Indexed OCR Text
Pages 81-100
شخصٍ معيَّنٍ، وإِنْ كانَ الحَديثُ في نفسِه مشهوراً (١). (وَيَقِلُّ إِطلاقُ الفَرْدِيَّةِ عليهِ)؛ لأنَّ الغَرِيبَ والفَرْدَ مُترادِفَانٍ(٢) لغةً واصْطِلاحاً؛ إِلَّ أَنَّ أَهْلَ الاصطِلاحِ غايَروا بينَهُما من حيثُ كَثْرَةُ الاستِعمالِ وقِلَّتُهُ. فالفرْدُ أَكْثَرُ ما يُطْلِقونَهُ على الفَرْدِ المُطْلَقِ . والغَريبُ أكثرُ ما يُطْلِقونَهُ عَلى الفَرْدِ النِّسبيِّ . وهذا مِن حيثُ إِطلاقُ الاسمِ عليهِما. وأُمّا مِنْ حيثُ استِعْمالُهم(٣) الفِعْلَ المُشْتَقَّ؛ فلا يُفَرِّقُونَ، فَيقولونَ في المُطْلَقِ والنِّسبِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ فُلانٌ، أَو: أَغْرَبَ بِهِ فُلانٌ. وقَريبٌ مِن هذا اختلافُهُم في المُنْقَطِعِ والمُرْسَلِ (٤)؛ هلْ هُما مُتغايرانِ أَوْ لا؟ فَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثين عَلى التَّغايُرِ، لكنَّهُ عندَ إِطلاقِ الاسمِ ، وأَمَّا عندَ اسْتِعْمَالِ الفِعْلِ المُشْتَقِّ فيستَعْمِلونَ الإِرسالَ فقَطْ فيقولونَ: أَرْسَلَهُ فلانٌ، سواءٌ (١) ((وقد يشتهر الحديث بأن يروي عن ذلك المتفرِّد كثيرون؛ كحديث: ((إنما الأعمال بالنَّات))، وحاصله أنه إنما سُمِّي نسبيّاً لأن التفرُّد إنما حصل فيه بالنسبة إلى شخص معيَّن من طريق واحد، وإن كان مشهوراً في نفسه)) ((شرح القاري)) (ص ٤٩). (٢) قال الشيخ قاسم: ((الله أعلم بمن حكى هذا الترادُف)) ((اليواقيت)) (ق ٤٩ / ب). (٣) فهو استعمالُ لغويٌّ من باب التوسُّع في الكلام. (٤) سيأتي تفصيل القول فيهما. ٨١ 1 ٦ - وخبرُ الآحادِ؛ بنقل عَدْلٍ تامُّ الضَّبْطِ، مُتّصِلَ السَّنَدِ، غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٌّ: هو الصَّحیحُ لذاتِه. كانَ ذلكَ مُرْسَلَا أَو مُنْقَطِعاً. ومِن ثَمَّ أَطْلَقَ غيرُ واحِدٍ - مِمَّن لم يلاحِظُ مواضِعَ اسْتِعمالِهِ - على كثيرٍ مِن المُحدِّثِينَ أَنَّهُم لا يُغايِرونَ بينَ المُرْسَلِ والمُنْقَطِعِ! وليسَ كذلك؛ لما حَرَّرناهُ، وقلَّ مَن نَبَّهَ على النّكْتَةِ(١) في ذلك، واللهُ ءَ علمُ. (وخَبَرُ الآحادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ تامِّ الضَّبْطِ مُتَّصِلِ السَّنَدِ غيرَ مُعَلَّلٍ ولا شاذٌ هُو الصَّحِيحُ لذاتِه)، وهذا أُوَّلُ تقسيمٍ مقبولٍ إِلى أربعة أنواع ؛ لأنَّهُ إِمَّا أَنْ يشتَمِلَ مِن صفاتِ القَبولِ على أَعْلاها أولا: الأوَّلُ: الصَّحيحُ لذاتِهِ . والثَّاني: إِنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذُلكَ القُصورَ؛ ككثْرَةِ الطُّرُق؛ فَهُو الصَّحيحُ أيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ . وحيثُ لا جُبْرانَ(٢)؛ فهُو الحسنُ لذاتِهِ . وإِنْ قامَتْ قرينةٌ تُرَجِّحُ جانِبَ قَبولِ مَا يُتَوَقَّفُ فيهِ؛ فَهُو الحسنُ أَيضاً، لكنْ لا لذاتِهِ (٣). (١) وللمصنِّف - رحمه الله - في ((النُّكت على ابن الصلاح)) (٢ / ٥٤٣ و٥٧٣) فوائد لطاف، ونقول ظراف، في تأكيد هذه النكتة وبيانها . (٢) لذلك القُصور. (٣) وفي ((النكت)) (١ / ٤١٣) تفصيلٌ قويٌّ في هذا. ٨٢ وقُدِّمَ الكَلامُ على الصَّحيحِ لذاتِهِ لعُلُوِّ رُتْبَتِهِ . والمُرادُ بالعَدْلِ: مَنْ لهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ على مُلازمةِ التَّقوى والمُروءةِ. والمُرادُ بالتَّقوى: اجْتِنابُ الأعمالِ السَّيِّئَةِ مِن شِرْكٍ أو فِسقِ أو بدعةٍ . والضَّبْطُ : ضَبْطُ صَدْرٍ (١)، وهُو أَنْ يُثَّبِّتَ ما سَمِعَهُ بحيثُ يتمكَّنُ مِن استحضارِهِ مَتى شاء. وضَبْطُ كِتَابٍ(٢): وهُو صيانَتُهُ لديهِ منذُ سمِعَ فيهِ وصحَّحَهُ إِلى أَنْ يُؤدِّيَ منهُ. وقُيِّدَ بـ (التَّامِّ) إِشارةً إِلى الرُّتبةِ العُليا في ذلكَ. والمُتَّصِلُ: ما سَلِمَ إِسنادُه مِن سُقوطٍ فيهِ، بحيثُ يكونُ كُلُّ مِن رجالِه سمِعَ ذلكَ المَرْوِيَّ مِن شیخِهِ . والسَّنَدُ: تقدَّمَ تعريفُهُ . والمُعَلَّلُ لُغةً: ما فِيهِ عِلَّةُ، واصطلاحاً: ما فيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةُ (٣) قادِحةٌ. والشَّاذُّ لُغةً: المُنفَردُ، واصطلاحاً: ما يُخالِفُ فيهِ الرَّاوي مَن هُو أُرْجَحُ Qu منهُ. ولهُ تفسيرٌ آخرُ سيأتي . تنبيه: قولُهُ: ((وخبرُ الآحادِ))؛ كالجِنْس ، وباقي قُيُودِهِ كالفَصْلِ . (١) أي: حفظاً في الذاكرة. (٢) أي : حفظاً في كتاب مستقلٌّ مصونٍ . (٣) قيدٌ مهمٌّ، يخرُج به أيُّ ضعفٍ أو تعليلٍ في الأسانيد، فلا يسمَّى معلولاً إلا ما كان فيه علَّة خفيَّة، أما إذا كانت ظاهرةً؛ فلا يسمَّى كذلك. ٨٣ وتتفاوَتُ رُتَبَّهُ بِتفاؤُتِ هذهِ الأوصافِ . وقولُهُ: ((بِنَقْلِ عَدْلٍ))؛ احْتِرازٌ عَمَّا يَنْقُلُهُ غيرُ العَدْلِ (١). وقولُهُ: ((هُو)) يسمَّى (٢) فَصْلا يَتَوَسَّطُ بِينَ المُبتَدَإِ والخَبَرِ، يُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ خَبْرٌ عَمَّا قَبْلَهُ، وليسَ بِنَعْتٍ لهُ. وقولُهُ: ((لذاتِهِ))؛ يُخْرجُ ما يسمَّى صحيحاً بأمرٍ خارِجٍ عنهُ؛ كما تقدَّمَ. (وَتَتَفاوَتُ رُتَّهُ)؛ أَي: الصَّحِيحُ، (ب) سببِ (تَفاوُتِ هذهِ الأوْصافِ) المُقْتَضِيَةِ للتَّصحيحِ في القُوَّةِ؛ فإِنَّها لمَّا كانَتْ مُفيدةً لغَلَبَةِ الظِّّ(٣) الَّذي عليهِ مَدارُ الصِّحَّةِ؛ اقْتَضَتْ أَنْ يكونَ لها دَرجاتٌ بعضُها فَوْقَ بعضٍ بِحَسَبِ الأمورِ المُقَوِّيةِ . وإِذا كانَ كذلك فما يَكونُ رُواْتُهُ في الدَّرجةِ العُليا مِن العدالَةِ والضَّبْطِ وسائِرِ الصِّفاتِ التي تُوجِبُ التَّرجيحَ؛ كانَ أَصحَّ ممَّا دونَهُ. فَمِنَ الَرْتَبَةِ العُلْيا في ذلك ما أَطْلَقَ عليهِ بعضُ الأئمَّةِ(٤) أَنْهُ أَصحُّ الأسانيدِ : كالزُّهْرِيِّ عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أَبيهِ. وكمحمَّدِ بنِ سيرينَ عن عَبيدةً(٥) بنِ عَمْرٍو السَّلْمانِّ عَن عَليٍّ . (١) کالمجهول ونحوه . (٢) أي: الضمير (هو). (٣) قال المصنف: ((والغلبة ليست بقيد، وإنما أردت دفع توهُّم إرادة الشك لو عبّرتُ بالظنّ)) ((یواقيت)) (ق ٥٤ / ب). (٤) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (١ / ٢٤٧ - ٢٦٢) للمصنّف؛ ففيه تفصيلٌ زائدٌ . (٥) بفتح العين. انظر: ((المشتبه)) (٢ / ٤٣٧) للإمام الذهبي، و((التبصير)) (٣ / ٩١٣) للمصنف . ٨٤ وكَإِبراهيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عن ابنِ مَسعودٍ. ودونَها في الرُّتبةِ: كروايةٍ بُرَيْدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي بُرْدَةً عن جَدِّهِ عن أبيهِ أبي مُوسی . وكَحمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثابتٍ عَنْ أَنْسٍ . ودُونَها في الرُّتْبَةِ : كسُهَيْلٍ بِنِ أَبي صالِحٍ عنْ أَبيِهِ عنْ أَبي هُريرةَ. وكالعَلاءِ بنِ عبدِ الرحمن عنْ أَبيهِ عن أبي هُريرةَ. فإِنَّ الجَميعَ يشمَلُهُم اسمُ ((العَدالَةِ)) و ((الضَّبْطِ))؛ إِلَّ أَنَّ للمَرْتَبَةِ الأولى مِن الصِّفاتِ المُرجِّحَةِ ما يقتضي تقديمَ روايتِهِم على الَّتِي تَليها، وفي الَّتي تليها مِن قوَّةِ الضَّبْطِ ما يقتَضي تقديمَها على الثَّالِثَةِ، وهِي مقدّمةٌ على روايةٍ مَن يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بهِ حَسناً؛ كمحمَّدٍ بنِ إِسحاقَ(١) عن عاصمِ بنِ عُمَرَ عن جابرٍ، وعمرو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ. وقِسْ على هذهِ المراتِب ما يُشبهُها. المرتَبَةُ الأولى هِيَ الَّتِي أَطلَقَ عليها بعضُ الأئمّةِ أنَّها أُصحُّ الأسانيدِ، والمُعْتَمَدُ عِدمُ الإِطلاقِ لترجَمةٍ معيَّنَةٍ منها . نعم؛ يُستَفادُ مِن مجموع ما أُطلقَ الأئمَّةُ عليهِ ذلك أَرجَحِيَّتُهُ على ما لمْ يُطْلِقوهُ. (١) قال شيخنا في حواشيه على ((النزهة)): ((هو ابنُ يسار، صاحب ((المغازي))، وهو معروف بالتدليس، فلا يكون إسناده حسناً؛ إلا إذا صرَّح بالتحديث، فلو قال المصنف: ((حدَّثنا عاصم بن عمر عن جابر))؛ لكان أقرب إلى الصواب، فتأمَّل)). ٨٥ ويلْتَحِقُ بهذا التَّفاضُلِ ما اتَّفَقَ الشَّيخانِ على تَخريجِه بالنّسبةِ إِلى ما انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُما، وما انْفَرَدَ بِهِ البُخاريُّ بالنّسبةِ إِلى ما انْفَرَدَ بِهِ مُسلمٌ؛ لاتَّفاقِ العُلماءِ بعدَهِما على تلقِّي كِتَابَيْهِما بالقَبولِ ، واختِلافِ بعضِهِم على أيِّهما أَرْجَحُ، فما اتَّفقا عليهِ أَرجَحُ مِن هَذِهِ الحيثَّةِ ممَّا لم يتَّفقا عليهِ. وقد صرَّحَ الجمهورُ بتقديمِ ((صحيحِ البُخاريِّ)) في الصِّحَّةِ، ولم يوجَدْ عنْ أَحدٍ التَّصريحُ بنقيضِهِ . وأَمّا ما نُقِلَ عَن أَبي عليٍّ النَّيْسابوريِّ(١) أَنَّهُ قالَ: ما تحتَ أُديمِ السَّماءِ أَصُّ مِن كتابٍ مُسلمٍ ؛ فلمْ يُصرَّحْ بكونِه أَصَّ مِن ((صحيحِ البُخاريِّ))(٢)؛ لأنَّهُ إِنَّمَا نَفِى وُجودَ كِتابٍ أَصحَّ مِن كتابٍ مسلم؛ إِذِ المَنْفِيُّ إِنَّمَا هُو ما تَقْتَضِيهِ صيغَةُ ((أَفْعَلَ)) مِن زيادَةٍ صحَّةٍ في كِتَابٍ شارَكَ كتابَ مُسلمٍ في الصِّحَّةِ، يمتازُ بتلكَ الزِّيادَةِ عليهِ، ولم يَنْفِ المُساواةَ(٣). وكذلكَ ما نُقِلَ عنْ بعضِ المَغَارِبَةِ(٤) أنَّهُ فَضَّلَ ((صحيحَ مُسلمٍ)) على (١) توفي سنة (٣٤٩)، ترجمته في ((تاريخ بغداد)) (١ / ٧١). (٢) ((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٠١)، ((صيانة صحيح مسلم)) (ص ٦٩)، و ((مقدمة ابن الصلاح)) (١٤ - ١٥). (٣) يُنْظَر التوسُّع في توجيه كلمة أبي علي النيسابوري هذه في: ((هدي الساري)) (ص ١٢)، و((صيانة صحيح مسلم)) (ص ٦٩ - ٧١)، و((تدريب الراوي)) (١ / ٢١٥ - ٢١٦) . (٤) قال المصنف في ((النكت الصلاحية)) (١ / ٢٨٢): ((قد وجدتُ التصريح بما ذكره المصنف [ابن الصلاح] من الاحتمال عن بعض المغاربة، فذكر أبو محمد القاسم بن القاسم التُّجيبي في ((فهرسته)) عن أبي محمد بن حزم: أنه كان يفضِّل كتاب مسلم على كتاب = ٨٦ ٠ ٠ ((صحيحِ البُخاريِّ))؛ فذلكَ فيما يرجِعُ إِلى حُسْنِ السِّياقِ وجَوْدَةِ الوَضْعِ والتَّرتيب. ولم يُفْصِحْ أَحدٌ منهُم بأَنَّ ذلكَ راجِعٌ إِلى الأصخِيَّةِ، ولو أَفْصَحوا به لردّهُ عليهِمْ شاهِدُ الوُجودِ، فالصِّفاتُ الَّتي تدورُ عليها الصِّحَّةُ في كتابِ البُخاريِّ أَتمّ منها في كتابٍ مسلمٍ وأَشْدُّ، وشرطُهُ فيها أقوى وأَسدُّ : وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ الاتصالُ؛ فلاشْتِراطِهِ أَنْ يكونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لهُ لِقاءُ مَنْ روى عنهُ ولو مَرَّةً، واكْتَفى مُسْلِمٌ بِمُطْلَقِ المُعاصَرَةِ، وأَزَمَ البُخاريَّ بأنّهُ يحتاجُ إِلى أَنْ لا يَقْبَلَ العَنْعَنَةَ(١) أَصلاً! وما أَلْزَمَهُ بِهِ ليسَ بلازِمٍ ؛ لأنَّ الرَّاويَ إِذا ثبتَ لهُ اللِّقَاءُ مرَّةً؛ لا يجْري في = البخاري؛ لأنه ليس فيه بعد خُطبته إلا الحديث السَّرْد)). قلت: والتُّجيبي: هو القاسم بن يوسف بن محمد بن علي بن القاسم، المتوفى سنة (٧٣٠هـ)، المترجم في: ((الدرر الكامنة)) (٣ / ٢٤٠)، و((نيل الابتهاج)) (٢٢٢)، و ((فهرس الفهارس)) (١ / ١٩١). وكلامُه المنقول عنه موجود في ((برنامجه)) (ص ٩٣) المطبوع في الدار العربية للکتاب، لیبیا - تونس . ولم يقف على ترجمته أو كتابه أخونا الفاضل الدكتور ربيع بن هادي في تعليقه على ((النُّكت))! فلْيُضَفْ إليه . ثم قال الحافظ في ((النُّكت)): ((وما فضَّله به بعض المغاربة ليس راجعاً إلى الأصحِّيَّةِ، بل هو لأمور (ثم ذكرها))؛ فراجِعْه غير مأمور. (١) وللإِمام ابن رُشَيد الفِهْري كتاب ((السَّنَن الأبْيَن والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإِمامين في السَّند المعنعن))؛ مطبوعٌ في المغرب. ٨٧ رواياتِهِ احْتِمالُ أَنْ لا يكونَ سمِعَ منهُ؛ لأنَّهُ يلزمُ مِن جَريانِهِ أَنْ يكونَ مُدَلّساً، والمسألةُ مَفروضَةٌ في غيرِ المُدَلِّس (١). وأَمَّا رُجْحانُهُ مِنْ حيثُ العَدالَةُ والضَّبْطُ؛ فلأنَّ الرِّجالَ الَّذِينَ تُكُلَّمَ فيهِم مِن رجالٍ مُسلِمٍ(٢) أَكثرُ عدداً مِن الرِّجالِ الَّذينَ تُكُلَّمَ فيهِم مِن رجالٍ البُخاريِّ(٣)، معَ أَنَّ الْبُخارِيَّ لم يُكْثِرْ مِن إِخراجٍ حَديثِهِمْ، بل غالِبُهُمْ مِن (١) قال شيخنا في ((حواشيه)) على ((النُّزهة)) - ومِن خطّه أنقل -: ((هذا الجواب صحيح وسديد جدّاً، ولكنك لو تأملت فيه؛ لرأيت أنه من صالح الإِمام مسلم رحمه الله تعالى؛ لأن له أن يقول: إذا كانت المسألة مفروضةً في غير المدلِّس؛ فلماذا يحملُ البخاريُّ روايةَ المعاصِر على غير الاتصال مع أنه غير مدلِّس؟ فإن قال: يُحْتَمَل أنه لقيَهُ! قُلنا: بالاحتمال لا يسوغُ الغمز في الرجال، ألا ترى أنه يرد مثله على البخاري، فيُقال عليه: إنَّ رواية المُلاقي عمَّن لَقِيَه بصيغة العنعنة يرد عليه [عليها] مثلُ ما أورد على المعاصر، [فـ] يُحْتَمَل أنه لم يسمع منه هذا الحديث! فإن أجاب بما سبق عن الحافظ، وهو قوله: ((يلزم من جَرَيانه أن يكون مدلِّساً، والمسألة مفروضةٌ في غيرِ المدلِّس))؛ كان هو الجواب بعينه عن مُسلم، فحينئذ لزم البخاري أن يوافقه على الاحتجاج برواية المُعاصر، وحملِها على الاتصال، أو أن لا يقبلَ المعنْعَنَ أصلاً، وهو ما ألزمه به مسلمٌ، وهذا مما لا يقول به البخاري ولا غيرُه، فثبت الإِلزام، فتأمَّل))، وانظر (ص ١١٥ و١٧٢) فيما يأتي . (٢) ولأخينا الدكتور سلطان العكايلة كتابٌ سماه ((الرواة المتكلّم فيهم في صحيح مسلم))، وهو أطروحته الماجستيرية المقدَّمة إلى الجامعة الإِسلامية في المدينة النبويَّة، ولم تُطبع. (٣) جمَعَهُم المصنّف مرتّباً إياهم على حروف المعجم في ((هَدْي الساري)) (٣٨٤ - ٤٦٤)، وقد دافَعَ عنهُم دفاعاً كبيراً. ٨٨ • ومن ثَمَّ قُدِّمَ: ((صَحِيحُ البُخاريِّ))، ثمَّ مُسْلِمٌ، ثمَّ شرطُهُما. شيوخِهِ الَّذينَ أَخَذَ عنْهُم ومَارَسَ حَديثُهُم؛ بخِلافٍ مُسلمٍ في الأمْرَينِ(١). وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ عدمُ الشُّذوذِ والإِعلالِ؛ فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البُخاريِّ مِن الأحاديثِ أَقلُّ عدداً مِمَّا انْتُقِدَ على مُسْلِمٍ، هذا مع اتَّفَاقِ العُلماءِ على أَنَّ البُخاريّ كانَ أَجَلَّ مِن مُسْلِمٍ في العُلومِ وأَعْرَفَ بصِناعةِ الحَديثِ مِنْهُ، وأَنَّ مُسلماً تِلْميذهُ وخِرِّيجُهُ، ولم يزَلْ يَسْتَفِيدُ منهُ ويتَبَّعُ آثارَهُ حتَّى قالَ الدَّارَقُطِنِيُّ: لولا البُخاريُّ لَما راحَ مُسْلِمٌ ولا جَاءَ(٢). (ومِنْ ثَمَّ)؛ أي: من هذه الحيثيّةِ - وهي أُرجحيَّةُ شَرْطِ البُخاريِّ على غيرِه - (قُدِّمَ صَحِيحُ البُخاريِّ) على غيرِهِ من الكُتُبِ المُصَنَّفةِ في الحديثِ. (ثُمَّ) صحيحُ (مُسْلمٍ)؛ لمُشارَكَتِه للبُخاريِّ في اتّفاقِ العُلماءِ على تَلَقِّي كِتابِهِ بالقَبولِ أَيضاً، سوى ما عُلِّلَ. (ثُمَّ) يُقَدَّمُ في الأرجحيَّةِ من حيثُ الأصحِّيَّةُ ما وافَقَهُ (شَرْطُهُمًا)(٣)؛ لأنَّ المُرادَ به رواتُهُما معَ باقي شُروطِ الصَّحيحِ ، ورواتُهما قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بطريقِ اللُّزوم (٤)، فهم مُقَدَّمونَ على غيرِهم في رواياتِهم، (١) هذا الدفاع عن البخاري ينعكس بالنَّقد على مسلم - رحمهما الله -، والأصل تحسين الظن بهما، والدفاع عنهما؛ دون أن يدفعنا دفاع عن أحدهما إلى نقد الآخر! (٢) في ((تاريخ بغداد)) (١١ / ١٠٢): ((إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه، وحذا حَذْوَه، ولمَّا ورد البخاري نيسابور في آخر أمره؛ لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه، (ثم أسند هذه الكلمة عن الدارقطني))). (٣) وفي ((شروط الأئمّة ... )) لابن طاهر وللحازميِّ تفصيلٌ مطوّل في ذلك. (٤) ((أي: لأن العلماء لما تلَقَّوْا كتابيهما بالقَبول؛ لَزِم منه تعديلهم، وإن كان الحامل لهم على التلقِّي كونَهم عدولاً)) ((لقط الدُّرر)) (ص ٤٦). ٨٩ وهذا أصلٌ لا يُخْرَجُ عنهُ إِلَّ بدليلٍ (١). فإِنْ كانَ الخَبرُ على شَرْطِهما معاً؛ كانَ دونَ ما أُخرَجَهُ مسلمٌ أَو مثلَه. وإِنْ كانَ على شَرْطِ أَحَدِهِما؛ فيُقَدَّمُ شَرْطُ البُخاريِّ وحْدَه على شرطٍ مُسلمٍ وحدَه تَبَعاً لأصلٍ كُلٍّ منْهُما. فخَرَجَ لنا مِن هذا سِتَّةُ أَقسامٍ تتفاوتُ دَرَجاتُها في الصِّحَّةِ . وثَمَّةَ قسمٌ سابِعٌ، وهو ما ليسَ على شرطِهما اجتماعاً وانْفراداً. وهذا النَّفاوتُ إِنَّما هو بالنَّظرِ إِلى الحيثيَّةِ المذكورةِ. أَمَّا لو رُجِّحَ قِسْمُ على ما فَوْقَهُ بأمورٍ أُخرى تقتَضي التَّرْجِيحَ؛ فإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما فَوْقَهُ - إِذْ قَدْ يَعْرِضُ للمُفَوَّقِ(٢) ما يجعَلُهُ فائقاً .. كما لو كانَ الحديثُ عندَ مُسلم مثلاً، وهُو مشهورٌ قاصِرٌ عن دَرَجَةِ التَّواتُر، لكنْ حَقَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها يُفيدُ العِلْمَ؛ فإِنَّهُ يُقَدَّمُ على الحديثِ الذي يُخْرِجُهُ البُخاريُّ إِذا كانَ فَرْداً مُطْلقاً(٣). وكما لو كانَ الحَديثُ الَّذي لم يُخْرِجاهُ مِن ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونِها أُصَحَّ الأسانيدِ كمالِكٍ عن نافعٍ عن ابن عُمرَ(٤)؛ فإِنه يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بِهِ أَحدُهُما (١) قال شيخُنا في ((حواشيه)) على ((النُّزهة)): ((فيه إشارة لطيفة إلى أن الترجيح المذكور يمكن أن لا يضطرد، لكن بدليل، وسيذكر المصنّف رحمه الله قريباً الدليل العمليَّ على أنه ليس مضطرداً)). (٢) أي : المرجوح. (٣) ((بيان للإِطلاق، وليس المراد منه الفردَ المطلقَ المقابلَ للنسبيِّ؛ كما يتبادر إلى الفهم، فكان الأولى تركه؛ لأنه يوهِم خلاف المقصود)) ((لقط الدُّرر)) (ص ٤٨). (٤) وتسمَّى ((سلسلة الذهب))، وللحازميِّ جزءٌ مفردٌ في جمعِها. ٩٠ ٧ - فإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ؛ فالحسنُ لذاتِهِ. مثلاً، لا سيَّما إِذا كانَ في إِسنادِهِ مَن فِيهِ مَقَالٌ(١). (فِإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ)؛ أي: قلَّ - يُقالُ: خَفَّ(٢) القومُ خُفوفاً: قَلُّوا - والمُرادُ معَ بقيَّةِ الشُّروطِ المُتقدِّمَةِ في حَدِّ الصَّحيحِ؛ (ف) هُو (الحَسَنُ لذاتِهِ)(٣) لا (١) قال شيخُنا في ((حواشيه)) على ((النُّزهة)): ((وفي هذه الحالة لا يبدو ثمَّة فرقٌ بين أن يكون ممَّا تفرَّد به أحدهما أو اتَّفقا عليه، ما دام أنَّ في إسناده مقالاً، فتأمَّل)). (٢) ((القاموس المحيط)) (١٠٤١ - ١٠٤٢). (٣) قال شيخنا في ((حواشيه)) على ((النُّزهة)): ((هذا التعريف على إيجازه أصحُّ ما قيل في الحديث الحسن لذاته، وهو الذي توفّرت فيه جميع شروط الحديث الصحيح المتقدِّمة؛ إلا أنه خفّ ضبط أحد رواته . ٠ وقد اضطربوا فيه اضطراباً كثيراً؛ كما يتبيّن من الرجوع إلى ((الباعث الحثيث)) وغيره. وأنتَ إذا حفِظْتَ هذا؛ سَهُل عليك التوفيق بين من يقول في حديث ما: ((إسناده حسن))، ومن يقول فيه: ((فيه ضعفٌ))؛ فهو حسن باعتبار أنه فوق الضعيف، وهو فيه ضعفٌ بالنظر إلى أنه دون الصحيح)). ولذلك قال الحافظ الذهبيُّ في رسالته ((الموقظة)) (ق ٦٩ / ٢): ((الحسن ما ارتقى عن درجة الضعف، ولم يبلغ درجة الصحة)). وممَّا سبق يتبيَّن أن الضعف نوعان: الأوَّل: يجعل الحديث حسناً دون الصحيح ولكن يُحتجُّ به. والآخر: يجعل الحديث ضعيفاً لا يُحتجُّ به. وإذا عرفت ذلك؛ فاعلم أن تمييز أحد النوعين عن الآخر هو من أدقِّ علوم الحديث وأصعبها، وذلك لصعوبة تحديد نوع ضعف الراوي؛ هل هو يسير فيكون حديثه حسناً! أو كثير فيكون حديثُه ضعيفاً! فلا جَرَم أن تختلف فيه آراء العلماء، بل رأي العالم الواحد، ولهذا قال الحافظ الذهبي في رسالته المذكورة: ((ثم لا تطمع بأنَّ للحسن قاعده تندرج تحتها كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك، فكم من حديث تردّد فيه الحفّاظ: هل = ٩١ ٨ - وبكثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ : فإِنْ جُمِعا؛ فللتَّرَدُّدِ في النَّاقِلِ حيثُ الَّفرُّدُ، وإِلَّ؛ فباعتبار إِسنادیْن. لِشيءٍ خارِجٍ ، وهُو الَّذي يكونُ حُسْنُهُ بسبب الاعْتِضادِ، نحوُ حديثِ المَسْتُورِ (١) إِذا تعَذَّدَتْ طُرُقُه . وخَرَجَ باشْتِراطِ باقي الأوْصافِ الضَّعيفُ. وهذا القِسْمُ مِن الحَسَنِ مُشارِكٌ للصَّحيحِ في الاحتجاجِ بهِ، وإِنْ كانَ دُونَه، ومشابهً لهُ في انْقِسامِه إِلى مراتِبَ بعضُها فوقَ بعضٍ . (وبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصحَّحُ): وإِنَّمَا يُحْكَمُ لهُ بالصِّحَّةِ عندَ تعدُّدِ الطُرُقِ؛ لأنَّ للصُورةِ المجموعةِ قُوَّةً تَجْبُرُ القَدْرَ الَّذي قَصَّرَ بِهِ ضَبْطُ راوِي الحَسَنِ عن راوي الصَّحيحِ ، ومِن ثَمَّ تُطلَقُ الصِّحَّةُ على الإِسنادِ الَّذي يكونُ حسناً لذاتِه لو تفرَّدَ إِذا تَعَدَّدَ . وهذا حيثُ ينفردُ الوصفُ. = هو حسن أو ضعيف أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغيّر اجتهاده في الحديث الواحد؛ يوماً يصفه بالصِّحَّة، ويوماً يصفُه بالحسن، وربَّما استضعفه، وهذا حقٌّ؛ فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقِّيه إلى رتبة الصحيح؛ فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفكُّ عن ضعف ما، ولو انفكَّ عن ذلك؛ لصحَّ باتِّفاق)). فاحفظ هذا النصَّ من هذا الإِمام الفريد؛ فإنه نفيس عزيز، لا تجده في غيره)) . قال أبو الحارث: هذا آخر ما وقفتُ عليه من تعليق شيخنا على ((النُّزهة))، ولم يتمَّه. وانظر رسالتي ((الأنوار الكاشفة)) (ص ٢٤ - ٢٥)؛ ففيها فوائد أخرى. (١) هو الراوي الذي لم تتحقَّق عدالتُه ولا جرحُه. ٩٢ - ٠ (فإِنْ جُمِعا)؛ أي: الصَّحيحُ والحسنُ في وصفِ حديثٍ واحِدٍ ؛ كقولِ التَّرمذيِّ وغيره: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ؛ (فللتَّرَدُّدِ) الحاصلِ مِن المُجتهدِ (في النَّاقلِ )؛ هَلْ اجتَمَعَتْ فيهِ شُروطُ الصِّحَّةِ أَو قَصَّرَ عَنْها (١)؟! وهذا (حَيْثُ) يَحْصُلُ منهُ (التفرُّدُ) بتلكَ الرِّوايةِ . وعُرف بهذا جوابُ مَن اسْتَشْكَلَ الجَمْعَ بينَ الوصفينِ، فقالَ: الحسنُ قاصرٌ عن الصَّحِيحِ ، ففي الجمعِ بينَ الوَصفَيْنِ إِثباتٌ لذلك القُصورِ ونَفْيُه! ومُحَصّلُ الجواب أَنَّ تردُّدَ أَئمّةِ الحديثِ في حالٍ ناقِلِهِ اقْتَضى للمُجتهدِ أَنْ لا يصِفَهُ بِأَحدِ الوَصِفَينِ، فيُقالُ فيهِ: حسنٌ؛ باعتبارِ وَصْفِه عندَ قومٍ، صحيحٌ باعتبارِ وصفِهِ عندَ قومٍ . وغايةُ ما فيهِ أَنَّه حَذَفَ منهُ حرفَ التردُّدِ؛ لأنَّ حقَّهُ أَنْ يقولَ: حَسَنٌ أَو صحیحٌ . وهذا كما حَذَفَ حَرْفَ العَطفِ مِن الَّذي بَعْدَهُ(٢). وعلى هذا؛ فما قيلَ فيهِ: حَسَنٌ صحيحٌ؛ دونَ ما قيلَ فيهِ: صَحِيحٌ؛ لأنَّ الجزمَ أَقوى مِن التَّرُّدِ، وهذا حيثُ التفرُّدُ. (وإِلَّ)؛ أي: إِذا لم يَحْصُلِ النَّفرُّدُ؛ (ف) إِطلاقُ الوَصفَيْنِ معاً على الحديثِ يكونُ (باعْتِيارِ إِسنادين)، أَحدُهُما صحيحٌ، والآخرُ حسنٌ . وعلى هذا؛ فما قيلَ فيهِ: حسنٌ صحيحٌ ؛ فوقَ ما قيلَ فيهِ: صحيحٌ ؛ فقطْ (١) انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (١٨ / ٣٩). (٢) وذلك قوله بعدُ: ((وإلا؛ فباعتبار إسنادين)). ٩٣ إِذا كانَ فَرْدَاً؛ لأنَّ كثرةَ الطّرقِ تُقَوِّي . فإِنْ قيلَ : قَدْ صَرَّحَ التِّرِمِذِيُّ (١) بأَنَّ شَرْطَ الحَسَن أَنْ يُرْوى مِن غیرِ وجْهٍ، فكيفَ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: ((حسنٌ غَريبٌ لا نعرفُه إِلَّ مِن هذا الوجهِ))؟! فالجوابُ : أَنَّ التِّرمذيَّ لم يُعَرِّفِ الحَسَنَ المُطْلَقَ، وإِنَّما عَرَّفَ بنوع خاصٍّ منهُ وقعَ في كتابِه، وهُو ما يقولُ فيهِ: ((حسنٌ))؛ من غير صفةٍ أُخرى، وذلك أَنَّهُ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: ((حسنٌ))، وفي بعضِها: ((صحيحٌ))، وفي بعضِها: ((غريبٌ))، وفي بعضِها: ((حسنٌ صحيحٌ))، وفي بعضِها: ((حسنٌ غَرِيبٌ))، وفي بعضِها: ((صحيحٌ غريبٌ))، وفي بعضِها: ((حسنٌ صحيحٌ غريبٌ)). وتعريفُه إِنّما وقعَ على الأوَّلِ فقطْ، وعبارتُه تُرشِدُ إِلى ذلك، حيثُ قال في آخِرِ كتابِه(٢): ((وما قُلْنا في كتابنا: ((حديثٌ حسنٌ))؛ فإِنَّما أَرَدْنا بِهِ حُسْنَ إِسنادِهِ عندَنا، إِذْ كُلُّ حديثٍ يُرْوی لا يكونُ راویهِ مُتَّهَماً بكَذِبٍ، ویُروی مِن غیرِ وجْهٍ نحو ذلك، ولا يكونُ شاذّاً؛ فهو عندَنا حديثٌ حسنٌ)). فِعُرف بهذا أَنَّهُ إِنَّمَا عَرَّفَ الَّذِي يقولُ فيه: ((حَسنٌ)) فقطْ، أَمَّا ما يقولُ فيهِ: ((حسنٌ صحيحٌ))، أو: ((حسنٌ غريبٌ))، أَو: ((حسنٌ صحيحٌ غريبٌ))؛ فلم يُعَرِّجْ على تعريفِه؛ كما لم يُعَرِّجْ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ: ((صحيحٌ)) فقط، أو: ((غريبٌ)) فقط . (١) في ((العلل الصغير)) (٥ / ٧٥٨ - الملحق بالسنن). وانظر: ((شرح علل الترمذي)) (٢ / ٣٤٠) للحافظ ابن رجب الحنبلي. (٢) انظر التعليق السابق . ٩٤ ٩ - وزيادةُ راويهما مقبولةٌ؛ ما لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِمَنْ هُو أَوْثَقُ . وكأنَّهُ تَرَكَ ذَلك اسْتِغناءً بشُهِرَتِه عندَ أَهلِ الفَنِّ، واقْتَصَرَ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ في كتابه: ((حسنٌ)) فقط؛ إِمَّا لِغُموضِهِ، وإِمَّا لأنَّهُ اصطلاحٌ جديدٌ، ولذلك فَيَّدَهُ بقولِه: ((عندَنا))، ولم ينْسِبْهُ إِلى أَهلِ الحديثِ كما فعَلَ الخطّابُّ(١). وبهذا التَّقرير يندفعُ كثيرٌ مِن الإِيراداتِ التي طالَ البحثُ فيها ولمْ يُسْفِرْ وجْهُ توجيهها، فللهِ الحمدُ على ما أَلْهَمَ وعَلَّمَ . (وَزِيادةُ راوِيهِما)؛ أي: الصَّحِيحِ والحَسنِ؛ (مقبولةٌ ما لمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لـ) روايةِ (مَنْ هُو أَوْثَقُ) ممَّن لم يَذْكُرْ تلكَ الزِّيادةِ: لأنَّ الزِّيادةَ: إِمَّا أَنْ تكونَ لا تَنَافِيَ بِينَها وبينَ روايةٍ مَن لم يَذْكُرْها؛ فهذه تُقْبَلُ مُطْلقاً؛ لأنَّها في حُكْمِ الحديثِ المُستقلِّ الذي ينفردُ بهِ الثَّقةُ ولا يَرويِهِ عن شيخهِ غیرُه . وإِمَّا أَنْ تكونَ مُنافِيةً بحيثُ يلزمُ مِن قَبولها رَدُّ الرِّوايةِ الأخرى، فهذه التي يَقَعُ التَّرجيحُ بينها وبينَ معارِضِها، فَيُقْبَلُ الرَّاجحُ ويُرَدُّ المرجوحُ. واشْتُهِرَ عنْ جَمْعٍ مِن العُلماءِ القَوْلُ بقَبولِ الزِّيادةِ مُطْلقاً مِن غيرِ (١) حيث قال معرِّفاً الحديث الحسن: ((هو ما عُرف مخرجه، واشتهر رجالُه، وعليه مدار أكثر الحديث))؛ كما في: ((معالم السُّنن)) (١ / ١١) له، وعنه: ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص ١٥)، و((المنهل الروي)) (ص ٣٥)، وغيرها. وانظر كلام المصنف في الموازنة بين كلام الخطابي وكلام الترمذي في ((النَّكت الصلاحية)) (١ / ٣٨٧). ٩٥ تفصيلٍ ، ولا يَتَأَتَّى ذلك على طريقِ المُحَدِّثينَ الَّذينَ يشتَرطونَ في الصَّحيحِ أَنْ لا يكونَ شاذّاً، ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثَّقةِ مَن هو أوثقُ منهُ. والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذلك منهُم معَ اْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ في حدٍّ الحديثِ الصَّحيحِ ، وكذا الحَسنِ. والمنقولُ عن أَئِمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ - كعبد الرحمنِ بنِ مَهْدي، ويحبی القَطَّانِ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليٍّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبِي زُرْعةَ، وأبي حاتمٍ ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ وغيرِهم - اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أُحدٍ منْهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ(١). وَأَعْجَبُ مِن ذلك إِطلاقُ كثيرٍ مِن الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيادةِ الثَّقةِ، معَ أَنَّ نصَّ الشافعيِّ يدلُّ على غير ذلك؛ فإِنَّهُ قالَ في أثناءِ كلامِه على ما يُعْتَبِرُ بِهِ حالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ مَا نَصُّهُ(٢): ((ويكونُ إِذا أَشْرَكَ أَحداً مِن الحُفَّاظِ لم يُخالِفْهُ، فإِنْ خالَفَهُ فُوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ كانَ في ذلك دليلٌ على صحَّةِ مَخْرَجٍ حديثِهِ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ أَضرَّ ذلك بحديثِهِ)) انتهى كلامُه . ومُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذا خَالَفَ فُوُجِدَ حديثُهُ أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثِهِ، فدلَّ على أَنَّ زيادةَ العَدْلِ عندَه لا يلزَمُ قَبولُها مُطْلقاً، وإِنَّمَا تُقْبَلُ مِن الحافِظِ؛ فإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يكونَ حديثُ هذا المُخالِفِ أَنْقَصَ مِن حديثٍ مَن خالَفَهُ مِن الحُفَّاظِ، وجَعَلَ (١) وفي جزئي ((دقائق التنبيهات في الفصل بين الشُّذوذ وزيادة الثقات)) تفصيلٌ نظريٌّ وتطبيقيُّ مطوَّل في تقرير هذه القواعد، يسر الله إتمامه . (٢) قارن بـ ((الرسالة)) (ص ٤٦٣ و٤٦٤) له . ٩٦ ١٠ - فإِنْ خُولِفَ بأَرْجَحَ؛ فالرَّاجِحُ: المَحْفوظُ. ١١ - ومُقابلُهُ: الشَّاذُّ. نُقصانَ هذا الرَّاوي مِن الحديثِ دليلاً على صحَّتِه؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَحَرِّيهِ، وجَعَلَ ما عَدا ذُلك مُضِرّاً بحديثِهِ، فدَخَلَتْ فيهِ الزّيادةُ، فلو كانتْ عندَه مقبولةً مُطْلقاً؛ لم تكنْ مُضِرَّةً بحديثٍ صاحِبِها(١)، واللهُ أعلمُ. (فإِنْ خُولِفَ) - أي: الراوي - (بأَرْجَحَ) منهُ؛ لمزيدٍ ضَبْطٍ أَو كثرةٍ عدَدٍ أَو غير ذلك مِن وُجوهِ التَّرجيحاتِ؛ (فالرَّاجِحُ) يقالُ لهُ: (المَحْفوظُ، ومُقابلُه) - وهو المرجوحُ - يُقالُ لهُ: (الشَّاذُ). مثالُ ذلك ما رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه(٢) مِن طريقِ ابنِ عُبَيْنَةَ عن عَمْرو بن دينارٍ عن عَوْسَجة عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رجُلًا تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، ولم يَدَعْ وارِثاً إِلَّ مولىَّ هو أعتقَهُ ... الحدیثَ. وتَابَعَ ابنَ عُيِينَةَ على وَصْلِهِ ابْنُ جُريجٍ (٣) وغيرُه. (١) انظر: ((النكت الصلاحية)) (٢ / ٦٠٤ و٦٨٧ و٧٧٩) للمصنّف، و((شرح علل الترمذي)) (١ / ٤٢٦) لابن رجب، و((نصب الراية)) (١ / ٣٣٦) للزيلعي، و((الكفاية)) (٤١١) للخطيب البغدادي . (٢) رواه: الترمذي (٢١٠٦)، وابن ماجه (٢٧٤١)، والنسائي في ((الكبرى)) - كما في ((تحفة الأشراف)) (٥ / ١٩٤) -، والبيهقي (٦ / ٢٤٢)، وأحمد (١ / ٢٢١)، والحاكم (٤ / ٣٤٧)، والعُقيلي في ((الضعفاء)) (٣ / ٤١٤)؛ من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دینار به . (٣) فرواه: أبو داود في ((سننه)) (٢٩٠٥) وفي ((مسائل أحمد)) (٢١٩)، والبيهقي (٦ = ٩٧ -ـ ١٢ - ومعَ الضَّعْفِ؛ فالرَّاحِحُ: المَعْروفُ. ١٣ - ومُقابِلُهُ: المُنْكَرُ. وخالَفَهُم حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ(١)، فرواهُ عَنْ عَمْرو بن دينارٍ عَن عَوْسَجَةَ ولم يَذْكُرِ ابنَ عباسٍ . قالَ أبو حاتم (٢): ((المحفوظُ حديثُ ابنُ عُيِينَ)) اهـ كلامُه. فحمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَنْ هُم أكثرُ عدداً منهُ. وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ الشَّاذَّ: ما رواهُ المقبولُ مُخالِفاً لِمَنْ هُو أَوْلِى مِنهُ. وهذا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ . (و) إِنْ وَقَعَتِ المُخالفةُ لهُ (مَعَ الضَّعْفِ؛ فالرَّاجحُ) يُقالُ لهُ: (المعروفُ، ومُقابلُه) يُقالُ لهُ: (المُنْكُرُ): مثالُه ما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٣) مِن طريقِ حُبِيِّبٍ (٤) بن حَبيبٍ - وهو أَخو = / ٢٤٢)، والحاكم (٤ / ٣٤٧)؛ من طريق حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار به . ورواه النسائي في ((الكبرى)) - كما في ((التحفة)) -، وأحمد (١ / ٣٥٨)؛ من طريق ابن ◌ُریج عن عمرو بن دینار به . (١) رواه البيهقي (٦ / ٢٤٢)، ورواه أيضاً من طريق روح بن القاسم عن عمرو بن دینار عن عوسجة مرسلاً. (٢) كما في ((علل الحديث)) (١٦٤٣) لابنه. (٣) في ((العلل)) (٢٠٤٣)، ولم يروه بالسند، وإنما ذكر أن أبا زُرعة سُئل عنه . (٤) ((المؤتلف والمختلف)) (٦٢٧) للدارقطني. ٩٨ ١٤ - والفَرْدُ النِّسْبِيُّ؛ إِنْ وافَقَهُ؛ فَهُو المُتَابِعُ . حَمزَةَ بنِ حَبيبِ الزَّيَّاتِ المُقرىءِ - عن أبي إِسحاقَ عن العَيْزارِ بنِ حُرِيثٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ عن النبيِّ يَّرَ؛ قالَ: ((مَن أَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وحَجَّ البيتَ وصامَ وقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجنَّةَ))(١). قالَ أَبو حاتم (٢): ((هُو مُنْكَرٌ؛ لأنَّ غيرَه مِن الثِّقاتِ رواهُ عن أبي إسحاقَ مَوقوفاً، وهُو المَعروفُ)). وعُرفَ بهذا أَنَّ بينَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ عُموماً وخصوصاً مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ بِينَهُما اجْتِماعاً في اشْتِرَاطِ المُخالَفَةِ، وافْتِراقاً في أَنَّ الشَّاذَّ راويهِ ثقةٌ أَو صدوقٌ، والمُنْكَرَ رَاويهِ ضعيفٌ. وقد غَفَلَ مَن سَوَّى بِينَهُما(٣)، واللهُ أعلمُ. (و) ما تقدَّم ذِكرُهُ مِن (الفَرْدِ النِّسبِيِّ إِنْ) وُجِدَ بعدَ ظنِّ كونِهِ فَرْداً قد (وافَقَهُ غيرُهُ؛ فَهُو المُتّابِعُ)؛ بكسرِ الباءِ الموحّدةِ. (١) رواه: الطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٩٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢ / ٨٢١)، وابن أبي شيبة - كما في ((المطالب العالية)) (٣٠٩) -؛ من طريق حُبِيِّب به . وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (١ / ٤٦): ((وفي إسناده حُبِيِّب بن حبيب، أخو حمزة بن حبيب الزيَّات، وهو ضعيف)). (٢) في ((العلل)) نُسِب القول لأبي زرعة، ولكن ليس بهذا اللفظ، وإنما قال: ((هذا حديث منكر، إنما هو عن ابن عباس، موقوف)). وقارن بـ ((الجرح والتعديل)) (٣ / ٣٠٩). (٣) يشير بذلك إلى ابن الصلاح ومَن تابعه، حيث أشار إلى ذلك في ((مقدمته)) (النوع الثالث عشر والنوع الرابع عشر) مرادفاً بينهما . ٩٩ ۔ والمُتّابَعَةُ على مراتِبَ : لأَنَّهَا إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ؛ فهي التَّامَّةُ . وإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فَمَنْ فوقَهُ؛ فهيَ القاصِرةُ. ويُستفادُ منها النَّقويةُ . مِثالُ المُتابعةِ: ما رواهُ الشَّافعيُّ في ((الأمِ))(١) عن مالِكِ عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ عن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ؛ قالَ: ((الشُّهْرُ تِسْعٌ وعشرونُ، فلا تَصوموا حتَّى تَروا الهلالَ، ولا تُفْطِروا حتَّى تَرَوْهُ، فإِنْ غُمَّ عليكم؛ فَأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثينَ)). فهذا الحديثُ بهذا اللَّفظِ ظنَّ قومٌ أَنَّ الشافعيَّ تفرَّدَ بِهِ عن مالِكٍ، فعَدُّوهُ في غرائِبِهِ؛ لأنَّ أصحابَ مالِكٍ(٢) روَوْهُ عنهُ بهذا الإِسنادِ، وبلفظِ: ((فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ فَاقْدُروا لهُ))! لكِنْ وجَدْنا للشَّافعيِّ مُتابِعاً، وهو عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعنَبِيُّ، كذلك أَخرِجَهُ البُخاريُّ(٣) عنهُ عن مالكٍ . فهذهِ متابعةٌ تامٌّ(٤). (١) (٢ / ١٠٣). (٢) كما رواه: يحيى في ((الموطإ)) (١ / ٢٨٦)، وابن القاسم في ((الموطَّا)) (٢٨٢)، ومحمد بن الحسن في ((الموطإ)) (٣٤٦)، وغيرهم. (٣) في ((صحيحه)) (١٩٠٦). (٤) نقل المصنَّف في ((الفتح)) (٤ / ١٢١) عن البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) قوله: ((إن كانت رواية الشافعي والقعنبي من هذين الوجهين محفوظة، فيكون مالك قد رواه = ١٠٠ ٠