Indexed OCR Text

Pages 41-60

عملي في ((النُّكت))
كان عَمَلي في هذا الكتاب قائماً على النِّقاط الآتية:
١ - مقابلةُ نصِّ الكتاب على الأصل المَخْطوط مقابلةً دقيقةً.
٢ - ضبْطُ النصِّ ضبطاً بالشَّكْل - أُراه - تامّاً إن شاء الله.
٣ - ترقيم فِقْرات ((النُّخبة)) على ترتيب علوم الحديث الواردة فيها.
٤ - العِنايةُ بإثباتٍ علاماتِ التَّرْقيم المعاصرةِ؛ تَسْهيلًا للقارىء، وتيسيراً
عليه .
٥ - تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب.
٦ - التَّرجمة لـ (بعض) الأعلام الواردين في الكتاب، مما وقعَ في قَلْبِي
أنَّه ينفعُ القرَّاء ويقرِّب الفائدة إليهم .
٧ - مناقشة بعض الاعتراضات(١) المُوَجّهة للمصنَّف من بعض أصحاب
الشُّروح أو الحواشي .
(١) ثم وقفتُ - بعد كتابة المقدّمة - على اعتراض كتَبَه رضيُّ الدين ابن الحنبلي
الحنفيُّ في ((قَفْو الأثَر)) (ص ٤٢) على أصل كتاب ((النُّزهة))، مع أنَّه بنى ((قَفْوَه)) عليها !!
حيث قالَ في وصفِ ((النُّزهة)»:
٤١
=

٨ - التعليق على بعض المسائل التي أوردها المؤلّف؛ إمَّا نَقْداً، وإمَّا
استدراكاً، وإمَّا تأييداً، وإمَّا شرحاً وبياناً.
٩ - كتابةُ مقدِّماتٍ للكتاب تكون كالمدخل له، تُوصِلُ القارىء إلى
مُبتغاهُ ومقصودِه؛ كترجمةٍ للمؤلّف، وتعريفٍ بـ ((النُّخبة)) و ((النزهة))، وإيراد
المُعتنين بهما؛ شرحاً، وتحشيةً، ونظماً، واختصاراً.
١٠ - صُنع فهارس علميّة فنِّيَّة تُقرِّب تناول الكتاب لطالبيهِ، وتيسِّرُ مادَّته
لراغبیهِ، وهي كالتالي :
١) مَسْرد المصادر والمراجع.
٢) فهرس الأحاديث.
٣) فهرس الأعلام والرواة .
٤) فهرس أسماء الكتب.
٥) فهرس أنواع علوم الحديث.
٦) فهرس الأبحاث والمسائل .
٧) فهرس فوائد التعليقات .
٨) فهرس التعقُّبات.
٩) الفهرس الإِجمالي .
=
(( ... وإنْ لم يخلُ عن فواتٍ تَحْرِير، وركاكةٍ تقرير، كما لم يخْلُ متّنُه عن ضيقِ
العبارة ... )) !!
قلتُ: وقد سكت المعلِّق عليه - أبو غُدَّة - عنه! فلعلَّه لحنفيَّة رضيِّ الدين، وشافعيَّةِ
شهاب الدين !! والله أعلمُ بالصَّادقين .
وهذا الاعتراض غيرُ ناهِضٍ بنفسه، فضلاً عن أنْ يسلَّم به لغيرِه !! ووهاؤهُ مُغْنٍ عن
نقضه!
٤٢

... وغير هذا كلَّه من فوائدَ زوائدَ؛ جهدتُ لها وبها؛ سائلاً اللهَ أنْ
يتقبّلَها بقَبولٍ حسنٍ؛ إنَّه سميعٌ مجيبٌ.
((وأنا سائلٌ مَن اطَلَعَ على هذه ((النُّكَت)) أنْ يُسْبِلَ عليها ثوبَ الإِغْماض،
ويُحْجِمَ عنها خَيْلَ البحثِ والاعتراض، وينسبَ ما زلَّ فيهِ القَدَم، إلى طُغْيان
القَلَم)»(١).
واللهُ الموفّق، لا ربَّ سواه.
(١) كما قال ابنُ هِمَّات الدِّمشقي في ((شرحه)) على ((النُّخبة))؛ كما في ((فهرس
مخطوطات دار الكتب المصرية)) (١ / ٢٤٧).
٤٣

النُّكَتُ عَلى نُزْهَةِ النَّظَرِ
الحمدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَليماً قديراً، وصلَّى اللهُ عَلى سَيَدِنا
مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلى النَّاسِ بَشيراً ونَذيراً، وعلى آلٍ مُحَمَّدٍ وصَحْبِهِ
وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أُمَّا بَعْدُ :
فإِنَّ التَّصانيفَ في اصْطِلاحِ أَهلِ الحَديثِ قَدْ كَثُرَتْ، ويُسِطَتْ
واخْتُصِرَتْ .
(الحمدُ للهِ الَّذِي لَم يَزَلْ عليماً قديراً) حيّاً قيُّوماً سَميعاً بصيراً، وأشهدُ أَنْ
لا إِله إِلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأَكْبِّرُه تَكبيراً.
(وصلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ الَّذِي أَرسَلَهُ إِلى النَّاس ) كافَّةً (بشيراً
ونَذيراً، وعلى آلِ محمَّدٍ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْليماً كَثِيراً.
أَمَّا بعدُ؛ فإِنَّ التصانيفَ في اصْطِلاحِ أَهلِ الحَديثِ قَدْ كَثُرَتْ) للأئمَّةِ
في القديمِ والحَديثِ :
٤٥

- فمِن(١) أَوَّلِ مَن صَنَّفَ في ذلك القاضي أبو محمَّدِ الرَّامَهُرْمُزي (٢) في
(١) وفي ((تدريب الراوي)) (١ / ٥٢) للسيوطي نقلاً عن المصنّف: ((أول من
صنف ... )).
وفي ((شرح شرح النخبة)) (ص ٩) لمُلا علي القاري: ((فممَّن صنّف ... ))، وقال:
((وفي نسخة: فمِن أول ما صنف ... )).
وفي ((قَفْو الأثر)) - وهو يكاد يكون نسخة أخرى عن كتابنا - (ص ٣٥): ((فمِن أَوَّل من
صنف ... )).
وفي ((اليواقيت والدرر)) (ق ١٩ / أ) للمُناوي: ((فأول ما صُنَّف)).
(٢) ستأتي ترجمته في آخر الكتاب إن شاء الله.
قلت: وفي هذه الأوَّلية نظر؛ إلا إذا أخذنا بالاعتبار قول علي القاري في ((شرحه)):
((وفي الكلام إشعار بوجود تعدُّد التصنيف في قرن القاضي [أي: الرامهرمزي]، وعدم تحقّق
الأولية))، فيكون المراد: تدويناً مستقلاً)).
فالناظر في سرد أسماء مؤلَّفات الحافظ علي بن المديني المتوفّى سنة (٢٣٤ هـ) يرى
أن له من المصنَّفات الحديثية - التي يعدُّ كل منها باباً من أبواب علم اصطلاح الحديث - ما
يؤكد أن له قصب السبق في التأليف الحديثي الاصطلاحي .
وانظر: ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٧) للحاكم، و((تاريخ بغداد)) (١١ / ٤٥٨ -
٤٦٤) للخطيب .
ومثلُه - بل قبلَه - الإِمام الشافعي المتوفى سنة (٢٠٤ هـ) رحمه الله، له مباحث
حديثيّة بديعة في كتابه الماتع ((الرسالة)).
ومَن رأى مقدِّمة ((الصحيح)) للإمام مسلم بن الحجاج المتوفى سنة (٢٦١ هـ)؛ يقفُ
على تقريرات اصطلاحية علميَّة متينة، وفوائد حديثية رائعة .
وكتابه ((التمييز)) أصلٌّ في هذا الباب أيضاً، وقد طبعت قطعة منه .
٤٦

كتابه ((المحدِّث الفاصل))(١)، لكنَّه لم يَسْتَوْعِبْ (٢).
- والحاكِمُ أَبو عبدِ اللهِ النَّْسابوريُّ(٣)، لكنَّه لم يُهَذِّبْ ولم يُرَتَّبْ.
- وتلاهُ أَبو نُعَيْم الأصبهاِيُّ، فَعَمِلَ على كتابهِ ((مُسْتَخْرَجا)(٤)، وأَبقى
أشياءَ للمُتَعَقُّب.
- ثُمَّ جاءَ بعدَهم الخطيبُ أبو بكرِ البغداديُّ، فصنَّفَ في قوانين الروايةِ
(١) واسمه بتمامه: ((المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي))، طبع في مجلد
ضخم، بتحقيق : الدكتور محمد عجاج الخطيب، في دمشق .
(٢) وقال شيخنا العلامة الألباني في حواش له على ((النُّزهة)) - ومِن خطَّه أنقل -:
(أي: لم يأت بالاصطلاحات كلِّها؛ لأنه من أول من صنَّف في هذا العلم، وأما أوَّل من
صنّف في علم الحديث؛ فالأكثر على أنه ابنُ جُرَيج، وقيل: مالك، وقيل: رَبيع بن
صُبيح)).
(٣) وكتابُه المشار إليه هو ((معرفة علوم الحديث))، مطبوع في مجلد لطيف في
الهند، وهو جدير بأن يُطبع طبعة علميّة متقنة.
(٤) واسمه ((معرفة علوم الحديث على كتاب الحاكم))؛ كما في ((التحبير)) (١ / ]
١٨١) لأبي سعد السمعاني .
وانظر: ((الرسالة المستطرفة)) (ص ١٤٣)، وسماه الذهبي في ((السير)) (١٧ / ٤٥٦):
((علوم الحديث)).
و ((المستَخْرَج)) هو: ((كتابٌ يروي فيه صاحبُه أحاديث وآثار كتاب معيَّن بأسانيد
لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل)).
انظر: ((تدريب الراوي)) (١ / ١١١)، و((مقدمة ابن الصلاح)) (ص ١٩).
فكتاب الحاكم ألَّفه بأسانيده، فاستخرج عليه أبو نُعيم بأسانيد لنفسه على المنهج
الذي سبق بيانه .
٤٧

كتاباً سمَّاه ((الكفايةَ))(١)، وفي آدابها كتاباً سمَّاه ((الجامعَ لآداب الشَّيخ
والسَّامِع))(٢).
: ٫٠٠
وقلَّ فنٌّ مِن فُنونِ الحَديثِ إِلَّ وقد صَنَّفَ فيهِ كتاباً مُفْرَداً، فَكَانَ كَما قالَ
الحافظُ أَبو بكرٍ بِنُ نَقْطَةَ(٣): ((كلُّ مَن أَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ المحَدِّثِينَ بعدَ الخطيب
عِيالٌ على كُتُبِهِ))(٤).
ثمَّ جاءَ بعدَهُم بعضُ مَن تَأَخَّرَ عن الخطيب فَأَخَذَ مِن هذا العلمِ
بنصيبٍ :
(١) هو ((الكفاية في علم الرِّواية))، طُبع عدَّة طبعات يعوزُها التدقيق والتحقيق - على
كثرة محققيها ! -، وقد بلغنى أن أخانا الفاضل الأستاذ بدر البدر يعمل الآن في تحقيقه، وفقه
المولى .
وسمَّى ابن الجوزي في (المنتظم)) (٨ / ٢٦٧) هذا الكتاب: ((الكفاية في معرفة
أصول علم الرواية)».
(٢) وقد طُبع طبعتين، كل منهما في مجلدين، واسمه فيهما: (( ... في آداب
الراوي والسامع».
(٣) توفي سنة (٦٢٩هـ)، ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) (٤ / ١٤١٢).
(٤) قاله في ((التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد)) (١ / ١٧٠)، ولفظه فيه بعد
قوله :
((وله مصنَّات في علوم الحديث لم يُسْبَق إلى مثلها)) .
قال :
((ولا شُبهة عند كل لبيب أن المتأخِّرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر
الخطيب)».
وكذا قال في ((تكملة الإِكمال)) (١ / ١٠٣).
٤٨

- فجَمَعَ القاضي عياضٌ(١) كتاباً لطيفاً سمَّاهُ ((الإِلْماع))(٢).
- وأبو حَفْصِ المَيَّنَجِيُّ(٣) جُزءاً سمَّاه ((ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُه))(٤).
(١) توفي سنة (٥٤٤هـ)، ترجمتُه في ((السير)) (٢٠ / ٢١٢).
وللمقُري كتاب مفرد في ترجمته، سمّاه ((أزهار الرياض ... ))، طُبع في المغرب في
خمس مجلّدات.
(٢) وتمام اسمه: (( ... إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع))، طبع في مصر
بتحقيق السيد أحمد صقر رحمه الله، سنة (١٣٨٩ هـ).
(٣) توفي سنة (٥٨١هـ)، ترجمته في: ((العبر)) (٤ / ٢٤٥)، و((تاريخ مكة)) (٣ /
٢٣)، و((العقد الثمين)) (٦ / ٣٣٤)، و((شذرات الذهب)) (٤ / ٢٧٢)، و((إتحاف النبلاء)»
(١٣١)، وغيرها .
وإنما ذكرتُ عدة مصادر لترجمته؛ لأن الدكتور نور الدين العتر المعلِّق على طبعة
المكتبة العلمية في المدينة النبويَّ من ((النُّزهة)) (ص ١٧)؛ قال: ((ولم أعثر على ترجمة من
كنَّه الحافظُ بأبي حفص الميّانجي)) !!
ومن عجب أنه شرح نسبة «المیّانجي)» نقلا عن «معجم البلدان»! وهو مذکور فیه (٥
/ ٢٣٩)، لكن بالاسم دون الكُنية، فتأمَّل!
(٤) وهو جزءً لطيف موجز؛ قال مؤلَّفه في آخره (ص ٣٠): ((وهذه نُبذةً يستفيد منها
الْمُبتدي، ويتذكَّر بها العالم المُنتَهي، وتدعو إلى الرَّغبة في التبخُر في هذا العلم))؛ فهذا ردٌّ
على مَن قلَّل شأنَها!
وقد حقّقتُ هذا الجزء ونشرتُه ضمن كتابي ((ثلاث رسائل في علوم الحديث)) (ص
١١ - ٤٠)، سنة (١٤٠٤ هـ).
وأما طبعة الأستاذ الفاضل صبحي السامرَّائي - جزاه الله خيراً - سنة (١٩٦٧ م)؛ ففيها
من التصحيف والتحريف الشيء الكثير مما نبَّهتُ عليه في تعليقاتي .
٤٩
=

وأَمثالُ ذُلك مِنَ التَّصانيفِ الَّتي اشتُهرَتْ (وبُسِطَتْ) ليتوفَّرَ عِلْمُها،
(واخْتُصِرَتْ) ليتيسَّرَ فَهْمُها.
- إِلى أَنْ جاءَ الحافِظُ الفقيهُ تقيُّ الدِّينِ أَبو عَمْرِو عُثمانُ بنُ الصَّلاحِ
عبدِ الرحمن الشَّيْهِرُزُوريُّ نزيلُ دمشقَ، فجَمَعَ - لمَّا وَلِيَ تدريسَ الحدیثِ
بالمدرَسَةِ الأشرفَّةِ(١) - كتابَه المَشهورَ(٢)، فَهَذَّبَ فنونَهُ، وأَملاهُ شيئاً بعدَ شيءٍ،
وقال شيخُنا الألباني في حواشيه على ((النُّزهة)): ((وفيها فوائد لا بأس بها؛ إلا أن فيها
=
بعض الأحاديث الضعيفة والمنكرة)).
وفي ((نُكت)) المصنَّف على ((كتاب ابن الصلاح)) (١ / ٢٤١) تعقّب على كتابه هذا؛
قال فيه بعد نقله قوله :
((فهذا الذي قاله الميَّانَجيُّ مستغنٍ بحكايته عن الردِّ عليه)).
ومثله في ((تدريب الراوي)) (١ / ٧١)؛ إلا أنه نقل عن ابن حجر قوله: ((هذا كلام
مَن لم يمارس الصحيحين أدنى ممارسة)).
(١) وهي الأولى المَبْنَّة سنة (٦٢٨هـ)، وأما المدرسة الأشرفيَّة الثانية؛ فُبُنِيَت سنة
(٦٣٤هـ)؛ كما في ((الدَّارس في تاريخ المدارس)) (١ / ١٩ و٤٧) للنّعيمي.
وفي التعليق على ((مُنادمة الأطلال)) (ص ٢٤) لعبد القادر بدران: ((فيها الآن [مدرسة].
إعدادية للعلوم الشرعية، يُنفق عليها جماعة من أهل الخير، وتُقام فيها الجُمعة)).
(٢) واسمه ((معرفة علوم الحديث))؛ كما سمّاه مؤلَّفه في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص
٧٥ و٨٣ (٩٤)، وقد اشتهر باسم ((مقدمة ابن الصلاح)) أو ((علوم الحديث)).
وقال شيخنا في حواشيه على ((النُّزهة)): ((طُبع أكثر من طبعة، من أتقنِها طبعة حلب
سنة ١٣٥٠هـ؛ بتحقيق شيخي إجازةً الشيخ الفاضل محمد راغب الحلبي رحمه الله
تعالى)).
٥٠
٠

فسأَلَنِي بَعْضُ الإِخوانِ أَنْ أُلَخِّصَ لَهُ المُهِمَّ مِنْ ذَلك، فَأَجَبْتُهِ إِلى
سُؤالِهِ؛ رجاءَ الاندِراجِ في تلكَ المسالِكِ.
فلهذا لمْ يَحْصُلْ ترتيبُهُ على الوضعِ المُتناسِبِ (١)، واعتنى بتصانيفِ الخطيب(٢)
المُتَفرِّقَةِ، فجمَعَ شَتاتَ مقاصِدِها، وضمَّ إِليها مِن غَيْرِها نُخَبَ فوائِدِها، فاجتَمَعَ
في كتابه ما تفرَّقَ في غيرِهِ، فلهذا عَكَفَ النَّاسُ عليهِ وساروا بسَيْرِهِ، فلا يُحْصى
كَم ناظِمٍ لهُ ومُختَصِر، ومستَدْرِكِ عليهِ ومُقْتَصِر، ومُعارِضٍ لهُ ومُنْتَصِرِ(٣)!
(فَسَأَلَنِي بَعْضُ الإِخوانِ أَنْ أَلْخِّصَ لهُ المهمَّ مِن ذلك)، فلخّصْتَهُ في
(١) قال الحافظ البقاعي في ((النُّكت الوفية)): ((قيل: إن ابن الصلاح أملى كتابه
إملاء، فكتبه في حال الإِملاء جمعٌ جمٍّ، فلم يقع مرتباً على ما في نفسه، وصار إذا ظهر له
أنَّ غير ما وقع له أحسن ترتيباً؛ يراعي ما كُتب على النُّسخ، ويحفظ قلوب أصحابها، فلا
يغيِّرها، وربَّما غاب بعضهم، فلو غيَّر ترتيبَه؛ تخالَفت النُّسخ، فتركها على أول حالها))؛ كذا
في ((كشف الظنون)) (٢ / ١١٦٢).
قلت: وفي حواشي مطبوعة ((محاسن الاصطلاح)) للبُلقيني المطبوع مع ((مقدمة ابن
الصلاح)) في مصر سنة (١٩٧٤م) إيراد لتعليقات مهمّة واستدراكات جمَّة من ابن الصلاح
نفسه على كتابه، كان قد أملاها - أو كتبها -، وعلَّق بعض أهل العلم أو النُّسَّاخ على نُسخة
محفوظة في دار الكتب المصرية (رقم ١٥٥ - مصطلح حديث)، نُسخت سنة (٧١٣هـ).
(٢) وهو البغدادي المتقدِّم ذكرُه.
(٣) كذا في بعض النسخ المخطوطة، وفي ((اليواقيت والدُّرر)) (ق ٢٢ / أ - ب)،
ومثله في ((قَفْو الأثر)) (ص ٤١)، وفي طبعة المكتبة العلمية اضطرابٌ!
وترى في مقدمتي على ((الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح)) للأبْناسي المتوفى سنة
(٨٠٢هـ) تفصيل القول في هذا كلِّه، يسر الله إتمامها ونشرها.
٥١

فأقولُ :
الخَبرُ: إِمَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقٌ بِلا عَدَدٍ مُعَيِّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوْقَ
الاثنَيْنِ، أَو بِهما، أَو بواحِدٍ :
أوراقٍ لطيفةٍ سمَّيْتُها ((نُخْبَةَ الفِكَرِ في مُصْطَلَحِ أَهلِ الأثَر)(١) على ترتيبٍ
ابتَكَرْتُهُ، وسبيلِ انْتَهَجْتُهُ، معَ ما ضمَمْتُه إِليهِ مِن شوارِدِ الفرائِدِ وزَوائِدِ الفوائدِ .
فرَغِبَ إِلَّ جماعةٌ(١) ثانياً أَنْ أَضعَ عليها شرحاً يحُلُّ رموزَها، ويفتَحُ
كنوزَها، ويوضِحُ ما خَفِيَ على المُبْتدىء من ذلك، (فَأَجَبْتُهُ إِلى سؤالهِ، رجاءَ
الاندراجِ في تلك المسالكِ).
فبالغتُ في شَرْحِها في الإِيضاحِ والتَّوجيهِ، ونَبِّهْتُ عَلى خَبايا زواياها؛
لأَنَّ صاحِبَ البَيْتِ أَدْرَى بِمَا فِيهِ، وظَهَرَ لي أَنَّ إِيرادَهُ على صُورةِ البَسْطِ(٢) أَلِيقُ،
ودَمْجَها ضِمْنَ تَوضيحِها أَوْفَقُ، فسلكْتُ هُذهِ الطَّرِيقَةَ القَليلةَ المَسالِكِ.
(فَأَقولُ) طالِباً مِن اللهِ التَّوْفِيقَ فيما هُنالِك:
(الخَبَرُ) عندَ عُلَماءِ هذا الفنِّ مرادفٌ للحَديثِ .
وقيل: الحَديثُ: ما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ،
والخَبَرُ ما جاءَ عن غيره(٣)، ومِنْ ثَمَّ قيلَ لمَن يشتغلُ بالتَّواريخِ وما شاكَلَها:
(١) انظر ما سبق في المقدمة (ص ١٥ و٢٣) حول ذلك.
(٢) أي : مزج الشرح بالمتن، كأنما هما كتاب واحد بسياق واحد.
(٣) قال المناوي في ((اليواقيت والدُّرر) (ق ٢٤ / أ): ((فلا يُطْلَق الحديث على غير
المرفوع؛ إلا بشرط التقييد، فيُقال: هذا حديث موقوف، أو مقطوع، وهذا ما عليه
الأكثرون)).
٥٢

((الأخبارِيُّ))، ولمن يشتغلُ بالسُّنَّةِ النبويَّةِ: ((المُحَدِّثُ))(١).
وقيلَ: بَيْنَهما عُمومٌ وخُصوصٌ مُطلقٌ، فكلُّ حَديثٍ خَبرٌ من غيرِ
عَكْسِ (٢).
وعَبَرْتُ هنا بالخَبَرِ لِيكونَ أَشمَلَ، فهو باعتبارِ وصولِهِ إِلينا.
(إِمَّا أَنْ يكونَ لَهُ طُرُقٌ)؛ أي: أَسانيدُ كثيرةٌ؛ لأنَّ ((طُرُقا) جمعُ طريقٍ،
وفَعيلٌ في الكثرةِ يُجْمَعُ على فُعُلٍ بضمَّتِينِ، وفي القَلَّةِ على أَفْعِلَةٍ (٣).
والمرادُ بالطُّرُقِ الأسانيدُ، والإِسنادُ حكايةُ طريقِ المَثْن.
وتلكَ الكَثْرَةُ أَحدُ شُروطِ التَّاتُر إِذا وَرَدَتْ (بِلا) حَصْرِ (عَدَدٍ مُعَيَّنٍ)، بل
تكونُ العادةُ قد أَحَالَتْ تواطؤهُم على الكَذِب، وكذا وقوعُه منهُم اتَّفاقاً مِن غير
قصدٍ .
فلا مَعْنِى لِتَعْيين العَدَدِ على الصَّحيحِ (٤)، ومِنْهُم مَن عيَّنَهُ في الأربعةِ،
(١) وفي ((النكت على ابن الصلاح)) (٢ / ٥٧٢) للمصنَّف قوله: ((والحديثيُّ:
المبتدىء في طلب الحديث)).
(٢) المراد أن كل حديث خبرٌ، وليس كل خبر حديثاً.
(٣) انظر: ((الأشباه والنظائر في النحو)) (٣ / ٢٨٣) للسيوطي.
(٤) قال شيخنا العلامة الألباني في حواشيه على ((النزهة)): ((وهذا هو المعتمد؛ قال
السيوطي في ((التدريب)) (ص ٣٧١): ولذلك يجب العمل به من غير بحث عن رجاله، ولا
يُعتبر فيه عدد معيَّن في الأصح .
قلت [شيخنا]: ولعلَّه يعني بـ (البحث)؛ إنما هو البحث عن ضبطهم وإتقانهم،
وإلا؛ فالبحث عن سلامتهم من الكذب والوضع أمر لا بدَّ منه؛ كما لا يخفى على أهل
العلم؛ فإن مِن عمل بعض الكذابين أن يسرق الحديث من غيره من أمثاله، ولذلك كثيراً ما =
٥٣

وقيلَ : في الخَمْسةِ، وقيلَ: في السَّبعةِ، وقيل: في العشرةِ، وقيلَ: في الاثْنَيّْ
عَشَرِ، وقيلَ: في الأربعينَ، وقيلَ: في السَّبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلك(١).
= نقرأ في تراجم بعضهم: ((يسرق الحديث))، وبطريق السرقة هذه تتعدَّد الطرق، وكلها في
الحقيقة ترجع إلى طريق واحد، آفته ذلك الكذاب الأول؛ فتنبّه لهذا؛ فإنه أمر دقيق .
وعليه؛ فالعمدة في معرفة المتواتر إنما هم أهل الحديث من الأئمة النقّاد والحفاظ،
وليس غيرهم من حملة الآثار، فضلاً عن غيرهم من الفقهاء والمؤرِّخين الذين قد يظنُّون
الصحيح ضعيفاً، والضعيف صحيحاً، والأحاد متواتراً، والمتواتر آحاداً!
والأمثلة على ذلك كثيرة، لا مجال لذكرها الآن في هذا التعليق، فحسبي أن أقدم
إلى القارىء الكريم واحداً منها :
فهذا هو الإِمام البخاري رحمه الله تعالى يقول في مطلع ((جزء القراءة)) (ص ٤):
((وتواتر الخبر عن رسول الله وعلي﴾: لا صلاة إلا بأم القرآن))، والحنفيَّة يزعمون أنه خبر آحاد،
ولذلك يأبُوْن الأخذ بظاهره الدالّ على بطلان صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ لأنه مخالف
لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَسَّرَ مِنَ القُرآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وتقييدها بالحديث لا
يجوز ما دام آحاداً عندهم !! مع أنهم قيَّدوها بآرائهم، فقالوا: لا تصحُّ الصلاة إلا بآية طويلة
أو ثلاث آيات قصار !!
على أن الآية ليس لها علاقة ألبتة في موضوع القراءة؛ فإنها على أسلوب إطلاق
الجزء وإرادة الكل؛ أي: فصلُّوا ما تيسّر من صلاة الليل؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجْرِ إِنَّ
قُرْآنَ الفَجْرِ﴾؛ أي: صلاة الفجر !! )).
وقال المصنف في ((فتح الباري)) (٨ / ٤٨٠): ((لا يُشتَرَط فيه العدد المعيّن)).
وقال الكمال ابن الهمام في ((التحرير)) (٣ / ٢٤٤): ((والحق عدم الحصر بعدد
مخصوص)) .
(١) انظر نبذة عن اختلافهم في ذلك في ((مجموع الفتاوى)) (١٨ / ٥٠) لشيخ
الإِسلام ابن تيمية .
٥٤

وتَمَسَّكَ كُلُّ قائل بدليل جاءَ فيهِ ذِكرُ ذلكَ العَدَدِ(١)، فأفادَ العِلْمَ، وليسَ
بلازِمٍ أَنْ يَطْرِدَ(٢) في غَيْرِهِ لاحتمالِ الاخْتِصاصِ .
فإِذا وَرَدَ الخَبَرُ كذلك وانْضافَ إِليهِ أَنْ يستويَ الأمْرُ فيهِ في الكثرةِ
المذكورةِ(٣) من ابتدائِهِ إِلى انتهائهِ(٤) - والمرادُ(٥) بالاستواءِ أَنْ لَا تَنْقُصَ الكَثْرَةُ
المذكورةُ في بعضِ المَواضِعِ لا أَنْ لا تَزِيدَ(٦)، إذ الزِّيادَةُ هُنا مطلوبةٌ مِن باب
أَوْلِى -، وأَنْ يكونَ (٧) مُسْتَنَدُ انتهائِهِ الأمرَ المُشاهَدَ أُو المسموعَ لا مَا ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ
(١) قال شيخنا في حواشيه: ((أي: في نظر من عيَّن ذلك العدد، وإن كان الواقع أنه
لا دليل على شيء من تلك الأعداد؛ كما أشار إلى ذلك بقوله المتقدِّم: على الصَّحيح)).
(٢) قال شيخُنا: ((أي: ذلك العدد في نظر القائل به)).
وقوله: ((لاحتمال الاختصاص)): ((أي: اختصاص إفادة العلم في الأمر الذي ورد فيه
عدد معيَّن لذلك الأمر دون غيره))؛ كذا في ((حاشية لقط الدُّرر)) (ص ٢٦) للشيخ عبدالله
العَدَوي المالكي .
(٣) قال شيخُنا: ((أي: بلا حصر معيَّن. أفاده الحافظ ابن ناصر الدين الدِّمشقي)).
(٤) في طبعة المكتبة العلمية: ((إنهائه))!
والمراد: ((من ابتداء السند إلى الانتهاء إلى مَن أخبرهم بالواقعة القوليّة أو الفعليّة؛
لأن خبر كل طبقة وعصر مستقل بنفسه؛ فلا بدَّ فيه من ذلك)) ((اليواقيت والدرر)) (ق ٢٧ /
ب).
(٥) جملة معترضة من المصنف يشرح فيها قوله :
( ... أن يستوي الأمر ... )).
(٦) إجابة على إشكال قد يرد على الذهن حول معنى الاستواء المذكور.
(٧) معطوف على قوله - قبلُ -: ((فإذا ورد الخبر كذلك، وانضاف إليه أن
يستوي ... )) إلخ.
٥٥

العَقْلِ الصِّرْفِ(١).
فإِذا جَمَعَ(٢) هذهِ الشُّروطَ الأربعةَ، وهي :
أ - عَدَدٌ كثيرٌ أَحالَتِ العادةُ تواطُؤْهُمْ وتوافُقَهُم (٣) على الكَذِبِ .
ب - رَوَوْا ذلك عن مِثْلِهِم (٤) من الابتداءِ إِلى الانتهاءِ.
ج - وكانَ مُسْتَنَدُ انْتِهائِهِمِ الحِسَّ.
د - وانْضافَ إِلى ذلك أَنْ يَصْحَبَ خَبَرَهُمْ إِفادَةُ العِلْمِ لِسامِعِهِ .
فهذا هو المتواتِرُ.
وما تَخَلَّفَتْ إِفَادَةُ العِلْمِ عنْهُ كانَ مَشْهوراً فقَط (٥).
(١) ((أي: المحض؛ لإِمكان الغلط فيه؛ كخبر الفلاسفة بقدم العالم، ولو قال:
بالعقل فقط؛ بدل: الصِّرْف؛ كان أولى))؛ أفاده المناوي في ((اليواقيت)) (ق ٢٧ / ب).
وقال العدوي في ((حاشية لقط الدُّرر)) (ص ٢٦) معلِّلاً: ((لأن العقل الصِّرف يمكن
أن يخطىء، فلا يفيد اليقين، ألا ترى أن الفلاسفة كثيرون لا يُحصَوْن، ويقولون بقدم
العالم، مع أنه باطل)) .
(٢) أي: الخبر.
(٣) «نُقِل عن المصنف أنه قال في الفرق بينهما: إن التواطؤ هو أن يتّفق قوم على
اختراع معيَّن، بعد المشاورة والتقرير، بأن لا يقول أحدٌ خلاف صاحبه. والتوافق: حصول
هذا الاختراع من غير مُشاورة بينهم ولا اتفاق؛ يعني : سواء كان عن سهو، أو غلط، أو عن
قصد))؛ كما في ((حاشية لقط الدُّرر)) (ص ٢٦).
(٤) المراد: المماثلة في إفادة العلم، لا في ذكر العدد.
(٥) قال ابن القاسم: ((لا بدّ وأن يزيد: ممَّا رُوي بلا حصر عدد، وإلا؛ لصدق
المشهور على جميع المتواتر)».
((اليواقيت)) (ق ٢٨ / ب)، و((حاشية لقط الدرر)) (ص ٢٧).
٥٦
=

فكلُّ متواتِرٍ مشهورٌ، من غيرِ عَكْسٍ .
وقد يُقالُ: إِنَّ الشُّروطَ الأربعةَ إِذا حَصَلَتْ اسْتَلْزَمَتْ حُصولَ العِلْمِ ، وهُو
كذلك في الغالب، لكنْ قد تَتَخَلَّفُ عنِ البَعْضِ لمانِعٍ (١).
وقد وَضَحَ بهذا تَعْرِيفُ المُتواتِرِ.
وخِلافُهُ(٢) قدْ يَردُ بلا حَصْرٍ أَيضاً(٣)، لكنْ مَعَ فَقْدٍ بعض الشُّروطِ، (أَوْ
مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوْقَ الاثْنَيْنِ)؛ أي: بثلاثةٍ فصاعِداً ما لمْ يَجْمَعْ شُروطَ المُتواتِرِ(٤)،
(أو بِهِما)؛ أي: باثْنَيْنِ فقطْ، (أَو بواحِدٍ) فقَطْ.
والمرادُ بقولِنا: ((أَنْ يَرِدَ باثْنَيْن)): أن لا يَرَدَ بأَقلَّ مِنْهُما، فإِنْ وَرَدَ بِأَكْثَرَ في
بعضِ المَواضِعِ من السَّنَدِ الواحِدِ لا يَضُرُّ، إِذْ الأقلُّ في هذا العِلْمِ يَقْضي على
الأكْثَر(٥).
=
وهذا تنبيه جید .
(١) اعترض بعض أهل العلم على هذا بقولهم: ((متى حصلت الشروط؛ حصل
العلم، فكيف يتخلَّف حصوله؟ والعادة تُحيل الكذب! إلا أن يقال: إن الإِحالة سبب للعلم،
ولا بدَّ مع وجود سبب الشيء من انتفاء مانعه! وفيه ما فيه))! ((اليواقيت)) (٢٩ / أ).
(٢) أي: غير المتواتر.
(٣) ((اعترضه البقاعي بأن ما يرد بلا حصر هو المشهور، وإن لم يكن؛ فهو قسم
آخر، فما اسمه؟!)) ((اليواقيت)) (٢٩ / ب).
(٤) أي : الشروط الأخرى له .
(٥) ((أي: فإذا رواه أربعة عن أربعة عن اثنين عن أربعة؛ فلا يُقال له: ((مشهور))،
بل: ((عزيز))، وكذا إذا رواه عشرة عن واحد، فيُقال له: ((غريب))، ولا يُقال له: (عزيز)) ... ))
((حاشية لقط الدرر)) (ص ٢٨).
٥٧

١ - فالأوَّلُ: المُتواتِرُ المُفيدُ للعِلْمِ اليَقينِيِّ؛ بِشروطِهِ .
(فالأوَّلُ المُتواتِرُ)، وهو (المُفيدُ العِلْمِ اليَقينِيِّ)، فأخرَجَ النَّظريَّ على ما
يأتي تقريرُه، (بِشُروطِهِ) التي تَقَدَّمَتْ.
واليقينُ: هو الاعتقادُ الجازِمُ المُطابِقُ (١)، وهذا هو المُعْتَمَدُ: أَنَّ الخَبَرَ
المُتواتِرَ يُفيدُ العِلْمَ الضَّروريَّ، وهو الَّذِي يَضْطَرُّ الإِنْسانُ إِليهِ بحيثُ لا يُمْكِنُهُ
دَفْعُهُ (٢) .
وقيلَ : لا يُفيدُ العلمَ إِلَّ نَظَرِيّاً!
(١) للواقع، وانظر: ((إسبال المطر)) (ص ١٢) للصَّنعاني.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٢٠ / ٢٥٨): (( ... ولهذا
كان علماء الحديث الجهابذة المتبحّرون في معرفته قد يحصل لهم اليقين التامُّ بأخبار، وإن
كان غيرُهم من العلماء قد لا يظنُّ صدقَها؛ فضلاً عن العلم بصدقها .
ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم يُفيده: من كثرة المخبرين تارة، ومن صفات
المخبرين أخرى، ومن نفس الإِخبار به أخرى، ومن نفس إدراك المخبر له أخرى، ومن الأمر
المخبر به أخرى.
فربَّ عدد قليل أفاد خبرُهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه
كذِبهم أو خطؤهم، وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم.
هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو قول جمهور الفقهاء والمحدثين، وطوائف من
المتكلمين)).
وقال رحمه الله في (١٨ / ٥٠) بعد ذكر الاختلاف في عدد التواتر: ((والصحيح الذي
عليه الجُمهور: أن التواتر ليس له عدد محصور، والعلمُ الحاصل بخبر من الأخبار يحصل
في القلب ضرورة؛ كما يحصل الشبع عقيب الأكل، والريِّ عند الشرب، وليس لما يُشبعُ
كلَّ واحد ويرويه قدرٌ معيّن، بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام، وقد يكون لجودته؛ كاللحم، =
٥٨

وليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ العِلْمَ بالتَّواتُر حاصِلٌ لَمَن ليسَ لهُ أَهلِيَّةُ النّظر
كالعامِّيِّ، إِذْ النَّظَرُ: ترتيبُ أَمورٍ معلومةٍ أَو مَظْنونةٍ يُتَوَصَّلُ بها إِلى عُلومٍ أو
ظُنونٍ (١)، وليسَ في العامِّيِّ أَهلِيَّةُ ذلك، فلو كانَ نَظَرِيّاً؛ لما حَصَلَ لهُم(٢).
ولاحَ بِهذا التَّقريرِ الفَرْقُ بينَ العِلْمِ الضَّرورِيِّ والعِلْمِ النَّظَرِيِّ(٣)، إِذ
الضَّرورِيُّ يُفيدُ العِلْمَ بلا اسْتِدلالٍ، والنَّظرِيُّ يُفيدُهُ لكنْ مَعَ الاستِدْلالِ على
= وقد يكون الاستغناء الآكل بقليله، وقد يكون الاشتغال نفسه بفرح أو غضب أو حزن أو نحو
ذلك، كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر؛ تارة يكون ... )).
ثم ذكر نحواً ممَّا سبق قبلُ عنه.
(١) ((كقولك :... الجدار مائل، وكل مائل طائح؛ فالجدار طائح)) ((حاشية لقط
الدُّرر)» (ص ٢٨).
ولتقرير هذه المسألة انظر: ((التلويح على التوضيح)) (٣ / ٢٤٣)، و((إرشاد الفحول)»
(٤٦)، و ((جمع الجوامع)) (٢ / ١٥٠).
(٢) أي : العوامٌ .
(٣) قال الشيخ أحمد شاكر في ((الباعث الحثيث)) (ص ٣٧): ((والحق الذي ترجّحه
الأدلّة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله؛ من أن الحديث الصحيح يفيد العلم
القطعيَّ، سواء كان في أحد الصحيحين أم في غيرهما .
وهذا العلم اليقينيُّ علمٌ نظريٌّ بُرهانيٌّ، لا يحصُل إلا للعالم المتبخّر في الحديث،
العارف بأحوال الرواة والعلل ...
وهذا العلم اليقينيُّ النظريُّ يبدو ظاهراً لكل من تبخّر في علم من العلوم، وتيقَّنت
نفسه بنظريَّاته، واطمأنَّ قلبه إليها .
ودع عنك تفريقَ المتكلِّمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظنِّ ؛ فإنما يُريدون بهما
معنى آخر غير ما نُريد)) .
٥٩

الإِفادةِ، وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لكُلِّ سامِعٍ ، والنَّظَرِيَّ لا يَحْصُلُ إِلَّ لِمَنْ فِيهِ
أَهلِيَّةُ النَّظَرِ (١).
وإِنَّمَا أَبْهَمْتُ شُروطَ التُواتِرِ في الأصْلِ (٢)؛ لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ لِيسَ مِن
مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنادِ(٣)، إِذ ◌ِلمُ الإِسْنادِ يُبحَثُ فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَو
ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَو يُتْرَكَ مِن حيثُ صفاتُ الرِّجالِ، وصِيَغُ الأداءِ، والمُتواتِرُ لا
يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ، بل يجبُ العملُ بهِ مِن غیر بَحْثٍ.
فائدةٌ: ذَكَرَ ابنُ الصَّلاحِ (٤) أَنَّ مِثالَ المُتواتِرِ عَلى التَّفسيرِ المُتَقَدِّمِ يَعِزُّ
(١) قال المُلا علي القاري في ((شرحه)) (ص ٢٨): ((وقد يكون الضروريُّ مفيداً
للعلم بالاستدلال، وقد يكون النظريُّ مفيداً للعلم لا مع الاستدلال، والوجه أن يقال: معناه:
أن كلَّ ضروريٍّ خاصٍّ يفيد علماً عاماً في ضمنه بدون الاستدلال عليه، وأن كلَّ نظريٍّ يفيد
علماً عاماً في ضمنه مع استدلال عليه.
والحاصل أن الضروريَّ هو الحاصل بدون الاستدلال، والنظريَّ هو الحاصل
بالاستدلال، والمراد من الاستدلال هو الكسب؛ لئلا يختصَّ بالتصديق)).
((فالضَّروريُّ يحصل لكل سامع، والنظريُّ لا يحصل إلا لمن فيه أهليَّة النظر)) ((لقط
الأزهار المتناثرة)) (ص ٢١) للمُرتضى الزَّبيدي .
(٢) أي: ((نخبة الفكر)).
(٣) نقل كلام المصنف ابنُ أبي الدَّم الحَمَوي في كتابه ((العناية))، وزاد: ( ...
لإيجابه اليقين))، ثم قال :
((ومن رام من المحدِّثين وغيرهم ذكر حديث عن النبي ◌َّ متواتر، وجدت فيه شروط
التواتُر الآتي ذكرُها؛ فقد رام مُحالاً)).
نقله المرتضى الزَّبيدي في ((لقط الأزهار المتناثرة)) (ص ١٧).
(٤) في ((علوم الحديث)) (ص ٢٤٢)، وفي مطبوعة العتر (ص ٢٢): ((ابن صلاح))!
٦٠