Indexed OCR Text

Pages 81-100

أو ( لنا ) ؛ ومع ذلك فهو محمول على السّماع إذا تحقق لقاؤه لاسيما فيمن عرف أنه
لا يقول ذلك إلا فيما سمعه ، وخصص الخطيب حمل ذلك على السّماع ممن عرف منه
ذلك(١)
الطريق الثاني ( القراءة على الشيخ ) : ويسميها أكثر قدماء المحدثين
( عَرْضاً ) لأن القارئ يعرضه على الشيخ ، وسواء أقرأ هو أم قرأ غيره وهو يسمع ،
وسواء أقرأ من كتاب أو حفظ ، وسواء أكان الشيخ يحفظه أم لا ، إذا كان يمسك
أصله هو ، أو ثقة غيره ، وهي رواية صحيحة باتفاقٍ خلافاً لبعض من لا يعتد
به . واختلف في تساوي هذين الطريقين والترجيح بينهما ، فقلت : التساوي عن
مالك وأشياخه وأصحابه ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم ، ونقل
ترجيح الأول عن جمهور علماء المشرق وهو الصحيح . ونقل ترجيح الثاني عن أبي
حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما ، ونقل عن مالك أيضاً .
فروع :
الأول : إذا روى السامع بهذه الطريق فله عبارات أحوطها أن يقول :
( قرأت على فلان) / أو (قرئ عليه وأنا أسمع ) فأقر به ، ويلي ذلك عبارات [٢٥/أ]
السماع من الشيخ مقيداً بالقراءة عليه كـ ( حدثنا ) أو ( أخبرنا ) أو ( أنبأنا)
قراءة عليه . وفي جواز إطلاقها ثلاثة مذاهب :
أحدها : منعه ، قاله ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد والنسائي
وطائفة(٢) .
والثاني : جوازه ، وقيل : هو مذهب الزهري ومالك وابن عيينة والقطان
والبخاري ومعظم الحجازيين والكوفيين (٣).
تدريب الراوي ١٢٩ - ١٣٠، والكفاية ٢٨٣ - ٢٩٤
(١)
(٢)
تدريب الراوي ١٣٠ - ١٣٢، ومعرفة علوم الحديث ٢٥٨ - ٢٥٩، والكفاية ٢٧٤ - ٢٨٠
تدريب الراوي ١٣٢، والكفاية ٢٧٩ - ٢٨٠
(٣)
المنهل الروي (٦)
- ٨١ -

والثالث : جواز ( أخبرنا ) دون (حدثنا ) وهو مذهب الشافعي وأصحابه
ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق ، وروي عن ابن جريج والأوزاعي وابن
وهب وعن النسائي أيضاً ؛ وهو الشائع الغالب الآن .
الثاني : يستحب أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ ( حدثني ) وفيما
سمعه منه مع غيره ( حدثنا ) وفيما قرأ عليه بنفسه ( أخبرني ) ، وفيما قرئ عليه
وهو يسمع ( أخبرنا ) . روي نحوه عن ابن وهب ، واختاره الحاكم وحكاه عن
أكثر مشايخه وأئمة عصره ، فإن شك فالمختار أنه يقول ( حدثني ) و ( أخبرني ) ،
ونقل عن يحيى القطان ما يقتضي قوله ( حدثنا ) و( أخبرنا ) وهذا كله
مستحب . فإن قال لما سمع وحده ( حدثنا) و (أخبرنا ) ولما سمع في جماعة
( حدثني ) و ( أخبرني ) جاز (١) .
الثالث : لا يجوز في الكتب المؤلفة إذا رويت إبدال ( حدثنا ) بـ ( أخبرنا )
ولا عكسه ، ولا ( سمعت ) بأحدهما ولا عكسه ؛ لأنه غير ماسمعه ، وأما ما سمعه
من لفظ الشيخ ، فإن كان الشيخ لا يرى التسوية بينهما لم يجز، وإن كان يرى
ذلك فهو على الخلاف في الرواية بالمعنى ؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى ، وعلى هذا
يحمل ما ذكره الخطيب من إجراء الخلاف لا على الكتب المصنفة لما قدمناه(٢).
الرابع : إذا قرئ على الشيخ : ( أخبرك فلان ) وهو مصغ فاهم غير منكر
ولا مكره صح السماع وجازت الرواية به ، وإن لم ينطق الشيخ على الصحيح .
[٢٥/ب] / وشرط بعض الشافعية كسليم وأبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وبعض
الظاهرية نطقه ، وشرط بعض الظاهرية إقراره به عند تمام السّماع . قال ابن
الصباغ : وله أن يعمل به وأن يرويه قائلاً: قرئ عليه وهو يسمع ، وليس له
أن يقول ( حدثني ) إذا كان أصل الشيخ حالة السماع في يد موثوق به مراع لما
(١) تدريب الراوي ١٣٣ - ١٣٤، والكفاية ٢٩٤ - ٢٩٦
(٢) تدريب الراوي ١٣٤ - ١٣٥، والكفاية ٢٩٢ - ٢٩٤
- ٨٢ -

يقرأ أهل لذلك ، وكان كإمساك الشيخ سواء أكان الشيخ يحفظ ما يقرأ أم لا هذا
هو الصحيح . وقيل : إن لم يحفظه لم يصح السّماع، وهو مردود بالعمل على
خلافه . فإن كان الأصل بيد القارئ وهو موثوق بدينه ومعرفته فأولى بالصحة ،
وإن لم يكن الأصل بيد موثوق به ولم يحفظه الشيخ لم يصح السماع (١) .
الخامس : إذا كان السامع أو المسمع ينسخ حال القراءة ، ففي صحة سماعه
خلاف ؛ فصححه ابن المبارك وموسى الجمال ومحمد بن الفضل عارم وعمرو بن
مرزوق وأبو حاتم الرازي ، ومنع صحته إبراهيم الحربي ، والأستاذ أبو إسحاق
الإسفراييني. وقال: بعض الشافعية يقول: ((حضرت)) ولا يقول: ( حدثنا )
أو ( أخبرنا ) والأصح التفصيل ؛ فإن منع النسخ فهمه للمقروء لم يصح ، وإن
فهمه صح . حضر الدارقطني في حداثته مجلس إسماعيل الصفار وهو ينسخ جزءاً
معه فقيل له : لا يصح سماعك . فذكر عدد ما أملاه الشيخ من الأحاديث ومتونها
وأسانيدها فتعجب منه . وهذا التفصيل جار فيما إذا كان الشيخ أو السامع
يتحدث ، أو كان القارئ يفرط في الإسراع أو يُهْيْنِم ، أو كان بعيداً من القارئ
بحيث لا يفهم كلامه ، والظاهر أنه يعفى عن القدر اليسير كالكلمة والكلمتين (٢).
وسئل أحمد عن الحرف يدغمه / الشيخ فلا يفهم وهو معروف ، هل يروى ذلك [٢٦/أ]
عنه ؟ فقال : أرجو ألا يضيق هذا (٣) ، وسئل عن الكلمة تستفهم من المستلي
فقال: إن كانت مُجمعاً عليها فلا بأس(٤) . وعن خلف بن سالم أنه منع ذلك (٥) .
السادس : ويستحب للشيخ أن يجيز السامعين رواية جميع الكتاب الذي
سمعوه ، وإن كتب لأحدهم خطه كتب ( سمعه مني ) و ( أجزت له روايته عني )
(١) تدريب الراوي ١٣٤، والكفاية ٢٨٠ - ٢٨٣
الكفاية ٦٦
(٢)
(٣)
الكفاية ٦٩
(٤)
الكفاية ٧٣
تدريب الراوي ١٣٥ - ١٣٧
(٥)
- ٨٣ -

كما كان بعض الشيوخ يفعل . وقال ابن عتاب الأندلسي : لا غنى في السماع عن
الإجازة ولو عظم مجلس المملي فبلّغ عنه المستلي فقد جوّز قوم رواية ذلك عن
المملي . وقال المحققون : لا يجوز .
السابع : يصح السماع ممن هو وراء حجاب إذا عرف صوته إن حدث بلفظه
أو حضوره إن قرئ عليه . ويكفي في تعريف ذلك خبر ثقة ، هذا قول الجمهور .
وشرط شعبة رؤيته قال: إذا حدّث المحدّث فلم تر وجهه فلا ترو عنه فلعله
شيطان .
الثامن: إذا قال الشيخ بعد السماع: ( لا ترو عني ) أو ( رجعت عن
إخبارك به ) أو نحو ذلك ، ولم يسنده إلى خطأ أو شك أو نحوه ، بل منعه مع
الجزم بأنه روايته ، لم يمنع ذلك روايته . ولو خص بالسماع قوماً فسمع غيرهم بغير
علمه جازله أن يرويه عنه، قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني . وعن
النسائي ما يؤذن بالتحرُّز منه ، وهو روايته عن الحارث بن مسكين ، ولو قال
الشيخ : ( أخبركم ولا أخبر فلاناً) لم يضره وجاز له روايته(١) .
الطريق الثالث(٢) ( الإجازة المجردة ) وهي أنواع:
الأول : أعلاها إجازة معيَّن لمعيَّن ، كـ ( أجزتك كتاب البخاري ) مثلاً ،
أو ( أجزت فلاناً جميع ما اشتملت عليه فهرستي ) ، ونحو ذلك ، فهذا أعلى أنواع
[٢٦/ب] الإجازة المجردة / عن المناولة. والصحيح عند الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء
جواز الرواية بها ، وادعى أبو الوليد الباجي الاتفاق عليه ، وغلط فيه . وحكى
الخلاف في العمل بها ومنعها جماعة من أهل الحديث والفقه والأصول ، وهو
إحدى الروايتين عن الشافعي ، وقطع به من أصحابه القاضيان حسين
(١) تدريب الراوي ١٣٦ - ١٣٧، والكفاية ٣٤٨ - ٣٤٩
(٢) انظر بحث الإجازة وما جاء في الأثر عنها ( الكفاية) ٣١١ - ٣١٤
- ٨٤ _

ء
والماوردي ، ومن المحدثين إبراهيم الحربي وأبو الشيخ الأصبهاني(١) واحتج المجيز بأنها
إخبار بمروياته جملة فصح كما لو أخبر به تفصيلاً ، وإخباره لا يفتقر إلى النطق
صريحاً كالقراءة عليه ، وقال بعض أهل الظاهر هو كالمرسَل تجوز الرواية بها ولا
يجب العمل ، وهو مردود عليهم(٢) .
الثاني : إجازة معين في غير معين كقوله : ( أجزتك مسموعاتي أو مروياتي )
والجمهور على جواز الرواية بها ووجوب العمل . ومن منع النوع الأول ، فههنا
أولى ، والخلاف أقوى (٣) .
الثالث : إجازة العموم كقوله: ( أجزت للمسلمين ) أو ( لمن أدرك زماني )
وما أشبهه . فمن منع ما تقدم ، فهذا أولى ، ومن جوزه اختلفوا في هذه ، فجوزها
الخطيب مطلقاً ، فإن قيدت بوصف خاص فأولى بالجواز. وجوّز القاضي
أبو الطيب الإجازة لجميع المسلمين الموجودين عندها ، وأجاز ابن عتَّاب لمن دخل
قرطبة من طلبة العلم . قال ابن الصلاح : لم يسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه
استعمل هذه الإجازة فروى بها ، وفي أصل الإجازة ضعف فتزداد بهذا ضعفاً
لا ينبغي احتماله ، وفيما قاله نظر (٤).
الرابع: إجازة مجهول أو في مجهول كقوله : ( أجزت أحمد بن محمد
الدمشقي) / وثَمَّ جماعة مسمون بذلك ولم يعين المراد منهم ؛ أو يقول: ( أجزت [٢٧/أ]
(١) الكفاية ٣١٥ - ٣١٦، ٣١٧
الكفاية ٣٢٦
(٢)
فوق هذه اللفظة إشارة بالإحالة على الحاشية ، غير أن بها سقطاً بعضه انطمس وانبهم وبعضه
(٣)
ظهر. وهو التالي: (( .. ( أجزت المسمين في الاستجازة ) لم يقدح ذلك في الصحة ، كما إذا حضر
السماع منه من لا يعرفه)) انظر مقدمة ابن الصلاح ٧٣، والكفاية ٣٣٤ - ٣٣٥، ٣٤٥ - ٣٤٦
(٤) تدريب الراوي ١٣٨، والكفاية ٣٢٥ - ٣٢٦
- ٨٥ _

فلاناً كتاب السنن ) وهو يروي عدة كتب تعرف بالسنن ولم يعين ، فهذه إجازة
باطلة لا فائدة فيها .
الخامس : الإجازة المعلّقة مثل : ( أجزت من شاء فلان ) أو ( إن شاء زيد
إجازة أحد أجزته ) فههنا جهالة وتعليق ، والأظهر أنها لا تصح ، وبه أفتى
القاضي أبو الطيب لأنه كقوله : ( أجزت بعض الناس ) ، وقال أبو يعلى بن
الفراء الحنبلي وابن عمروس المالكي : يصح لأن الجهالة ترتفع بالمشيئة بخلاف بعض
الناس . ولو قال : ( أجزت لمن شاء الإجازة ) فهو كقوله : ( لمن شاء فلان )
وهذا أولى بالبطلان لتعليقها على مشيئة من لا ينحصر ، أما لو قال : ( أجزت لمن
شاء الرواية عني ) فهو أولى بالجواز لأن ذلك هو مقتضى الإجازة ، فهو تصريح بما
يقتضيه إطلاقها لا تعليقه . ولو قال : ( أجزت فلاناً كذا إن شاء روايته عني )
فأولى بالصحة لانتفاء الجهالة والتعليق .
السادس : إجازة المعدوم كقوله : ( أجزت لمن يولد لفلان ) وفيها خلاف
فأجازها الخطيب ، وحكاه عن ابن الفراء الحنبلي وابن عمروس لأنها إذن ،
وأبطلها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وهو الصحيح ؛ لأنها في حكم الإخبار ولا
يصح إخبار معدوم . وقولهم: إنها إذن ، وإن سلَّمناه فلا تصح أيضاً كما لا تصح
الوكالة للمعدوم . أما لو عطفه على الموجود فقال : ( أجزت لفلان ولمن يولد له )
[٢٧/ ب] / أو ( أجزت لك ولعقبك ونسلك) فقد جوزه ابن أبي داود وهو أولى بالجواز من
المعدوم المجرد عند من أجازه . وأجاز مالك وأبو حنيفة في الوقف القسمين ،
وأجاز الشافعي الثاني دون الأول . والإجازة للطفل الذي لا يميز صحيحةٌ ، قطع
به القاضي أبو الطيب والخطيب . قال الخطيب : وعليه عهدنا شيوخنا يجيزون
الأطفال الغُيَّب ولا يسألون عن أسنانهم وتمييزهم ، ولأنها إباحة للرواية ، والإباحة
تصح للعاقل ولغير العاقل(١).
(١) تدريب الراوي ١٣٩ - ١٤١، والكفاية ٣٢٥ - ٣٢٦
- ٨٦ -

ء
السابع: إجازة ما لم يتحمله المجيز ليرويه المجاز ، إذا تحمله المجيز . قال
القاضي عياض : لم نَرَ من تكلم عليه من المشايخ ، وضَعَه بعض المتأخرين ، ومنعه
بعضهم وهو الصحيح . فعلى هذا يتعين العلم بما تحمله قبل الإجازة إذا أراد الرواية
عنه بها ليرويه دون غيره ، وليس قوله ( أجزت لك ماصح أو يصح عندك من
مروياتي ) من ذلك ، فيجوز له الرواية بما تحمله قبل الإجازة ، وقد فعل ذلك
الدارقطني .
الثامن : إجازة المجاز مثل ( أجزت لك مجازاتي ) والصحيح جوازه ، قطع به
الدارقطني وأبو نعيم وأبو الفتح المقدسي ، وكان يروي بالإجازة عن الإجازة ،
وربما والى بين ثلاث إجازات . ومن يروي بها تأمل كيفية إجازة شيخه كيلا
يروي ما لم يندرج تحتها ، حتى لو كانت صورتها ( أجزت له ماصح عنده من
مسموعاتي ) ، فليس له أن يروي سماع شيخ شيخه حتى يتبين أنه صح عند شيخه
أنه من سماع شيخه الجيز(١) .
فروع :
الأول : / قال ابن فارس : الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه [٢٨/ أ]
الماشية ، يقال : ( استجزته فأجازني ) : إذا أسقاك ماء لماشيتك أو أرضك ،
فكذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيزه له(٢)، فعلى هذا يجوز أن يعدّى
الفعل بغير حرف جر ولا ذكر رواية فيقول : ( أجزت فلاناً مسموعاتي ) .
وقيل : الإجازة إذن ؛ فعلى هذا يقول: ( أجزت له رواية مسموعاتي ) وإذا
قال : ( أجزت له مسموعاتي ) فهو على حذف المضاف .
(١) تدريب الراوي ١٤١ - ١٤٢، والكفاية ٣٣٤ - ٣٣٥، ٣٤٥ - ٣٥٠
(٢) تدريب الراوي ١٤٢، والكفاية ٣١٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢٠٨
- ٨٧ -

الثاني : إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيزه ، والمجاز من أهل
العلم لأنها توسع يحتاج إليه أهل العلم . وشرطه بعضهم ، وحكي عن مالك(١).
وقال ابن عبد البر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر في الصناعة وفي معيّن لا يُشْكل
إسناده .
الثالث : ينبغي للمجيز بالكتابة أن يتلفظ بها ، فإن اقتصر على الكتابة مع
قصد الإجازة صحت ، كما أن سكوته عند القراءة عليه إخبار وإن لم يتلفظ لكنها
دون الملفوظ بها ، فلذلك ينبغي كتابة ( تلفظ بها) (٢).
الطريق الرابع ( المناولة ) وهي نوعان :
أحدهما : المقرونة بالإجازة ، وهي أعلى أنواع الإجازة كما تقدم ؛ ثم لها صور
منها أن يدفع إليه أصل سماعه أو فرعاً مقابلاً به (٣) ويقول: هذا سماعي أو روايتي
عن فلان فاروه عني أو أجزت لك روايته ثم يبقيه في يديه تمليكاً أو إلى أن
ينسخه ، ومنها أن يناوله الطالب سماعه ، فيتأمله وهو عارف متيقظ ، ثم يناوله
الطالب ويقول : ( هو حديثي أو سماعي أو روايتي فاروه عني ) وسمى غير
[٢٨/ب] / واحد من أئمة الحديث هذا عَرْضاً. وقد تقدم أن القراءة على الشيخ تسمى
عرْضاً أيضاً ، فلنسم هذا : عرض المناولة ، وذاك ( عرض القراءة ) ، وهذه
المناولة كالسّماع في القوة عند الزهري وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومجاهد
والشعبي وعلقمة وإبراهيم ومالك وابن وهب وابن القاسم وغيرهم . وقال الثوري
والأوزاعي وابن المبارك وأبو حنيفة والبويطي والمزني وأحمد وإسحاق ويحيى بن
يحي : إنها منحطة عن السماع وهو الصحيح ، قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا
وإليه نذهب . ومنها أن يناوله الشيخ سماعه ويجيزه ثم يمسكه الشيخ ، وهو دون
الكفاية ٣٢٨ _ ٣٣٠
(١)
تدريب الراوي ١٤٢ - ١٤٣، والكفاية ٣٤٢
(٢)
(٣)
کشاف اصطلاحات الفنون ١٤٢٨
- ٨٨ -
١

ما سبق ، فإذا وجد ذلك الأصل أو مقابلاً به موثوقاً بموافقته جاز له روايته ، ولا
يظهر في هذه كبير مزية على الإجازة المجردة في معين ؛ وصرح بذلك جماعة من
أهل الفقه والأصول ، وأما شيوخ الحديث قديماً وحديثاً فيرون لها مزية معتبرة .
ومنها أن يأتيه الطالب بنسخة ويقول : ( هذه روايتك ، فناولنيه ، وأجز لي
روايته ) فيجيبه إليه من غير نظر وتحقق لروايته ، فهذا باطل ، فإن وثق بخبر
الطالب ومعرفته اعتمده وصحَّت الإجازة كما يعتمد قراءته ، ولو قال له : ( حدث
عني بما فيه إن كان روايتي مع براءتي من الغلط ) كان جائزاً حسناً (١) .
النوع الثاني : [ المناولة] المُجرَّدة عن الإجازة، وهو أن يناوله كتاباً
ويقول : هذا سماعي مقتصراً عليه ، والصحيح أنه لا يجوز الرواية بها ، وبه قال
الفقهاء وأهل الأصول وعابوا من جوزه / من المحدثين .
[٢٩/أ]
فرع : جوّز الزهري ومالك إطلاق ( حدثنا ) و ( أخبرنا ) في المناولة ؛
وهو مقتضى قول من جعله سماعاً . وعن أبي نعيم الأصفهاني والمرزباني وغيرهما
جوازه في الإجازة المجردة . والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري المنع من
ذلك وتخصيصه بما يشعر بها كـ ( حدثنا إجازة أو مناولة أو إذناً ) أو ( أجازني )
أو ( ناولني) أو شبه ذلك . وعن الأوزاعي تخصيص الإجازة بـ ( خبّرنا )
والقراءة بـ ( أخبرنا ) . واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق ( أنبأنا ) في
الإجازة ، واختاره قوم ونحا إليه البيهقي . قال الحاكم : الذي أختاره وعهدت
عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن نقول فيا عرض على المحدث فأجازه له شفاهاً
( أنبأني ) ، وفيما كتب إليه ( كتب إليّ ). وقال ابن حمدان : كل قول البخاري
( قال لي ) فهو عرض ومناولة ، وعبر قوم عن الإجازة بـ ( أخبرنا فلان أن فلاناً
أخبره ) واختاره الخطابي أو حكاه وهو ضعيف . واستعمل المتأخرون في الإجازة
(١) تدريب الراوي ١٤٣ - ١٤٤، والكفاية ٣٢٦ - ٣٣٤
- ٨٩ -

التي فوق الشيخ حرف ( عن ) فيقول : ( قرأت على فلان عن فلان ) . واعلم أن
المنع من إطلاق ( حدثنا ) و ( أخبرنا ) لا يزول بإجازة المجيز ذلك كما اعتاده
بعض المشايخ في قوله لمن يجيزه إن شاء قال ( حدثنا ) وإن شاء قال
(أخبرنا)(١) .
الطريق الخامس ( كتابة ) : وهي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر
بخطه أو بإذنه ، وهي أيضاً ضربان : مقرونة بالإجازة ، ومجردة عنها .
[٢٩/ب] فالمقرونة / بالإجازة في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بها . وأما المجردة فمنع
الرواية بها القاضي الماوردي ، وأجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم :
أيوب السختياني ومنصور والليث وغير واحد من الشافعية وأهل الأصول . وهو
المشهور بين أهل الحديث ، وكثير في مصنفاتهم ( كتب إلي فلان قال : حدثنا
فلان ) والمراد هذا ، وهو عندهم معمول به معدود في الموصول . وقال السمعاني :
هي أقوى من الإجازة ، ويكفي معرفة خط الكاتب ، وشرط بعضهم البيِّنة وهو
ضعيف .
فرع : الصحيح أنه يقول في الرواية بها ( كتب إليّ فلان ) أو ( أخبرني فلان
كتابة ) ونحوه ، ولا يجوز إطلاق ( حدثنا ) و( أخبرنا ) ، وقال الليث ومنصور
وغير واحد من علماء المحدثين : يجوز(٢).
الطريق السادس ( الإعلام ) : وهو أن يعلم الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب
روايته أو سماعه مقتصراً على ذلك ، فجوّز الرواية به كثير من أهل الحديث والفقه
والأصول والظاهر منهم ابن جريج وابن الصباغ . حتى زاد بعض الظاهرية
فقال : لو قال له الشيخ : ( هذه روايتي لا تروها عني ) جاز له روايتها عنه كما
تقدم في السماع ، والصحيح أنه لا تجوز الرواية لمجرد الإعلام ، وبه قطع بعض
(١) تدريب الراوي ١٤٤ - ١٤٦، والكفاية ٣٣٢ - ٣٣٤
(٢) تدريب الراوي ١٤٦ - ١٤٧، والكفاية ٣٤٢ - ٣٤٥
- ٩٠ -

ء
الشافعية واختاره المحققون ، لأنه قد يكون سماعه ولا يأذن في روايته لخلل
[٣٠/أ]
يعرفه ؛ لكن يجب العمل به إذا صح / سنده عنده(١) .
الطريق السابع ( الوصية ) : وهي أن يوصي الراوي عند موته أو سفره
لشخص بكتاب يرويه ، فجوز بعض السلف للموصى له رواية ذلك عن الموصي
كالإعلام ، والصحيح الصواب أنه لا يجوز . وقول من جوزه إما زلة عالم أو مُؤَوَّلٌ
بأنه قصد روايته على سبيل الوجادة ، كما ستأتي(٢).
الطريق الثامن ( الوجادة ) : وهي مصدر: وجد - يجد ، وهو مولَّد غير
مسموع ، وهو أن يقف على كتاب بخط شخص فيه أحاديث يروبها ذلك الشخص
ولم يسمعها منه الواجد ، ولا له منه إجازة أو نحوها ، فله أن يقول : ( وجدت
بخط فلان ) أو ( قرأت ) وما أشبهه ، وعلى هذا العمل ، وهو من باب المرسل
ويشوبه شيء من الاتصال بقوله : ( وجدت بخط فلان ) . وربما دلس بعضهم
فذكر الذي وجد بخطه وقال فيه : ( عن فلان ) ، أو ( قال فلان ) ، وهو قبيح
إن أوهم سماعه ، وقد جازف بعضهم فأطلق في الوجادة ( حدثنا ) و( أخبرنا )
وأُنكِر ذلك على فاعله(٣) .
فرع : إذا وجد ( حدثنا ) في تأليف شخص وليس بخطه فله أن يقول :
( قال فلان ) أو ( ذكر فلان ) أو (أخبرنا فلان ) وهذا منقطع ، لأنه لم يأخذ
شوباً من الاتصال ، فإن لم يثق بكونه خطه فليقل : ( بلغني ) أو ( وجدت عن
فلان ) أو ( قرأت في كتاب أظنه خط فلان ) أو ( أخبرني فلان أنه خط فلان ) .
وإذا نقل من كتاب فلا يقل : ( قال فلان ) إلا إذا وثق بصحة النسخة ومقابلتها
بأصلها ، فإن لم يكن كذلك قال : ( بلغني عنه ) . وأما إطلاق اللفظ الجازم
تدريب الراوي ١٤٧ - ١٤٨ ، والكفاية ٣٤٦ - ٣٤٩
(١)
(٢)
تدريب الراوي ١٤٨، والكفاية ٣٥٢ - ٣٥٣
(٣)
الكفاية ٣٥٣ - ٣٥٥، وكشاف اصطلاحات الفنون ١٤٥٥ - ١٤٥٦
- ٩١ -

[٣٠/ ب] فتسامح، وقد قيل: إن كان المطالع عالماً / متقناً، لا يخفى عليه الساقط والمغيّر
رُجي له جواز الجزم ، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين .
فرع: ( العمل بالوجادة ) قيل : لا يجوز، نقل ذلك عن معظم المحدثين
والفقهاء المالكية وغيرهم ، وقيل : يجوز، نقل ذلك عن الشافعي ونظار
أصحابه ، وقطع بعض الشافعية بوجوب العمل عند حصول الثقة وهو الصحيح ،
قال ابن الصلاح : لا يتجه في هذه الأزمان غيره(١) .
النوع الثالث : في كتابة الحديث وضبطه
وفيه فصول :
الأول : اختلف السلف في كتابة الحديث فكرهها طائفة منهم ، كعمر وابن
مسعود وأبي سعيد ، وأباحها طائفة منهم ، كعلي وابنه الحسن وعبد الله بن
عمرو بن العاص ، ثم أجمع أتباع التابعين على جوازه . فقيل : أول من صنف فيه
ابن جريج ، وقيل : مالك . وقيل : الربيع بن صبيح ، ثم انتشر تدوينه وجمعه
وظهرت فوائد ذلك ونفعه ، وعلى كاتبه صرف الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلاً
ولفظاً ، بحيث يؤمن اللبس معه ، ثم قيل : إنما يُشَكِّل المشكل ولا يشتغل بتقييد
الواضح ، حتى قال بعضهم : أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في
الملتبس . وقال قوم : يشكل الجميع لأجل المبتدئ وغير المتبحر .
الثاني : يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثر لأنه نقلي محض . قال
ابن الصلاح : ويستحب ضبطُ المشكل في نفس الكتاب ، وكَتْبُه مضبوطاً واضحاً
في الحاشية لأنه أبلغ . ويحقق الخط دون مشقه وتعليقه ، ولا يدققه من غير عذر
(١) يراجع هذا الباب كله في مقدمة ابن الصلاح ٦٠ - ٨٧ ، والباعث الحثيث ٥٩ - ٧٢ وبعض
جوانبه في معرفة علوم الحديث ٢٥٦ ، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ٧٨/١ - ٩٠ ،
ومبحث الوجادة في تدريب الراوي ١٤٨ - ١٥٠
- ٩٢ -
١

كضيق الورق وتخفيف حمله في السفر ، فإن الخط علامة فأحسنه أبينه ، قال
بعضهم : اكتب ما ينفعك وقت حاجتك إليه ؛ أي وقت الكبر وضعف البصر .
والكتابة بالحبر أولى من المداد لأنه أثبت ، قالوا : ولا يكون القلم صلباً جداً فلا
يجري بسرعة ولا رخواً فيخفى سريعاً . قال بعضهم : إذا أردت جودة خطك
فأطل جلفتك وأسْمِنْها وحرّف قطعتك وأمنها وليكن ما تضبط عليه صلبأ جداً ،
ويحمد القصب الفارسي وخشب الأبنوس الناعم . ويضبط الحروف المهملة فقيل :
تنقط المهملة تحتها بما فوق نظائرها المعجمة ، وقيل : يجعل كقلامة الظفر
فوقها / مضجعة على قفاها ، وقيل : يجعل تحتها صغير مثلها ، وفي بعض الكتب [٣١/أ]
القديمة فوقها خط صغير ، وفي بعضها تحتها همزة . ولا يصطلح مع نفسه برمز
لا يعرفه الناس إلا أن يُبَيِّن مراده ، ويعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها
فيجعل كتابه على رواية ، ثم ما كان في غيرها من زيادة ألحقها في الحاشية أو
نقص أعلم عليه أو خلاف نبه عليه ، وستّى راويه مبيّناً . ولا بأس بكتابة التراجم
بالحمرة ورمز الأسماء أو المذاهب بها ، وإذا رمز شيئاً بيّن اصطلاحه في أول الكتاب
ليعرفه من يقف عليه . واكتفى كثيرون بالتمييز بحمرة مبيناً ذلك(١).
الثالث : يجعل بين كل حديثين دارة ، فعل ذلك جماعة من المتقدمين ،
واستحب الخطيب أن يكون غفلاً ، فإذا قابل نقّط فوقها . ولا يكتب المضاف في
آخر سطر والمضاف إليه في أول الآخر مثل : عبد الله وعبد الرحمن ، فيكره
كتابة ( عبد) آخر سطر، واسم ( الله ) أو ( الرحمن ) مع ( ابن فلان ) أول
الآخر ، وكذلك ( رسول الله ) ونحو ذلك . وإذا كتب اسم الله ( تعالى ) أتبعه
بالتعظيم كـ ( عز وجل ) ونحوه ، ويحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على
(١) انظر ماله صلة بهذا الموضوع كتاب ( التنبيه على حدوث التصحيف ) ٥٦ ، وبهجة المجالس
وأنس المجالس وشحذ الذهن والهاجس ٣٥٦/١ - ٣٥٧ ، وفي الفهرست فضلة للمستزيد في الموضوع
١٥ - ٢٣، ٣٧، وتذكرة السامع والمتكلم ١٧٣ - ١٨٠
- ٩٣ -

( رسول الله ) ◌َّ كلما كتبه ولا يسأم من تكراره ؛ وإن لم يكن في الأصل ،
ومن أغفل ذلك حرم حظاً عظيماً. ويصلي بلسانه على النبي عَ لّ كلما كتبه
أيضاً ، وكذلك ( الترضي ) و ( الترحم ) على الصحابة والعلماء . ويكره الاقتصار
على الصلاة دون التسليم ، ويكره الرمز بالصلاة والترضي في الكتابة ، بل يكتب
ذلك بکماله .
الرابع : عليه مقابلة كتابه بأصل شيخه وإن كان إجازة ، وأفضل المقابلة أن
يمسك هو وشيخه كتابيهما حال السماع وينظر معه من لا نسخة معه ولا سيما إن كان
يريد النقل من نسخته . وقال يحيى بن معين : لا يجوز أن يروي من غير أصل
[٣١/ب] الشيخ، إلا أن ينظر / فيه بنفسه حالة السماع. والصحيح أنه يكفي مقابلة ثقة أي
وقت كان ، ويكفي مقابلته بفرع قوبل بأصل للشيخ ، وبأصل أصل الشيخ المقابل
به أصل الشيخ ، فإن لم يقابل به وكان الناقل صحيح النقل قليل السقط ونقل من
الأصل فقد جوز الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق والإسماعيلي والبرقاني والخطيب ،
وتُبيَّن حال الرواية أنه لم يقابل وكتاب شيخه مع من فوقه ككتابه في جميع ذلك .
ولا يروي كتاباً سمعه من أي نسخة اتفقت ، وسيأتي فيه كلام(١).
فرع : لو وجد في كتابه كلمة مهملة ... عليه جاز أن ... ينفيه ... في
ضبطها وروايتها على ... خبر أهل العلم بها . فإن كان فيها لغات أو روايات بَيَّنَ
الحال واحترز عند الرواية ... (٢) .
الخامس : إذا خرّج الساقط وهو اللحق - بفتح اللام والحاء(٢) - فليخط من
موضع سقوطه في السطر خطأ صاعداً قليلاً معطوفاً بين السطرين عطفة يسيرة
(١) كل ما جاء في هذا الباب في تدريب الراوي ١٥٠ - ١٥٥، والكفاية ٢٣٧ - ٣٤١، وتذكرة
السامع والمتكلم ١٨٠ - ١٨٥
(٢) حيث النقط كلام انطمس وانمحى في الأصل .
القاموس المحيط مادة ( لحق ) .
(٣)
- ٩٤ _

إلى جهة اللحق ، وقيل : تمد العطفة إلى أول اللحق ، ثم يكتب اللحق قُبالة
العطفة في الحاشية ، وجهة اليمين إن اتسعت أولى إلا أن يسقط في آخر السطر .
وليكتبه صاعداً إلى أعلى الورقة لا نازلاً إلى أسفلها لاحتمال تخريج آخر بعده ،
ولتكن رؤوس حروف اللحق إلى جهة اليمين . فإن زاد اللحق على سطر ابتدأ
سطوره من جهة طرف الورقة إن كان في يمين الورقة بحيث تنتهي سطوره إلى
أسطر الكتاب ، وإن كان في الشمال ابتدأ الأسطر من جهة أسطر الكتاب ، ثم
يكتب في انتهاء اللحق ( صح ) . وقيل: يكتب معها ( رجع ) ، وقيل : الكلمة
المتصلة به داخل الكتاب وليس بمَرْضيّ لأنه تطويل موهم . أما الحواشي غير
الأصل من شرح أو بيان غلط أو اختلاف رواية أو نسخة فلا يكتب في آخره .
وقال القاضي عياض : لا يخرج له خط . وقيل : يخرج من وسط الكلمة للفرق
بينهما ، ولا يوصل الكتابة بحاشية الورقة بل يدع ما يحتمل الحك مرات .
فرع : لا بأس بكتابة الحواشي والفوائد المهمة على حواشي كتاب يملكه
ويكتب عليه ( حاشية ) ، أو ( فائدة ) ولا يكتب الحواشي بين الأسطر ولا في
کتاب لا يملكه إلا یاذن مالكه .
السادس : ( التصحيح والتمريض والتضبيب ) من شأن المتقنين .
فالتصحيح : كتابة ( صح ) على كلام صح رواية ومعنى ، لكنه عرضة للشك أو
الخلاف . والتضبيب - وقد يسمى التمريض - : أن يُمدَّ خط / أوله كرأس الصاد [٣٢/أ]
ولا يلصق بالمدود عليه على ثابتٍ نقلاً فاسدٍ لفظاً أو معنى ، أو ضعيف أو ناقص ،
ومن الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع . وربما اقتصر بعضهم علامة التصحيح
فأشبهت الضبة ، وفي بعض الأصول القديمة في إسناد فيه جماعةٌ عطف بعضهم على
بعض علامة تشبه الضبة بين أسمائهم وليست ضبة ، بل كأنها علامة الاتصال .
السابع : إذا وقع في الكتاب خطأ وحققه كتب عليه ( كذا ) صغيرة ،
وكتب في الحاشية ( صوابه كذا ) إن تحققه ، وإن وقع فيه ماليس منه نفى
- ٩٥ _

بالضرب أو الحك أو المحو ، وأولاها الضرب . فقيل : يخط فوقه خطأً بيناً مختلطاً
به ويتركه ممكن القراءة ، ويسمى الشق ، وقيل : لا يخلطه بالكتابة بل يكون
فوقه معطوفاً على أوله وآخره ، وقيل : يحوّق على أوله نصف دائرة وعلى آخره
نصف دائرة . وقيل : إن كثر المضروب عليه فقد يكفي التحويق على أوله
وآخره . وقد يحوق على أول كل سطر وآخره . وقيل : يكتب ( لا) في أوله
و ( إلى ) في آخره . فإن كان الضرب على مكرر ؟ فقيل : على الثاني ، وقيل :
يبقي أحسنهما وأبينهما صورة ، وقيل : إن كان في أول سطر ضرب على الثاني أو
في آخره . فعلى الأول صيانة للأسطر أو في آخر سطر وأول آخر ضرب على آخر
السطر صيانة لأوله ، فإن تكرر المضاف أو المضاف إليه أو الموصوف أو الصفة
روعي اتصالهما . وأما الحك والكشط والمحو فكرهها أهل العلم ؛ لأن الحك
والكشط يحتمل التغيير وربما أفسد الورقة وما ينفذ إليه . والمحو مسوّدٌ للقرطاس .
وإذا أصلح شيئاً فقد قال الخطيب: يَبْشُرُه بنحاتة السَّاج ويتقي التهذيب(١).
الثامن : غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز في ( حدثنا )
و ( أخبرنا ) وشاع بحيث لا يخفى ، فيكتبون من ( حدثنا ) : (ثنا ) أو (نا).
أو (دنا )؛ ومن ( أخبرنا): ( أنا) أو ( أرنا) أو (رنا). وإذا كان للحديث
إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ( ح ) ولم يبين أمرها
[٣٢/ب] / عمن تقدم، لكن كتب بعض الحفاظ موضعها (صح ) فأشعر بأنها رمزه .
وقيل : هي من التحويل من إسناد إلى إسناد . وقيل : هي من الحيلولة لأنها
تحول بين الإسنادين ، وليست من الحديث فلا يتلفظ بشيء في مكانها . وقيل :
هي إشارة إلى قولنا : ( الحديث ) . والمغاربة يقولون مكانها في القراءة الحديث ،
ومن العلماء من يقول : ( حا ) و( يمر) وهو المختار.
(١) تذكرة السامع والمتكلم ١٨٥ - ١٩٣
- ٩٦ -
1

التاسع : قال الخطيب : ينبغي أن يكتب بعد البسملة اسم شيخه المسمع
للكتاب وكنيته ونسبه ؛ ثم يسوق ما سمعه منه ، ويكتب فوق التسمية أو في
حاشية أول الورقة تاريخ السماع ومن سمع معه وكلاًّ فعله الشيوخ . ولا بأس
بكتب طبقة السماع في آخر الكتاب ، أو حيث لا يخفى منه ، ولتكن الطبقة
بخط ثقة معروف الخط ، وعند ذلك فلا بأس بأن لا يصحح عليه الشيخ ؛
ولا بأس أن يكتب سماعه بخط نفسه إذا كان ثقة ؛ فقد فعله الثقات . وعلى كاتب
السّماع التحري ، وبيان السامع والمسمع والمسموع ، بلفظ بيِّن واضح ، وعليه تجنب
التساهل فيمن يثبته ، والحذر من إسقاط بعض السامعين لغَرَض فاسد . وإذا لم
يحضر مجلساً فله أن يعتمد في حضورهم خبر ثقة حضره أو خبر الشيخ . ومن ثبت
سماع غيره في كتابه قبح به كتمانه أو منعه نسخه أو نقل سماعه ، فإن كان سماعه
مثبتاً برضى صاحب الكتاب لزمه إعارته ولا يبطئ عليه ؛ وإلا فلا يلزمه
كذلك . قاله أئمة المذاهب في أزمانهم وهم : القاضي حفص بن غياث الحنفي
والقاضي إسماعيل المالكي وأبو عبد الله الزبيري / الشافعي وغيرهم ، وخالف في [٣٣/أ]
ذلك قوم ؛ والأول هو الصحيح لأن ذلك كشهادة تعينت له عنده ، فعليه أداؤها
كما يلزم متحمل الشهادة أداؤها ؛ وإن بذل نفسه بالمشي إلى مجلس الحكم .
العاشر : إذا نسخ الكتاب فلا ينقل سماعه إلا بعد المقابلة المرضية . وكذا
لا ينبغي لأحد أن ينقل سماعاً إلى نسخة أو يثبته فيها عند السماع إلا بعد المقابلة
المرضية بالمسموع ، إلا أن يبين عند النقل كون النسخة غير مقابلة . أو ينبه على
كيفية الحال . وإذا قابل كتابه علّم على مواضع وقوفه وإن جاء في السماع كتب
( بلغ في المجلس الأول أو الثاني ) إلى آخرها(١).
(١) مقدمة ابن الصلاح ٨٧ - ١٠٢، والباعث الحثيث ٧٢ - ٧٤، وتدريب الراوي ١٥٥ - ١٥٩، وفي
الكفاية جوانب كثيرة مما جاء في هذا الفصل كما في الصفحة ١٨١ - ١٨٨، ١٩٤ - ١٩٨، ٢٥١ .
٢٥٢، ٢٥٥ - ٢٥٧، وتذكرة السامع والمتكلم ١٧٣ - ١٧٧
المنهل الروي (٧)
- ٩٧ -

النوع الرابع : في رواية الحديث
قد تقدمت جمل منه فيما قبله ، والكلام هنا في ستة عشر فصلاً :
الأول : شدد قوم في الرواية فأفرطوا ، وتساهل آخرون ففرطوا . فقال
بعض المشددين : لا حجة إلا فيما رواه من حفظه . روي ذلك عن أبي حنيفة
ومالك والصيدلاني ، وقال بعضهم : يجوز من كتابه إلا إذا خرج من يده . وقال
بعض المتساهلين بالرواية : من نسخ غير مقابلة بأصولهم ؛ فجعلهم الحاكم مجروحين
وقال : وهذا كثير تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء ، وقد تقدم في النوع
قبله جواز الرواية من نسخة لم تقابل بشروط ذكرناها ، فلعل الحاكم أراد إذا لم
توجد تلك الشروط ، أو أنه يخالف في تلك المسألة(١). وقال بعض المتساهلين
ما تقدم في طرق التحمل من الرواية بالوصية والإعلام والمناولة المجردة وغير
ذلك . والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط ، فإذا قام في التحمل والضبط
[٣٣/ ب] والمقابلة بما تقدم / جازت الرواية منه، وإن غاب عنه إذا كان الغالب سلامته
من التغيير ، ولا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه تغييره غالباً (٢).
الثاني : الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبطه وحفظ كتابه
واحتاط عند القراءة عليه ، بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير صحت
روايته ، وحيث منعنا البصير فالضرير أولى بالمنع منه . قال الخطيب : والبصير
الأمي كالضرير(٣) .
الثالث : إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا قوبلت به لكن
سمعت على شيخه وفيها سماع شيخه أو كتبت عن شيخه ، وسكنت نفسه إليها لم
(١) معرفة علوم الحديث ١٤ - ١٧
الكفاية ٢٥٧ - ٢٥٨
(٢)
الكفاية ٢٥٨ - ٢٥٩
(٣)
- ٩٨ -

تجز له الرواية منها عند عامة المحدثين ، ورخص فيه أيوب السختياني ومحمد بن
بكر البرساني . قال الخطيب : والذي يقتضيه النظر أنه متى عرف أن هذه
الأحاديث هي التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى
صحتها وسلامتها . هذا إذا لم يكن له إجازة عامة من شيخه لمروياته أو لهذا
الكتاب ؛ فإن كانت : جاز له الرواية منها إذ ليس فيه أكثر من رواية زيادات
متوهمة بالإجازة بلفظ ( حدثنا ) و ( أخبرنا ) من غير بيان الإجازة ، والأمر في
ذلك قريب يقع في محل التسامح . وقد تقدم قول : إنه لا غنى في كل سماع عن
الإجازة ليقع ما يسقط من الكلمات سهواً أو غيره مروياً بالإجازة ، وإن لم يكن
يذكر لفظها ، وهذا تيسير حسن لمسّ الحاجة إليه في زماننا . وإن كان في
النسخة سماع شيخ شيخه أو كانت مسموعة عليه فيحتاج في ذلك إلى أن تكون له
إجازة شاملة من شيخه ، ولشيخه مثلها من شيخه(١) .
/ الرابع: لو وجد في كتابه خلاف حفظه، فإن حفظ منه رجع إليه وإن [٣٤/أ]
حفظ من فم الشيخ اعتمد حفظه إن لم يتشكك . وحسن أن يذكرهما معاً فيقول :
حفظي كذا ، وفي كتابي كذا ، وإن خالفه فيه غيره قال : حفظي كذا و( قال
فلان كذا ) . ولو وجد سماعه في كتاب ولم يذكره ؛ فعن أبي حنيفة وبعض
الشافعية لا تجوز له روايته ، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه وأبي يوسف ومحمد
جوازها وهو الصحيح ، بشرط أن يكون السماع بخطه أو بخط من يوثق به ،
والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير بحيث تسكن إليه نفسه(٢) .
الخامس : من ليس عالماً بالألفاظ ومقاصدها خبيراً بمعانيها لا تجوز له
الرواية بالمعنى بالإجماع ؛ بل يتعين اللفظ الذي سمعه ؛ وإن كان عالماً بذلك فقد
منعه قوم من أصحاب الحديث والفقه والأصول وقالوا : لا يجوز إلا بلفظه .
(١) تدريب الراوي ١٥٩ - ١٦٠، والكفاية ٢٥٧
(٢) تدريب الراوي ١٦١، والكفاية ٢٥٧ - ٢٥٨
- ٩٩ _

وقال قوم : لا يجوز في حديث النبي صَ لّ ويجوز في غيره ؛ وقال جمهور السلف
والخلف من الطوائف : يجوز في الجميع إذا قطع بأداء المعنى . وهذا في غير
المصنفات ؛ أما المصنف فلا يجوز تغيير لفظه أصلاً ، وإن كان بمعناه(١) .
السادس : اختلف في رواية بعض الحديث دون بعض ؛ فمنعه قوم بناء على
منع الرواية بالمعنى ، وممن (٢) جوزها منهم من منعه إذا لم يكن هو أو غيره رواه
(٣٤/ب] بتمامه قبل ذلك ؛ ومنهم من جوزه مطلقاً. والصحيح / أنه إن كان عارفاً ، ولم
يكن ما تركه متعلقاً بما رواه بحيث يختل الحكم بتركه ولم تتطرق إليه تهمة بزيادة
أو نقصان جاز سواء أجوزنا الرواية بالمعنى أم لا ، وسواء أكان قد رواه قبل تاماً
أم لا، أما إذا اختلف الحكم بترك بعضه كالغاية والاستثناء في قوله مجال ((حتى
تُزهى)) (٣) وفي قوله ((إلا سواء بسواء)) (٤) فلا يجوز تركه . وكذلك إذا رواه تاماً
ثم خاف إذا رواه ناقصاً أن يتهم بالزيادة أولاً ، وبالغفلة وقلة الضبط ثانياً ، فإنه
لا يجوز له ذلك . وأما تقطيع المصنّف الحديث في الأبواب فهو إلى الجواز أقرب ،
وقد فعله البخاري . قال ابن الصلاح : ولا يخلو من كراهة ، وفي قوله ذلك
(٥)
نظر (٥) .
السابع : لا يُروى بقراءة لحَّان أو مُصحّفٍ ، وطريق السلامة من التصحيف
الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق . فإن وقع في الرواية لحن أو تحريف ؛
(١) تدريب الراوي ١٦١ - ١٦٣، والكفاية ١٨٨ - ١٨٩، ١٩٨ - ٢١١
(٢)
في الأصل ( ممن ) واقتضت العبارة زيادة حرف العطف .
مسند ابن حنبل ١١٥/٣، ١٦١، ٢٢١ ، ٢٥٠، ومسلم، الجزء الخامس ( كتاب المساقات باب
(٣)
وضح الحوائج ) .
مسلم ، الجزء الخامس ( كتاب المساقات - باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً ، وباب
(٤)
النهي عن بيع الورق بالذهب ) .
(٥) تدريب الراوي ١٦٣، والكفاية ١٩٣ - ١٩٤
- ١٠٠ -