Indexed OCR Text
Pages 161-180
النوع الثالث عشر: معرفة الشاذ وفيه على العراقي نكتتان: (٤٢) ١ - النكتة الأولى (ص ٦٥٤): تضمنت اعتراضاً على العراقي إذ قال: ((ولكن الخليلي يجعل تفرد الثقة شاذاً صحيحاً)). فتعقبه الحافظ بقوله : ((فيه نظر فإِن الخليلي لم يحكم له بالصحة بل صرح بأنه يتوقف فيه ولا يحتج به)). (٤٣) ٢ - النكتة الثانية (ص ٦٧١): اشتملت على تعقب على العراقي حيث ذكر عن حديث ابن عمر في النهي عن بيع الولاء وهبته أنه رواه غير يحيى بن سليم (يعني عن عبيد الله بن عمر). فتعقبه الحافظ بقوله: ((ليس هذا متابعاً ليحيى بن سليم عن عبيد الله وقد وجدت له متابعاً فذكر سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن عبيد الله وقبيصة عن سفيان الثوري عن عبيد الله ثم بين أن قبيصة قد وهم، لأن الشيخين قد خرجاه من حديث الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. ١٦١ النوع الرابع عشر: المنكر وفيه نكتتان : (٤٤) ١ - النكتة الأولى (ص ٦٧٦): تضمنت تعقباً على العراقي حيث ذكر أن جماعة من أصحاب الزهري خالفوا مالكاً في قوله في إسناد حديث أسامة بن زيد. ((لا يرث المسلم الكافر ... )) عمر بن عثمان بدل عمرو بن عثمان. فتعقبه الحافظ بقوله: ((في رواية هشيم مخالفة في المتن أشد من مخالفة مالك في اسم أحد رواة الإِسناد، فكان التمثيل به أولى (يعني للمنكر). ثم بين الحافظ مخالفة هشيم في المتن وأشار إلى سبب الخطأ. (٤٥) ٢ - النكتة الثانية (ص ٦٧٦): فيها تعقب على العراقي في تمثيله للمنكر بحديث أنس في وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - الخاتم عند دخول الخلاء من طريق ابن جريج عن الزهري عن أنس، ونقل عن أبي داود حكمه عليه بالنكارة ثم بين علة ذلك. فأورد الحافظ احتمالاً يبعد هذا الحديث أن يكون منكراً. وأورد مثالاً رأى أنه هو الصالح للتمثيل به. النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد ١٦٢ النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات النوع السابع عشر: معرفة الأفراد وهذه الثلاثة الأنواع لم ينكت فيها الحافظ على شيخه العراقي النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل وفیه عشر نکت: (٤٦) ١ - النكتة الأولى (ص ٧١٥): كانت تعقباً على العراقي حيث ذكر حديث ((كفارة المجلس)) وسؤال مسلم للبخاري عن هذا الحديث من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً فأجاب البخاري هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد إلا أنه معلول. قال العراقي: ((هكذا أعل الحاكم في علومه هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها وأنا أتهم بها أحمد بن حمدون القصار راويها عن مسلم فقد تكلم فيه وهذا الحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم. فتعقبه الحافظ بقوله : ((قلت: الحكاية صحيحة قد رواها الحاكم على الصحة من غير نكارة وكذا رواها البيهقي عن الحاكم على الصواب، لأن المنكر إنما هو قوله: إن البخاري قال: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد المعلول والواقع أن في الباب عدة أحاديث لا يخفى مثلها على البخاري. ١٦٣ والحق أن البخاري لم يعبر بهذه العبارة. قال الحافظ: وقد رأيت أن أسوق لفظ هذه الحكاية من الطريق التي ذكر الحاكم وضعفها الشيخ. ثم أسوقها من الطريق الأخرى الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا نكارة ثم أبين حال الحديث ومن أعله أو صححه لتتم الفائدة. ثم وفى الحافظ بما وعد وأطال النفس في ذلك. هذا وقد ذكر العراقي أن الحديث ورد من حديث جماعة من الصحابة فذكر منهم ثمانية وهم : ١ - أبو برزة. ٢ - رافع بن خديج . ٣ - الزبير بن العوام. ٤ - عبد الله بن مسعود. ٥ - عبد الله بن عمرو. ٦ - السائب بن یزید. ٧ - أنس بن مالك. ٨ - عائشة. وأنه بين أحاديثهم في تخريج الأحياء. فقال الحافظ: إنما بينها في التخريج الكبير فقد لا يصل إلى الفائدة منه كل أحد فرأيت عزوها إلى من خرجها على طريق الاختصار بزيادة كبيرة جداً في العزو إلى المخرجين. ثم ذكر الحافظ ما وعد به وتوسع في تخريجها وعزوها إلى مصادر كثيرة وبين اختلاف الطرق عندما يوجد اختلاف على بعض الرواة. ١٦٤ ثم زاد على أحاديث الصحابة السابق ذكرهم حديث: ١ - أبي بن كعب. ٢ - حديث معاوية. ٣ - حديث ابن عمر. ٤ - حديث أبي أمامة. ٥ - حديث أبي سعيد الخدري. ٦ - حديث علي. ٧ - حديث رجل من الصحابة. ٨ - حديث أبي أيوب. ثم عزا الحافظ هذه الأحاديث كلها إلى مصادرها وبين عللها وخرج بعض الآثار في الموضوع. ثم ترجم لأحمد بن حمدون القصار وذكر من جرحه ومن عدله ونفى عنه التهم وقرر أنه لا يدفع عن الصدق ولا ينبغي اتهامه ورجح أن الخطأ في الحكاية من الحاكم وهو قوله: ((لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث)). وأن الثابت إنما هو لا أعلم في الدنيا بهذا الإِسناد غير هذا الحديث وهو كلام مستقيم. (٤٧) ٢ - النكتة الثانية (ص ٧٤٩): فيها تكميل واستدراك على العراقي وذلك أن الحافظ: مثل لما وقعت العلة فيه في المتن دون الإِسناد بحديث أنس ((لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها))، ثم قال: وقد تكلم شيخنا على هذا الموضع بما لا مزيد عليه في الحسن إلا أن فيه مواضع تحتاج إلى التنبيه عليها فمنها قوله ع: ((ان ترك قراءة البسملة في حديث أنس ورد من ثلاث طرق وهي : ١٦٥ ( أ ) رواية حميد. (ب) رواية قتادة. (ج) رواية إسحاق ابن أبي طلحة. قال الحافظ: ((قد يتوهم منه أن باقي الروايات عن أنس ليس فيها تعرض لتركها وليس كذلك بل قد جاء ترك الجهر بها - أيضاً - (أ) من رواية ثابت. (ب) والحسن بن أبي الحسن البصري. (ج) ومنصور بن زاذان. (د) وأبي نعامة قيس بن عباية. (هـ) وأبي قلابة . ( و) وثمامة بن عبد الله بن أنس. ثم ذكر الحافظ طرقها والكتب التي أخرجها. ثم قال: فهذه الروايات متظافرة على عدم الجهر. (٤٨) ٣ - النكتة الثالثة (ص ٧٥٢): اشتملت على تعقب على العراقي وابن عبد البر حيث نقل العراقي ادعاء ابن عبد البر الاضطراب في حديث أنس في نفي الجهر بالبسملة وأقره على هذا الادعاء . قال الحافظ: ((وليس بجيد، لأن الاضطراب شرطه تساوي وجوهه ولم يتهيأ الجمع بين مختلفها اما مع إمكان الجمع بين ما اختلف من الروايات ولو تساوت وجوهها، فلا يستلزم اضطراباً وهذا في الحديث موجود وأشار إلى كيفية الجمع بينها . (٤٩) ٤ - النكتة الرابعة (ص ٥٣٣): فيها اعتراض على العراقي حيث ذكر أن رواية الوليد بن مسلم عن ١٦٦ الأوزاعي التي أخرج بها مسلم حديث أنس في نفي الجهر بالبسملة - معلولة بتدلیس الوليد تدليس التسوية. قال الحافظ: ((لا یتجه تعلیله بتدلیس الوليد، لأنه صرح بسماعه وصرح بأن الأوزاعي ما سمعه من قتادة وإنما كتب به إليه وقتادة سمعه من أنس. ثم ساق الإِسناد الذي صرح فيه قتادة بسماعه من أنس وبين أنه كان الأولى بالعراقي أن يعلل هذا الاسناد بجهالة كاتب قتادة. 1 (٥٠) ٥ - النكتة الخامسة (ص ٧٥٦): تضمنت تعقباً على العراقي حيث رجح رواية ابن عبد البر لحديث أنس ((كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين)) من طريق محمد بن كثير على رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي التي فيها نفي قراءة البسملة. قال الحافظ: ((أقول: الوليد بن مسلم أحفظ من محمد بن كثير بكثير ومع ذلك، فقد صرح الوليد بسماعه فيما أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق دحيم وهشام بن عمار عنه وكذا أخرجه الدارقطني من طريق هشام ثنا الوليد ثنا الأوزاعي ... ثم أضاف الحافظ تنبيهاً تعقب فيه العراقي حيث عزا رواية محمد بن كثير إلى ابن عبد البر في حين أنه رواها أبو عوانة في صحيحه والطحاوي في شرح معاني الآثار والجوزقي في المتفق. قال الحافظ: فعزوها إلى أحدهم أولى من عزوها إلى ابن عبد البر لتأخر زمانه. (٥١) ٦ - النكتة السادسة (ص ٧٥٨): كانت تعقباً على العراقي حيث ذكر أن حميداً صرح بذكر قتادة في روايته لحديث نفي الجهر بالبسملة فيما رواه ابن أبي عدي. قال الحافظ: ((هذا يوهم أن حميداً لم يسمعه من أنس أصلاً وإنما دلسه ١٦٧ عنه وليس كذلك، فإِن حميداً كان قد سمعه من أنس، لكن موقوفاً وهذا في رواية مالك كما هو في الموطآت ورواه عنه حفاظ أصحابه موقوفاً. (٥٢) ٧ - النكتة السابعة (ص ٧٦٠): فيها تعقب على العراقي وأبي شامة وذلك أن كلا من قتادة وأبي سلمة سألا أنساً عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابهما بجوابين مختلفين، فنقل العراقي عن أبي شامة أنهما سؤالان. فسؤال قتادة عن الاستفتاح بأي سورة وفي صحيح مسلم أن قتادة قال نحن سألناه عنه وسؤال أبي سلمة عن البسملة وتركها. قال الحافظ: ((وفيه نظر، لأنه يوهم أن اللفظ المذكور في صحيح مسلم (يعني الاستفتاح) وليس كذلك بل الذي فيه ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)). فهذا اللفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة لا عن الاستفتاح بأي سورة. ثم نقل سؤال قتادة من عدد من المصادر ثم عقبها بقوله فوضح بذلك أن سؤال قتادة ليس مخالفاً لسؤال أبي سلمة .. ثم جمع بين الإِجابتين عن هذا السؤال بأن سؤال أبي سلمة كان متقدماً وفي حال نسيان أنس وسؤال قتادة كان متأخراً وفي حال كان فيها متذكراً فأجابه بأنه لم يسمع قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من أحد من الخلفاء في حال الصلاة. (٥٣) ٨ - النكتة الثامنة (ص ٧٦٢): تضمنت اعتراضاً على دعوى العراقي أن جواب أنس حين سئل عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال مداً ثم قرأ - بسم الله الرحمن الرحيم - ان ذلك يشمل حال الصلاة وخارجها .. . ١٦٨ قال الحافظ: ((فيه نظر، لأن الأعم لا دلالة له على الأخص والمراد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حيث يقرأ - بسم الله الرحمن الرحيم - يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحیم فأين له من هذا الحديث أنه کان يجهر بها في الصلاة. (٥٤) ٩ - النكتة التاسعة (ص ٧٦٤): فيها تعقب على العراقي حيث ساق حديث قتادة عن أنس ((كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)» ثم حكى عن الشافعي أنه أوله بمعنى يبدأون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها ولا يعني أنهم يتركون - بسم الله الرحمن الرحيم - قال العراقي : وما أوله به الشافعي مصرح به في رواية الدارقطني ... فتعقبه الحافظ بقوله : ((لم يبين الشيخ رواية الدارقطني كيف هي؟)) وظاهر السياق يشعر بأنها من رواية قتادة عن أنس - رضي الله عنه - وليس كذلك فإِنها عنده من رواية الوليد عن الأوزاعي عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس - رضي الله عنه - وقد رواها راويها بالمعنى بلا شك، فإن رواية الوليد بلفظ كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، فرواها بعض الرواة بلفظ بدأ بأم القرآن بدل الحمد لله رب العالمين فلا تنتهض الحجة بذلك. (٥٥) ١٠ - النكتة العاشرة (ص ٧٦٥): تضمنت تعقباً على العراقي حيث قال بعد سياقه لحديث قتادة عن أنس : ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)» قال: ((ولا يلزم من نفي السماع نفي الوقوع)). قال الحافظ: ((وللمخالف أن يقول: لكن التوفيق بين الروايتين أن يحمل نفيه للقراءة على عدم سماعه لها فتلتئم الروايتان في عدم الجهر)). ١٦٩ النوع التاسع عشر: معرفة المضطرب النوع العشرون: معرفة المدرج هذان النوعان لم ينكت فيهما الحافظ على شيخه العراقي. النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع وفيه نكتتان على العراقي : (٥٦) ١ - النكتة الأولى (ص ٨٤٠): تضمنت تعقباً على قول العراقي ((وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإِقرار واضعه لأن فيه عملاً بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع فقال - في الاقتراح -: هذا كاف في رده ليس بقاطع ... الخ. قال الحافظ: متعقباً لشيخه ومبيناً لمقصود ابن دقيق العيد من كلامه هذا: ((كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لم يستشكل الحكم لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد أنه يقطع بكون الحديث موضوعاً بمجرد الاقرار وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعاً بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه ... وثبوت فسقه لا يمنع العمل بموجب إقراره كالقاتل مثلا إذا اعترف بالقتل عمداً من دون تأويل، فإن ذلك يوجب فسقه ومع ذلك ١٧٠ فنقتله عملاً بموجب إقراره مع احتمال كونه في باطن الأمر كاذباً في ذلك الاقرار بعينه . (٥٧) ٢ - النكتة الثانية (ص ٨٦٠): ضمنت رداً على اعتراض أورد على قول العراقي - في شأن حديث ثابت ابن موسی -: «من کثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)): ((قال ابن عدي: لا يعرف إلا بثابت بن موسى وسرقه جماعة منه من الضعفاء عبد الحميد بن بحر وعبد الله بن شبرمة الشريكي)). فادعى المعترض على العراقي بأن عبد الله بن شبرمة الكوفي الفقيه رواه عن شريك - أيضاً - فيما رواه أبو نعيم في تاريخه، وعبد الله بن شبرمة هو الفقيه الكوفي أحد الأعلام احتج به مسلم)). قال الحافظ: ((وأخطأ هذا المتأخر خطأ فاحشاً لا مستند له ولا عذر، لأن عبد الله بن شبرمة المذكور هو الشريكي وهو كوفي - أيضاً - وأما الفقيه، فإِنه قديم على هذه الطبقة ثم ساق كلاماً يدعم به ما يقول وهنا انتهت تعقبات الحافظ على شيخه العراقي ... وهناك انتقادات للحافظ لعلماء آخرين يوردها خلال بحوثه واستطراداته في هذا الكتاب. ١٧١ الفَصْلِ الثَّالِثْ فِي مَنَاهج الحفَاظِ الثَلاثَة ابن حجر وَابن الصّلاحِ وَالعَرَاقِي ( أ) منهج الحافظ ابن حجر: ١ - لقد سلك الحافظ ابن حجر في نكتة على كل من الإِمام ابن الصلاح والحافظ العراقي وغيرهما مسلك الناقد البصير الشجاع الصريح في آرائه وتعقباته مع الأدب والاجلال والتقدير غير أن الحق أكبر في نظره من الأشخاص فهو يقول ما يعتقده أنه الحق حينما ينتقد ويقيم الأدلة على صواب رأيه وحينما يدافع يقول ما يرى أنه الحق مع إقامة حججه على ما يرى. ٢ - ويمتاز الحافظ على كثير من الباحثين والناقدين بتقصي الأقوال في المسائل المختلف فيها والتوسع في ذلك وإطالة النفس فيه وعرض الأدلة لكل جانب بأسلوب علمي رصين يروي ظمأ المتعطش للاطلاع. فمثلاً إذا ذكر ابن الصلاح أو العراقي أو غيرهما رأياً أو مثالاً لأي نوع من أنواع الحديث كالمرسل أو الشاذ أو المعل أو المعضل أو المضطرب أو غيرها من أنواع علوم الحديث وكان هناك مجال للأخذ والرد والتصحيح والتعليل فإِن الحافظ يورد كل الطرق لذلك الحديث الممثل به ويناقش أسانيده ناقلاً أقوال العلماء ومبدياً رأيه في كل طريق وينفذ في الأخير اما إلى الجمع بين تلك الطرق التي استعصى فيها الجمع على غيره ١٧٣ واما إلى الترجيح وأحياناً يصل إلى دفع الاضطراب أو نفي الشذوذ والنكارة أو الضعف إذا حكم غيره على حديث من الأحاديث بشيء من ذلك. ويسوق ما يرى أنه يصلح للتمثيل. ٣ - ويمتاز بالانصاف في ملاحظاته وتعقباته سواء كان ناقداً أو مدافعاً فهناك علماء تعقبوا ابن الصلاح وآخرون دافعوا عنه فينقل الحافظ أقوال المدافعين أو المتعقبين ويناقشها ثم لا يتردد في إعلان رأيه بالصواب سواء في هذا الجانب أو ذاك. ٤ - يمتاز الحافظ بالاستقراء التام والتتبع الوافر للمسائل والقضايا التي يريد أن يعطي فيها أحكاماً فيصل فيها بتوفيق الله إلى نتائج حاسمة، ربما خاض غيره في تلك القضايا ولم يحالفه التوفيق فمن تلكم القضايا الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري وشرط مسلم في صحيحه وهل استوفى روايات الطبقات الثلاث التي ذكرها في مقدمته. وشرط أبي داود في سننه وما يسكت عنه في سننه هل يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد وأقسام هذا النوع الذي يسكت عنه. وما يحسنه الترمذي فقط أو يقول فيه حسن صحيح وشرط النسائي وهل هو متشدد أو متساهل؟ ومتى يترك وكيف يترك الرواية عن الرجل؟ وشرط ابن ماجه ومكانته وشرط الحاكم في المستدرك وهل فيه أحاديث على شرط الشيخين؟ وتقييم أحاديثه وتقسيمها والمستخرجات وأحكامها وفوائدها والمسانيد ودرجاتها كل هذه الأمور خاض فيها العلماء وأبدوا فيها آراءهم فمنهم من يبعد النجعة ومنهم من يقارب الحقيقة ويحوم حولها ولا يبديها واضحة فيأتي الحافظ ويكشف عن الحقيقة كشفاً كاملاً ويعطي كل موضوع حقه من التوضيح والتفصيل القائمين على الدراسة المستوعبة والاستقراء الكامل مما يجعل القارىء يرى الصواب أمام عينيه ويلمس الحقيقة بيديه . ١٧٤ ٥ - ومن منهجه الرجوع إلى المصادر الأصلية والأخذ منها مباشرة والعزو إليها غالباً والتنصيص على الأبواب أحياناً في تلك الكتب التي ينقل عنها ولا ينقل النص من كتاب تأخر زمانه إذا كان في كتاب متقدم. ويحاسب غيره إذا خرج عن هذا السنن، حاسب على ذلك الحافظ ابن الصلاح حينما نقل عن أبي عمرو الداني اجماع أئمة النقل على قبول الاسناد المعنعن فقال الحافظ ناقداً له: ((إنما أخذه الداني من كلام الحاكم ولا شك أن نقله عن الحاكم أولى، لأنه من أئمة الحديث وقد صنف في علومه وابن الصلاح كثير النقل من كتابه فكيف نزل عنه إلى النقل عن الداني)). وأعجب من ذلك أن الخطيب قاله في الكفاية التي هي معول المصنف في هذا المختصر. وحاسب على ذلك شيخه العراقي حيث عزا إحدى الروايات المتعلقة بالبسملة إلى ابن عبد البر فتعقبه الحافظ قائلاً: ((رواها أبو عوانة في صحيحه وأبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار وأبو بكر الجوزقي في المتفق فعزوها إلى رواية أحدهم أولى من عزوها إلى ابن عبد البر لتأخر زمانه)). والحق يقال: أن هذا المنهج وهو منهج عزو الأقوال إلى قائليها والنصوص إلى مصادرها خصوصاً الأصلية منها وتقديم أهل الاختصاص على غيرهم هو منهج علماء الأمة الإسلامية وهم أساتذة الدنيا في هذا الميدان خصوصاً علماء الحديث وعليهم تتلمذ وتطفل أهل الغرب والشرق من الكتاب والمؤلفين من غير المسلمين فإِذا اعتقد أحد أن هذا ما أسدته إلينا الحضارة الغربية وأن المستشرقين والمبشرين هم الذين علمونا هذا الأسلوب في دقة النقل فإِنما أتى من جهله بالتراث الإِسلامي وتأريخ أسلافه العظماء. ولو وجدت المطابع في عهدهم لكانوا أسبق الناس إلى الإِشارة إلى الأجزاء والصفحات من الكتب التي ينقلون منها النصوص . ١٧٥ والحاصل أن الحافظ لم ينتقد هذين الشيخين في هذا التصرف إلا لأنهما خرجا عن المألوف وعن منهج معروف أخذه اللاحق من علماء المسلمين عن السابق وهذه مؤلفاتهم أكبر شاهد على ذلك وإن كانوا يتفاوتون في دقة الالتزام في ذلك والحافظ من أكثرهم التزاماً به وقد يكون في علماء المسلمين من يفوق الحافظ في ذلك كأبي الحجاج المزي في أطرافه. ٦ - يمتاز الحافظ بضبطه للتعاريف وتحريرها تحريراً دقيقاً بحيث يطمئن إلى سلامتها من الايرادات والانتقادات التي اعتاد العلماء توجيهها إلى التعاريف والحدود. ٧ - الدقة في التعبير عن المعاني فإِذا كان في عبارة غيره غموض أو قصور قال الحافظ: إذا كان يريد كذا فحق التعبير أن يقول كذا وكذا. ٨ - ومن عادة الحافظ الاستفادة من مصنفاته فينقل من مصنف إلى مصنف عند المناسبة ما يرى أن المقام يتطلبه وما يرى أنه يفيد القارىء فنقل في كتابه هذا كثيراً من مؤلفاته كفتح الباري وتغليق التعليق وتهذيب التهذيب. وإذا كان البحث طويلاً لخصه وإذا كان الكتاب صغيراً ذكر خلاصته ككتاب ترتيب المدرج. كما نقل من كتابه هذا وأحال عليه في فتح الباري في عدد من المواضع وذكره وأحال عليه في كتابه نزهة النظر وأخيراً فابن حجر باحث عظيم وجولاته الواسعة في هذا الكتاب وفي مؤلفاته الكثيرة الخصبة تشهد له وتدل على سعة أفقه وسعة اطلاعه وعبقريته . (ب) منهج ابن الصلاح: أترك المجال هنا للأستاذ نور الدين العتر ليتحدث عن منهج ابن الصلاح حيث يقول: ((وامتاز في منهجه - يعني ابن الصلاح - على ما سبقه من التصانيف بمزايا جعلته عمدة هذا الفن نذكر منها: ١٧٦ ١ - الاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من النصوص والروايات المنقولة عن أئمة الحديث في مسائل علوم الحديث والاكتفاء بذكر حاصلها ولم ينقل من تلك الأخبار إلا القدر المناسب للمقام. ٢ - ضبط التعاريف التي سبق بها ووضع تعاريف لم يصرح بها من قبله. ٣ - تهذيب عبارات السابقين والتنبيه على مواضع الاعتراض فيها. ٤ - التعقب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاده ويصدر ذلك عادة بـ ((قلت)) ويشعر قارىء الكتاب أن مصنفه قد رصد مسائل العلم بدقة تحقيقاً جعل شخصيته تطغى على كل ما سبق إذ لا يكاد يمر بصفحة إلا ويجد للمؤلف كلاماً واجتهاداً يبدؤه بعبارة قلت. ويلاحظ أن التواضع والاحتياط غلب عليه - رحمه الله - فختم كل فقرة من كتابه بقوله - والله أعلم -))(١). (ج) أما العراقي فنتركه ليحدثنا عن عمله في نكته على ابن الصلاح: قال رحمه الله : ((وبعد فإن أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح جمع فيه غرر الفوائد فأوعى ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعاً إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه فأردت أن أجمع عليه نكتاً تقيد مطلقه وتفتح مغلقه وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة فأردت أن أذكرها وأبين تصويب كلام الشيخ وترجيحه لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم وينفق من مزجى البضاعات ما لا يصلح للسوم)) فعمله يتمثل في أمرين: (١) ص ٢٩ - ٣٠ من المدخل إلى علوم الحديث للعتر. ١٧٧ ١ - في شرحه لكثير من كلام ابن الصلاح. ٢ - في الدفاع عنه وترجيح كلامه وهذا هو الغالب على عمله. وإلى جانب هذا فله انتقادات وتعقبات على ابن الصلاح وإضافات تكميلية لبعض البحوث التي رأى العراقي أن المقام يقتضيها. رحم الله الجميع وجزاهم عن الإِسلام والمسلمين خيراً. ١٧٨ الفَصْل الْرَّبِعْ في تَعَقبَاتِي عَلَى الْحَافِظ هناك مناقشات وتعقبات يسيرة على الحافظ ابن حجر لاحظتها خلال عملي ودراستي لكتابه النكت رأيت أن أقدم بعضها للقارىء، وإن كنت وأمثالي في بادىء الرأي في مستوى لا يؤهل لتعقب أمثاله ولكن الإِسلام الذي يقدس الحق ويعلي شأنه ويرفعه فوق كل الاعتبارات، وتاريخنا الإِسلامي الحافل بمناقشات الصغار للكبار ولفت أنظارهم إلى الصواب وإذعان الكبار للحق ورجوعهم عما كانوا عليه، ومنهج أهل الحديث في نقد اللاحق السابق بل لماذا أذهب بعيداً ولدينا الحافظ ابن حجر وكتبه حافلة بالنقد ومنها كتابه هذا. كل ذلك شجعني أن أقدم للقراء الكرام بعض هذه الملاحظات في حدود إدراكي ولا أدعي أني على الصواب فيها بل أرجو ممن يقف عليها ويتبين له فيها أو بعضها خطأ أن يبين لي وجه الصواب فمن تلكم التعقبات. أنه في كثير من المواضع التي ينكت فيها على ابن الصلاح والعراقي يأتي إلى كلام مترابط فيأخذ قطعة منه ويقول: قوله كذا ويكون فهم المراد منها متوقفاً على ما قبلها أو على ما بعدها وهذا التصرف من الحافظ لا يصلح إلا إذا كان كتابه هذا هامشاً على الكتابين لكي يرجع القارىء عند الحاجة والاستشكال إلى الأصل عن كثب. لكن الحافظ - رحمه الله - قد فصل كتابه عن أصليه وجعله كتاباً مستقلاً ومن هنا نشأت الاشكالات. ١٧٩ لذا اضطررت إلى أن أسوق ما يتوقف عليه فهم الكلام من كلام ابن الصلاح أو العراقي سواء كان ذلك الكلام سابقاً أو لاحقاً حتى يفهم القارىء كل مواضع النقد ومواضع الأخذ والرد. وكان عمل العراقي أفضل وأسلم من هذه الناحية وكتابه يصلح أن يكون مستقلاً عن أصله ((كتاب ابن الصلاح)) وذلك أنه يسوق النص الذي یریدہ کاملاً ثم يبدي ما يراه من تعقب أو دفاع. هذا ما رأيته فيما يتعلق بوضع الكتاب وتأليفه بصفة عامة وهناك تعقبات تتعلق بمسائل الكتاب فمنها: ١ - قال الحافظ - رحمه الله - في خلال كلامه على مفردات مقدمة كتاب - ابن الصلاح - متعقباً عليه. ((ولم أر في جمع رذل رذالة وإنما ذكروا أردال وردول وردلاء وأردلون وردال». ولكني وجدت في لسان العرب ١: ١١٥٨ وفي القاموس المحيط ٣: ٣٨٤ ((وهم رذالة الناس ورذالتهم)) فابن الصلاح إذن كان على الصواب. ٢ - قال الحافظ قوله ص: ((وسفلتهم - بفتح السين وكسر الفاء وفتح اللام - وزن فرحة جمع سفلة - بكسر السين وسكون الفاء وفيه نظر فإِن في القاموس ٣: ٣٩٦ وفي لسان العرب ٢: ١٥٩ وسفلة الناس وكفرحة أسافلهم وغوغاؤهم)). فأنت ترى أنهما اعتبرا اللفظين بمعنى واحد وليس أحدهما مفرداً والآخر جمعاً واعتبرهما في أساس البلاغة ص ٢٩٩ جمعاً لسفيل كعلية جمع علي. ٣ - قال الحافظ في التنبيه الأول التابع للنكتة السابعة عشرة: مراده (يعني ابن الصلاح) بالشاذ هنا ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسره الشافعي لا مطلق تفرد الثقة كما فسره الخليلي. وفيه أمران: الأول: أن ابن الصلاح ذكر أن الشاذ المردود قسمان: ١٨٠