Indexed OCR Text

Pages 41-60

والحس يرد هذا الحديث. فإن الكذب في غيرهم أضعافه فيهم،
كالرافضة - فإنهم أكذب خلق الله - والكهان، والطرقية، والمنجمون.
وقد تأوَّله بعضهم على أن المراد بالصبّاغ: الذي يزيد في الحديث
ألفاظاً تزينه، والصوَّاغ: الذي يصوغ الحديث ليس له أصل. وهذا
تکلف بارد، لتأويل حديث باطل.
فصل
ومنها :
٣ - سماجة الحديث، وكونه مما يُسخر منه، كحديث: ((لو كان
الرزّ رجلاً لكان حليماً، ما أكله جائع إلا أشبعه)). فهذا من السمج
البارد، الذي يصان عنه الفضلاء، فضلاً عن سيد الأنبياء.
وحديث: ((الجوز دواء، والجبن داء، فإذا صارا في الجوف صارا
شفاء)). فلعن الله واضعه على رسول الله ◌َليم(١).
وحديث: ((لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها بوزنها
ذهباً))(٢) .
وحديث: ((أحضروا موائدكم البقل، فإنه مطردة للشيطان)).
وحديث: ((ما من ورقة هندباء إلا وعليها قطرة من ماء الجنة))(٣).
وحديث: ((بئست البقلة الجرجير، من أكل منها ليلاً بات ونفسه
(١) الفوائد المجموعة - ح (٤٨٨).
(٢)
الفوائد المجموعة - ح (٤٨٩).
(٣) الفوائد المجموعة - ح (٤٩١).
٤١

تنازعه، وتضرب عرق الجذام في أنفه، كلوها نهاراً. وكفوا عنها
ليلاً)) (١).
وحديث: ((فضل دهن البنفسج على الأدهان كفضل أهل البيت
على سائر الخلق)).
وحديث: ((فضل الكراث على سائر البقول، كفضل الخبز على
الحبوب)) .
وحديث: (الكمأة والكرفس طعام إلياس واليسع)).
وحديث: ((إن للقلب فرحة عند أكل اللحم)).
وحديث: ((ما من رمَّان إلا ويلقح بحبة من رمان الجنة))(٢).
وحديث: ((ربيع أمتي العنب والبطيخ)).
وحديث: ((عليكم بمداومة أكل العنب مع الخبز)).
وحديث: ((عليكم بالملح، فإنه شفاء من سبعين داء)) .
وحديث: ((من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلها)).
لعن الله واضعه.
وحديث: ((لا تسبوا الديك، فإنه صديقي، ولو يعلم بنو آدم ما في
صوته لاشتروا ريشه ولحمه))(٣).
وحديث: ((من اتخذ ديكاً أبيضَ لم يقربه شيطان ولا سحر))(٤).
وحديث: ((إن الله ديكاً عنقه مطوية تحت العرش ورجلاه في
التخوم)»(٥).
(١) الفوائد المجموعة - ح (٤٩٢).
(٢) الفوائد المجموعة - ح(٤٧٥).
(٣) الفوائد المجموعة - ح (٥٠٤).
(٤) الفوائد المجموعة - ح (١٣٠٣) والعلل - للدار قطني (١٥٦/٨).
(٥) المصدر السابق نفسه.
٤٢

وبالجملة: فكل أحاديث الديك كذب، إلا حديثاً واحداً: ((إذا
سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكاً)(١).
فصل
ومنها :
٤ - مناقضة الحديث لما جاءت به السنة مناقضة بينة، فكل
حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم
حق، أو نحو ذلك: فرسول الله نَّ منه بري.
ومن هذا الباب: أحاديث مدح من اسمه محمد وأحمد، وأن كل
من يسمى بهذه الأسماء لم يدخل النار.
وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه وَلّ ى: أن النار لا يُجار منها
بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال.
ومن هذا الباب: أحاديث كثيرة عُلقت النجاة من النار بها، وأنها
لا تمس من فعل ذلك. وغايتها: أن تكون من صغار الحسنات.
(١) متفق عليه، ويستثنى أيضاً حديث آخر، وهو ما رواه عبدالرزاق في مصنفه والطيالسي،
والحميدي، وأحمد، وابن الجعد، وعبد بن حميد في مسانيدهم، وأبو داود في سننه،
والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الكبير وفي
الدعاء، والبغوي في شرح السنة من طرق عن صالح بن كيسان، عن عبيدالله بن
عبدالله بن عتبة، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله وَلا ير: ((لا تسبوا الديك،
فإنه يدعو إلى الصلاة».
ورواه الطبراني في الكبير أيضاً من طريق عبدالعزيز بن رفيع عن عبيدالله به.
وقال أبو حاتم الرازي في العلل - لابنه (٣٤٥/٢) عندما سأله عن هذا الحديث: ((حديث
صالح، عن عبيدالله بن عبدالله، عن زيد بن خالد الجهني عن النبي (َّر صحيح)).
٤٣

والمعلوم من دينه وَلّ خلاف ذلك، وأنه إنما ضمن النجاة منها
لمن حقق التوحيد [بها](١).
فصل
ومنها :
٥ - أن يدعي على النبي ◌َّ أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من
الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم يفعلوه، [كما يزعم](٢)
أكذب الطوائف: أنه وَّلّ أخذ بيد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -
بمحضر من الصحابة كلهم، وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه
بينهم حتى عرفه الجميع. ثم قال: ((هذاوصيي وأخي، والخليفة من
بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا)).
ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته! فلعنة الله على
الكاذبین .
وكذلك روايتهم: ((أن الشمس رُدت له بعد العصر، والناس
يشاهدونها)) .
ولا يشتهر هذا أعظم اشتهار، ولا يعرفه إلا أسماءُ بنت
عُميس (٣).
(١) زيادة من النقل. (معلمي).
(٢) هكذا في النقل، ووقع في الأصل (فلمونكم) كذا. (معلمي).
(٣) الفوائد المجموعة - ح (١٠٩١).
٤٤

فصل
ومنها :
٦ - أن يكون الحديث باطلاً في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس
من كلام الرسول وَله .
كحديث: ((المجرة التي في السماء من عُرف الأفعى التي تحت
العرش» .
وحديث: ((إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي
أنزله بالعربية)) .
وكحديث: ((ست خصال تورث النسيان: سؤر الفأر، وإلقاء
القمل في النار، والبول في الماء الراكد، ومضغ العلك، وأكل التفاح
الحامض ... )).
وحديث: ((الحجامة على القفا تورث النسيان)).
وحديث: ((يا حميراء لا تغتسلي بالماء المشمس، فإنه يورث البرص)).
وكل حديث فيه: ((يا حميراء)) أو ذكر: ((الحُميراء)) فهو كذب
مختلق .
مثل حديث: ((يا حميراء لا تأكلي الطين، فإنه يورث كذا وكذا)).
وحديث: ((خذوا شطر دينكم عن الحميراء))(١).
وحديث: ((من لم يكن له مال يتصدق به فليلعن اليهود
والنصارى)) (٢). فإن اللعنة لا تقوم مقام الصدقة أبداً.
وكحديث: ((آليت على نفسي أن لا أُدخل النار من كان اسمه
أحمد ومحمد)) .
(١) وهناك أحاديث ورد فيها ذكر الحميراء، وهي صحيحة بدون ذكر كلمة الحميراء.
(٢) الفوائد المجموعة - ح (١٩٠، ١٤٠٤).
٤٥

وکحدیث: «من ولد له مولود فسماه محمداً - تبُّكاً به - كان هو
والولد في الجنة))(١).
وكحديث: ((ما من مسلم دنا من زوجته - وهو ينوي إن حبلت منه
أن يسميه محمداً - إلا رزقه الله ولداً ذكراً)). وفي ذلك جزء(٢) كله
كذب.
فصل
ومنها :
٧ - أن يكون [الحديث](٣) لا يشبه كلام الأنبياء، فضلاً عن كلام
رسول الله ﴾، الذي هو وحي يُوحی.
كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْهَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ أي:
نطقه ﴿إِلَّا وَحِىٌ يُوحَى﴾. فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه
كلام الصحابة .
كحديث: («ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى الخضرة، والماء
الجاري، والوجه الحسن))(٤).
وهذا الكلام مما يُجل عنه أبو هريرة وابن عباس، بل سعيد بن
المسيب والحسن، بل أحمد ومالك رحمهم الله .
وحديث: ((النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر)). وهذا ونحوه
من وضع بعض الزنادقة.
(١) الفوائد المجموعة - ح (١٣٣٢).
(٢) الجزء صحيفة في عدَّة أوراق. (معلمي).
(٣) من النقل، وفي الأصل ((كلامه)). (معلمي).
(٤) الفوائد المجموعة - ح (٦٥٧).
٤٦

وحديث: ((عليكم بالوجوه الملاح، والحدق السود، فإن الله
يستحي أن يعذب مليحاً بالنار)). فلعنة الله على واضعه الخبيث.
وحديث: ((النظر إلى الوجه الجميل عبادة)).
وحديث: ((الزرقة يُمن))(١).
وحديث: ((إن الله طهر قوماً من الذنوب بالصلعة في رؤوسهم،
وإن عليًّا لأولهم)) .
وحديث: ((نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام))(٢). وقد سئل
عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: ما من ذا شيء.
وحديث: ((من آتاه الله وجهاً حسناً، واسماً حسناً، وجعله في
موضع غير شائن، فهو من صفوة الله في خلقه)) (٣).
وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه، أو الثناء عليهم، أو الأمر
بالنظر إليهم، أو التماس الحوائج منهم(٤)، أو أن النار لا تمسهم:
فكذب مختلق، وإفك مفترى.
وفي الباب أحاديث كثيرة. وأقرب شيء في الباب حديث: ((إذا
بعثتم إليَّ بريداً فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم)).
وفيه عُمر بن راشد، قال ابن حبان: يضع الحديث، وذكر أبو
الفرج بن الجوزي هذا الحديث في ((الموضوعات))(٥) .
(١) الفوائد المجموعة - ح (١٣٣٧)، وفي المراسيل لأبي داود (ح٤٧٩) قال: كان فرعون
أزرق، وعاقر الناقة أزرق.
(٢) الفوائد المجموعة - ح (١٣٤٠).
(٣) الفوائد المجموعة - ح (٦٦١)، ويراجع حديث (٦٥٩) وحديث (١٣٣٦).
(٤) الفوائد المجموعة - ح (١٩٣).
(٥) الفوائد المجموعة - ح (٦٦٠).
٤٧

فصل
ومنها :
٨ - أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا، مثل قوله: ((إذا كان
سنة كذا وكذا، وقع کیت وکیت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع کیت
و کیت)).
كقول الكذاب الأشر: ((إذا انكسف القمر في المحرم: كان الغلاء
والقتال وشُغل السلطان، وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا)).
واستمر الكذاب في الشهور كلها. وأحاديث هذا الباب كلها
کذب.
فصل
ومنها :
٩ - أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق.
كحديث: ((الهريسة تشد الظهر)).
وكحديث: ((أكل السمك يوهن الجسد))(١).
وحديث: ((الذي شكا إلى النبي ◌َّر قلة الولد، فأمره أن يأكل
البيض والبصل)) .
(١) كذا في الأصل، ثم ضرب على ((يوهن)) وكتب بالهامش ((يذهب))، وعليها: ((صح))،
ويظهر أن ((الحسد)) بالحاء المهملة، يعني أن آكله يصيبه الجرب فيشغله عن حسد
الناس، وربما نشأ وضعه عن واقعة، كأن: يكون رجل كان يحسد آخر، فاتفق أن دعاه
المحسود فأطعمه سمكاً، فرضي عنه، فقيل: ((أكل السمك يذهب الحسد)). (معلمي).
٤٨

وحديث: ((أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها، فأُعطيت قوة
أربعين في الجماع)).
وحديث: ((المؤمن حلو يحب الحلاوة)).
ورواه الكذاب الأشر بلفظ آخر: ((المؤمن حُلوي والكافر
خمري)» .
وحديث: ((كلوا التمر على الريق، فإنه يقتل الدود)).
وحديث: ((أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر)).
وحديث: ((من لقَّم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة
الموقف)»(١) .
وحديث: ((من أخذ لقمة من مجرى الغائط والبول، فغسلها ثم
أكلها غفر له)).
وحديث: ((النفخ في الطعام يذهب البركة))(٢).
وحديث: ((إذا طنت أذن أحدكم فليصلِّ عليَّ، وليقل: ذكر الله من
ذكرني بخير)) (٣).
وكل حديث في طنين الأذن فهو كذب.
فصل
ومنها :
١٠ - أحاديث العقل، كلها كذب، كقوله: ((لما خلق الله العقل
قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: ما خلقت خلقاً أكرم
الفوائد المجموعة - ح(٥٢٤).
(١)
الفوائد المجموعة - ح (٤٦٦).
(٢)
(٣) الفوائد المجموعة - ح (٦٦٨).
٤٩

علي منك، بك آخذ وبك أعطي))(١).
وحديث: ((لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العارفين)).
وحديث: ((إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد وما يُجزى
إلا على قدر عقله))(٢).
قال الخطيب: حدثنا الصوري قال: سمعت الحافظ عبدالغني
يقول: قال الدارقطني: إن كتاب ((العقل)) وضعه أربعة: أولهم ميسرة
ابن عبدربه، ثم سرقه منه داود بن المحبر، فركبه بأسانيد غير أسانيد
ميسرة، وسرقه عبدالعزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه
سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر(٣).
قلت: يريد كتاب ((العقل)) [لداود] (٤) المخرِّف (٥) الكذَّاب، وهو
سفر. وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصح في العقل حديث، قاله أبو
جعفر العقيلي وأبو حاتم بن حبان، والله أعلم.
فصل
ومنها :
١١ - الأحاديث التي ذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب، ولا
يصح في حياته حديث واحد(٦).
(١) الفوائد المجموعة - ح (١٣٤٨).
(٢) الفوائد المجموعة - ح (١٣٤٢).
(٣) تاريخ بغداد (٣٦٠/٨) في ترجمة داود بن المحبّر.
وقع في الأصل والنقل (للأودي) وأحسب الصواب ما أثبته. (معلمي).
(٤)
(٥) كذا في الأصل، وفي النقل ((المختلق)). (معلمي).
(٦) يريد الأحاديث التي ذكر فيها تعمير الخضر، أما حقيقة وجوده فهو نبي لقيه موسى عليه =
٥٠

كحديث: ((إن رسول الله وسلّ كان في المسجد، فسمع كلاماً من
ورائه، فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر)).
وحديث: ((يلتقي الخضر وإلياس كل عام)).
وحديث: ((يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر .. )) الحديث
المفترى الطويل.
سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق؟ فقال: من أحال
على غائب لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان.
وسُئل البخاري عن الخضر وإلياس، هل هما أحياء؟ فقال: كيف
يكون هذا؟ وقد قال النبي وَلّر: ((لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو
اليوم على ظهر الأرض أحد))(١) .
وسُئل عن ذلك كثير غيره من الأئمة فقرأ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن
قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ .
وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: لو كان
الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي النبي ◌َّ- ويجاهد بين يديه، ويتعلم
منه .
وقد قال النبي وَّة يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد
في الأرض)) (٢). وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، معروفين بأسمائهم
السلام كما في سورة الكهف، وفي الصحيحين وصف للقاء موسى مع الخضر، وصح
=
أيضاً سبب تسميته الخضر.
(١) متفق عليه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
(٢) رواه مسلم من حديث عمر رضي الله عنه.
٥١

وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذ؟(١).
وقال أبو الفرج بن الجوزي: والدليل على أن الخضر ليس بباق
في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع المحققين من العلماء،
والمعقول .
وأما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فلو دام
وـ
البقاء كان خالداً.
وأما السنة: فذكر حديث: ((أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس
مئة سنة منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو اليوم عليها أحد)). متفق
عليه .
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله وَل قبل موته بقليل: ((ما من نفس منفوسة يأتي عليها مئة
سنة وهي يومئذ حية)).
ثم ذكر عن البخاري، وعلي بن موسى الرضا: أن الخضر مات؛
وأن البخاري سئل عن حياته فقال: كيف يكون ذلك؟ وقد قال النبي
وَالقر: ((أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن
على ظهر الأرض أحد».
قال: وممن قال إن الخضر مات: إبراهيم بن إسحاق الحربي،
وأبو الحسين بن المنادي وهما إمامان، وكان ابن المنادي يقبح قول من
يقول: إنه حي.
وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد، وذكر
(١) نحوه في الفتاوى (١٠٠/٢٧ - ١٠٢).
٥٢

عن بعض أهل العلم: أنه احتج بأنه لو كان حيًّا لوجب عليه أن يأتي إلى
النبي ◌َلچر.
قال أحمد: حدثنا سريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا
مُجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول
الله وَّ قال: ((والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن
يتبعني))(١).
فكيف يكون حيًّا ولا يصلي مع رسول الله وَل الجمعة والجماعة
ويجاهد معه؟
ألا ترى أن عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف
إمام هذه الأمة، ولا يتقدم، لئلا يكون ذلك خدشاً في نبوة نبينا وَل .
قال أبو الفرج: وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر، وينسى ما
في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة .
وأما الدليل من المعقول: فمن عشرة أوجه:
أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولد آدم لصلبه. وهذا
فاسد لوجهين :
أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة، فيما ذكر في [كتب
بعض](٢) المؤرخين. ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق
البشر.
(١) قال المعلمي في الأنوار الكاشفة عن هذا الحديث (ص ١٢٢): مجالد ليس بالقوي،
وأحاديث الشعبي عن جابر أكثرها لم يسمعه الشعبي من جابر.
(٢) وقع في الأصل ((كتاب يوحتن)) وأحسب الصواب ما أثبته. (معلمي).
٥٣

والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه، أو الرابع من ولد ولده - كما
زعموا - وأنه كان وزير ذي القرنين، فإن تلك الخلقة ليست على
خلقتنا، بل مفرط في الطول والعرض.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول
الله ◌َيُ أنه قال: ((خلق الله آدم طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص
بعد)). وما ذكر أحد ممن رأى الخضر: أنه رآه على خلقة عظيمة، وهو
من أقدم الناس.
الوجه الثالث(١): أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في
السفينة، ولم ينقل هذا أحد.
الوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحاً لما نزل من السفينة
مات من كان معه، ثم مات نسلهم، ولم يبق غير نسل نوح.
والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ وهذا يبطل
قول من قال: إنه كان قبل نوح.
الوجه الخامس: أن هذا لو كان صحيحاً أن بشراً من بني آدم
يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر، ومولده قبل نوح: لكان هذا من
أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكوراً في غير موضع؛
لأنه من أعظم آيات الربوبية. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى من استحياه
ألف سنة إلا خمسين عاماً، وجعله آية، فكيف ممن أحياه إلى آخر
الدهر؟ ولهذا قال بعض أهل العلم: ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان.
(١) باعتبار الوجهين في الأول.
٥٤

الوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم.
وذلك حرام بنص القرآن.
أما المقدمة الثانية: فظاهرة. وأما الأولى: فإن حياته لو كانت
ثابتة لدل عليها القرآن، أو السنة، أو إجماع الأمة. فهذا كتاب الله
تعالى، فأين فيه حياة الخضر؟ وهذه سنة رسول الله وَ له، فأين فيها ما
يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة، هل أجمعوا على حياته؟
الوجه السابع: أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته:
حكايات منقولة، يخبر الرجل بها: أنه رأى الخضر. فيالله العجب. هل
للخضر علامة يعرفه بها من رآه؟ وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا
الخضر .
ومعلوم: أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله. فأين
للرائي أن المخبر له صادق، لا يكذب؟
الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن،
ولم يصاحبه، وقال له: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَّ﴾ فكيف يرضى لنفسه
بمفارقته لمثل موسى ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة،
الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة، ولا مجلس علم، ولا يعرفون من
الشريعة شيئاً؟ وكل منهم يقول: قال الخضر، وجاءني الخضر،
وأوصاني الخضر!
فيا عجباً له! يفارق كليم الله تعالى ويدور على صحبة الجهال
ومن لا يعرف كيف يتوضأ، ولا كيف يصلي؟!
الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر،
٥٥

لو قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: كذا وكذا، لم يلتفت إلى قوله،
ولم يحتج به في الدين. إلا أن يقال: إنه لم يأت إلى رسول الله وَلٍ ولا
بايعه، أو يقول هذا الجاهل: إنه لم يرسل إليه. وفي هذا من الكفر ما
فيه .
الوجه العاشر: أنه لو كان حيًّا لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل
الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه
العلم: أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات.
وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له؟
فصل
ومنها :
١٢ - أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
كحديث عوج بن عنق الطويل، الذي قصد واضعه الطعن في
أخبار الأنبياء [بأنهم يخبرون بمثل](١) هذه الأخبار. فإن في هذا
الحديث: ((أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع، وثلاث مئة وثلاثة وثلاثين
وثلثاً، وأن نوحاً لما خوفه الغرق، قال له: احملني في قصعتك هذه،
وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه، وأنه خاض البحر، فوصل إلى حجزته،
وأنه كان يأخذ الحوت من قرار البحر فيشويه في عين الشمس، وأنه قلع
صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى، وأراد أن [يرضخهم](٢) بها
فطوَّقها(٣) الله في عنقه مثل الطوق))!
(١) وقع في الأصل (فإنهم يجترؤن على) ولعل الصواب ما أثبته. (معلمي).
(٢) هكذا في النقل، ووقع في الأصل (يرضَّهم)). (معلمي).
(٣) في النقل ((فقوَّرها)). (معلمي).
٥٦

وليس العجب من جرأة مثل هذا الكذَّاب على الله، إنما العجب
ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره، ولا يبين
أمره، وهذا عندهم ليس من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى: ﴿وجعلنا
ذريته هم الباقين﴾ فأخبر أن كل من بقي على وجه الأرض فهو من ذرية
نوح، فلو كان لِعُوجِ - هذا - وجود لم يبق بعد نوح.
وأيضاً: فإن النبي وَ لّ قال: ((خلق الله آدم وطوله في السماء ستون
ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)).
وأيضاً فإن بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام، وسمكها
كذلك(١)
وإذا كانت الشمس في السماء الرابعة، فبيننا وبينها هذه المسافة
العظيمة. فكيف يصل إليها من طوله ثلاثة آلاف ذراع، حتى يشوي في
عينها الحوت؟ ولا ريب أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب
الذين قصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل وأتباعهم.
ومن هذا حديث: ((إن قاف جبل من زبرجدة خضراء، محيط بالدنيا
كإحاطة الحائط بالبستان، والسماء واضعة أكنافها عليه، فزرقتها منه)).
وهذا وأمثاله مما يزيد الفلاسفة وأمثالهم كفراً.
ومن هذا حديث: ((إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن
(١) روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والترمذي وفيه زيادة منكرة، ورواه الدارمي
في ردّه على المريسي، وفي ردِّه على الجهمية، وابن خزيمة في التوحيد، والطبراني في
الكبير، وأبو الشيخ في العظمة من طرق عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن
حبيش، عن ابن مسعود نحوه، قال الذهبي في العلو (ص ٦٣ - ٦٤) إسناده صحيح.
٥٧

ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي
الزلزلة)). والعجب من مسود كتبه بهذه الهذيانات!
ومن هذا حديث: ((كانت جنية تأتي النبي وَلّ فأبطأت عليه،
فقال: ما بطَّأ بك؟ قالت: مات لنا ميِّت بالهند، فذهبت في تعزيته،
فرأيت في طريقي إبليس يصلي على صخرة، فقلت له: ما حملك على
أن أضللت بني آدم؟ فقال: دعي هذا عنك، قلت: تصلي، وأنت أنت؟
قال: يا فارعة، إني لأرجو من ربي إذا برَّ قسمه أن يغفر لي، فما رأيت
رسول الله وَلاإ ضحك [](١) ذلك اليوم))!
قال ابن عدي في ((الكامل)): حدثنا عبدالمؤمن بن أحمد، حدثنا منقر بن
الحكم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره(٢).
والله تعالى أعلم بما دُسَّ في كتب ابن لهيعة(٣)، وإلا فهو أعلم
بالحديث من أن يروج عليه مثل هذا الهذيان.
ومن هذا حديث: ((هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس ... )).
الحديث الطويل ونحوه.
وحديث: ((زرنب(٤) بن بر ثملا)) قال ابن الجوزي: حديث زرنب: باطل.
(١) محو في الأصل بقدر كلمة (معلمي).
(٢) في اللآلى المصنوعة (١٧٣/١) نقل الخبر عن ابن الجوزي، عن ابن عدي ومثله في
ترجمة منقر بن الحكم في الميزان واللسان وتاريخ جرجان (٢٤٥) عن ابن عدي،
والإصابة ترجمة فارعة الجنية، وقد لخص المؤلف القصة كما يعلم من مقابلة ما هنا بما
في الكتب المذكورة. (معلمي).
(٣) الحمل على ((منقر)) أولى فإنه لا يعرف. (معلمي).
(٤) في الإصابة وغيرها ((زريب)). (معلمي).
٥٨

فصل
ومنها :
١٣ - مخالفة الحديث صريح القرآن: كحديث مقدار الدنيا:
((وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة)).
وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحاً لكان كل أحد عالماً
أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة. والله تعالي
يقول: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَّا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُحِيَهَا لِوَقِهاَ إِلَّا هُوْ
تَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ يَسْئَلُونَكَ كَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ
اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ﴾ وقال النبي ◌َّ: ((لا يعلم
متى تقوم الساعة إلا الله))(١).
وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم - وهو يتشبع
بما لم يعط - أن رسول الله وَ لّر ((كان يعلم متى تقوم الساعة)) قيل له:
فقد قال في حديث جبريل: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))(٢).
فحرفه عن موضعه، وقال: معناه أنا وأنت نعلمها.
وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف، والنبي ◌َّ أعلم بالله من
أن يقول لمن كان يظنه أعرابيًّا: أنا وأنت نعلم الساعة، إلا أن يقول هذا
الجاهل: إنه كان يعرف أنه جبريل.
ورسول الله وَّ هو الصادق في قوله: ((والذي نفسي بيده ما
(١) حديث ابن عمر رضي الله عنهما في مفاتيح الغيب الخمسة رواه البخاري.
(٢) حديث عمر رضي الله عنه في الإسلام والإيمان والإحسان، رواه مسلم.
٥٩

جاءني في صورة إلا عرفته، غير هذه الصورة))(١).
وفي اللفظ الآخر: ((ما شبه عليَّ غير هذه المرة))(٢).
وفي اللفظ الآخر: ((ردُّوا عليَّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا، فلم
يجدوا شيئاً))(٣).
وإنما علم النبي ◌ّلر أنه جبريل بعد مدة، كما قال عمر: فلبثت
مليًّا، ثم قال النبي ◌َّ: ((يا عمر، أتدري من السائل؟)) والمحرِّف
يقول: علم وقت السؤال أنه جبريل، ولم يخبر الصحابة بذلك إلا بعد مدة.
ثم نقول في الحديث: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) يعم
كل سائل ومسؤول: فكل سائل ومسؤول عن الساعة هذا شأنهما.
ولكن هؤلاء الغلاة عندهم: أن علم رسول الله وَ ل منطبق على
علم الله، سواء بسواء، فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله وَاليه .
والله تعالى يقول: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ
اُلْمَدِينَةٌ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ .
وهذا في ((براءة)) وهو في أواخر ((براءة))، وهي من أواخر ما نزل
من القرآن. هذا والمنافقون جيرانه في المدينة.
ومن هذا حديث: ((عقد عائشة رضي الله عنها لما أرسل في
طلبه، فأثاروا الجمل فوجدوه)) (٤).
(١) رواه أحمد في المسند (٥٣/١).
(٢) رواه أحمد في المسند (١٢٩/٤، ١٦٤).
(٣) في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) رواه البخاري.
٦٠