهم الله من ذلك
وهم يعلمون يقينا أن رسول الله عَ ل قال ((من كذب علي متعمدا
فليتبوأ مقعده من النار)) وقال ((من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب
فهو أحد الكاذبين )).
فالمكذب لهم في روايتهم إنما يحكم عليهم بأنهم يَتَقَحَّمُون في النار
تقحما. وإنهم لم يكونوا على شيء من الخلق أو الدين. فإن الكذب من
أكبر الكبائر. ثم هو من أسوأ الأخلاق وأحطها. ولن تفلح أمة يفشو
فيها الكذب. ولو كان في صغائر الأمور فضلا عن الكذب في الشريعة.
وعلى سيد الخلق وأشرف المرسلين. وقد كان أهل الصدر الأول من
(١) أي ظهر