Indexed OCR Text

Pages 121-140

فلان،أو ذکر كاتبه أنهفلان،أو تصنيف فلان،أو قيل: بخط أو تصنيف
فلان، وإذا نقل من تصنيف فلا يقل: قال فلان إلا إذا وثق بصحة النسخة
بمقابلته أو ثقة لها ، فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل : بلغني عن
فلان ، أو وجدت في نسخة من کتابه ونحوه ، وتسامح أکثر الناس في
هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر ، والصواب ما ذكر ناه ،
فإن كان المطالع متقناً لا يخفى عليه غالباً الساقط والمغير رجونا جواز
الجزم له ، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم ، وأما
العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين ، وغيرهم
أنه لا يجوز ، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه وقطع بعض
المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة ، وهذا هو
الصحيح الذي لا يتجه هذه الأزمان غيره والله أعلم (١).
(١) قال ابن الصلاح: فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل
بالمنقول لتعذر شروطها ، واستدل الحافظ عماد الدين ابن كثير على قبولها
والعمل بها بحديث رواه عند تفسير قوله تعالى: ((الذين يؤمنون بالغيب)) والحديث
«أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا الملائكة، قال: ومالهم لا يؤمنون وهم عند
ربهم؟ قالوا : فالنبيون ، قال: ومالهم لايؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ قالوا:
فنحن ، قال: ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ قال فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: الا إن أعجب الخلق اليّ إيماناً لقوم يكونون من بعدكم
يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيها)) . واستدل بأحاديث أخرى .
قال البلقيني : وهذا استنباط حسن .
- ١٢١ -

كتابة الحديث وضبطه
وفيه مسائل :
الأولى:
اختلف السلف في كتابة الحديث ، فكرهها طائفة وأباحها طائفة
ثم أجمعوا على جوازها، وجاء في الإباحة والنهي حديثان (١) ،
فالاذن لمن خيف نسيانه ، والنهي لمن أمن وخيف اتکاله ، أو نهى
(١) من الأحاديث التي وردت في النهي عن كتابة الحديث، مارواه البخاري
ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا
عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) .
ومن الأحاديث التي وردت في جواز الكتابة ما رواه البخاري عن أبي
هريرة قال: (( لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه
ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين فإنها لا
تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها الحديث ... فقام أبو شاه،
رجل من أهل اليمن، فقال : اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه )).
وما ورد في سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((كنت
أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني
قريش وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت
ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال : اكتب
فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق )) .
- ١٢٢ -

حين خيف اختلاطه بالقرآن وأذن حين أمن ، ثم علی کاتبه صرف
الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلاً ونقطاً حتى يؤمن اللبس ، ثم قيل إنما
بشكل المشكل ، ونقل عن أهل العلم كراهة الأعجام والاعراب (١)
إلا في الملتبس ، وقيل بشكل الجميع .
الثانيه:
ينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثر ،
ويستحب ضبط المشكل في نفس الكتاب وكتبه مضبوطاً واضحاً في
الحاشية قبالته (٢)، ويستحب تحقيق الخط دون مَشْقِهِ وتعليقه (٣))
وبكره تدقيقه إلا من عذر : كضيق الورق وتخفيفه للحمل في
السفر ونحوه ، وينبغي ضبط الحروف المهملة ، قيل يجعل تحت الدال
والراء، والسين، والصاد ، والطاء ، والعين ، النقط التي فوق
نظائرها ، وقيل فوقها كفلامة الظفر مضجعة على قفاها ، وقيل تحتها
حرف صغير مثلها ، وفي بعض الكتب القديمة فوقها خط صغير ،
(١) الإعجام : النقط . والإعراب: الشكل.
(٢) فإن ذلك أبلغ لأن المضبوط في نفس الأسطر ربما داخله نقط غيره
وشكله مما فوقه أو تحته لا سيما عند ضيقها ودقة الخط .
(٣) مشق الخط الإسراع فيه. وتعليقه خلط الحروف التي يشبه بعضها ببعض.
- ١٢٣ -

وفي بعضها تحتها همزة ، ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه برمز لا يعرفه
الناس ، فان فعل فليبيّن في أول الكتاب أو آخره مراده ، وينبغي
أن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها ، فيجعل كتابه على رواية،
ثم ما كان في غيرها من زياده ألحقها في الحاشية ، أو نقص أعلم عليه ،
أو خلاف كتبه معيناً في كل من رواه بتمام اسمه لا رامزاً إلا أن
يبين أول الكتاب أو آخره ، واكتفى كثيرون بالتمييز بحمرة
فالزيادة تلحق بحمرة والنقص يحوق عليه بحمرة مبيناً اسم صاحبها
أول الكتاب أو آخره .
الثالثة:
ينبغي أن يجعل بين حديثين دارة (١) ، نقل ذلك عن جماعات من
المتقدمين ، واستحب الخطيب أن تكون غفلاً (٢)، فإذا قابل نقط
وسطها ، وبكره في مثل عبد الله، وعبد الرحمن بن فلان كتابة عبد
آخر السطر واسم الله مع ابن فلان أول الآخر ، وكذا يكره
رسول آخره والله يٍَّ أوله، وكذا ما أشبهه، وينبغي أن يحافظ
على كتابة الصلاة والتسليم على رسول اللّه عَ له، ولا يسأم من
(١) في التدريب دائرة بدل دارة .
(٢) أي أن تكون الدارات غفلا لا نقط في وسطها.
- ١٢٤ -

تكرره ، ومن أغفله حرم حظاً عظيماً ، ولا يتقيد فيه بما في الأصل
إن كان ناقصاً ، وهكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى: كعز وجل ،
وسبحانه، وتعالى، وشبهه، وكذا الترضي والترحم على الصحابة والعلماء
وسائر الأخيار ، وإذا جاءت الرواية بشيء منه كانت العناية به أكثر
وأشد، وبكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم (١) والرمز اليهما في
الكتابة(٢) ، بل يكتبهما بكالهما .
الرابعة:
عليه مقابلة كتابه بأصل شيخه وإن كان إجازة (٣) ، وأفضلها أن
يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع ، ويستحب أن ينظر معه من
لا نسخة معه لا سيما ان أراد النقل من نسخته ، وقال يحيى ابن معين :
لا يجوز أن يروي من غير أصل الشيخ إلا أن ينظر فيه حال السماع،
والصواب الذي قاله الجماهير أنه لا يشترط نظره ولا مقابلته بنفسه
(١) لقوله تعالى: ((صلوا عليه وسلموا تسليما)).
(٢) كمن يكتب صلعم بدل صلى الله عليه وسلم فهذا مكروه .
(٣) ورد في الحديث عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي عند النبي
صلى الله عليه وسلم فإذا فرغت قال: اقرأ، فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه .
وكتب رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كتبت ؟ قال : نعم،
قال: عرضت قال: لا، قال لم تكتب حتى تعرضه فيصح .
- ١٢٥ -

بل يكفي مقابلة ثقة أي وقت كان ، ويكفي مقابلته بفرع قوبل
بأصل الشيخ ، ومقابلته بأصل أصل الشيخ المقابل به أصل الشيخ ،
وإن لم يقابل أصلاً فقد أجاز الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق ،
وآباء بكر: الإسماعيلي ، والبرقاني، والخطيب إن كان الناقل صحيح
النقل ، قليل السقط ، ونقل من الأصل ، وبين حال الرواية أنه لم
يقابل ، ويراعي في كتاب شيخه مع من فوقه ما ذكرنا في كتابه ،
ولا بكن كطائفة إذا رأوا (١) سماعه لكتاب سمعوه من أي نسخة
اتفقت ، وسيأتي فيه خلاف وكلام آخر في أول النوع الآتي .
الخامسة:
المختار في تخريج الساقط وهو اللَحَق ((بفتح اللام والحاء)) (٢) أن
يخط من موضع سقوطه في السطر خطً صاعداً معطوفً بين السطرين
عطفة يسيرة إلى جهة اللحق، وقيل: تمد العطفة إلى أول اللحق ويكتب
اللحق قبالة العطفة في الحاشية اليمنى ان اتسعت إلا أن يسقط في آخر
السطر فيخرجه إلى الشمال، وليكتبه صاعداً إلى أعلى الورقة ، فإن زاد
اللحق على سطر ابتدأ سطوره من أعلى إلى أسفل ، فإن كان في يمين
(١) في التدريب : إذا أرادوا بدل إذا رأوا.
(٢) اللحق هو الساقط من ضمن الكلام ويقصد إلحاقه به في الحاشية.
- ١٢٦ -

الورقة انتهت إلى باطنها ، وإن كان في الشمال فإلى طرفها ، ثم يكتب
في انتهاء اللحق صح ، وقيل يكتب مع صح رجع ، وقيل يكتب
الكلمة المتصلة به داخل الكتاب وليس بمرضي لأنه تطويل موهم ،
وأما الحواشي من غير الأصل كشرح، وبيان غلط ، أو اختلاف
رواية ، أو نسخة ونحوه ، فقال القاضي عياض رحمه الله : لا يخرج
له خط ، والمختار استحباب التخريج من وسط الكلمة المخرج لأجلها.
السادسة:
شأن المتقنين التصحيح ، والتضبيب، والتمريض . فالتصحيح.
كتابة صح على كلام صح رواية ومعنى، وهو عرضة للشكل أو الخلاف.
والتضبيب، ويسمى التمريض:أن يُمَدَّ خط أو له كالصاد ، ولا يلزق
بالممدود عليه ، يمد على ثابت نقلاً فاسد لفظاً أو معنى أو ضعيف أو
ناقص ، ومن الناقص موضع الإرسال أو الإنقطاع ، وربما اختصر
بعضهم علامة التصحيح فأشبهت الضبة ، ويوجد في بعض الأصول
القديمة في الإسناد الجامع جماعة معطوفاً بعضهم على بعض علامة
تشبه الضبة بين أسمائهم وليست ضبة وكأنها علامة اتصال .
السابعة:
إذا وقع في الكتاب ما ليس منه نفي بالضرب ، أو الحك ، أُو
- ١٢٧ -

المحو ، أو غيره، وأولاها الضرب ، ثم قال الأكثرون : يخط فوق
المضروب عليه خطأً بينا دالاً على إبطاله مختلطاً به ، ولا يطمسه بل
يكون ممكن القراءة، ويسمى هذا الشق ، وقيل : لا يخلط
بالمضروب عليه بل يكون فوقه معطوفاً على أوله وآخره ، وقيل
يحوق على أوله نصف دائرة وكذا آخره ، وإذا كثر المضروب عليه
فقد يكتفي بالتحويق أوله وآخره ، وقد يحوق أول كل سطر
وآخره ، ومنهم من اكتفى بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها ،
وقيل يكتب لا في أوله وإلى في آخره ، وأما الضرب على المكرر
فقيل يضرب على الثاني ، وقيل يبقي أحسنهما صورة وأبينهما ، وقال
القاضي عياض رحمه الله : ان كانا أول سطر ضرب على الثاني ،
أو آخره فعلى الأول، أو أول سطر وآخر آخر ، فعلى آخر السطر
فإن تكرر المضاف والمضاف إليه او الموصوف والصفة ونحوه
روعي اتصالهما ، وأما الحك، والكشط والمحو فكرهها أهل
العلم ، والله أعلم .
الثامنة:
غلب عليهم الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع
بحيث لا يخفى ، فيكتبون من حدثنا: الثاء والنون والألف ،
- ١٢٨ -

وقد تحذف الثاء ، ومن أخبرنا : أنا ، ولا يحسن زيادة الباء قبل النون
وان فعله البيهقي، وقد یزاد راء بعد الألف ودال أول رمز حدثنا ،
ووجدت الدال في خط الحاكم وأبي عبد الرحمن السلمي ، والبيهقي ،
والله أعلم.
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من
إسناد إلى إسناد ح ولم يعرف بيانها عمن تقدم ، وكتب جماعة من
الحفاظ موضعها صح ، فيشعر بأنها رمز صح، وقيل هي من التحويل
من إسناد إلى إسناد ، وقيل لأنها تحول بين الإسنادين فلا تكون من
الحديث فلا يلفظ عندها بشيء ، وقيل هي رمز إلى قولنا الحديث ،
وأهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها : الحديث ، والمختار أن
يقول حاويمر ، والله أعلم.
التاسعة:
ينبغي أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ ونسبه وكنيته ثم بسوق
المسموع ، ويكتب فوق البسملة أسماء السامعين، وتاريخ السماع ،
أو يكتبه في حاشية أول ورقة أو آخر الكتاب ، أو حيث لا يخفى
منه ، وينبغي أن يكون بخط ثقة معروف الخط ، ولا بأس عند هذا
التقريب - ٩
- ١٢٩ -

بأن لا يصحح الشيخ عليه (١)، ولا بأس أن يكتب سماعه بخط
نفسه إذا كان ثقة كما فعله الثقاة ، وعلى كاتب التسميع التحري وبيان
السامع ، والمسمع ، والمسموع ، بلفظ وجيز غير محتمل ومجانبة
التساهل فيمن يثبته ، والحذر من إسقاط بعضهم لغرض فاسد ، فإن
لم يحضر فله أن يعتمد في حضورهم خبر ثقة حضر ، ومن ثبت في
كتابه سماع غيره فقبيح به كتمانه ومنعه نقل سماعه منه أو نسخ
الكتاب ، وإذا أعاره فلا يبطيء عليه، فإن منعه، فإن كان سماعه
مثبتاً برضا صاحب الكتاب لزمه إعارته وإلا فلا يلزمه،( كذا قاله أمة
الحديث مذاهبهم في أزمانهم)(٣) ، القاضي حفص بن غياث الحنفي ،
وإسماعيل القاضي المالكي ، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي ،
وحكم به القاضيان ، وخالف فيه بعضهم ، والصواب الأول ، وإذا
نسخه فلا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية ، ولا ينقل
سماع إلى نسخة إلا بعد مقابلة مرضية إلا أن يبين كونها غير مقابلة ،
والله أعلم.
(١) أي لا يحتاج حينئذ إلى كتابة الشيخ خطه بالتصحيح.
(٢) وردت هذه الجملة في التدريب : كذا قاله أئمة مذاهبهم في أزمانهم ،
بإسقاط كلمة الحديث ولعلها أظهر .
- ١٣٠ -

صِفة رواية الحديث
تقدم جمل منه في النوعين قبله وغيرهما ، وقد شدد قوم في
الرواية فأفرطوا ، وتساهل آخرون ففرطوا، فمن المشددين من قال:
لا حجة إلا فيما رواه من حفظه وتذكره، روي عن مالك(١) ، وأبي
حنيفة ، وأبي بكر الصيدلاني الشافعي ، ومنهم من جوزها من
كتابه إلا إذا خرج من يده ، وأما المتساهلون(٢) فتقدم بيان جمل عنهم في
الرابع والعشرين ، ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصولهم
فجعلهم الحاكم مجروحين ، قال : وهذا كثير تعاطاه قوم من أكابر
العلماء والصلحاء ، وقد تقدم في آخر الرابعة من النوع الماضي أن
النسخة التي لم تقابل يجوز الرواية منها بشروط ، فيحتمل أن الحاكم
يخالف فيه ، ويحتمل أنه أراد إذا لم توجد الشروط ، والصواب ما
عليه الجمهور وهو التوسط ، فإذا قام في التحمل والمقابلة بما تقدم
جازت الرواية منه وان غاب ، إذا كان الغالب سلامته من التغيير
لا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالباً ، والله أعلم .
(١) عن أشهب قال: سئل مالك أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو
ثقة ؟ فقال : لا ، قيل فإن أتى بكتب فقال سمعتها وهو ثقة؟ فقال: لا تؤخذ
عنه أخاف أن يزاد حديثه بالليل ، يعني وهو لا يدري .
(٢) ممن نسب إليه التساهل ابن لهيعة كان الرجل يأتيه بالكتاب فيقول هذا
من حديثك فيحدثه به مقلداً له .
- ١٣١ -

فروع
الأوّل :
الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبطه وحفظ
كتابه واحتاط عند القراءة عليه، بحيث يغلب على ظنه سلامته من
التغيير صحت روايته ، وهو أولى بالمنع من مثله في البصير ، قال
الخطيب : والبصير الأمي كالضرير .
الثانى :
إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا هي مقابلة به
لكن سمعت على شيخه أو فيها سماع شيخه أو كتبت عن شيخه
وسكنت نفسه إليها لم يجز الرواية منها عند عامة المحدثين ،
ورخص فيه أيوب السختياني ومحمد بن بكر البُرْساني ، قال
الخطيب: والذي يوجبه النظر أنه متى عرف أن هذه الأحاديث
هي التي سمعها من الشيخ جاز أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى صحتها
وسلامتها ، والله أعلم .
هذا إذا لم يكن له إجازة عامة من شيخه لمروياته ، أو لهذا
الكتاب فإن کانت جازله الرواية منها ، وله أن يقول حدثنا وأخبرنا
وإن كان في النسخة سماع شيخ شيخه أو مسموعة على شيخ شيخه
- ١٣٢ -

فيحتاج أن يكون له إجازة عامة من شيخه ولشيخه مثلها من شيخه
والله أعلم .
الثالث:
إذا وجد في كتابه خلاف حفظه ، فإن كان حفظ منه رجع إليه،
وإن كان حفظ من فم الشيخ اعتمد حفظه إن لم يشك، وحسن أن
يجمعهما فيقول : حفظي کذا وفي کتابی کذا، وان خالفهغيره قال
حفظي كذا ، وقال قيه غيري أو فلان كذا ، وإذا وجد سماعه في
كتابه ولا يذكره فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية ، لا يجوز روايته
ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه ، وأبي يوسف ، ومحمد ، جوازها
وهو الصحيح ، وشرطه أن يكون السماع بخطه أو خط من يثق به ،
والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير ، وتسكن إليه
نفسه ، فإن شك لم يجز والله أعلم .
الرابع:
إن لم يكن عالماً بالألفاظ ومقاصدها . خبيراً بما يحيل معانيها لم
يجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف ، بل يتعين اللفظ الذي سمعه ، فإن
كان عالماً بذلك فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه ، والأصول
لا تجوز إلا بلفظه، وجوز بعضهم في غير حديث النبي صَبالج ولم
- ١٣٣ -

يجوز فيه ، وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف : يجوز بالمعنى
في جميعه إذا قطع بأداء المعنى (١) وهذا في غير المصنفات ، ولا يجوز
تغيير مصنف وإن كان بمعناه والله أعلم .
وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال أو نحوه،
أو شبهه، أو ما أشبه هذا من الألفاظ (٢). وإذا اشتبه على القارىء
(١) وهذا الذي ذهب إليه الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة هو الذي تشهد به
أحوال الصحابة والسلف ، ويدل عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة،
وقد ورد في المسألة حديث مرفوع من حديث عبد الله بن سليمان بن أكتمة الليثي
قال : قلت يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع
منك، يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً، فقال: إذا لم تحلّوا حراماً ولم تحرموا
حلالاً وأصبتم المعنى فلا بأس.
واستدل لذلك الشافعي بحديث (( أُنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا
ما تيسر منه)) قال : وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف
علماً منه بأن الحفظ قد يزل لتحلّ لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ، مالم
يكن في اختلافهم احالة معنى، كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز
فيه اختلاف اللفظ ما لم يخلّ معناه .
وهذا الخلاف جار فيما إذا كان الحديث غير متقيد بلفظه كالأدعية والأذكار "
ولم يكن أيضاً من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام .
(٢) عن أبي الدرداء أنه كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم فرغ منه قال : اللهم إن لاهكذا فكَشَكْلِهِ .
وكان أنس رضي الله عنه إذا فرغ من الحديث قال: أو كما قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
- ١٣٤ -

يعـ
لفظة فحسن أن يقول بعد قراءتها على الشك أو كما قال ، لتضمنه إجازة
وإذنا في صوابها إذا بان ، والله أعلم.
الخامسِرْ:
اختلف في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض ، فمنعه
بعضهم مطلقاً بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها
بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا ، وجوزه بعضهم
مطلقاً ، والصحيح التفصيل وجوازه من العارف إذا كان ما تركه غير
متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه ،
وسواء جوزناها بالمعنى أم لا ، رواه قبل تاما أم لا ، هذا ان
ارتفعت منزلته عن التهمة ، فأما من رواه تاماً فخاف إن رواه ثانياً
ناقصاً أن يتهم بزيادة أولاً أو نسيان الغفلة وقلة ضبط ثانياً فلا يجوز
له النقصان ثانياً ولا ابتداء إن تعين عليه أداؤه، وأما تقطيع المصنف
الحديث في الأبواب فهو إلى الجواز أقرب ، قال الشيخ : ولا يخلو
من كراهة ، وما أظنه يوافق عليه (١).
(١) فقد فعله الأئمة مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم .
- ١٣٥ -

السّاوس:
ينبغي أن لا يروى بقراءة لحَان أو مصحف وعلى طالب الحديث
أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف (١)،
وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة
والتحقيق، وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف ، فقال ابن سيرين ،
وابن سخبره : یرویه کما سمعه، والصواب وقول الأ کثرین روايته على
الصواب . وأما إصلاحه في الكتاب فجوزه بعضهم والصواب
تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب عليه وبيان الصواب في
الحاشية ثم الأولى عند السماع أن يقرأه على الصواب ، ثم يقول في
روايتنا أو عند شيخنا أو من طريق فلان كذا ، وله أن يقرأ ما في
الأصل ثم يذكر الصواب ، وأحسن الإصلاح بما جاء في رواية أو
حديث آخر ، والله أعلم .
فإن كان الإصلاح بزيادة ساقط، فإن لم يغاير معنى الأصل، فهو على
ما سبق (٢)، وإن غاير، تأكد الحكم بذكر الأصل مقروناً بالبيان ، فإن
(١) قال شعبة: من طلب الحديث ولم يبصر العربية كمثل رجل عليه برنس
وليس له رأس ، وقال حماد بن سلمة : مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف
النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها .
(٢) أي لابأس بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه كسقوط لفظ ابن
وكحرف لا يختلف المعنى به .
- ١٣٦ -

علم أن بعض الرواة أسقطه وحده فله أيضاً أن يلحقه في نفس الكتاب
مع كلمة يعني ، هذا إذا علم أن شيخه رواه على الخطأ ، فأما أن رآه
في كتاب نفسه وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه فيتجه
اصلاحه في کتابه وروایته کما إذا درس من کتابه بعض الإسناد أو
المتن، فإنه يجوز استدرا که من کتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت
نفسه إلى أن ذلك هو الساقط ، كذا قاله أهل التحقيق ، ومنعه بعضهم
وبيانه حال الرواية أولى ، وهكذا الحكم في استثبات الحافظ ماشك
فيه من كتاب غيره أو حفظه (١)، فإن وجد في كتابه كلمة غير مضبوطة
أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما يخبرونه
والله اعلم .
السابع :
إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر واتفقا في المعنى دون
اللفظ فله جمعها في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما ،
فيقول : أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان أو وهذا لفظ فلان قال
(١) في مسند الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أنا عاصم بالكوفة فلم
أكتبه فسمعت شعبة يحدث به فعرفته به عن عاصم عن عبد الله بن سرجس أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر.
- ١٣٧ -

أو قالا أخبرنا فلان ونحوه من العبارات ولمسلم في صحيحه عبارة
حسنة كقوله: حدثنا أبو بكر وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد قال
أبو بكر : حدثنا أبو خالد عن الأعمش فظاهره أن اللفظ لأبي بكر
فإن لم يخص فقال : أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ قالا:
حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، فإن لم يقل تقاربا فلا بأس به
على جواز الرواية بالمعنى ، وإن كان قد عيب به البخاري أو غيره ،
وإذا سمع من جماعة مصنفاً فقابل نسخته بأصل بعضهم ثم رواه عنهم
وقال : اللفظ لفلان فيحتمل جوازه ومنعه (٥) .
الثامن
ليس له أن يزيد في نسب غير شيخه أو صفته إلا أن يميزه فيقول:
هو ابن فلان ، أو الفلاني ، أو يعني ابن فلان ونحوه . فإن ذکر
شيخه نسب شيخهفي أول حديث ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على
اسمه أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته
تلك الأحاديث مفصولة عن الأول مستوفياً نسب شيخ شيخه ، وعن
بعضهم : الأولى أن يقول : يعني ابن فلان ، وعن علي بن المديني
(٥) يحتمل جوازه لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن يذكر أنه بلفظه ،
ويحتمل منعه لأنه لاعلم عنده بكيفية رواية الأخرين حتى يخبر عنها .
- ١٣٨ -

وغيره يقول : حدثني شيخي أن فلان ابن فلان حدثه ، وعن بعضهم
أخبرنا فلان هو ابن فلان، واستحبه الخطيب وكله جائز وأولاه هو ابن
فلان ، أو يعني ابن فلان ثم قوله، ان فلان ابن فلان ، ثم أن
یذکره بکاله من غير فصل .
التاسع:
جرت العادة بحذف قال و نحوه بین رجال الإسناد خطاً، وينبغي
للقارىء اللفظ بها ، وإذا كان فيه قرىء على فلان أخبرك فلان أو
قرىء على فلان حدثنا فلان فليقل القارىء في الأول قيل له أخبرك
فلان و في الثاني قال حدثنا فلان ، وإذا تکرر قال کقوله حدثنا
صالح ، قال : قال الشعي فانهم يحذفون أحدهما خطأً فليلفظ بهما
القارىء ، ولو ترك القارىء قال في هذا كله فقد أخطأ والظاهر صحة
السماع ، والله أعلم .
العاشر :
النسخ والأجزاء المشتملة على أحاديث باسناد واحد كنسخة همام
عن أبي هريرة، منهم من يجدد الإسناد أول كل حديث وهو أحوط
ومنهم من يكتفي به في أول حديث ، أو أول كل مجلس ويدرج
- ١٣٩ -

الباقي عليه قائلاً في كل حديث وبالاسناد أو وبه ، وهو الأغلب .
فمن سمع هكذا فأراد رواية غير الأول باسناده جاز عند الأكثرين ،
ومنعه أبو اسحق الاسفرايني وغيره ، فعلى هذا طريقه أن يبين
كقول مسلم: حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أَنا معمر عن
همام قال هذا ما حدثنا أبو هريرة ، وذكر أحاديث منها(١) وقال
رسول الله صَل الي: ((ان أدنى مقعد أحدكم)) وذكر الحديث وكذا
فعله كثير من المؤلفين (٢) ، وأما إعادة بعضهم الإسناد آخر الكتاب
فلا يدفع هذا الخلاف إلا أنه يفيد احتياطاً وإجازة بالغة من أعلى
أنواعها . والله أعلم .
الحادى عشر:
إذا قدم المتن كقال النبي صَ لّ كذا، أو المتن وأخر الإسناد
(١) أَي بين أن الحديث المذكور ليس هو الحديث الأول في النسخة .
(٢) أما البخاري فإنه لم يسلك قاعدة مطردة فتارة يذكر أول حديث في
النسخة ويعطف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله كقوله في الطهارة :
ثنا أبو اليان أنا شعيب ثنا أبو الزناد عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نحن الآخرون السابقون ، وقال :
لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ... الحديث. وتارة يقتصر على الحديث الذي يريده،
وكأنه أراد بيان أن كلا الأمرين جائز .
- ١٤٠ -