Indexed OCR Text

Pages 161-180

عَنِ الأَبْناءِ .
٥٤ - وفي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ.
٥٥ - ومِنْهُ مَنْ رَوى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
(ف) هذا النَّوعُ هو روايةُ (الأكابِرِ عَنِ الأصاغِرِ).
(ومنهُ)؛ أي: مِن جُملةٍ هذا النَّوع - وهو أَخصُّ مِن مُطلَقِهِ (١) - روايةٌ
(الآباءِ عن الأبناءِ)، والصَّحابةِ عن التَّابعينَ، والشَّيخِ عن تلميذِهِ، ونحو ذلك.
(وفي عَكْسِهِ كَثرةٌ) (٢)؛ لأنَّهُ هُو الجادَّةُ المسلوكةُ الغالبةُ.
(ومنهُ: مَن روى عنْ أَبيهِ عن جَدِّهِ).
وفائدةُ معرفَةِ ذلك (٣): التَّمييزُ بينَ مراتِبِهِم، وَتَنْزِيلُ النَّاسِ منازِلَهُم(٤).
وقد صنَّفَ الخطيبُ في روايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ تصنيفاً(٥)، وأفردَ جُزءاً لطيفاً
(١) أي: أخصُّ من إطلاق لفظ الأكابر والأصاغر، وإن كان داخلا فيه .
(٢) أي: رواية الأصاغر عن الأكابر، والأبناء عن الآباء، والتابعين عن الصحابة،
وهكذا.
(٣) أي: رواية الأصاغر عن الأكابر، وما يندرج تحتها .
(٤) يذكر كثير من الشرَّاح هنا ما نُسب إلى النبي ◌َّر من قوله: ((أنزلوا الناس
منازلهم)»!
وهو حديث له طرقٌ لا تخلو من ضعف أو وهاء.
وقد تتَّع هذه الطرق السخاوي في ((الجواهر والدُّرر)) (١ / ٤ -٨) منفصلًا إلى حسن
الحديث !!
وقارن بـ ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم ١٨٩٤) لشيخنا الألباني حفظه المولى
سبحانه؛ فله نقدٌ موعِب لهذه الطرق والروايات .
(٥) اقتبس منه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص ٢٨١ - ٢٨٢).
١٦١

٥٦ - وإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِما؛ فهو:
السَّابقُ واللَّحِقُ.
في روايةِ الصَّحابةِ عن التَّابعينَ(١).
وجَمَعَ الحافظُ صلاحُ الدِّينِ العَلائِيُّ - مِن المتأْخِّرِينَ - مُجلَّداً كبيراً في
معرفةٍ مَن روى عن أبيهِ عن جدِّهِ(٢) عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم، وقَسَّمهُ
أقساماً، فمنهُ ما يعودُ الضَّميرُ في قوله: ((عن جدِّهِ) على الرَّاوي، ومنهُ ما يعودُ
الضَّميرُ فيهِ على أَبيهِ، وبَيَّن ذلك، وحقَّقَهُ، وخرَّج في كلِّ ترجمةٍ حديثاً مِن
مروِّهِ.
وقد لخّصتُ كتابَه (٣) المذكورَ، وزِدْتُ عليهِ تراجِمَ كثيرةً جدّاً، وأكثرُ ما وقعَ
فيهِ ما تسلْسَلَتْ فيهِ الرِّوايةُ عن الآباءِ بأربعةَ عشر أَباً(٤).
(وإِنِ اشْتَرَكَ اثْنانِ عن شَيخٍ ، وتقدَّمَ موتُ أُحدِهِمًا) على الآخَرِ؛ (فهُو
السَّابِقُ واللَّحِقُ).
وأكثرُ ما وَقَفْنا عليهِ مِن ذلك ما بينَ الرَّاوِيَّيْن فيهِ في الوفاةِ مئةٌ وخَمْسونَ
(١) انظر: ((تدريب الراوي)) (٢ / ٣٨٨) للسيوطي، و ((موارد الخطيب)) (ص ٧٢)
للدكتور أكرم ضياء العمري .
(٢) وسماه: ((الوشي المعلّم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي (صَّ))، وقد ذكره
غير واحد من العلماء، آخرهم الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) (ص ١٢٢).
(٣) وسمَّه: ((عَلَم الوشي اختصار كتاب الوَشْي المعلّم ... ))، توجد قطعة منه في
مكتبة الأوقاف بالموصل، فانظر: ((فهرسها)) (٢ / ٢٢٥).
(٤) انظر: مقدمة أخينا الفاضل الدكتور باسم فيصل الجوابرة على كتاب ((من روى
عن أبيه عن جدِّه)) (ص ١١ - ١٣) للإِمام ابن قُطلوبغا؛ ففيها فوائد.
١٦٢

٥٧ - وإِنْ رَوى عَنِ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَيِ الاسْمِ ولَمْ يَتَمَّيَّزا؛
فباخْتِصاصِهِ بِأَحَدِهِما يَتَبيَّنُ : المُهْمَلُ.
سنةً، وذلك أَنَّ الحافظَ السِّلفيَّ سمِعَ منهُ أبو عليٍّ البَرْدانيُّ (١) - أحدُ مشايخِهِ -
حَديثاً، ورواهُ عنهُ، وماتَ على رأْسِ الَخَمْسِ مِئَةٍ .
ثمَّ كانَ آخِرُ أصحاب السِّلفيِّ بالسَّماعِ سِبْطَهُ أبا القاسمِ عبد الرحمنِ بنَ
مَكِّيٍّ (٢)، وكانتْ وفاتُه سنةَ خمسينَ وستُّ مئةٍ .
ومِن قديمِ ذُلك أَنَّ البُخاريَّ حدَّثَ عن تلميذِهِ أبي العَبَّاسِ السَّرَّاجِ شيئاً
في التَّارِيخِ وغيرِهِ، وماتَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومئتينٍ، وآخِرُ مَن حدَّثَ عنِ
السَّرَّاجِ بالسَّماعِ أُبو الحُسين الخَفَّافُ، وماتَ سنةً ثلاثٍ وتسعينَ وثلاث مئةٍ .
وغالِبُ ما يقعُ مِن ذلك أَنَّ المسموعَ منهُ قد يتأَخَّرُ بعدَ موتِ أَحدِ الرَّاويينِ
عنهُ زماناً، حتَّى يسمَعَ منهُ بعضُ الأحداثِ (٣)، ويعيشَ بعدَ السَّماعِ منهُ دَهْراً
طويلاً، فيحْصُلُ مِن مجموع ذلك نَحْوُ هذهِ المذَّةِ(٤)، واللهُ الموفَّقُ.
(وإِنْ رَوى) الرَّاوي (عَنِ اثْنَيْنِ مَتَّفِقَيِ الاسمِ)، أَو معَ اسمِ الأب، أَو
معَ اسمِ الجدِّ، أَو معَ النِّسبةِ، (ولم يَتَمَيَّزا) بما يخُصُّ كُلَّ منهُما، فإِنْ كانا
(١) توفي سنة (٤٩٨ هـ)، انظر ترجمته في: ((سؤالات السلفي)) (٧٢)، و ((المستفاد
من ذيل تاريخ بغداد)) (٦٧ - ٦٨)، و ((الأنساب)) (٢ / ١٣٦).
(٢) مترْجَم في ((تكملة إكمال الإِكمال)) (١٩٣) لابن الصابوني، و ((سير أعلام
النبلاء)) (٢٣ / ٢٧٨)، وذكر وفاته سنة إحدى وخمسين وستُّ مئة.
(٣) أي: صغار السن من الرواة .
(٤) وفائدة ضبط هذا النوع الأمن من ظنِّ سقوط رواة من الإِسناد المتأخِّر؛ للفرق
بين الوفاتين .
١٦٣

ثقَتَيْن؛ لم يَضُرَّ.
ومِن ذُلكَ ما وقَعَ في البُخاريِّ مِن روايتِه عن أحمدَ - غيرَ مَنسوبٍ - عن
ابنِ وَهْبٍ؛ فإِنَّهُ إِمَّا أحمدُ بنُ صالِحٍ ، أَو أحمدُ بنُ عيسى، أَو: عن محمَّدٍ - غيرَ
منسوبٍ - عن أهل العراقِ؛ فإِنَّهُ إِمَّ محمَّدُ بنُ سَلام (١) أو محمَّدُ بنُ يَحْبِى
الذُّهليُّ .
وقدِ استَوْعَبْتُ ذلك في مقدِّمةِ ((شرحِ البُخاريِّ)) (٢).
ومَن أَرادَ لذلك (٣) ضابطاً كُلِّاً يمتازُ بِهِ أَحدُهما عنِ الآخَرِ؛
(فباخْتِصاصِه)؛ أي الشيخِ المرويِّ عنهُ (بأَحَدِهِما يتبيَّنُ المُهْمَلُ) (٤).
(١) قال المصنّف في ((التقريب)) (٥٩٤٥): ((مُختَلَفّ في لامِ أبيه، والراجح
التخفيف)).
وقال في ((الفتح)) (١ / ٧١): ((هو بتخفيف اللام على الصحيح، وقال صاحب
((المطالع)) [هو ابن قُرْقول، توفي سنة (٥٦٩هـ)؛ كما في ((السير)) (٢٠ / ٥٢٠)]: هو
بتشديدها عند الأكثر، وتعقبه النووي بأن أكثر العلماء على أنه بالتخفيف، وقد روي ذلك
عنه نفسه، وهو أخبر بأبيه، فلعلَّه أراد بـ (الأكثر) مشايخ بلده، وقد صنَّف المنذري جزءً في
ترجيح التشديد، ولكن المعتمد خلافه)).
وللحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي جزء عنوانه: ((رفع الملام عمَّن خفّف والد شيخ
البخاري محمد بن سَلَام))، مخطوطة في مكتبة الحرم المكي، (برقم ١٠٦ - مجاميع).
وانظر: ((الإِكمال)) (٤ / ٤٠٥) لابن ماكولا، وتعليق العلامة المعلِّمي عليه.
(٢) وهي المسمّاة ((هدي الساري))، فانظر (ص ٢٢٢) منه، بعنوان: ((تبيين الأسماء
المهملة التي يكثُرُ اشتراكها)».
(٣) في طبعة ((العتر)) (ص ٦٣): ((ذلك))!
(٤) انظر ما سيأتي برقم (٦٧): ((المتَّفق والمفترق)).
١٦٤

٥٨ - وإِنْ جَحَدَ مَرْوِيَّهُ جَزْماً؛ رُدَّ، أَو احْتِمالاً؛ قُبِلَ في الأصَحِّ،
وفيهِ: مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ .
ومتى لم يتَبَيِّنْ ذلك، أَو كانَ مختَصّاً بهما معاً؛ فإِشكالُه شديدٌ، فيُرْجَعُ
فيهِ إِلى القرائن، والظِّّ الغالِب.
(وإِنْ) روى عن شيخٍ حَديثاً؛ فـ (جَحَدَ) الشيخُ (مروِيَّةٌ):
فإِنْ كانَ (جَزماً) - كأَنْ يقولَ: كذِبٌ عليَّ، أَو: ما روَيْتُ هذا، أُو نحوَ
ذلك -، فإِنْ وقعَ منهُ ذلك؛ (رُدَّ) ذلك الخبرُ لِكَذِبٍ واحِدٍ منهُما، لا بِعَيْنِهِ .
ولا يكونُ ذلك قادِحاً في واحدٍ منهُما للتَّعارُضِ .
(أَوْ) كانَ جَحَدَهُ (احْتِمالاً)، كأَنْ يَقولَ: ما أَذْكُرُ هذا، أَو: لا أَعْرِفُهُ؛ (قُبلَ)
ذلك الحَديثُ (في الأصَحِّ)؛ لأنَّ ذلك يُحْمَلُ على نِسيانِ الشَّيخِ ، وقيلَ: لا يُقْبَلُ؛
لأنَّ الفرعَ تَبَعْ للأصلِ فِي إِثباتِ الحَديثِ، بحيثُ إِذا ثَبَتَ أَصلُ الحَديثِ؛ ثبَتَتْ
روايةُ الفرع ، فكذلكَ ينْبَغِي أَنْ يكونَ فرعاً عليهِ وتَبَعاً لهُ في التَّحقيقِ!
وهذا مُتَعَقَّبُ بأَنَّ عدالَةَ الفرعِ تقتَضي صِدْقَهُ، وعدمُ عِلْمِ الأصلِ لا
يُنافِيهِ، فالمُثْبِتُ مقدَّمٌ على النَّافِي(١).
وأَمَّا قياسُ ذلك بالشَّهادةِ(٢)؛ ففاسِدٌ؛ لأنَّ شهادةَ الفرع لا تُسْمَعُ معَ
(١) ((الأولى أن يقول: فالجازم مقدَّم على المتردِّد)).
كذا قاله العدوي في ((لقط الدُّرر)) (ص ١١٦)، ونقل عن ابن قاسم قوله في تعقُّبه:
((هذا ليس بجيد؛ لأن في مسألة تكذيب الأصل جزماً، الأصل ناف، والفرع مثبت، وليس
الحكم فيها للمثبت، فالأولى أن يقول: لأن المحقّق مقدَّم على المظنون، أو الجزم مقدَّم
على المظنون، أو الجزم مقدَّم على الترديد)).
(٢) ((أي: على الشهادة، حيث قالوا: إن تكذيب الأصل للفرع جرحٌ للفرع في =
١٦٥

القُدرةِ على شَهادةِ الأصلِ ؛ بخلافِ الرِّوايةِ، فافْتَرَقا.
(وفيهِ)؛ أي: في هذا النَّوعِ صنَّفَ الدَّارقطنيُّ كِتابَ ((مَنْ حَدَّثَ
ونَسِيَ)))(١)، وفيه ما يدلُّ على تَقْوِيَةِ المذهب الصَّحيحِ لكونِ كثيرٍ مِنْهُم حدَّثُوا
بأحاديثَ أَوَلاَ (٢)، فلمَّا عُرِضَتْ عليهِم؛ لم يتذكَّروها، لكنَّهُم - لاْتِمادِهِم على
الرّواةِ عنْهُم - صارُوا يروونَها عن الَّذِينَ رَوَوْها عنهُم عن أَنفُسِهِم:
كحَديثِ سُهَيْلِ بنِ أَبي صالِحٍ عن أبيهِ عن أَبِي هُريرةَ مرفوعاً في قِصَّةٍ
الشَّاهِدِ واليمينِ (٣).
= الشهادة، فكذلك في الرواية)) ((لقط الدُّرر)) (ص ١١٦).
قلت: وانظر: ((الفروق)) (١ / ٤ -١٨) للقرافي، و((تدريب الراوي)) (١ / ٣٣١).
(١) ذكره السخاوي في ((فتح المغيث)) (١ / ٣١٨).
وللخطيب كتاب فيه، ذكره ابن الجوزي في ((المنتظم)) (٨ / ٢٦٦) وغيره.
وقد لخّصه السيوطي في جزء لطيف سمَّاه ((تذكرة المؤتسي فيمن حدَّث ونسي))، طبع
بتحقيق: السيد صبحي السامرَّائي، نشر الدار السلفية، الكويت.
(٢) زيادة من بعض النسخ .
(٣) رواه - بقصَّة النِّسيان -: أبو داود (٣٦١١)، والشافعي في ((مسنده)) (١٤٠٦)،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤ / ١٤٤)، والبيهقي (١٠ / ١٦٨)؛ من طريق
عبدالعزيز به .
وسنده صحيح .
وأخرجه: الترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨)، وابن الجارود (١٠٠٧)؛ من
دون قصة النسيان .
وفي ((علل الحديث)) (١ / ٤٦٣) لابن أبي حاتم محاورة طريفة بينه وبين أبيه فيها
أنَّ هذا ليس قادحاً في صحَّة الحديث.
١٦٦
مـ
=

٥٩ - وإِنِ اتَّفَقَ الرُّواةُ في صِيَغِ الأداءِ أَو غَيْرِها مِن الحالاتِ؛
فهو: المُسَلْسَلُ.
قالَ عبدُالعزيز بنُ محمَّدٍ الدَّراوَردِيُّ: ((حدَّثني بهِ ربيعةُ بنُ أَبي
عبدِ الرحمن عن سُهيلٍ ؛ قالَ: فلقيتُ سُهيلًا، فسأَلْتُه عنهُ؟ فلم يَعْرِفْهُ، فقلتُ:
إِنَّ ربيعةَ حدَّثني عنكَ بكذا، فكانَ سُهَيْلٌ بعدَ ذلك يقولُ: حدَّثني ربيعةُ عنّي
أَنِّي حدَّثتُه عن أبي بِهِ)).
ونظائِرُهُ كثيرةٌ(١).
(وإِنِ اتَّفَقَ الرُّواةُ) في إِسنادٍ مِن الأسانيدِ (في صِيَغِ الأداءِ)؛ كـ: سمعتُ
فلاناً؛ قالَ: سمعتُ فُلاناً ... أَو: حدَّثنا فُلانٌ؛ قالَ: حدَّثنا فُلانٌ ... وغير
ذلك من الصِّيَغِ ، (أَو غيْرِها مِن الحالاتِ) القوليَّةِ؛ كـ: سمعتُ فلاناً يُقولُ:
أُشْهدُ اللهَ لقد حدَّثَني فلانٌ ... إلخ (٢)، أو الفِعليَّةِ؛ كقوله: دَخَلْنا على فُلانٍ،
فَأَطْعَمَنا تَمراً ... إلخ، أو القوليَّةِ والفِعليَّةِ معاً؛ كقوله: حدَّثَني فلانٌ وهُو آخِذٌ
بلحْيَتِه؛ قالَ: آمِنْتُ بالقَدَرِ ... إلخ؛ (فَهُو المُسَلْسَلُ)، وهو مِن صفاتٍ
الإسناد .
ء
=
وانظر لزاماً (إرواء الغليل)) (٨ / ٣٠١ - ٣٠٣) لشيخنا؛ ففيه بحث ماتع في تقرير
الحقِّ في هذه المسألة .
ولمزيد من الفائدة في المسألة ذاتها يُراجع: ((صحيح ابن حبان)) (٤٠٦٢)،
و ((المحلَّى)) (٩ / ٤٥٣)، و((نصب الراية)) (٣ / ١٨٤)، وهذا كله حول حديث آخر.
(١) تراجع في ((تذكرة المؤتسي ... )).
(٢) أي: يكرِّر هذه الصيغة ذاتها رواة الحديث كلُّهم .
وما بعدَه مثلُه من حيث التكرار، فعلًا كان أو قولاً .
١٦٧

٦٠ - وصِيَغُ الأدَاءِ: (سَمِعْتُ) و (حَدَّثَنِي)، ثمَّ (أَخْبَرَني)
و (قرَأَتُ عليهِ)، ثمَّ (قُرِىءَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ)، ثمَّ (أَنْبَنِي)، ثمَّ
وقد يقعُ التَّسلسُلُ في معظمِ الإِسنادِ؛ كحديثِ المُسَلْسَلِ بِالأوّلِيَّةِ (١)؛
فإِنَّ السِّلْسِلَةَ تَنْتَهي فيهِ إِلى سُفيانَ بن عُيِينَةَ فقط، ومَن رواهُ مُسلْسَلَا إِلى منتهاهُ ؛
فقد وَهِمَ .
(وصِيَغُ الأداءِ) المشارُ إِليها على ثمانٍ مراتِبَ:
الأولى : (سمعتُ وحدَّثَنِي).
(ثُمَّ: أَخْبَرَنِي وقَرَأْتُ عليهِ)، وهي المرتبةُ الثَّانيةُ.
(ثُمَّ: قُرِىءَ عليهِ وأنا أسمعُ)، وهي الثالثةُ .
(ثمَّ: أَنْبَنِي)، وهي الرَّابعةُ .
(ثمَّ: ناوَلَني)، وهي الخامسةُ.
(١) وهو قوله وَّر: ((الرَّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم
من في السماء)).
رواه: أحمد (٢ / ١٦٠)، والترمذي (١٩٢٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والبخاري في
((تاريخه)) (٩ / ٦٤)، والحاكم (٤ / ١٥٩)، والحُميدي (٥٩١)، والدارمي في ((الردِّ على
الجهمية)) (٦٩)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٤٢٣)، والخطيب في ((تاريخه))
(٣ / ٢٦٠)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٥١)، وغيرهم كثير؛ عن عبدالله بن عمرو.
ولقد تكلّم عليه مستوعباً طرُقَه وأسانيده المصنِّف في ((الإِمتاع بالأربعين المتباينة
بشرط السماع)) (٦٢ - ٦٧)؛ فليراجع.
وانظر: ((المجلس الأول من مجالس الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي)) (ص ٥٩ -
٧٣)، وتعليق محقّقه الأخ محمود الحدَّاد عليه؛ فإنه مهمٌّ .
١٦٨

(ناوَلَنِي)، ثمَّ (شافَهَني)، ثمَّ (كَتَبَ إِلَيَّ)، ثمَّ (عَنْ) ونَحْوُها .
فالأوَّانِ: لَمَن سَمِعَ وَحْدَهُ مِن لَفْظِ الشَّيْخِ ، فإِنْ جَمَعَ؛ فَمَعَ
غيْرِهِ .
(ثُمَّ: شافَهَني)؛ أي: بالإِجازةِ، وهي السَّادسةُ .
(ثُمَّ : كَتَبِ إِلَّ)؛ أي: بالإِجازةِ، وهي السَّابعةُ .
(ثمَّ: عنْ(١) ونحوُها) مِن الصِّيغِ المُحتَمِلَةِ للسَّماعِ والإِجازةِ ولعدمِ
السَّماع أيضاً، وهذا مثلُ: ((قالَ))، و((ذکرَ)، و ((روی).
(ف) اللَّفظانِ (الأوَّلانِ) مِن صيغِ الأداءِ، وهُما: ((سمعتُ)) و((حدَّثْني))
صالِحَانِ (لمَنْ سَمِعَ وحْدَهُ مِن لفظِ الشَّيخِ ).
وتَخْصيصُ التَّحديثِ بما سُمِعَ مِن لفظِ الشَّيخِ هو الشَّائعُ بينَ أَهلِ
الحَديثِ اصطلاحاً.
ولا فرقَ بينَ التَّحديثِ والإِخبارِ مِن حيثُ اللُّغةُ، وفي ادِّعاءِ الفرقِ بينَهما
تكلُّفٌ شديدٌ، لكنْ لمَّا تقرَّر الاصطلاحُ صارَ ذلك حقيقةً عُرفيَّةً، فَتُقَدَّمُ على
الحقيقةِ اللُّغويةِ، معَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ إِنَّما شاعَ عندَ المَشارِقَةِ ومَن تَبِعَهُم، وأَمَّا
غَالِبُ المَغارِبَةِ(٢)؛ فلمْ يستَعْمِلوا هذا الاصطِلاحَ، بل الإِخبارُ والتَّحديثُ عندَهُم
بمعنى واحدٍ .
(فإِنْ جَمَعَ) الرَّاوي؛ أي: أَتى بصيغةِ الجَمْعِ في الصِّيغةِ الأولى؛ كأَنْ
يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ، أَو: سمِعْنا فلاناً يقولُ؛ (ف) هُو دليلٌ على أَنّه سمِعَ منهُ (معَ
(١) وهي الثامنة .
(٢) انظر: ((الإِلماع ... )) (ص ٦٩) للقاضي عياض.
١٦٩

وأَوَّلُها: أَصْرَحُها وأَرْفَعُها في الإِمْلَاءِ.
والثَّالِثُ والرَّابِعُ لِمَنْ قَرَأْ بَنَفْسِهِ .
فإِنْ جَمَعَ ؛ فکالخامِسِ .
غيرهِ)، وقد تكونُ النُّونُ للعظمةِ (١) لكنْ بقلَّةٍ .
(وأَوَّلُها)؛ أَي: صيغُ المراتِبِ (أَصرَحُها)؛ أَي: أَصرِحُ صِيغِ الأداءِ في
سماع قائلِها؛ لأنَّها لا تحتَمِلُ الواسِطةَ، ولأنَّ ((حدَّثْني)) قد يُطْلَقُ في الإِجازةِ
تدليساً . .
(وَأَرْفَعُها) مِقداراً ما يقعُ (في الإِملاءِ) لما فيهِ مِن التثُبُّتِ والتحفّظِ.
(والثَّالِثُ)، وهو (أخبَرَني)).
(والرَّابِعُ)، وهو ((قرأْتُ)) (لمَنْ قرأْ بَنَفْسِهِ) على الشَّيخِ .
(فإِنْ جَمَعَ) كأَنْ يقولَ: أَخْبَرَنا، أَو: قَرَأْنًا عليهِ؛ (فـ) هو (كالخامِسِ)،
وهو: قُرىءَ عليهِ وأَنا أُسمعُ .
وعُرِفَ مِن هذا أَنَّ التَّعبيرَ بـ ((قرأْتُ)) لمَن قرأَ خيرٌ مِن التَّعبير بالإِخبارِ؛ لأنَّهُ
أَفصحُ بصورةِ الحالِ .
تنبيهُ: القراءةُ على الشَّيخِ أَحدُ وجوهِ التحمُّلِ عندَ الجُمهورِ.
وأَبعدَ مَن أَبى ذلكَ مِن أَهلِ العِراقِ، وقد اشتدَّ إِنكارُ الإِمامِ مالكِ وغيرِهِ
مِن المدنيِينَ عليهِم في ذلك، حتَّى بالَغَ بعضُهُم فرجَّحَها على السَّماعِ مِن لفظِ
الشَّيخِ !
(١) في طبعة العتر (ص ٦٥): ((العظمة))!
١٧٠

والإِنْباءُ بمعْنَى الإِخْبارِ؛ إِلَّ فِي عُرْفِ المُتَأَّخِّرِينَ؛ فَهُو للإِجازَةِ؛
كـ (عن).
٦١ - وعَنْعَنَةُ المُعاصِرِ مَحْمولَةٌ عَلى السَّماعِ؛ إِلَّ مِنَ
المُدَلِّسِ .
وقيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقائِهِمَا ولَوْ مَرَّةً، وهُو المُخْتارُ.
وذهَبَ جمعٌ جمّ - منهُم البُخاريُّ، وحكاهُ في أوائلِ ((صحيحِهِ)) (١) عن
جماعةٍ مِن الأئمَّةِ - إِلى أَنَّ السَّماعَ مِن لفظِ الشَّيخِ والقراءَةَ عليهِ يعني في
الصِّحَّةِ والقُوَّةِ سواءً، واللهُ أعلمُ.
(والإِنباءُ) من حيثُ اللُّغةُ واصطلاحُ المتقدِّمينَ (بمعنى الإِخبارِ؛ إِلَّ في
عُرْفِ المُتَأْخِّرِينَ؛ فهُو للإِجازةِ؛ كـ ((عن))) لأنَّها في عُرفِ المتأخَّرِينَ للإِجازةِ.
(وعَنْعَنَةُ المُعاصِر محمولةٌ على السَّماعِ )؛ بخلافِ غيرِ المُعاصِر؛ فإِنَّها
تكونُ مُرسَلةً، أَو مُنقطِعَةً، فشرْطُ حمْلِها على السَّماعِ ثُبُوتُ المُعاصرةِ؛ (إِلَّ مِن
مُدلِّسٍ)؛ فإِنَّها ليستْ محمولةً على السَّماعِ .
(وقيلَ: يُشْتَرَطُ) في حملِ عنعَنَةِ المُعاصرِ على السَّمَاعِ (ثُبُوتُ
لقائِهما)؛ أيْ: الشيخ والرَّاوي عنهُ، (ولو مَرَّةً) واحدةً ليَحْصُلَ الأمنُ في باقي
(١) فقال في (١ / ١٤٨) منه: ((القراءة والعرض على المحدِّث، ورأى الحسن
والثوري ومالك القراءة صحيحة ... )).
ثم روى عن سفيان قوله: ((إذا قُرىء على المحدِّث؛ فلا بأس أن تقول: حدَّثني)).
ثم عن سفيان ومالك قولهما: ((القراءة على العالم وقراءته سواء)).
١٧١

٦٢ - وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجازَةِ المُتَلَفّظِ بها، والمُكاتَبَةَ في
الإِجازةِ المَكْتُوبِ بِها.
واشْتَرَطُوا فِي صِحَّةِ المُناوَلَةِ اقْتِرانَها بالإِذْنِ بالرِّوايةِ، وهِيَ أَرْفَعُ
أنْواعِ الإِجازَةِ.
العنعَنَةِ عن كونِهِ مِن المُرسلِ الخفيِّ، (وهُو المُختَارُ)(١)؛ تبعاً لعليٍّ بنِ المَدينيِّ
والبُخاريِّ وغيرهما مِن النُّقَّادِ.
(وأَطْلَقُوا المُشافَهَةَ في الإِجازةِ المُتَلَفَّظِ بها) تجوُّزاً.
(و) كذا (المُكاتَبَةَ في الإِجازةِ المَكتوب بها)، وهُو موجودٌ في عِبارةِ كثيرٍ
مِن المتأَخِّرِينَ؛ بخلافِ المُتقدِّمينَ؛ فإنَّهُمْ إِنَّما يُطلِقُونَها فيما كَتَبَ بهِ الشَّيخُ مِن
الحديثِ إِلى الطَّالب، سواءٌ أَذِنَ لهُ في رِوايتِه أم لا، لا فيما إِذا كتَبَ إِليهِ
بالإِجازةِ فقطْ .
(واشْتَرَطوا في صحَّةٍ) الرِّوايةِ بـ (المُناولَةِ اقْتِرانَها بالإِذْنِ بالرِّوايةِ، وهي)
إِذا حَصَلَ هذا الشَّرطُ (أَرْفَعُ أَنواعِ الإِجازةِ)؛ لما فيها مِن التَّعيينِ والتَّشخيصِ.
وصورَتُها: أَنْ يَدْفَعَ الشَّيخُ أَصَلَهُ أَو ما قامَ مَقامَهُ للطَّالِبِ، أَوْ يُحْضِرَ
الطَّالِبُ الأصْلَ للشّيخِ (٢)، ويقولَ (٣) لهُ في الصُّورتينِ: هذا رِوايَتِي عِنْ فلانٍ
فارْوِهِ عنِّي .
(١) انظر: ((هدي الساري)) (ص ١٢)، و((النُّكت الصلاحية)) (١ / ٢٨٩)؛ كلاهما
للمصنف، في تقرير هذه المسألة، وانظر ما سبق (ص ٨٨ و١١٥).
(٢) وفي نسخة: ((أو يحضرَ الطالبُ أصلَ الشيخ))، وهي كالشرح لما هُنا.
(٣) أي : الشيخ .
١٧٢

وَكَذا اشْتَرَطُوا: الإِذْنَ في الوجَادَةِ، والوَصِيَّةَ بالكِتَاب، وفي
وشَرْطُهُ أَيضاً: أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهُ؛ إِمَّا بالتَّمليكِ، وإِمَّ بالعارِيَّةِ، لِيَنْقُلَ منهُ،
ويُقابِلَ عليهِ، وإِلَّ؛ إِنْ ناوَلَهُ واستردَّ في الحالِ فلا تُتَبَيِّنُ [أَرفعيَّتُهُ، لكنَّ](١) لها
زيادةَ مَزيَّةٍ على الإِجازةِ المعيِّنَةِ، وهيَ أَنْ يُجيزَهُ الشَّيخُ بروايةِ كتابٍ معيَّنٍ، ويُعَيِّنَ
لهُ کیفیَّةً روایتِهِ لهُ.
وإِذا خَلَتِ المُناولَةُ عن الإِذنِ؛ لم يُعْتَبِرْ بها عندَ الجُمهور.
وجَنَحَ مَنِ اعْتَبَرَها إِلى أَنَّ مُناولَتَهُ إِيَّاهُ تقومُ مقامَ إِرسالِهِ إِليهِ بالكتابِ مِن بلدٍ
إِلی بلدٍ .
وقد ذهَبَ إِلى صحَّةِ الرِّوايةِ بالمُكاتبةِ المجرَّدَةِ جماعةٌ مِن الأئمَّةِ، ولو لم
يقترنْ ذلك بالإِذنِ بالرِّوايةِ؛ كأَنَّهُم اكْتَفَوْا في ذلك بالقرينةِ .
ولمْ يَظْهَرْ لي فرقٌ قويٍّ بينَ مُناولةِ الشَّيخِ الكِتابَ مِن يدهِ للطَّالبِ، وبينَ
إِرسالِهِ إِليهِ بالكتابِ مِن موضعٍ إِلى آخَرَ، إِذا خَلا كلَّ منهُما عن الإِذنِ .
(وَكَذا اشْتَرَطُوا الإِذْنَ في الوجادَةِ)، وهي: أَنْ يَجِدَ بخطّ يعرِفُ كاتِبَهُ،
فيقولُ: وجَدْتُ بخطِّ فلانٍ، ولا يسوغُ فيهِ إِطلاقُ: أَخْبَرَنِي؛ بمجرَّدٍ ذلك؛ إِلَّ
إِنْ كانَ لهُ منهُ إِذْنٌ بالرِّوايةِ عنهُ.
وأُطلقَ قومٌ ذلك فغَلِطوا .
(و) كذا (الوَصِيَّةُ بالكِتاب)، وهي أَنْ يُوصِيَ عندَ موتِه أو سفرِهِ لشخْصٍ
معيَّنِ بأصلِه أو بأصولِهِ؛ فقد قالَ قومٌ مِن الأئِنَّةِ المتقدِّمينَ: يجوزُ لهُ أَنْ يرويَ
تلكَ الأصولَ عنهُ بمجرَّدِ الوصيّةِ!
(١) ما بين المعكوفين ساقط من طبعة العتر (ص ٦٦)!
١٧٣

الإِعْلام ، وإِلّ؛ فلا عِبْرَةَ بذلك؛ كالإِجازَةِ العَامَّةِ، وللمَجْهُولِ،
وللمَعْدومِ على الأصَحِّ في جَميعِ ذلكَ.
وأبى ذلك الجُمهورُ؛ إِلَّ إِنْ كانَ لهُ منهُ إِجازةٌ.
(و) كذا شَرَطوا الإِذْنَ بالرِّوايةِ (في الإِعلامِ)، وهُو أَنْ يُعْلِمَ الشَّيخُ أَحدَ
الطَّلبةِ بأَنَّني أُروي الكِتابَ الفُلانيَّ عن فُلانٍ، فإِنْ كانَ لهُ منهُ إِجازةُ اْتبَرَ،
(وإِلَّ؛ فلا عِبْرَةَ بذلك؛ كالإِجازةِ العامَّةِ) في المُجازِ لُهُ، لا في المُجازِ بِهِ،
كَأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لجَميعِ المُسلمينَ، أَو: لمَنْ أُدْرَكَ حَياتِي، أو: لأَهْلِ
الإِقليمِ الفُلانِيِّ، أَو: لأهْلِ البَلدةِ الغُلانيَّةِ.
وهُو (١) أَقربُ إِلى الصَّحَّةِ؛ لِقُرْبِ الانحصارِ.
(وَ) كذلك الإِجازةُ (للمَجْهولِ)؛ كأَنْ يَكونَ مُبْهماً أَوْ مُهْملاً.
(وَ) كذلك الإِجازةُ (للمَعْدومِ)(٢)؛ كأَنْ يَقولَ: أَجَزْتُ لِمَنْ سَيولَدُ لِفُلانٍ .
وقدْ قيلَ: إِنْ عَطَفَهُ عَلى مَوجودٍ؛ صحَّ؛ كأَنْ يقولَ: أَجَزْتُ لكَ، ولِمَنْ سُيُولَدُ
لكَ، والأقرَبُ عدَمُ الصّحَّةِ أَيضاً.
وكذلك الإِجازةُ لموجودٍ أَو معدومٍ عُلِّقَتْ بِشَرْطِ مشيئةِ الغير؛ كأَنْ يقولَ:
أَجَزْتُ لكَ إِنْ شاءَ فلانٌ، أَو: أَجزتُ لمَن شاءَ فُلانٌ، لا أَنْ يقولَ: أَجِزْتُ لكَ إِنْ
شئْتَ.
وهذا (على الأصحِّ في جمیعِ ذُلك).
(١) أي: الإِجازة لأهل بلدٍ معيَّن، أو إقليمٍ معيَّن.
(٢) وللخطيب البغدادي رحمه الله جزء ((الإِجازة للمعدوم والمجهول))، طُبع قديماً
ضمن ((مجموع رسائل))، بتحقيق: السيد صُبحي السامرائي، فانظر (ص ٨١) منه.
١٧٤

٦٣ - ثمَّ الرُّواةُ؛ إِنِ اتَّفَقَتْ أَسماؤهُمْ وأَسْماءُ آبائِهِمْ فَصاعِداً
واخْتَلَفَتْ أَشْخاصُهُمْ؛ فَهُو: المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ.
وقد جَوَّزَ الرِّوايةَ بجَميعِ ذلك سِوى المَجْهولِ - ما لم يَتَبَيَّن المُرادُ منْهُ -
الخطيبُ (١)، وحَكاهُ عن جماعةٍ مِن مشايخِهِ .
واسْتَعْمَلَ الإِجازةَ للمَعدومِ مِن القُدماءِ أَبو بكرِ بنُ أَبي دَاوَدَ، وأَبو عبدِ اللهِ
ابنُ مَنْدَه .
واستَعْمَلَ المُعَلَّقةَ منهُم أَيضاً أَبو بكر بنُ أَبِي خَيْثَمَة .
وروى بالإِجازةِ العامَّةِ جَمعٌ كَثِيرٌ، جَمَعَهُم بعضُ الحُفَّاظِ(٢) في كِتَابٍ،
ورتّبُّهُم على حُروفِ المُعجَمِ لكَثْرَتِهم.
وكلُّ ذلك - كما قالَ ابنُ الصَّلاحِ (٣) - توسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ؛ لأنَّ الإِجازةَ
الخاصَّةَ المعيَّنَةَ مُختَلَفٌ في صحَّتِها اختلافاً قوياً عندَ القُدماءِ، وإِنْ كانَ العملُ
استقرَّ على اعْتبارِها عندَ المتأْخِّرِينَ، فَهِيَ دونَ السَّماع بالاتّفاقِ، فكيفَ إِذا
حَصَلَ فيها الاسترسالُ المَذكورُ؟! فإِنَّها تَزدادُ ضَعفاً، لكنَّها في الجُملةِ خيرٌ مِن
إِيرادِ الحَديثِ مُعْضلاً، واللهُ أعلمُ.
وإِلى هُنا انْتَهى الكلامُ في أقسامِ صِيَغِ الأداءِ.
(ثمَّ الرُّواةُ إِنِ اتَّفَقَتْ أسماؤهُم وأسماءُ آبائهم فصاعداً، واختَلَفَتْ
أشخاصُهُم)، سواءٌ اتَّفَقَ في ذلك اثْنانِ مِنْهُم أَمْ أكثرُ، وكذلك إِذا اتَّفَقَ اثْنانِ
(١) في رسالته المذكورة.
(٢) هو أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر الكاتب البغدادي؛ كما في ((التقييد
والإِيضاح)) (ص ١٨٣) للعراقي، وانظر: ((محاسن الاصطلاح)) (ص ٢٦٧) للبلقيني .
(٣) في ((علوم الحديث)) (ص ١٣٨) له.
١٧٥

٦٤ - وإِنِ اتّفَقَتِ الأسْماءُ خَطّاً واخْتَلَفَتْ نُطْقاً؛ فهُوَ: المُؤتَلِفُ
والمُخْتَلِفُ.
فصاعداً في الكُنيةِ والنِّسبةِ؛ (فهُو) النَّوعُ الَّذي يُقالُ لهُ: (المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ)(١).
وفائدَةُ معرفَتِهِ: خَشْيَةُ أَنْ يُظَنَّ الشَّخصانِ شَخْصاً واحِداً.
وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتاباً حافِلًا (٢).
وقد لخّصْتُهُ وزِدْتُ عليهِ أشياءَ كثيرةً(٣).
وهذا عكسُ ما تقدَّمَ مِن النَّوعِ المسمَّى بالمُهْمَلِ (٤)؛ لأنَّهُ يُخْشى منهُ(٥)
أَنْ يُظَنَّ الواحِدُ اثنَيْن، وهذا يُخْشى منهُ(٥) أَنْ يُظنَّ الاثنانِ واحِداً.
(وإِنِ اتَّفَقَتِ الأسماءُ خَطّاً واختَلَفَتْ نُطْقاً) سواءً كانَ مرجِعُ الاختلافِ
النَّقْطَ أَم الشَّكْلَ؛ (فُهُو المُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ).
ومعرفتُه مِن مهمَّاتِ هذا الفنِّ، حتَّى قَالَ عليُّ بنُ المَدينيِّ: ((أشدُّ
(١) في طبعة العتر (ص ٦٨): ((المتَّفق عليه)) !!
(٢) منه عدَّة نسخ مخطوطة في مكتبات العالم؛ كما في ((تاريخ الأدب العربي)) (١
/ ٥٦٤)، و((فهرس المخطوطات المصوّرة)) (٢ / ١٥٢).
وقد انتقده ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص ٣٢٤) بقوله: ((وهو مع أنه كتاب
حفيل غير مستوفٍ للأقسام التي أذكرها))، وفي خزانة كتبي نسخة مصوَّرة عن مخطوطة له.
(٣) أشار إليه السخاوي في ((الجواهر والدُّرر)) (ق ١٣٨ /أ)، وقال: (( ... معَ ترتيبه
والزيادة علیه، ولم يكمل)).
(٤) انظر ما سبق برقم (٥٧): ((المهمل)).
(٥) وفي نسخة: ((فيه))!
١٧٦

التَّصحيفِ ما يقعُ في الأسماءِ))(١)، ووجَّهَهُ بعضُهم (٢) بأنَّهُ شيءٌ لا يَدْخُلُهُ
القياسُ، ولا قَبْلَهُ شيءٌ يدلُّ عليهِ ولا بعدَه.
وقد صنَّفَ فيهِ أَبو أَحمدَ العسكريُّ (٣)، لكنَّه أَضافَهُ إِلى كتابٍ
((التَّصحیفِ)) (٤)له.
ثَمَّ أَفرَدَهُ بالتََّلِيفِ عبدُ الغنيِّ بَنُ سعيدٍ (٥)، فجَمَعَ فيهِ كِتابینٍ، كتاباً في
((مُشْتَبِهِ الأسماءِ))، وكتاباً في ((مُشْتَبِهِ النِّسبةِ))(٦).
وجَمَعَ شيخُهُ الدَّارقطنيُّ في ذلك كتاباً حافِلًا (٧).
(١) ((تصحيفات المحدِّثين)) (١ / ١٢)، و((شرح ما يقع فيه التصحيف)) (ص ٢٦).
(٢) هو إبراهيم بن عبدالله النُّجَيْرميُّ؛ كما رواه عنه عبدُ الغني الأزدي في ((المؤتلف))
(ص ٢).
(٣) واسمه ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف))، وقد طبع منفرداً في مصر سنة
(١٩٦٣م) بمطبعة مصطفى البابي الحلبي .
(٤) هو كتاب ((تصحيفات المحدِّثين))، وقد سبقت الإشارة إليه .
حيث قال فيه (١ / ٤): ((هذا كتاب شرحت فيه الأسماء والألفاظ المشكلة، التي
تتشابه في صورة الخطّ، فيقع فيها التصحيف، واختصرته من الكتاب الكبير الذي كنتُ
عمِلتُه في سائر ما يقع فيه التصحيف)).
(٥) هو الأزدي، المتوفَّى سنة (٤٠٩ هـ).
(٦) وكلا الكتابين مطبوعان في الهند سنة (١٣٢٧ هـ) طبعة حجرية، بتحقيق :
محمد محيي الدين الجعفري .
(٧) واسمُه ((المؤتلف والمختلف))، طبع في أربع مجلّدات، والخامس فهارس،
بتحقيق الدكتور: موفّق عبد القادر.
١٧٧

ثُمَّ جَمَعَ الخطيبُ ذَيلًا (١).
ثُمَّ جَمَعَ الجَمِيعَ أَبو نَصْرِ بنُ ماكُولا في كتابِه ((الإِكمالِ)) (٢).
واسْتَدْرَكَ عليهِم في كتابٍ آخَرَ(٣) جَمَعَ فيهِ أَوْهَامَهُمْ وبيَّنَها .
وكتابُه مِن أُجمعِ ما جُمِعَ في ذلك، وهُو عُمدةُ كلِّ محدِّثٍ بعدَه.
وقد استَدْرَكَ عليهِ أَبو بكر بنُ نُقطَّةَ ما فاتَه، أَو تجدَّدَ بعدَه في مجلَّدٍ
ضَخْمٍ (٤).
ثُمَّ ذَيَّلَ عليهِ منصورُ بنُ سَليمٍ - بفتحِ السَّينِ - في مجلَّدٍ لطيفٍ (٥).
وكذلك أبو حامدِ ابنُ الصَّابونيِّ(٦).
وجمَعَ الَّذهبيُّ في ذلكَ كِتاباً مُختَصراً جدّاً(٧)، اعتَمَدَ فيهِ على الضَّبْطِ
(١) واسمه ((المؤتَنِف في تكملة المؤتلف والمختلف))، توجد منه نسخة خطيّة في
برلين - ألمانيا الغربية (رقم ١٠١٥٧).
(٢) وهو مطبوع، بتحقيق: العلامة المعلِّمي اليماني، في سبعة مجلَّدات في الهند.
(٣) واسمه ((تهذيب مستمرّ الأوهام ... ))، ولم يُطبَع إلى هذه الساعة .
وعندي منه نسختان خطَّتان، وأعمل في تحقيقه، أسأل الله التيسير ..
(٤) واسمه ((تكملة الإِكمال))، طبع منه مجلَّدان، بتحقيق: الدكتور عبد القُّوم عبد
ربِّ النبي .
(٥) واسمه «ذيل كتاب ((مشتبه الأسماء والنسب)) المذيَّل على كتاب ابن ماكولا))،
منه نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، كما في ((فهرس معهد المخطوطات)) (رقم ٦٧٨
- تاريخ).
(٦) طُبع في العراق سنة (١٩٥٧م)، بتحقيق: الدكتور مصطفى جواد.
(٧) واسمه ((المشتبه))، طبع في جزءين بمجلَّد واحد، بتحقيق: علي محمد
البجاوي، سنة (١٩٦٢م).
١٧٨

٦٥ - وإِن اتّفَقَتِ الأسْماءُ واخْتَلَفَتِ الآباءُ أو بالعَكْسِ ؛ فَهُو:
المُتشابهُ .
بالقَلَمِ ، فَكَثُرَ فِيهِ الغَلَطُ والتَّصحيفُ المُباينُ لموضوعِ الكِتَابِ(١).
وقد يسَّرَ اللهُ تَعالى بتوضيحِهِ في كتابٍ سمَّيْتُهُ («تَبْصير المُنْتَبَه بتحرير
المُشْتَبه))، وهو مجلَّدٌ واحدٌ(٢)، فَضَبَطَتُهُ بالحُروفِ على الطّريقةِ المَرْضِيَّةِ،
وزدتُ عليهِ شيئاً كثيراً ممَّا أَهْمَلَهُ، أَو لمْ يَقِفْ عليهِ، ولله الحمدُ على ذلك (٣).
(وإِنِ اتَّفَقَتِ الأسماءُ) خطّاً ونُطْقاً، (واخْتَلَفَتِ الآباءُ) نُطْقاً مع اثْتِلافِها
خطَّاً؛ كمحمَّدِ بنِ عَقيلٍ - بفتحِ العينِ -، ومحمَّدِ بنِ عُقَيْلٍ - بضمِّها -: الأوَّلُ
نيسابوريٍّ (٤)، والثاني فِرْيابيُّ (٥)، وهُما مشهورانِ، وطبقتُهما مُتقاربةٌ، (أَو
بالعكسِ)؛ كأَنْ تختَلِفَ الأسماءُ نُطْقاً وتَأْتِلِفَ خطّاً، وتَّفْقَ الآباءُ خطّاً ونُطقاً؛
كشُريحٍ بنِ النَّعمانِ، وسُرَيْجٍ بن النُّعمانِ، الأوَّلُ (٦) بالشِّين المُعجمةِ والحاءِ
المُهملةِ، وهو تابعيٌّ يروي عن عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ، والثَّاني (٧): بالسِّين المُهمَلَةِ
(١) لذا استدرك عليه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتاب حافل سمَّاه
((الإِعلام بما وقع في ((مشتبه)) الذهبي من الأوهام))، طبع في مجلد، بتحقيق: عبد رب النبي
محمد .
(٢) وطبع في أربعة مجلدات، بتحقيق: علي محمد البجاوي .
(٣) وللحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي المتوفّى سنة (٨٤٢هـ) كتاب ((توضيح
المشتبه)»، طُبع الأول منه، فإن تمَّ ؛ لعلَّه يكون أوعب الكتب في بابه .
(٤) انظر: ((تلخيص المتشابه في الرسم)) (١ / ١١٤) للخطيب.
(٥) ((تلخيص المتشابه في الرسم)) (١ / ١١٤) للخطيب.
(٦) ((تلخيص المتشابه في الرسم)) (١ / ١١٥) للخطيب.
(٧) ((تلخيص المتشابه في الرسم)) (١ / ٤٩٧) للخطيب.
١٧٩

وَكَذا إِنْ وَقَعَ الاتِّفاقُ في الاسمِ واسمِ الأبِ، والاختلافُ في
النِّسَبَةِ .
٦٦ - ويَتَرَكَّبُ مِنْهُ ومِمَّا قَبْلَهُ أَنْواعُ:
مِنها: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفاقُ أَو الاشتباهُ؛ إِلَّ: فِي حَرْفٍ أَو حَرْفَيْنِ،
أَو بالتَّقْدِيمِ والتَّْخيرِ، أَو نَحْوَ ذلكَ.
والجيمِ ، وهُو مِن شُيوخِ البُخاريِّ؛ (فهُو) النَّوعُ الَّذي يُقالُ لهُ: (المُتشابهُ).
(وَكَذا إِنْ وَقَعَ) ذلك (الاتّفاقُ في الاسمِ واسمِ الأبِ، والاختلافُ في
النِّسبةِ).
وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتاباً جَليلاً سمَّاهُ (تَلخيصَ المُتشابِهِ)) (١).
ثمَّ ذَيَّلَ (٢) هُو عليهِ أَيضاً بما فاتَه أَوَلاً، وهُو كثيرُ الفائدةِ.
(ويتَرَكَّبُ مِنْهُ وممَّا قبلَهُ أَنواعٌ):
(منها: أَنْ يَحْصُلَ الاتِّفاقُ أَو الاشتباهُ) في الاسمِ واسمِ الأب مثلًا؛ (إِلَّ
في حرفٍ أَو حرْفَيْنٍ)، فأكثرَ، مِن أَحدِهِمَا أَوْ مِنْهُما.
وهُو على قسمين :
إِمَّا أَنْ يكونَ الاخْتِلافُ بالتَّغيير، معَ أَنَّ عدَدَ الحُروفِ ثابتٌ في الجِهَتَيْنِ.
(١) وتتَمَّة اسمه (( ... في الرسم، وحماية ما أشكل منه عن بوادر التَّصحيف
والوهم))، وقد طُبع بدمشق في مجلَّدين.
(٢) واسمه: ((تالي التَّلخيص))، منه نسخة مصوَّرة في معهد المخطوطات العربية؛
كما في «فهرسه)) (رقم ١٠٥٣ - تاريخ).
وانظر: مقدمة ((توضيح المشتبه)) (١ / ٢٤).
١٨٠