Indexed OCR Text
Pages 61-80
وُجودُهُ(١)؛ إِلَّا أَنْ يُدَّعَى ذلك في حَديثِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ (٢) مُتَعَمِّداً؛ فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))(٣)! وما ادَّعَاهُ مِن العِزَّةِ مَمْنوعٌ، وكذا مَا ادَّعاهُ غيرُهُ(٤) مِن العَدَمِ ؛ لأنَّ ذلك نَشَأَ عَنْ قِلَّةِ الاطّلاعِ (٥) على كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وأَحْوالِ الرِّجالِ، وصفاتِهِمُ المُقَتَضِيَةِ لإِبعادِ العادَةِ(٦) أَنْ يَتَوَاطَؤوا عَلى كَذِبٍ، أَو يَحْصُلَ منهُمُ اتَّفاقاً. (١) قال المرتضى الزَّبيدي (ص ١٨): ((وفُسِّرت العزَّة بالقوّة؛ أي: لا يكاد يوجد، أو بمعنى العدم؛ إلا أن يُدَّعى أنه ممكن الوجود في بعض الأحاديث)). ثم نقل عن ابن أبي الدَّمْ قوله تعليلاً: ((لأن من شرط التَّواتر أن ينقُلَه جمع لا يتصوَّر تواطؤهم على الكذب، ويحصل العلم الضروريُّ أو النظريُّ بصدقهم قطعاً عن رسول الله وَّ؛ [سماعاً] من فيه، ثم يسمع من هؤلاء الجمع جمعٌ ثانٍ لا يُتَصَوَّرُ تواطؤهم على الكذب ويحصل العلم بصدقهم، ثم يسمع جمع ثالث من الجمع الثاني، وهلمّ جرّاً ... إلى آخر الإِسناد؛ فلا بدَّ من حصول هذا الشرط وتحقُّقه من الطّرفين والوسط، ومثل هذا لا يقع في الأحاديث النبويَّة)). (٢) في مطبوعة الخافقين (ص ٢٢): ((من كذب عامداً متعمداً ... )). (٣) حديث مرويٌّ عن أكثر من مئة صحابي، وله عنهم مئات الطرق والأسانيد. وللحافظ الطبراني جزء في تخريج طرقه وسياق رواياته، طُبع قريباً بتحقيقي في دار عمار، الأردن، وانظر ((فتح الباري)) (١ / ٢٠٣) للمصنف. (٤) ((كابن حِبَّان والحازمي)) ((شرح القاري)) (ص ٢٩). (٥) اعترض المصنف البقاعي قائلاً: ((كلام المصنف فاسد من أصله؛ لأن قلة الاطلاع ليست علَّة لامتناعِ دَعْواهُم، وإنما هي علَّة لوقوعهم فيما ادَّعوه، وصواب العبارة أن يقول: وإنما صدَرَت هذه الدَّعوى ممَّن صدرت منه؛ لأن ذلك نشأ ... إلى آخره ... )) ((اليواقيت)) (ق ٣٣ / ب - ٣٤ / أ). (٦) ((الأولى: لإِحالة العادة)) ((شرح القاري)) (ص ٢٩). ٦١ ٢ - والثَّاني: المَشهورُ، وهو المُستفيضُ؛ عَلى رأيٍ. ومِن أَحْسَن مَا يُقرَّرُ بِهِ كونُ المُتواتِرِ مَوجوداً وُجودَ كَثْرَةٍ في الأحاديثِ أَنَّ الكُتُبَ المشهورةَ المُتَداوَلَةَ بأَيدِي أَهْلِ العِلْمِ شَرْقاً وغَرْباً المَقْطوعَ عِنْدَهُم بِصِحَّةِ نِسْبَتِها (١) إلى مُصَنَّفيها إِذا اجْتَمَعَتْ على إِخراجٍ حَديثٍ، وتعدَّدَتْ طُرُقُه تعدُّداً تُحيلُ العادةُ تواطُؤُهُمْ على الكَذِبِ إِلى آخِرِ الشَّروطِ؛ أفادَ العِلْمَ اليَقينيَّ بصحّتِهِ(٢) إِلی قائِلِهِ. ومِثْلُ ذلكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثِيرٌ (٣). (والثّاني) - وهُو أَوَّلُ أَقسام الآحادِ -: ما لَهُ طُرُقْ مَحْصورةٌ بِأَكثرَ مِن اثْنَيْن وهُو (المَشْهورُ) عندَ(٤) المُحَدِّثينَ (٥): سُمِّيَ بذلك لوضوحِهِ(٦)، (وهُوَ المُسْتَفِيضُ (١) ((إن سُلَّم القطع؛ فهو بنفس النسبة، لا بصحّتها، على ما لا يخفى)) ((شرح القاري)) (ص ٣٠). ثم ((لا يلزم من القطع بصحّة نسبة الكتب إلى مصنّفيها كون ذلك القطع حاصلاً في التواتُر)) ((اليواقيت)) (ق ٣٤ / ب). (٢) قال شيخنا في ((حواشيه)): ((وهذا ممَّا يؤيِّد ما ذكرته سابقاً من أن العمدة في معرفة المتواتر إنما هم أهل الحديث من الأئمة النقّاد والحفّاظ ... ويؤيّده أيضاً قول الحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (ص ١٨٥): والشُّهرة أمرٌ نسبيٍّ؛ فقد يشتهر عند أهل الحديث، أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكليّة)). (٣) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (١٨ / ٣٦ - ٣٧). (٤) في طبعة العتر (ص ٢٣): ((عن))! (٥) انظر: ((علوم الحديث)) (ص ٢٣٨)، و((تدريب الراوي)) (٢ / ١٨٣). (٦) قال البقاعيُّ: ((لوقال: ((لظهور))؛ كان أبلغ لأهل اللغة؛ فإنهم قالوا: المشهور: ظهور الشيء، والشَّهير: معروف)) ((اليواقيت)) (ق ٣٥ / أ). ٦٢ عَلى رَأْيٍ ) جماعةٍ مِن أَئِمَّةِ الفُقهاءِ، سمِّيَ بذلك لانْتشارِهِ، ومِنْ: فاضَ (١) الماءُ يَفيضُ فيضاً. ومِنْهُم مَن غَايَرَ بينَ المُسْتَفِيضِ والمَشْهورِ؛ بأَنَّ المُسْتَفِيضَ يكونُ في ابْتِدائِهِ وانْتِهِائِهِ سَواءً، والمَشْهورَ أَعَمُّ مِنْ ذَلكَ(٢). ومنهُمْ مَن غايَرَ على كيفيَّةٍ أُخْرِى (٣)، وليسَ مِن مَباحِثِ هذا الفَنِّ(٤). ثُمَّ المَشْهورُ يُطْلَقُ على مَا حُرِّرَ هُنا(٥) وعلى ما اشْتُهَرَ على الألْسِنَةِ(٦)، (١) ((القاموس المحيط)) (ص ٨٣٩). (٢) انظر: ((قَفْو الأثر)) (ص ٤٦ - ٤٧). (٣) ((ففرَّق بأن المستفيض ما تلقَّته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد)) ((اليواقيت)» (ق ٣٥ / ب). (٤) يريد أن مبحث التفريق بينهما هو بمباحث أصول الفقه أليق، وإلا لذكره. وانظر: ((إسبال المطر)) (ص ١٦) للصَّنعاني. (٥) بالمعنى الاصطلاحي . (٦) ولو كان ضعيفاً أو موضوعاً، والأمثلة على ذلك تختلف باختلاف الأعصار والأمصار، ومن ملاحظة هذا المعنى بدأت منذ نحو سنتين بجمع كتاب اسمه ((الكشف الحثيث عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس في العصر الحديث))، يسَّر الله تمامه بمنِّه وكرمه . ومنه ما اشتهر على ألسنة الوعّاظ والكُتَّاب: أن النبي ◌َّ قال: ((الخير فيَّ وفي أُمَّتي إلى يوم القيامة))! وهو حديث لا يُعْرَف؛ كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني فيما نقله تلميذه السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص ٢٠٨). وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في ((الفتاوى الحديثية)) (٣٤): ٦٣ = ٣ - والثَّالِثُ: العَزيزُ، وليسَ شَرْطاً للصَّحيح ؛ خلافاً لمَنْ رعَمَ . فيشْمَلُ ما لَهُ إِسنادٌ واحِدٌ فصاعداً، بل ما لا يوجَدُ لهُ إِسنادٌ أَصْلاً (١). (والثَّالِثُ: العَزِيزُ): وهُو أَنْ لا يَروبَهُ أَقُلُّ مِن اثْنَيْنِ عنِ اثْنَيْنِ، وَسُمِّي ((لم يرد بهذا اللفظ)). = وقال شيخنا الألباني في ((الضعيفة)) (رقم ٣٠): ((لا أصل له)). وانظر: ((تذكرة الموضوعات)) (٨٦)، و((الدرر المنتثرة)) (٨٢)، و((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (١٢٢٠)، و((كشف الخفاء)) (١ / ٤٧٦). وقال شيخنا الألباني في حواشيه على ((النُّزهة)) تعليقاً على هذا الموضع، وبياناً للكتب التي ألِّفت في الأحاديث المشتهرة على الألسنة: ((والمشهور في الباب كتاب الحافظ السخاوي ((المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة))، وهو عمدة كل من جاء بعده وألّف فيه، ولا نظير له في التحقيق والتدقيق، وكيف لا! وهو تلميذ الحافظ المؤلّف رحمهما الله تعالی)) اهـ. قلت: وفيه فوتٌ يسير من حيث الصناعة الحديثيَّة، والكلام على بعض الشواهد تصحيحاً وتضعيفاً، أو نقد بعض الرجال جرحاً وتعديلاً، ممَّا دفعني لتتميمه حتى يكمل نفعه وتزداد فائدته، وذلك في تعليقات سمَّيتُها ((النُّكت المستحسنة في تكميل المقاصد الحسنة)) يسر الله التمام . (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٦ / ٤٠٩ - ٤١٠): ((ولو فُرض أن بعض العامَّة الذين يسمعون الأحاديث من القصَّاص أو من النَّقَّال، أو بعض من يُطالع الأحاديث ولا يعتني بتمييزها؛ اشتهر عنده شيء من ذلك دون شيء! لم يكن بهذا عبرة أصلاً، فكم من أشياء مشهورة عند العامَّة، بل وعند كثير من الفقهاء والصُّوفية والمتكلِّمين أو أكثرهم، ثم عند حكّام الحديث العارفين به لا أصل له! بل قد يقطعون بأنه موضوع !)). ٦٤ بذلك إِمَّا لِقِلَّةِ وُجودِهِ، وإِمَّ لكونِهِ عَزَّ(١) - أي: قَوِيَ(٢) - بمَجيئِهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. (ولَيْسَ شَرْطاً للصَّحيحِ ؛ خِلافاً لِمَنْ زَعَمَهُ)، وهو أبو عَلَيٍّ الجُبَّائِيُّ(٣) مِن المُعْتزلةِ(٤)، وإِليهِ يُومِىءُ كلامُ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ في ((علومِ الحَديثِ)) (٥)، حيثُ قالَ: ((الصَّحِيحُ أَنْ يَرْوِيَهُ الصَّحابِيُّ الزَّائِلُ عنهُ اسمُ الجَهالَةِ (٦)؛ بأَنْ يكونَ لهُ راوِيانٍ، ثمَّ يتداوَلَهُ أَهلُ الحَديثِ إِلى وَقْتِنا كالشَّهَادَةِ عَلى الشَّهَادَةِ))(٧). (١) في مطبوعة العتر (ص ٤٤): ((عن))! (٢) ((القاموس)) (ص ٦٦٤)، وفي ((المصباح)) (ص ٤٠٧): ((وعَزَّ: ضعُف، فيكون من الأضداد)». (٣) توفي سنة (٣٠٣هـ)، ترجمته في ((لسان الميزان)) (٥ / ٢٧١) للمصنِّف. وقد نقل قولَه أبو الحسين البصري في ((المعتمد)) (١ / ٦٢٢). (٤) وهي من فرق الضلال، فانظر كلام الإِمام أبي الحسن الأشعري - الراجع من الاعتزال إلى السنة - فيهم في كتابه ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٥٥ - فما بعد)؛ فإنه مهم. (٥) (ص ٦٠)، ويبدو أن المصنّف ينقل بالمعنى أو من حافظته. وفي كلام المصنّف رحمه الله في ((النُّكت على ابن الصلاح)) (١ / ٢٣٨) تصريحٌ بأن كلام الحاكم هذا في («المدخل»! ولم أره لا في ((المدخل إلى الإكليل))، ولا ((المدخل إلى الصحيح))! وانظر ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص ٢٤) للحازمي. (٦) اعلم أن ثبوت الصحبة ينفي الجهالة من أصلها، إذ هم أمناء الشريعة وحفظة الدين بتوفيق الله لهم، والوحي لا يسكت عن باطل قد ينقلُه مجهول لا ثقة به، فتأمَّل. (٧) قال الحافظ المصنّف رحمه الله في ((النكت الصلاحية)) (١ / ٢٤٠) بعد نقل كلام الحاكم: ((وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازميُّ من كلام الحاكم أنه ادَّعى أن الشيخين لا يخرِّجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة! فنقض عليه بغرائب الصحيحين! ٦٥ = وصَرَّحَ القاضي أبو بَكْرِ بنُ العَرَبِيِّ(١) في ((شَرْحِ البُخاريّ)) (٢) بأنَّ ذَلكَ شَرْطُ البُخاريِّ(٣)، وأَجابَ عَمَّا أُورِدَ عليهِ مِنْ ذَلكَ بجوابٍ فِيهِ نَظَرِّ؛ لأنَّهُ قَالَ: فإِنْ قِيلَ: حَديثُ (الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ))(٤) فَرْدٌ؛ لم يَرْوِهِ عَنْ عُمَرَ إِلَّ والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد أن كلَّ راوٍ في الكتابين من الصحابة فمَن = بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتّفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه . إلا أن قوله في آخر الكلام: ((ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة)»؛ إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه؛ فيقوى اعتراض الحازمي، وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة؛ فقد يُنْتَقَضُ عليه بالإِجازة، والحاكم قائل بصحّتها! وأظنُّه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال، والإِجازة عند المحدِّثين لها حكم الاتّصال، والله أعلم)). (١) توفي سنة (٥٤٣هـ)، ترجمته في ((الصلة البشكوالية)) (٢ / ٥٩٠). (٢) نسبه إليه: البغدادي في ((هدية العارفين)) (٢ / ٩٠)، وصدِّيق حسن خان في ((الحطة)) (ص ٣٤٥ - بتحقيقي). (٣) ونص كلامه فيه: ((مذهب البخاري أن الصحيح لا يثبت حتى يرويه اثنان عن اثنين)). نقله المناوي في ((اليواقيت)) (ق ٣٨ / أ)، ثم عقّب عليه بقوله: ((وهو باطل)). (٤) رواه البخاري في ((صحيحه)) (رقم ١ و٢٥٢٩ و٣٨٩٨ و٥٠٧٠ و٦٦٨٩ و ٦٩٥٣). وهو في بقية الكتب الستة، فرواه - أيضاً -: مسلم (١٩٠٨)، والنسائي (١ / ٥٨)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، وابن ماجه (٢٤٢٧). ولا يكاد يخلو كتاب من كتب السنة من ذكره. ولمعرفة شيء من ذلك وبعض الفوائد المتعلّقة به: انظر تعليقي على ((الحطة)) (ص : ٢٨٨ - ٢٩٠ و٣٠٩). ٦٦ عَلْقَمَةُ (١)! قالَ: قُلْنَا: قَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى المِنْبَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فلولا أنْهُمْ يَعْرِفُونَهُ لأَنْكروهُ! كذا قالَ! (١) ولا عن علقمة؛ إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن التيمي؛ إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ؛ كما سيأتي . قال الذهبي في ((السير)) (٥ / ٢٩٥) في ترجمة التَّيْمي: ((من غرائبه المنفرد بها حديث الأعمال عن علقمة عن عمر، وقد جاز القنطرة، واحتج به أهل الصحاح بلا مَثْنَوِيَّةً))؛ أي: بلا استثناء . وقال الحافظ ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (ص ٥): ((وعن يحيى انتشر، فرواه جمع من الأئمة؛ فهو غريب في أوله، مشهور في آخره)). وقال المصنَّف في ((فتح الباري)) (١ / ١١): ((قد تواتر عن يحيى بن سعيد)). وقد نقل الذهبي في ((السير)) (٥ / ٤٧٦ - ٤٨١) عن ابن منده أسماء مَن رواه عن يحيى، فبلغ عددهم ثلاث مئة وأربعين نفساً. ونقل المصنف في ((فتح الباري)) (١ / ١١) عن بعض مشايخ أبي موسى المديني عن إسماعيل الأنصاري الهروي؛ قال: ((كتبتُه من حديث سبع مئة من أصحاب يحيى)). ثم عقّب - رحمه الله - بقوله: ((وأنا أستبعد صحَّة هذا؛ فقد تتبّعتُ طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبتُ الحديث إلى وقت هذا، فما قدرتُ على تكميل المئة)). وفي ((السير)) (١٠ / ٦٢٠) أيضاً بعد روايته بالسَّند حديث ((إنما الأعمال))؛ قال: ((هذا أول شيء افتتح به البخاري ((صحيحه))، فصيَّره كالخطبة له، وعدل عن روايته افتتاحاً بحديث مالك الإِمام إلى هذا الإِسناد؛ لجلالة الحُميدي وتقدُّمه، ولأن إسناده هذا عزيز المثل جدّاً، ليس فيه عنعنة أبداً، بل كل واحد منهم صرَّح بالسماع له)). ٦٧ وتُعُقِّبَ بأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِم سَكَتُوا عنهُ أَنْ يَكُونُوا سَمِعوهُ مِنْ غَيْرِهِ، وبأنّ هُذا لو سُلِّمَ في عُمَرَ مُنِعَ فِي تَفَرُّدِ عَلْقَمَةَ(١) عنهُ، ثمَّ تفرُّدٍ مُحَمَّدٍ بنِ إِبْراهِيمَ (٢) بِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ، ثمَّ تَفَرُّدِ يَحْيِى بنِ سَعيدٍ (٣) بِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَلى ما هُو الصَّحیحُ ١ المَعْروفُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ(٤). وقَدْ وَرَدَتْ لُهُمْ مُتابعاتٌ (٥) لا يُعْتَبَرُ بِها لِضَعْفِها. (١) علقمة: هو ابن وقَّاص الليثي. (٢) هو التَّيمي كما سبق. (٣) هو الأنصاري . (٤) قال الخطَّابي في ((أعلام الحديث)) (١ / ١١٠): ((ولا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في أن هذا الخبر لم يصحَّ مسنداً عن النبي ◌َّ؛ إلا من رواية عُمر بن الخطاب، وقد غلط بعض الرواة فرواه ... )) إلخ . ونقل المصنّف في ((الفتح)) (١ / ١١) زبدة كلامه، ثم قال: ((وهو كما قال، لكن بقیدین : أحدهما: الصحة؛ لأنه ورد من طرق معلولة، ذكرها الدارقطني وأبو القاسم بن منده وغيرهما . ثانيهما: السِّياق؛ لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحّت في مطلق النّة؛ کحدیث ... )). قلت: وهو تعقُّب لا وجه له، إذ القیدان مذكوران كما هو ظاهر! (٥) منها رواية محمد بن عمرو عن التَّيمي به. رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣ / ٩٩٦ - ٩٩٧)، وقال: ((وهذا لا أصل له))؛ أي: من طريق محمد هذا. ورواه بالسند الذهبيُّ في ((السير)) (١٤ / ٤٣٩) من طريق محمد بن عمرو به، ثم = ٦٨ مـ ١ وَكَذا لا نُسَلَّمُ جَوابَهُ فِي غَيْرِ حَديثِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ(١). قالَ ابنُ رُشَيْدٍ (٢): ولَقَدْ كانَ يَكْفي القَاضيَ في بُطْلانِ ما ادَّعَى أَنَّهُ شُرْطُ البُخاريِّ أَوَّلُ حَديثٍ مَذکورٍ فیهِ . وادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ(٣) نَقيضَ دَعْوَاهُ، فقالَ: ((إِنَّ رِوايَةَ اثنَيْنِ عَنِ اثْنَيْنِ إِلى أَنْ يَنْتَهِيَ لا تُوجَدُ أَصْلاً))! قُلْتُ: إِنْ أَرادَ بِهِ أَنَّ رِوايَةَ اثْنَيْنِ فَقَطْ عن اثْنَيْنِ فَقَطْ لا تُوجَدُ أَصْلًا؛ فَيُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ، وأَمَّا صُورَةُ العَزِيزِ الَّتِي حَرَّرْناها(٤) فَمَوْجِودَةٌ بِأَنْ لا يَرْوِبَهُ أَقُلُّ مِن اثْنَيْنِ عَنْ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْن. = قال : ((حديث غريب جدّاً)). وسيأتي - بعد - معنى المتابعة . (١) إذ في ((الصحيح)) ممَّا هو على مثاله غيرُه. (٢) هو الفهري، توفي سنة (٧٢١هـ)، ترجمته في ((الوافي بالوفيات)) (٤ / ٢٨٤) للصفدي . له كتاب على ((صحيح البخاري)) اسمه ((تُرجمان التراجم))؛ ((أطال فيه النفس ولم يكمِلْه))؛ كما قال ابن فَهد في ((لحظ الألحاظ)) (ص ٣٥٦). وجزم المناوي في ((اليواقيت)) (ق ٣٨ / ب) أن كلامه هذا منه. وانظر: ((الحطّة)) (ص ٣٣٨ - ٣٩٩) وتعليقي عليه. (٣) هو الإِمام المصنَّف صاحب ((الصحيح))، ولم أعثر على كلامه في مقدِّمات كتبه المطبوعة . (٤) أي: انتهينا من تعريفها وحدِّها .. ٦٩ ٤ - والرَّابِعُ : الغَريبُ. وكلُّها - سوى الأوَّلِ ـ آحادٌ. مثالُهُ: ما رَواهُ الشَّيْخانِ(١) مِن حَديثِ أَنَسٍ ، والبُخاريُّ(٢) مِن حَديثِ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ قالَ: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِليهِ مِنْ والِدِهِ ووَلَدِهِ ... )) الحديث. ورواهُ عَنْ أَنَسٍ : قَتادَةُ وعبدُ العزيز بنُ صُهَيْبٍ، ورواهُ عَنْ قتادَةَ: شُعْبَةُ وسعيدٌ(٣)، ورواهُ عَنْ عبدِ العزيزِ: إِسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ وعبدُ الوارِثِ، ورواهُ عن كُلِّ جماعةٌ . (والرَّابِعُ: الغَريبُ): وهُو ما يَتَفَرَّدُ بِروايَتِهِ شَخْصٌ واحِدٌ في أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ عَلى مَا سَيُقْسَمُ(٤) إِليهِ الغَرِيبُ المُطْلَقُ، والغَرِيبُ النِّسبيُّ . (وكُلَّها)؛ أي: الأقسامُ الأرْبَعَةُ المَذْكورةُ (سوى الأوَّل)، وهو المُتواتِرُ (آحادٌ)، ويُقالُ لكُلِّ منها: خَبَرُ واحِدٍ . وخَبْرُ الواحِدِ؛ في اللُّغَةِ: ما يَرويِهِ شَخْصٌ واحِدٌ، وفي الاصطِلاحِ : ما ٠ (١) ((صحيح البخاري)) (١٤)، و ((صحيح مسلم)) (٤٤). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٥). (٣) هو ابن أبي عَروبة . وتعقّب المصنف تلميذه السخاوي ((بأن ما ذكره من رواية سعيد لم يقف عليه بعد التُّع والكشف))؛ كما في ((اليواقيت)) (ق ٣٩ / ب). وانظر: ((إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي)) (١ / ٢٧٠) للمصنّف. (٤) في مطبوعة العتر (ص ٢٥): ((سنقسم))! والمراد هو التقسيم الآتي بعد. ٧٠ وفيها المَقبولُ والمَرْدُودُ؛ لتوقَّفِ الاستدلالِ بها عَلى البَحْثِ عَنْ أحوالِ رواتِها؛ دُونَ الأوَّلِ . لَمْ يَجْمَعْ شُروطَ المُتواتِ(١). (وفيها)؛ أي: في الآحادِ: (المَقْبولُ): وهو ما يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ الجُمْهورِ(٢). (وَ) فيها (المَرْدُودُ)، وهُو الَّذِي لَمْ يَتَرَجَّحْ صِدْقُ المُخْبِرِ بِهِ؛ (لِتَوَقُّفِ الاسْتِدْلالِ بها عَلَى البَحْثِ عَنْ أَحوالٍ رُواتِها (٣) دونَ الأوَّلِ)، وهو المُتواثِرُ. فكُلُّهُ مَقْبِولُ الإِفادَتِهِ القَطْعَ بِصِدْقِ مُخْبِرِهِ بِخلافِ غَيْرِهِ مِنْ أَخبارِ (١) قال المناوي في ((اليواقيت)) (ق ٤٠ / أ - ب): ((وتعقّبه الشيخ قاسم بأن الذي تحصَّل من كلامه أن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد، وأن الآحاد مشهور وعزيز وغريب، وأن المشهور ما روي مع حصر عدد بما فوق الاثنين، وأن الغريب هو الذي ينفرد به شخصٌ واحد في أي موضع وقع التفرُّد به . وقد تقدم أن خلاف المتواتر بلا حصر عدد؛ فهو خارج عن الأقسام، غير معروف الاسم)). (٢) قال المصنف في ((النكت الصلاحية)) (١ / ٢٤١ - ٢٤٢): ((وعقد الشافعي في ((الرسالة)) [٣٦٩ - ٤٥٨] باباً محكماً لوجوب العمل بخبر الواحد، وخبر الواحد عندهم هو: ما لم يبلغ درجة المتواتر، سواء رواه شخص واحد أو أكثر)). ونحوه في ((الفتح)) (٩ / ١٥، ١٣ / ٢٣٣) للمصنف نفسه. وقد اعترض البقاعيُّ كلام المصنف هنا بقوله: ((تعريفُه المقبول بأنه: ما يجب العمل به؛ غير مستقيم؛ لأن وجوب العمل به حكمه لا حدُّه، والصواب أن يقول: المقبول هو ما يرجَّح صدق المخبر به))؛ كذا في ((اليواقيت)) (ق ٤٠ / ب). (٣) جرحاً أو تعديلاً. ٧١ الآحاد(١). لكنْ؛ إِنَّمَا وَجَبَ العَمَلُ بالمَقْبولِ مِنها لأنَّها إِمَّ أَنْ يُوجَدَ فيها أَصلُ صِفَةٍ القَبولِ - وهُو ثُبوتُ صِدْقِ النَّاقِلِ (٢) -، أَو أَصلُ صِفَةِ الرَّدِّ - وهُو ثُبُوتُ كَذِب النَّاقِلِ (٣) - أَوْلا: فالأوَّلُ: يَغْلِبُ على الظَّنِّ(٤) ثُبوتُ صِدْقِ الخَبَرِ لِثُبوتِ صِدْقِ ناقِلِهِ فَيُؤْخَذُ بهِ والثَّانِي: يَغْلِبُ على الظَّنِّ كَذِبُ الخَبَرِ لِثُبُوتِ كَذِبِ ناقِلِهِ فَيُطْرَحُ(٥). (١) والحق ((أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله وهل يوجب العلم والعمل معاً)؛ كما قال ابن حزم في ((إحكام الأحكام)) (١ / ١١٩)، ومن ادَّعى غير ذلك؛ فبلا دليل! وللعلَّامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحثٌ موعب في ((الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)) (٢ / ٢٣٢ - ٤٤٢) في تثبيت الحجة في خبر الواحد، وإفادته العلم والعمل معاً، ووجوب الاحتجاج به في العقيدة. ولشيخنا الألباني - نفع الله به - رسالتان مطبوعتان في هذه المسألة. (٢) أي : ثُبوتاً مطلقاً في أصله، لا بمجرَّد صدقه في هذه الرواية بعينها . (٣) أيضاً في أصله، على التفصيل السابق . اعترض الشيخ قاسم على المصنّف في قوله هذا؛ مدَّعياً مخالفة ما هنا ((لما قدَّمه في تفسير المردود، فهو تناقض)) !! كذا قال؛ كما في ((اليواقيت)) (ق ٤١ / ب) للمناوي، وأقرَّه. قلت: وهو اعتراضٌ مردودٌ، فينبغي أن يُحمل قوله في تفسير (المردود) أنه ((الذي لم يترجَّح صدق المخبر به)) على أولى درجات الرّدِّ، وقوله هنا بـ ((ثبوت كذب الناقل)) على أشد درجات الردِّ؛ فلا تناقض . (٤) في بعض النسخ: ((يغلب على الظنّ به))، وكذا التي بعدها. (٥) أي: فيُترَك ویردُ . ٧٢ ١ وقد يقعُ فيها مَا يُفيدُ العِلْمَ النَّظريَّ بِالقَرائِنِ؛ عَلى المُختَارِ. والثَّالِثُ: إِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تُلْحِقُهُ بأُحَدِ القِسْمَيْنِ الْتَحَقَ، وَإِلَّ فَيُنَوَقَّفُ فيهِ، وإِذا تُوُقَّفَ عَنِ العَمَلِ بهِ صارَ كالمَرْدودِ (١)، لا لِثُبوتِ صِفَةِ الرَّدِّ، بل لكَوْنِه لمْ توجَدْ فيهِ صفةٌ توجِبُ القَبولَ، واللهُ أعلمُ. (وقد يَقَعُ فيها)؛ أي: في أَخْبَارِ الآحادِ المُنْقَسِمَةِ إِلى مَشْهورٍ وعَزِيزِ وغَرِيبٍ؛ (مَا يُفيدُ العِلْمَ النَّظَرِيَّ بالقَرائِنِ(٢) على المُخْتَارِ)؛ خلافاً لمَنْ أبى ذلك. والخِلافُ في التَّحقيقِ لَفْظِيُّ؛ لأنَّ مَنْ جَوَّزَ إِطلاقَ العِلْمِ قَّدَهُ بِكونِهِ نَظَرِيّاً، وهُو الحاصِلُ عن الاسْتِدلالِ، ومَنْ أَبى الإِطلاقَ؛ خَصَّ لَفْظَ العِلْمِ بالمُتَواتِ، وما عَدَاهُ عِنْدَهُ كُلُّهُ ظَنِّيٍّ، لكنَّهُ لا يَنْفِي أَنَّ ما احْتِفَّ بالقرائِنِ أَرْجَحُ (٣) ممَّا خَلا عَنها . (١) من حيث عدم العمل به . وقد قدَّمتُ - قبلُ - أن خبر الواحد الذي صحَّ سنده يوجب العلم والعمل معاً، ومَن فَرَّق؛ فمِن غير عُمدة! (٢) مفردها قرينة، وهي الأمر يشير إلى المطلوب ويؤكّده. ((التعريفات)) (ص ١٨٣) للجرجاني . (٣) وما هي ثمرة هذه الأرجحيَّة؟ الاستدلال والاحتجاج به في عموم الشريعة؟ أم حصرُه في نوع دون آخر؟ ثم إفادته العلم والعمل معاً أو أحدهما دون الآخر؟ فالصواب ما تقدَّم تقریره. نعم؛ القرائن ترجّحه من حيث زيادة الاطمئنان إليه، لا من حيث ردُّه عند عدم وجودها . ٧٣ ٠ والخَبَرُ المُحْتَفُّ بالقَرائِن أنواعٌ : أ - مِنْها مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخانِ(١) في صَحيحَيْهِما ممَّا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ المتواتِرِ، مے فإِنَّهُ احْتُفَّتْ بهِ قرائِنُ ؛ منها: جَلالَتُهُما في هذا الشَّأْنِ . وتَقَدُّمُهُما في تَمْيِيزِ الصَّحيحِ على غيرِهِما. وتَلَقِّي العُلماءِ كِتابَيْهما بالقَبُولِ (٢)، وهذا التَّلَقِّي (٣) وحدَهُ أقوى في إِفادةِ العلمِ مِن مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الطُرُقِ القاصرةِ عَنِ النَّواتُرِ. إِلَّ أَنَّ هُذا مُخْتَصِّ بما لَمْ يَنْقُدْهُ أَحدٌ مِنَ الحُفَّاظِ مِمَّا في الكِتابينِ(٤)، وبِما (١) الإِمامان الجليلان: البخاري ومسلم. (٢) من حيث الجملة والمجموع. (٣) قال شيخنا الألباني حفظه الله في حواشيه على ((النزهة)) - ومن خطه أنقل -: ((وقد غفل عن هذا التلقّي وأهميته كثير من الناس في العصر الحاضر، الذين كلَّما أشكل عليهم حديث صحيح الإسناد؛ لجؤوا إلى رده بحجة أنه لا يفيد القطع واليقين! فهم لا يقيمون وزناً لأقوال الأئمة المتخصِّصين الذين قيَّدوا قولهم بأن حديث الآحاد يفيد الظنّ بقيود؛ منها: إذا كان مختلفاً في قبوله، أما إذا كان متلقَّى من الأمة بالقبول، لا سيما إذا كان في الصحيحين على ما بَّنه المؤلف رحمه الله؛ فهو يفيد العلم واليقين عندهم، ذلك لأن الأمة معصومة عن الخطإ؛ لقوله وَالر: ((لا تجتمع أمَّتي على ضلالة))، فما ظنَّت صحّته، . ووجب عليها العمل به؛ فلا بدَّ أن يكون صحيحاً في نفس الأمر؛ كما قال العلامة أبو عمرو ابن الصلاح في ((مقدمته)) (ص ٢٩) وتبعه الحافظ ابن كثير وغيره ... )). وحديث: ((لا تجتمع أمتي ... ))؛ حسن، خرَّجته في ((معارج الألباب)) (ص ٣٠). (٤) انظر ما كتبتُه في كتابي ((دراسات علمية حول صحيح مسلم)). ٧٤ لَمْ يَقَعِ التَّجاذُبُ(١) بينَ مَدْلولَيْهِ مِمَّا وَقَعَ في الكِتابين، حيثُ لا تَرْجِيحَ لاستِحالَةِ أَنْ يُفيدَ المُتناقِضانِ العِلْمَ بصِدْقِهِمًا(٢) من غيرِ ترجيحٍ لأحدِهِما على الآخَرِ. وما عدا ذلك؛ فالإِجماعُ حاصِلٌ على تَسْليمِ صِحَّتِهِ(٣). فإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا اتَّفَقوا عَلى وُجوبِ العَمَلِ بِهِ، لا عَلَى صِحَّتِهِ؛ مَنَعْناهُ(٤). وسَنَدُ المَنْعِ أَنَّهُمْ مُتَّفِقونَ عَلى وُجوب العَمَلِ بَكُلِّ مَا صَحَّ ولوْلَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخانِ، فلمْ يَبْقَ للصَّحيحينِ في هذا مَزيَّةٌ(٥)، والإِجماعُ حاصِلٌ على أَنَّ لهُما مزيَّةً فيما يَرْجِعُ إِلى نَفْسِ الصِّحَّةِ(٦). ٦ (١) ((أي: التخالف - كما في نسخة - والمراد التعارض)) ((شرح علي القاري)) (ص ٤٣)، وفي حاشية بعض النسخ: ((أي: التمانع)). قلت: أي من حيث المعنى، وذلك («بأن يكون ما يقتضيه أحدهما نقيض ما يقتضيه الآخر))؛ كما في ((لقط الدُّرر)) (ص ٣٥). (٢) ((أي: صدق المدلولين، وعند الترجيح ينتفي غير المرجَّح)) ((لقط الدُّرر)) (ص ٣٥). (٣) أي: ثبوته، ولو كان حسناً. وفي ((سير النبلاء)) (٧ / ٣٣٩) فائدة لطيفة في تقرير ذلك. (٤) وتحرَّف في طبعة العتر (ص ٢٧): ((لا على صحّة معناه)) !! (٥) وهذا تنبيه دقيق . (٦) ((لا يلزم من ذلك الاتّفاق الإِجماع على صحّة ما في الكتابين؛ فإنه يجوز أن يتَّفق الجميع على وجوب العمل بالصحيح، ولا يكون جميع ما في ((الصحيحين)) صحيحاً، وتكون المزيّة باعتبار وجوب العمل بجميع ما فيهما صحيحاً أو غيره)) ((شرح علي القاري)) (ص ٤٤). ٧٥ = ومِمَّن صَرَّحَ بِإِفادَةِ مَا خَرَّجَةُ الشَّيْخانِ العِلْمَ النَّظَريَّ: الأسْتاذُ أبو إِسْحَاقَ الإِسْفَرايِيُّ، ومِن أَئِمَّةِ الحَديثِ أَبو عبدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ، وأبو الفَضْلِ بنُ طاهِرٍ (١)، وغيرُهُما. ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقالَ: المَزْبَةُ المَذْكُورَةُ كَوْنُ أَحادِيثِهِمَا أَصَحَّ الصَّحیحِ. ومنها: (المَشْهورُ)(٢) إِذا كانَتْ لهُ طُرُقٌ مُتباينَةٌ(٣) سالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّواةِ والعِلَلِ . ومَمَّن صَرَّحَ بِإِفَادَتِهِ العِلْمَ النَّظَرِيَّ الأسْتاذُ أَبو مَنْصورٍ الْبَغْدادِيُّ(٤)، والأسْتاذُ أبو بَكْرِ بنُ فُورَكِ (٥)، وغيرُهُما. ومِنها: المُسَلْسَلُ(٦) بالأئمَّةِ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ، حيثُ لا يكونُ غَرِيباً(٧)؛ كالحَديثِ الَّذِي يَرْوِهِ أَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ مَثلاً ويُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قلت: الأولى نعم، أما الثانية؛ فلا، إذ الصحة شرط في العمل، وبخاصَّة في = العقائد والأحكام الشرعية، واختلف في الفضائل، والراجح المنع، إذلا دليل على التفريق. ولي جزء مفرد في هذه المسألة. (١) هو عبدالقاهر بن طاهر البغدادي، توفي سنة (٤٢٩هـ)، ترجمته في ((البداية والنهاية)) (١٢ / ٤٤) لابن كثير. (٢) أي: اصطلاحاً، لا مشهوراً على الألسنة. (٣) أي: مختلفةٌ متغايرةٌ. (٤) توفي سنة (٤٠٦ هـ)، ترجمته في ((وفيات الأعيان)) (٤ / ٢٧٢). (٥) انظر: ((النّكت على ابن الصلاح)) (١ / ٣٧٦ - ٣٧٧) للمصنف. (٦) من الناحية اللغوية، لا من الناحية الاصطلاحية. (٧) أي: تفرُّد في السَّند. ٧٦ ويُشارِكُهُ فيهِ غيرُهُ عنْ مالِكِ بن أنسٍ ؛ فإِنَّهُ يُفيدُ العِلْمَ عندَ سَامِعِهِ بالاستِدْلالِ مِن جِهَةٍ جَلالَةِ رُواتِهِ، وأَنَّ فيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ اللَّائِقَةِ المُوجِبَةِ للقَبولِ مَا يَقومُ مُقَامَ العَدَدِ الكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِم . ولا يَتَشَكَّكُ مَنْ لهُ أَدْنِى مُمارَسَةٍ بالعِلْمِ وأخبارِ النَّاسِ أَنَّ مالِكاً مَثلًا لو شَافَهَهُ بِخَبَرِ أنَّهُ صادِقٌ فيهِ (١)، فإِذا انْضافَ إِليهِ مَنْ هُو في تِلْكَ الدَّرَجَةِ؛ ازْدَادَ قُوَّةً، وبَعُدَ عَمَّا يُخْشى عليهِ مَنَ السَّهْوِ. وهذهِ الأنْواعُ الَّتِي ذَكَرْناها لا يَحْصُلُ العلمُ بِصِدْقِ الخَبرِ(٢) منها إِلَّ للعالِمِ بِالحَديثِ، المُتَبَخِّرِ فيهِ، العارِفِ بأحوالِ الرُّواةِ، المُطَّلِعِ عَلى العِلَلِ. وكَوْنُ غيرِهِ لا يَحْصُلُ لهُ العِلْمُ بصِدْقِ ذلك لِقُصورِهِ عن الأوْصافِ المَذْكورَةِ لا يَنْفِي حُصولَ العِلْمِ للمُتَبَخِّرِ المَذْكورِ (٣)، واللهُ أعلمُ. ومُحَصّلُ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها (٤): (١) قال الشيخ قاسم: ((إن أراد أنه لم يتعمَّد الكذب؛ فليس محلَّ نزاع، وإن أراد: لا يجوز عليه السهو والغفلة والغلط؛ فمحلُّ تأمُّل))؛ كما في ((اليواقيت)) (ق ٤٧ / أ). قلت: ولا يخفى أنَّ مراده خارج عن هذين، إذ هو أراد حصول غلبة الظنِّ لقبول روايته بعيداً عن الغفلة والسهو ونحوه . (٢) كذا قال، والأولى: المُخْبر. (٣) ((يقال عليه: لو سُلِّم حصول ما ذكر؛ لم يكن محلَّ النزاع، إذ الكلام فيما هو سبب العلم للخَلْق، لا لبعض الأفراد)). ((حاشية لقط الدُّرر)) (ص ٣٦)، و((اليواقيت)) (ق ٤٧ / أ). (٤) في نسخة: ((ذكرتُها)). ٧٧ ٥ - ثمَّ الغَرابَةُ: إِمَّ أَنْ تَكونَ في أَصلِ السَّنَدِ، أَو لا: فالأوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ. أَنَّ الأوَّلَ: يَخْتَصُ بالصَّحيحينِ . والثَّانِي: بما لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ. والثَّالِثُ: بِما رواهُ الأئمَّةُ. ويمكِنُ اجتماعُ الثَّلاثةِ(١) في حَديثٍ واحِدٍ، فلا يَبْعُدُ حينئذٍ القَطْعُ بصِدْقِهِ، واللهُ أعلمُ. (ثمَّ الغَرابَةُ إِمَّا أَنْ تَكونَ في أَصْلِ السَّنَدِ)؛ أي: في الموضعِ الَّذِي يَدورُ الإِسنادُ عليهِ ويَرْجِعُ(٢)، ولو تَعَدَّدَتِ الطُّرِقُ إِليهِ (٣)، وهو طرَفُهُ الَّذي فيهِ الصحابيُّ (أَو لا) يَكونُ كَذَلكَ؛ بأَنْ يَكونَ التَّفَرُّدُ في أَثْنَائِهِ؛ كأَنْ يَرْوِيَهِ عَنِ الصَّحابيِّ أَكْثَرُ مِنْ واحِدٍ ، ثمَّ يتفرَّدُ بروايَتِه عنْ واحِدٍ منهُم شَخْصٌ واحِدٌ : (فالأوَّلُ: الفَرْدُ المُطْلَقُ)؛ كَحديثِ النَّهْيِ عَنْ بيعِ الوَلاءِ وعَنْ هِبَتِهِ (٤)؛ تفرَّدَ بهِ عبدُاللهِ بنُ دينارٍ(٥) عنِ ابنِ عُمَرَ(٦). (١) قال الكمال بن أبي شريف مبيّناً: ((قولُه: ((يمكن اجتماع الثلاثة))؛ هو باعتبار المسلسل بالأئمة الحفّاظ، لا بالَّذين مثل بهم؛ فإن الشافعي لا رواية له في الصحيحين؛ كما هو ظاهر)) ((اليواقيت)) (ق ٤٧ / ب). (٢) وهو مُلتقى طُرُقه . - (٣) أي: إلى موضع التقاء الطرق في الإِسناد. (٤) رواه: البخاري (٢٥٣٥ و٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦). (٥) قال المصنف في ((فتح الباري)) (١٢ / ٤٣): ((هكذا قال الحفّاظ من أصحاب سفيان الثوري عنه؛ منهم: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعبدالله بن نُمير، وغيرهم)). (٦) وللمصنف رحمه الله تعالى كلامٌ مطوّلٌ حول هذا الحديث في كتابه ((فتح = ٧٨ . وقد يَتَفَرَّدُ بِهِ راوٍ عِنْ ذُلك المُتَفرِّدِ؛ كحديثِ شُعَب الإِيمانِ(١)؛ تفرَّدَ بهِ أبو صالحٍ عَنْ أَبي هُريرةَ، وتفرَّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ عَنْ أبي صالحٍ (٢). وقدْ يَسْتَمِرُّ التفرُّدُ في جميعِ رواتِهِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ، وفي ((مُسْنَدِ البَزَّارِ))(٣) = الباري)) (١٢ / ٤٣ - ٤٤)، ولولا طولُه؛ لنقلتُه بتمامه؛ لنفاسته. وقال المزي في ((تحفة الأشراف)) (٥ / ٤٤٩ - ٤٥٠): ((وروى يحيى بن سُليم هذا عن عُبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وهو وهَمٌ، روى الثقفيُّ وعبد الله بن نُمير وغير واحد عن عُبيدالله عن ابن دينار، وهذا أصحُ)). (١) وهو قوله ◌ََّ: ((الإِيمان بضعٌ وستُّون - أو سبعون - شعبة، فأرفعُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإِيمان)). وقد رواه: البخاري (رقم ٩)، ومسلم (٣٥)، واللفظ له . وفي ((اليواقيت)) (ق ٤٨ / أ): (( ... كحديث البيهقي كذا، أورده في كتاب ((شعب الإِيمان))؛ فإنه قد تفرَّد به أبو صالح))! وهذا خلطٌ بَيِّن؛ كما هو ظاهر! (٢) قال الحافظ المصنف في ((الفتح)) (١ / ٥٣): ((في الإِسناد المذكور رواية الأقران، وهي: عبدالله بن دينار عن أبي صالح؛ لأنهما تابعيَّان، فإن وجدت رواية أبي صالح عنه؛ صار من المدَّج ... ))، وانظر ما سيأتي (ص ١٢٠). تنبيه: سقط ذِكر أبي صالح في إسناد هذا الحديث من كتاب ((شعب الإِيمان)) (١ / ٩٨) طبع الهنْد! (٣) وهو المسمَّى ((البحر الزخَّار))، طُبع منه ثلاث مجلَّدات بتحقيق الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السلفي، في مكتبة العلوم والحكم، السعودية . ومن الأمثلة فیه ما رواه برقم (٧١٨) عن عليٍّ؛ قال: «قال لي عبدالله بن سلام - وقد وضعتُ رجلي في غَرْز الركاب -: لا تَأْت العراق؛ فإنك إن أتيتها أصابك بها ذباب السيف)). قال: ((وايم الله؛ لقد قالها، ولقد قالها النبي وَّ لي قبله ... )). ثم عقّب البزَّار بقوله: ((وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا عليُّ بن أبي طالب رضي الله = ٧٩ والثّانِي: الفَرْدُ النَّسِْيُّ، ويقلُّ إِطلاقُ الفَرْدِيَّةِ عليهِ. و((المُعْجَم الأوسط)) (١) للطَّبرانيِّ أَمثلةٌ كثيرةٌ لذلك(٢). (والثَّاني: الفَرْدُ النِّسبيُّ): سُمِّيَ نسبيّاً لكونِ التفرُّدِ فيهِ حصلَ بالنسبةِ إِلى = عنه بهذا الإِسناد، ولا نعلم رواه إلا عبدالملك بن أعين عن أبي حَرْب، ولا رواه عن عبدالملك بن أعين إلا ابن عُيينة)). والحدیث سنده صحيح . وأخرجه: أبو يعلى (٤٩١)، والحميدي (٥٨)، وابن حبان (٢٢١٠). (١) وقد طُبع منه ثلاثة مجلَّدات بتحقيق الدكتور محمود الطحَّان في مكتبة المعارف، الرياض. وقال شيخنا في حواشيه على ((النزهة)) - ومن خطَّه أنقل -: ((وكذلك في ((المعجم الصغير)) له - أي: الطبراني -، وإن كان أقلَّ مادة من ((الأوسط)) ... )). ومن الأمثلة فيه ما رواه برقم (﴾(٦) عن عائشة مرفوعاً: ((نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام)). حيث قال عقب روايته : ((لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا أبو الرَّبيع)). والحديث ضعيف جدّاً، فأبو الربيع ضعَّفه جماعة، وتركه أئمّة. وأخرجه: أبو يعلى (٤٣٦٨)، والبزَّار (٣٠٣٠)، وابن حبَّان في ((المجروحين)) (١ / ١٧٢)، والسَّهمي في ((تاريخ جرجان)) (١٩٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (١ / ٣٦٨)، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١ / ١٦٩)؛ من طرق عن أبي الربيع به. وترى في ((الموضوعات)) (١ / ١٦٩ - ١٧٠) طرقاً أخرى تنفي التفرّد المدَّعى، ولكنها جميعاً من طرق الواهين والتَّلفى. (٢) قال المصنَّف في ((النكت على ابن الصلاح)) (٢ / ٧٠٨): (( ... ثم الدَّارقطني في ((كتاب الأفراد))، وهو يُنبىء عن اطّلاع بالغ، ويقع عليهم [أي: البزَّار والطبراني والدارقطني] التعقّب فيه كثيراً، بحسب اتّساع الباع وضيقه، أو الاستحضار وعَدَمه)). ٨٠